التطبيع السوري - التركي و«تعزيز الثقة» على رأس أولويات جولة أستانا

نواب وزراء خارجية «الرباعي» يناقشون «خريطة طريق»

صورة أرشيفية لاجتماعات سابقة في أستانا (رويترز)
صورة أرشيفية لاجتماعات سابقة في أستانا (رويترز)
TT

التطبيع السوري - التركي و«تعزيز الثقة» على رأس أولويات جولة أستانا

صورة أرشيفية لاجتماعات سابقة في أستانا (رويترز)
صورة أرشيفية لاجتماعات سابقة في أستانا (رويترز)

أكملت روسيا وتركيا وإيران التحضيرات لعقد جولة جديدة من المفاوضات في إطار «مسار أستانا» في العاصمة الكازاخية. وأعلنت وزارة خارجية كازاخستان أن الجولة سوف تنطلق الأربعاء.

وينتظر وصول وفود البلدان المشاركة الثلاثاء، ووفقاً لمصادر دبلوماسية كازاخية تشارك في هذه الجولة وفود روسيا وتركيا وإيران على مستوى نواب وزراء الخارجية، بينما ينتظر أن يحضر وفد حكومي سوري برئاسة مساعد وزير الخارجية أيمن سوسان، كما تحدثت المصادر عن مشاركة وفد المعارضة السورية المدعومة من جانب تركيا.

وأفادت المصادر الكازاخية بأن التركيز ينصبّ خلال المفاوضات على تعزيز إجراءات الثقة، بما في ذلك على صعيد تبادل الأسرى والمعتقلين، ومناقشة الملفات الإنسانية ومسائل عبور المساعدات الدولية.

لكن التركيز الروسي بدا في المقابل منصبّاً على محور آخر ينتظر أن يشكل العنصر الرئيسي للحوارات. وهو الأمر الذي أوضحه نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف الذي أكد أن نواب وزراء خارجية روسيا وسوريا وتركيا وإيران، سوف يعقدون اجتماعاً في إطار مناقشات أستانا يركز على مناقشة «خريطة الطريق» لتطبيع العلاقات بين دمشق وأنقرة، التي تمت بلورتها أخيراً بصياغة أولية.

وقال بوغدانوف: «مسودة خريطة الطريق الروسية جاهزة، مهمتنا هي المناقشة مع شركائنا والمضي قدماً في هذا العمل، نأمل أن يسمح لنا الاجتماع في أستانا بإحراز تقدم جاد على هذا الصعيد».

ولم توضح موسكو تفاصيل عن مضمون خريطة الطريق المقترحة، لكن مصدراً دبلوماسياً تحدثت معه «الشرق الأوسط» رجح أن تضع الخريطة «أولويات التحرك المقبل، بشكل يلبي مصالح الطرفين السوري والتركي ويقلص من العراقيل المحتملة أمام مسار التطبيع».

مقاتلون مدعومون من تركيا في تدريب عسكري في تادف بريف حلب الشرقي مايو (أ.ف.ب)

ووفقاً للمصدر، فمن المنتظر أن تشمل المناقشات الوضع الأمني على الشريط الحدودي ومسائل تحديد المداخل المشتركة للتعامل مع الإرهاب في المنطقة، علماً بوجود فوارق بين تقييم تركيا وسوريا لنشاط الفصائل الكردية الناشطة في هذه المنطقة.

ولفت المصدر إلى عنصر توافق أساسي يشكل نقطة انطلاق للحوارات، ويجمع مواقف دمشق وأنقرة وموسكو، وهو رفض النزعات الانفصالية، وضرورات مواجهة الوجود الأميركي الذي يدعم هذه النزعات. في هذا الإطار قال المصدر إن أنقرة لا تمانع في بسط سيطرة القوات الحكومية السورية على مناطق واسعة على الشريط الحدودي مع تلقي ضمانات أمنية كافية لتركيا.

دورية عسكرية تركية في شمال غربي سوريا (أرشيفية الشرق الأوسط)

وقال مصدر آخر في دمشق، لـ«الشرق الأوسط»، إن مسودة «خريطة الطريق» للتطبيع بين سوريا وتركيا التي وضعتها روسيا، تتضمن بنداً خاصاً بـ«جدولة الانسحاب التركي من الأراضي السورية»، وتابعت، أن دمشق ورغم إعلانها «الانفتاح على الحوار» مع تركيا، فإنها لا تزال متشددة في شرط «الانسحاب التركي من الأراضي السورية»، ووقف دعم التنظيمات السورية «المسلحة» المعارضة، كأرضية للحوار بهدف الوصول إلى تطبيع العلاقات مع تركيا.

وأضافت المصادر أن دمشق تبدي إصراراً على تحديد التنظيمات التي يجب على تركيا وقف دعمها، والموجودة في مناطق إدلب وريف حلب الشمالي، مقابل مطالبة الجانب التركي بمحاربة الأطراف الكردية شمال سوريا، وذلك «شرط لتحقيق تقدم في مسار الحوار الذي تقوده موسكو»، حيث تضغط الأخيرة لتسريع المفاوضات باتجاه «تطبيع العلاقات الدبلوماسية»، من خلال إدارة جديدة لملف العلاقات تنطلق من «تثبيت كل خطوة قبل الانتقال إلى الخطوة التالية».

فتح الطرق الدولية

الملف الثاني الذي ينتظر أن يكون على جدول الأعمال، وفقاً للمصدر الروسي، يتمثل في الوضع حول إدلب خصوصاً المطالب السابقة بفتح الطرق الدولية، وهو المطلب الذي ماطلت أنقرة طويلاً بتنفيذه انطلاقاً من أن «موسكو أيضاً لم تف بكل النقاط التي جرى التوافق بشأنها سابقاً».

وقال الدبلوماسي الروسي، إن هذا الموضوع بات حيوياً في المرحلة الحالية، كون النقاشات حول مسار دخول المساعدات الدولية وآليات توزيعها باتت مطروحة بقوة، فضلاً على أن تطبيع الوضع حول الطرق الدولية يفتح مجالات لتوافق أكبر بين دمشق وأنقرة في ملفات أخرى.

 

منظر من الجو لمخيم الكرامة للنازحين السوريين في إدلب مايو2021 (رويترز)

وبين القضايا المرشحة لتكون ضمن خريطة الطريق، مسألة تأمين «عودة طوعية آمنة» لجزء من اللاجئين السوريين في تركيا. وقال المصدر إن الرئيس رجب طيب إردوغان، يريد أن يفي بتعهداته الانتخابية حول عودة جزء من اللاجئين إلى ديارهم، لكن أنقرة تسعى للحصول على ضمانات كاملة في هذا الشأن، فضلاً على ضرورة التوافق على توفير البنى التحتية اللازمة لاستقبال العائدين إلى وطنهم.

وكان وزراء خارجية الدول الأربع قد عقدوا قبل أسابيع جولة محادثات هي الأولى من نوعها في موسكو، وأعلن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في ختامها أنه جرى الاتفاق على إعداد «خريطة طريق» لدفع جهود تطبيع العلاقات بين دمشق وأنقرة، تشمل القضايا الأمنية، واستعادة سيطرة الحكومة السورية على كامل أراضي البلاد، واستبعاد أي احتمال لشن هجمات عبر الحدود.

وفي غضون ذلك، لفتت أوساط روسية إلى أن جولة أستانا الحالية تحظى بأهمية خاصة، كونها تعقد في «أجواء جديدة» بالنسبة إلى النظام السوري. ومن جانب آخر، فإن فتح أبواب مسار التطبيع مع أنقرة يشكل بعداً إضافياً لوفد دمشق يزيد من تعزيز قوته «في وجه حضور المعارضة الضعيفة والمشتتة». ومن جانب آخر، فإن دمشق تذهب إلى هذه الجولة مسلحة بانفتاح عربي واسع بعد عودة سوريا لشغل مقعدها في جامعة الدول العربية، وكان لافتاً أن الكرملين استبق جولة أستانا بإعلان الناطق باسمه ديمتري بيسكوف، أن «روسيا ستواصل بذل الجهود اللازمة لمساعدة سوريا على عودتها الكاملة إلى الأسرة العربية».

مباحثات سوريّة - إيرانيّة

يشار إلى أن مباحثات سوريّة - إيرانيّة مشتركة جرت في دمشق مؤخراً، تتعلق بجدول أعمال اجتماع (أستانا) والاجتماع الرباعي لنواب وزراء خارجية الدول الأربع، واجتمع معاون وزير الخارجية السوري أيمن سوسان، مع كبير مساعدي وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، علي أصغر خاجي، والوفد المرافق، وجرى بحث مسار التقارب التركي - السوري. وكانت «وجهات النظر متطابقة حول القضايا ذات الصلة، لا سيما التأكيد على ضرورة الالتزام قولاً وفعلاً بسيادة سوريا ووحدتها أرضاً وشعباً وسلامة أراضيها»، وفق البيان الرسمي.

الرئيس الأسد يستقبل علي أصغر خاجي معاون وزير الخارجية الإيرانية (سانا)

وأعقب ذلك الاجتماع لقاء بين الرئيس السوري بشار الأسد وأصغر خاجي، وتناول البحث اجتماع الرباعية وتأكيد «أهمية التنسيق في كل الأمور المرتبطة به وباجتماعات «أستانا».

وجاء في بيان صادر عن رئاسة الجمهورية السورية أن الأسد «شدد على وضع استراتيجية مشتركة تحدد الأسس، وتوضّح بدقة العناوين والأهداف التي تبنى عليها المفاوضات القادمة سواء كانت بخصوص الانسحاب التركي من الأراضي السورية أو مكافحة الإرهاب أو غيرها من القضايا، وتضع إطاراً زمنياً وآليات تنفيذ لهذه العناوين، وذلك بالتعاون مع الجانبين الروسي والإيراني».

 

 


مقالات ذات صلة

دمشق: «آستانة» ساهمتْ في الحفاظ على وحدة أراضينا... ونتطلع للمزيد

المشرق العربي أعضاء من بعثة الأمم المتحدة إلى إدلب السورية تنفيذاً لخطة «التعافي المبكر» التي انطلقت عشية مؤتمر «كوب 29» للتغير المناخي (أ.ف.ب)

دمشق: «آستانة» ساهمتْ في الحفاظ على وحدة أراضينا... ونتطلع للمزيد

قالت دمشق إن نتائج «مسار آستانة» أسهمت في «الحفاظ على وحدة سوريا وسلامة أراضيها»، معربةً عن تتطلع الى المزيد في تحرير أرضها من «الاحتلال الأميركي والتركي».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جانب من لقاءات آستانة الأخيرة التي جمعت وزير الخارجية الإيراني بممثلي الوفد السوري (إرنا)

موسكو مستعدة لحوار مع ترمب حول سوريا

دعت روسيا وإيران وتركيا إلى وقف التصعيد العسكري الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط.

رائد جبر (موسكو)
المشرق العربي جانب من المفاوضات في أستانا (أرشيفية - رويترز)

الجولة «الأخيرة» من «مفاوضات أستانا» تدفع التطبيع السوري - التركي

سيطر الارتباك لبعض الوقت، مع اختتام أعمال جولة المفاوضات السورية في العاصمة الكازاخية أستانا، وبالتزامن مع الإعلان عن البيان الختامي.

رائد جبر (موسكو)
المشرق العربي مخيم للنازحين السوريين في مرجعيون بجنوب لبنان... مسألة النازحين السوريين أحد الموضوعات المطروحة أمام اجتماعات آستانة (رويترز)

موسكو مرتاحة لمسار التطبيع بين دمشق وأنقرة

حذّر الكرملين (الثلاثاء) من رفع سقف التوقعات السياسية خلال جولة مفاوضات آستانة، بينما كررت سوريا تمسكها بضرورة انسحاب تركيا من أراضيها من أجل تطبيع العلاقات.

رائد جبر (موسكو)

محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
TT

محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)

كشف تقرير إعلامي، الخميس، أن محكمة الجنايات الرابعة ستباشر، الأحد المقبل، جلسات المحاكمة العلنية لرئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب في عهد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وأوضح المصدر لموقع «تلفزيون سوريا»، أن هذه الخطوة تأتي بعد استكمال الإجراءات القانونية المرتبطة بالقضية، ضمن ملف العدالة الانتقالية، وذلك بحضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام.

وعاطف نجيب، هو ابن خالة بشار الأسد، اعتقل خلال حملة أمنية لملاحقة فلول النظام في محافظة اللاذقية، في يناير (كانون الثاني) 2025، وتتهمه منظمات حقوقية وفصائل الثورة السورية لأنه كان المسؤول المباشر عن قمع الاحتجاجات الشعبية في محافظة درعا الجنوبية، بارتكاب جرائم قتل مروعة بحق الأطفال المشاركين في الحراك السلمي في مدينة درعا، وأبرزهم حمزة الخطيب الذي قضى تحت التعذيب في عام 2011.

وقال المصدر المشار إليه أعلاه، إن المحكمة ستعقد وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية، ريثما يقر مجلس الشعب السوري بعد انعقاده مشروع (قانون العدالة الانتقاليّة)، الذي بُنيت مواده وفقاً للقوانين السوريّة المعمول بها، التي تصل في بعض موادها إلى عقوبة الإعدام، والذي أصبح جاهزاً بانتظار إقراره.

كسر حالة الإفلات من العقاب

ورغم أن قناة «الإخبارية السورية» نقلت، اليوم، عن رئيس «لجنة تقصي الحقائق في أحداث الساحل»، القاضي جمعة الدبيس العنزي، أن جلسة محاكمة علنية لعاطف نجيب بحضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام ستعقد قريباً، فهذا لا يتناقض مع التصريح المنشور في موقع «تلفزيون سوريا»، إذ إنه من الواضح أن المحاكمة لم تعد بعيدة.

عبد الله يرفع صورة شقيقه حمزة الخطيب الذي قضى تحت التعذيب عام 2011

«الشرق الأوسط» سألت المعتصم الكيلاني، وهو خبير قانوني سوري مقيم في باريس ومتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، عن تقييمه لسير المحاكمات وإيقاعها في محاكمة مجرمي الحرب في عهد نظام بشار الأسد، وإن كان مسار العدالة الانتقالية يشوبه بعض البطء، أم أنه من طبيعة الأمور في القضاء عموماً؟

العميد عاطف نجيب الذي شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا (مواقع)

يعتبر الكيلاني، أن الإعلان عن بدء جلسات المحاكمة العلنية لعاطف نجيب يشكّل خطوة مهمة في اتجاه كسر حالة الإفلات من العقاب، خاصة مع حضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام، بما يعزز الشفافية وحق المجتمع في معرفة الحقيقة. هذا التطور، من حيث المبدأ، ينسجم مع أحد أعمدة العدالة الانتقالية، وهو «العلنية والمساءلة».

لكن وبمنظور قانوني أوسع، يقول إنه لا يمكن اعتبار هذه الخطوة كافية بحد ذاتها، فالعدالة الانتقالية ليست محاكمة فردية، بل منظومة متكاملة تتطلب إصلاحاً تشريعياً ومؤسسياً عميقاً.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تعديل قانون العقوبات السوري ليشمل معايير التجريم الدولية، لا سيما جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وفق التعريفات المعتمدة في القانون الدولي. فغياب هذه النصوص يخلق فجوة قانونية خطيرة، ويحدّ من قدرة القضاء الوطني على التعامل مع الانتهاكات الجسيمة بشكل صحيح.

كما أنه من المتطلبات الأساسية أيضاً إلغاء مبدأ «التقادم» على الجرائم الجسيمة، لأن طبيعة هذه الجرائم - بما فيها التعذيب والقتل خارج القانون - تستوجب عدم سقوطها بمرور الزمن، انسجاماً مع المعايير الدولية وضماناً لحقوق الضحايا في الملاحقة والمساءلة مهما طال الزمن.

كتابة على جدار في درعا تسببت بحبس أطفال وتعذيبهم في سجون النظام (متداولة)

ومن جهة أخرى، يقول الحقوقي السوري: «لا يمكن إغفال البعد المؤسسي، إذ يجب تدريب القضاة وأعضاء النيابة العامة وكوادر المحاكم تدريباً تخصصياً على معايير التجريم الدولية، وعلى كيفية التعامل مع الأدلة في قضايا الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك شهادات الضحايا، والأدلة السياقية، وسلاسل المسؤولية. فمن دون هذا التأهيل، تبقى المحاكمات مهددة بالقصور، حتى لو توفرت الإرادة السياسية. الاستفادة من تجارب سابقة، مثل محاكمات الساحل، أمر ضروري هنا. فقد أظهرت تلك التجربة بعض الإيجابيات، مثل العلنية، لكنها كشفت أيضاً ثغرات منها ضعف التأهيل المتخصص أحياناً، والحاجة إلى إطار قانوني أوضح يواكب طبيعة الجرائم».

صورة لبشار الأسد في القامشلي ممزقة بعد الإعلان عن سقوط النظام الحاكم 8 ديسمبر (رويترز)

وفي المحصلة، يؤكد الكيلاني أن لا سلم أهلياً حقيقياً دون عدالة انتقالية شاملة. وأي محاولة لبناء استقرار دون معالجة جذرية للانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها ضمن إطار قانوني سليم، ستبقى هشّة وقابلة للانهيار

من حيث المبدأ، تتسم المحاكمات في القضايا الكبرى المرتبطة بانتهاكات جسيمة بالتعقيد، وهذا يفرض بطئاً نسبياً لضمان دقة الإجراءات واحترام حقوق جميع الأطراف. هذا جانب طبيعي في أي نظام قضائي يحترم الأصول.

لكن في الحالة السورية، لا يمكن الاكتفاء بهذا التبرير. فالتأخير الطويل في إطلاق مسار العدالة أصلاً، إلى جانب استمرار بعض الانتهاكات، يجعل من عامل الزمن عنصراً حساساً للغاية. البطء المفرط هنا قد يُفهم باعتباره استمراراً غير مباشر للإفلات من العقاب، ويؤثر سلباً على ثقة الضحايا بالمؤسسات القضائية.

لذلك، المطلوب ليس تسريعاً على حساب العدالة، بل يجب تحقيق توازن دقيق: قضاء مهني، مستقل، مدرّب، يعمل وفق معايير واضحة، وفي إطار زمني معقول.

ويشدد المعتصم الكيلاني، على أنه إذا جرت المحاكمات (ضد مرتكبي جرائم حرب ضد الإنسانية) ضمن هذا الإطار المتكامل، يمكن اعتبارها خطوة إيجابية. أما إذا بقيت جزئية، أو افتقرت إلى الأساس القانوني المتين، أو لم تُدعَم بإصلاح مؤسسي حقيقي، فإنها قد تتحول إلى مسار محدود الأثر.

وفي جميع الأحوال، يبقى المبدأ الحاكم واضحاً: لا يمكن تحقيق السلم الأهلي في سوريا دون عدالة انتقالية حقيقية، قائمة على المساءلة، وإنصاف الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وبناء عقد اجتماعي جديد يحترم كرامة الإنسان وحقوقه.


3 قتلى في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

3 قتلى في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

قُتل ثلاثة أشخاص بغارة إسرائيلية على جنوب لبنان، اليوم الخميس، وفق ما أعلنت وزارة الصحة، في أحدث هجوم رغم الهدنة القائمة منذ عشرة أيام بين إسرائيل و«حزب الله».

وقالت الوزارة، في بيان أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «غارة العدو الإسرائيلي على طريق شوكين قضاء النبطية»، والتي تبعد نحو 30 كيلومتراً من الحدود اللبنانية الجنوبية، «أدت إلى 3 شهداء»، في حين أسفرت غارة أخرى على بلدة ياطر إلى إصابة شخصين؛ بينهما طفل.

تأتي هذه الهجمات قبل ساعات من اجتماعٍ ثان يُعقَد في واشنطن بين سفيريْ لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة، حيث يُتوقع أن يطلب لبنان تمديد وقف إطلاق النار.

في غضون ذلك، أفاد الجيش الإسرائيلي، في بيان، بأن جنوده قتلوا «رجلين مسلّحين في جنوب لبنان، بعد أن اقتربا من جنود».


تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
TT

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)

تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني في مناطق مختلفة من قطاع غزة عبر استهدافها لنشطاء في الفصائل، متذرعةً باتهامات عن تجديد نشاط الفصائل الفلسطينية وتعافي حركة «حماس».

وقتلت القوات الإسرائيلية، منذ مساء الأربعاء وحتى منتصف نهار الخميس في غزة، 9 فلسطينيين، منهم 5 في غارة بطائرة مسيرة استهدفت خياماً للنازحين في منطقة مشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وعلمت «الشرق الأوسط»، من مصادر ميدانية، أن المستهدف الرئيسي بالغارة أصيب بجروح خطيرة، وهو قيادي ميداني في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، فيما قُتل اثنان من أطفاله، وطفل ثالث، ومواطنان آخران كانا يجلسان في نفس المكان.

فلسطيني يمرّ بجوار نقالة ملطخة بالدماء بعد غارة جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل عدد من الأشخاص في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وبعد ساعات قليلة، قتلت القوات الإسرائيلية ناشطاً من «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، جنوب خان يونس جنوبي قطاع غزة، بعد أن استهدفته بمسيرة.

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان له عن الحدثين، إنه قضى على عناصر من «حماس» عملوا بمنطقة قريبة من الخط الأصفر شمالي قطاع غزة، فيما هاجم عدداً آخر جنوب القطاع، ما أدى للقضاء على أحدهم خلال نقلهم وسائل قتالية، وفق زعمه.

وتبع ذلك حدث ثالث، بقصف مركبة، ظهر الخميس، في أثناء مرورها على شارع صلاح الدين الرئيس، وتحديداً جنوب مخيم البريج وسط قطاع غزة، ما أدى لمقتل 3 فلسطينيين كانوا على متن المركبة.

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

ووفقاً لمصدر ميداني، فإن المستهدفين في المركبة هم بعض نشطاء في «كتائب القسام»، وبينهم نجل أحد مسؤولي جهاز الدفاع المدني في وسط قطاع غزة، وجميعهم من سكان مخيمي البريج والمغازي.

ووفقاً لإحصائية وزارة الصحة بغزة، فإن عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ارتفع إلى 975 قتيلاً، وأصيب أكثر من 2235 بجروح متفاوتة بعضها خطيرة، فيما زاد إجمالي الضحايا منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 72568 قتيلاً، وأكثر من 172 ألف مصاب.

مفاوضات في القاهرة

ويأتي التصعيد الإسرائيلي على وقع مطالبات من «حماس» في القاهرة بوقف الخروقات المستمرة داخل القطاع، في إطار الالتزام بالمرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، فيما تتجاهل إسرائيل تلك المطالب بتوسيع هجماتها واستهداف نشطاء الفصائل، وخاصةً حركتي «حماس» و«الجهاد».

واعتبر حازم قاسم، الناطق باسم «حماس»، عمليات الاستهداف المتواصلة بأنها تمثل دليلاً جديداً على استمرار «حرب الإبادة ونشر الموت في مختلف مناطق القطاع دون توقف». كما قال، معتبراً أن هذه «الجرائم تكشف عن عجز متزايد لـ(مجلس السلام) عن إلزام الاحتلال بوقف خروقاته أو تنفيذ التزاماته ضمن أي اتفاقات قائمة».

يشق فتيان فلسطينيان طريقهما عبر أنقاض المباني المُدمَّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأضاف قاسم، في تصريح صحافي له: «هذه الجرائم تعكس بوضوح أن الآلة العسكرية للاحتلال مسؤولة عن ارتكاب أعمال الإبادة وانتهاك القانون الدولي والإنساني»، مطالباً الوسطاء والدول الضامنة والمشاركين في «مجلس السلام» بالوقوف أمام مسؤولياتهم وإلزام الاحتلال بوقف «حرب الإبادة» ضد قطاع غزة. كما قال.

وتقول إسرائيل مؤخراً إنها تعمل على مهاجمة أي محاولات من «حماس» والفصائل الأخرى التي تنشط في داخل القطاع، لإعادة امتلاك السلاح أو تأهيل ما لديها من أسلحة وعتاد وغيره، ومنعها من إقامة تدريبات، كما أنها تعمل على تصفية مشاركين بهجمات سابقة ضدها.

وثيقة استخبارية

وتزامن التصعيد الإسرائيلي مع ما نقلته القناة الـ12 العبرية، مساء الأربعاء، عن وثيقة استخباراتية قدمها الجيش الإسرائيلي لجهات محددة في المستوى السياسي، خلال الأيام الأخيرة، تزعم أن حركة «حماس» تنجح في التعافي مجدداً بشكل ملحوظ، مستغلةً وقف إطلاق النار.

ووفقاً للوثيقة المسربة، فإن «حماس» تكسب الوقت المتعلق بوقف إطلاق النار، وتعمل على تنظيم وتحسين وبناء قوتها في القطاع، وإعادة تأهيل الجناح العسكري، وتسريع تجنيد نشطاء جدد، والسيطرة على البضائع، وإظهار السيادة المدنية والحكومية في المناطق التي تسيطر عليها. ونقلت أن «الحركة لم تنجح بعد في تحقيق قفزة نوعية، لكنها تتعافى تدريجياً».

وتسيطر إسرائيل على نحو 53 في المائة من مساحة قطاع غزة، بينما تسيطر «حماس» على ما تبقى منها.

جانب من الدمار في قطاع غزة جراء الحرب (رويترز - أرشيفية)

ويرى مسؤولون أمنيون إسرائيليون، نقلت عنهم «القناة الـ12»، أن «التطورات في الجبهات المختلفة، وخاصةً الحرب مع إيران ولبنان تخدم (حماس)؛ لأن الانتباه الأميركي موجه إلى مكان آخر، فيما تستغل الحركة ذلك، وتكسب الوقت ببساطة ولا تفي بالتزاماتها كما وردت في خطة السلام التي عرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، وفق قولهم.

وأكدت المصادر ذاتها أن «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ترى أنه في حال لم يكن هناك عملية نزع سلاح، وتفكيك للبنية التحتية لـ(حماس) وفصائل غزة، فإنه سيتم العودة إلى نقطة الصفر، وأن ما يحدث الآن هو تعافٍ مقابل لا شيء»، وفق قولهم.

فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع (صورة من فيديو بثته رويترز)

وما زالت قضية سلاح غزة مثار جدل بين حركة «حماس» والوسطاء والولايات المتحدة و«مجلس السلام»، وتصر إسرائيل على تسليمه كاملاً بلا استثناء، وهو أمر نصت عليه خطة المجلس التي قدمها الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف إلى قيادة الحركة.

وفي المقابل تخوض الفصائل الفلسطينية مباحثات لإجراء تعديلات تتضمن إلزام إسرائيل بتنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار التي تركز على الاحتياجات الإنسانية وإدخال المساعدات، قبل الحديث عن المرحلة الثانية التي تركز على نزع السلاح من القطاع. ويسعى الوسطاء إلى تقديم مقاربة جديدة لدمج المرحلتين، أو تنفيذهما بالتزامن.