راتني لـ«الشرق الأوسط»: واشنطن والرياض أمام فصل جديد من التعاون المتوازن

أكد أن التكنولوجيا والطاقة والدفاع أبرز محاور زيارة ولي العهد إلى الولايات المتحدة

TT

راتني لـ«الشرق الأوسط»: واشنطن والرياض أمام فصل جديد من التعاون المتوازن

أشار السفير راتني إلى أن التحولات الاجتماعية والثقافية التي تعيشها المملكة «ليست محاولة لإبهار الغرب» (تصوير: بشير صالح)
أشار السفير راتني إلى أن التحولات الاجتماعية والثقافية التي تعيشها المملكة «ليست محاولة لإبهار الغرب» (تصوير: بشير صالح)

تكتسب زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى الولايات المتحدة زخماً سياسياً واقتصادياً لافتاً، باعتبارها محطة مفصلية في مسار العلاقات بين الرياض وواشنطن، وفق ما يصفها مايكل راتني، السفير الأميركي السابق لدى السعودية.

ويرى راتني في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي في توقيت دقيق يشهد تحولات إقليمية ودولية متسارعة، مرجحاً بروز ثلاثة مجالات رئيسية: الدفاع، والتكنولوجيا، والطاقة.

رجّح السفير راتني أن تركز زيارة ولي العهد لواشنطن على ملفات الدفاع والتكنولوجيا والطاقة (تصوير: بشير صالح)

ويشير الدبلوماسي الأميركي إلى عدم اكتفاء الرياض بدور «المشتري» في شراكتها الدفاعية، بل تسعى لتأسيس قاعدة صناعية قادرة على الابتكار والمشاركة في تطوير أنظمة متقدمة، بما فيها التقنيات المتقدمة.

ويضيف راتني أن التحولات الاجتماعية والثقافية التي تعيشها المملكة لا تُقاس بعيون الخارج، بل بعمق التغيير الذي يلمسه الزائر على الأرض، وهي «ليست محاولة لإبهار الغرب»، كما يقول، «بل تعبير عن نهضة حقيقية يعيشها السعوديون أنفسهم»، مؤكداً أن معظم الصور النمطية تتلاشى بمجرد أن يقضي الزائر أياماً قليلة في البلاد.

زيارة في توقيت مثالي

يصف الدبلوماسي الأميركي الزيارة بأنها «تطور إيجابي للغاية»، مشيراً إلى أن العلاقات بين البلدين «مرت بفترات صعود وهبوط خلال السنوات الماضية، إلا أن الاتجاه العام كان جيداً جداً».

وأوضح راتني أن «رؤساء أميركيين زاروا السعودية في مراحل مختلفة مثل أوباما وترمب وبايدن، لكن من المهم الإشارة إلى أن سبع سنوات مضت منذ آخر زيارة لولي العهد إلى الولايات المتحدة، وخلال هذه الفترة تغيّر الكثير». وأضاف أن «التحول الذي شهدته السعودية تقدم بسرعة كبيرة، وطبيعة المجتمع والاقتصاد تغيّرت بشكل لافت، وبدأ الأميركيون تدريجياً، وربما ببطء، في ملاحظة هذه التغييرات».

ورأى راتني أن «الوقت مناسب جداً لهذه الزيارة، وأن تكون هناك تفاعلات واسعة لا تقتصر على القيادة السياسية فحسب، بل تشمل أيضاً الرأي العام الأميركي ليرى ولي العهد في واشنطن عن قرب».

ملفات دفاعية واقتصادية

في رده على سؤال حول توقعاته لأبرز النقاشات، بما في ذلك الحديث عن اتفاق دفاعي بطابع أمني، واتفاق نووي مدني بين الرياض وواشنطن، أو صفقة لمقاتلات «إف- 35»، أوضح راتني أنه «لم يعد جزءاً من الحكومة ولا من التحضيرات الجارية للزيارة»، لكنه أشار إلى أن «هناك، على الأرجح، ثلاثة مجالات رئيسية ستكون محور النقاش، على الأقل من الجانب السعودي».

أشار السفير راتني إلى أن التحولات الاجتماعية والثقافية التي تعيشها المملكة «ليست محاولة لإبهار الغرب» (تصوير: بشير صالح)

أول المحاور: «الدفاع، أعتقد أن هناك رغبة في التوصل إلى نوع من الاتفاق يعزز الشراكة الدفاعية بين السعودية والولايات المتحدة بطريقة عملية. أرى أن ذلك سيكون مفيداً للطرفين، فالسعودية تبحث عن وضوح واستقرار في العلاقة، وكذلك الولايات المتحدة؛ لذلك أعتقد أن هناك مكوّناً دفاعياً قد يشمل اتفاقاً على مبيعات لأنظمة أسلحة معينة، ولن أفاجأ إذا كان هذا جزءاً من المحادثات».

أما الثاني فهو التكنولوجيا. يقول السفير السابق إنها «برأيي من أهم الملفات. المملكة تملك طموحات كبيرة جداً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، خصوصاً الذكاء الاصطناعي، وأعلم أن السعودية تسعى إلى ضمان أن تكون الولايات المتحدة شريكاً يمكن الاعتماد عليه، ومورداً موثوقاً للرقائق والتقنيات المتقدمة التي تشكل جوهر صناعة الذكاء الاصطناعي. هذا الملف يقع في صميم المسار الاقتصادي السعودي، وأعتقد أنه سيكون محوراً رئيسياً في النقاش».

وأخيراً «الطاقة، هذا الملف كان ولا يزال عنصراً أساسياً في العلاقة بين البلدين. وزير الطاقة الأميركي زار المملكة قبل أشهر، كما طُرح الموضوع أيضاً خلال زيارة الرئيس ترمب سابقاً، ويدور الحديث حول سبل التعاون في مجال الطاقة، بما في ذلك الطاقة النووية المدنية المحتملة».

شراكة لمواجهة التهديدات

أكد السفير الأميركي السابق أن الزيارة «ستحمل رسالة واضحة مفادها أن الولايات المتحدة والسعودية تقفان معاً كشريكين في مواجهة التهديدات المشتركة»، معتبراً أن «هذه الرسالة بحد ذاتها مهمة للغاية». وأوضح أن «السعودية كانت على مدى عقود شريكاً استراتيجياً محورياً للولايات المتحدة، ومن بين دول مجلس التعاون تُعد الأكبر والأكثر تأثيراً، ولها تاريخ طويل من التعاون مع واشنطن في مجالات التدريب والمبيعات العسكرية والتنسيق الأمني بجميع أشكاله».

ولي العهد السعودي خلال توديعه الرئيس الأميركي بعد زيارته للرياض في مايو الماضي (واس)

ويعتقد الدبلوماسي الأميركي أن «أي خطوة تُعزز هذه الشراكة ستكون مفيدة للطرفين. نحن نريد لقواتنا أن تكون قادرة على العمل جنباً إلى جنب، ومن الطبيعي أن نفضّل أن يكون الشريك السعودي هو شريك الولايات المتحدة، فهذا استمرار لمسار التعاون الطويل الذي تم من خلاله تدريب وتجهيز القوات السعودية على مدى سنوات».

وأشار السفير إلى أن «التهديدات في المنطقة ما زالت قائمة، فالسعودية تقع على الضفة المقابلة لإيران التي تمثّل تهديداً بحد ذاتها، كما تدعم جماعات في اليمن وغيره تُهدد المملكة والمصالح الأميركية وحلفاءنا».

وتابع: «لذلك، فإن إيجاد سبل لمواصلة العمل المشترك، في الوقت الذي تواصل فيه السعودية تطوير نفسها وتحديث مجتمعها، يُعد أمراً بالغ الأهمية، ويعكس نضوج العلاقة الثنائية بالتوازي مع التطور الأمني في المنطقة».

إعادة تعريف التحالف

ويرى السفير الأميركي السابق أن واشنطن والرياض تتجهان نحو إعادة تعريف طبيعة تحالفهما الأمني والعسكري، بما يتجاوز نموذج «المورّد والمشتري» التقليدي إلى شراكة أكثر توازناً تقوم على الابتكار والتقنيات الدفاعية المتقدمة.

وأوضح راتني أن «السعودية كانت من كبار مشتري المعدات الدفاعية الأميركية لعقود، ومن أهم الأسواق بالنسبة للولايات المتحدة، غير أن الاقتصاد السعودي تطوّر وتنوّع في السنوات الأخيرة، والحكومة السعودية أوضحت أنها لم تعد تكتفي بشراء المعدات، بل تسعى إلى أن تكون جزءاً من عملية تطويرها وتصنيعها».

وأضاف أن «ما تريده السعودية هو تأسيس قاعدة صناعية دفاعية تُمكّنها من الابتكار والإنتاج والمشاركة في تصنيع الأنظمة، بما في ذلك التقنيات المتقدمة، وهذه خطوة جديدة في بعض جوانبها»، مشيراً إلى أن «شركات صناعة الدفاع الأميركية تُبدي اهتماماً بالعمل مع السعودية لضمان أن تكون شريكاً فاعلاً في هذا المسار المشترك».

زيارة السعودية تغيّر وجهة نظر الغرب

سألت «الشرق الأوسط» السفير السابق عما افتقده أكثر بعد مغادرته المملكة لانتهاء فترة عمله، فأجاب بقوله: «زملائي في السفارة». وأضاف وقد بدا التأثر على ملامح وجهه: «كما أفتقد الكثير من السعوديين الذين قابلتهم في العديد من المناطق»، ثمّ تحدثنا عن المقال الذي كتبه السفير في صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، والذي أكد خلاله أن ما يحدث في المملكة تغييراً حقيقياً يدفعه شغف السعوديين نحو تطوير بلادهم وانفتاحها على العالم.

في هذه الجزئية، قال السفير الأميركي السابق مايكل راتني إنه لا يعتقد أن «السعودية تستضيف الأحداث الرياضية أو الحفلات أو الفعاليات الثقافية بهدف إبهار الغرب»، مضيفاً: «أظن أنهم يفعلون ذلك لأنهم يريدون ببساطة حياة طبيعية وممتعة، مثل أي شعب آخر».

ورداً على سؤال حول ما يمكن أن يغيّر نظرة الغرب، وخصوصاً في الولايات المتحدة، إلى التحولات التي تشهدها السعودية، قال راتني: «بصراحة، الشيء الوحيد الذي لاحظت أنه يُحدث فرقاً حقيقياً، خاصة في الولايات المتحدة التي أعرفها جيداً، هو الزيارة الميدانية. لا يُجدي أن أكتب مقالاً في صحيفة أو أن يشاهد أحد إعلاناً على الإنترنت. التأثير الحقيقي يحدث عندما يأتي الناس بأنفسهم إلى السعودية ويقضون يومين أو ثلاثة فيها. في الغالب، تزول كل الأفكار المسبقة لديهم بمجرد زيارتهم، ويدركون حجم التحول الذي شهدته المملكة» بحسب مايكل راتني الذي ختم بالقول: «إنه أمر لا يصدق بالنسبة للكثيرين. وهذا ينطبق بصورة خاصة على من زاروا السعودية قبل 10 أو 15 سنة، ويتذكرون تماماً كيف كانت آنذاك».

السعودية لا تستضيف الأحداث الرياضية أو الحفلات أو الفعاليات الثقافية بهدف إبهار الغرب، إنهم يفعلون ذلك لأنهم يريدون ببساطة حياة طبيعية وممتعة، مثل أي شعب آخر

مايكل راتني


مقالات ذات صلة

فرقة وطنية للفنون الأدائية في السعودية تبرز موروثها عالمياً

يوميات الشرق تعزيز حضور الفلكلور السعودي بأساليب إبداعية تمزج بين أصالة الموروث وروح المعاصرة (واس)

فرقة وطنية للفنون الأدائية في السعودية تبرز موروثها عالمياً

تبدأ مرحلة جديدة للفنون الأدائية التقليدية في السعودية، ينتقل فيها الموروث الشعبي المتنوع إلى آفاق جديدة وبأسلوب يحاكي لغة الفن العالمي، مع الحفاظ على بصمتها.

عمر البدوي (الرياض)
الخليج وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)

«الداخلية» السعودية: إجراءات بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية

أعلنت وزارة الداخلية السعودية مباشرة الإجراءات النظامية بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية، والتي تمثل خطاً أحمر لا يُقبل المساس به، أو التأثير عليه.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس السويسري غي بارميلان أثناء لقاء ثنائي 23 أبريل بجدة (السفارة السويسرية في الرياض)

خاص رئيس سويسرا: نتضامن مع السعودية... والتفاوض الأميركي الإيراني ضرورة أمنية للاستقرار

شدد الرئيس السويسري غي بارميلان على دعم ووقوف بلاده إلى جانب السعودية في الظروف التي وصفها بالصعبة

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الخليج تسهم المساحات الخضراء بشكل مباشر في تلطيف المناخ وتخفيف درجات الحرارة (كدانة)

زراعة 60 ألف شجرة في المشاعر المقدسة لبيئة أكثر راحة للحجاج

ضاعفت السعودية من المساحات الخضراء في المشاعر المقدسة لتوفير بيئة أكثر راحة للحجاج خلال أداء مناسكهم، مع زراعة 60 ألف شجرة.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
خاص السفيرة العراقية في الرياض صفية طالب السهيل (تصوير: تركي العقيلي)

خاص السفيرة العراقية في الرياض: تفويج الحجاج براً فرضته ظروف المنطقة

كشفت السفيرة العراقية لدى السعودية، صفية السهيل، عن أن عدد الحجاج العراقيين هذا العام بلغ نحو 41 ألف حاج، بدأت قوافلهم الوصول إلى الأراضي السعودية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
TT

ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

استعرض الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة وتداعياتها الأمنية والاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي.
جاء ذلك خلال اتصال تلقاه ولي العهد السعودي من رئيس الوزراء الكندي يوم الأربعاء، بحث الجانبان خلاله العلاقات الثنائية بين البلدين، واستعرضا مجالات التعاون القائمة وسبل تعزيزها وتطويرها في عدد من المجالات.


«الداخلية» السعودية: إجراءات بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية

وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
TT

«الداخلية» السعودية: إجراءات بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية

وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)

أعلنت وزارة الداخلية السعودية، الأربعاء، مباشرة الجهات المختصة في حينه الإجراءات النظامية بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية، والتي تمثل خطاً أحمر لا يُقبل المساس به، أو التأثير عليه.

جاء ذلك في بيان للوزارة أشار إلى «ما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي من محتوى من شأنه المساس بالوحدة الوطنية، وتهديد السلم والأمن المُجتمعي، متضمناً عبارات مثيرة للتعصب القبلي المقيت»، في تصرف غير مسؤول، ولا يعكس وعي المجتمع السعودي، وإدراكه لخطورة تلك الممارسات الشاذة التي لا تمثل إلا أصحابها.

وحذَّرت «الداخلية» من «كل ما من شأنه المساس بالنظام العام»، مؤكدة أن الجهات الأمنية تقف بحزم أمام كل من يحاول النيل من اللُّحمة الوطنية بإثارة النعرات القبلية المقيتة، وأن الجزاء الرادع سيكون مصيره»، باعتبار أن تلك الأفعال تعدّ جريمة خطيرة يُعاقب عليها القانون.

من جانبها، أكدت النيابة العامة، في منشور على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي، أن إثارة النعرات القبلية أو الدعوة للتعصب والكراهية بين أفراد المجتمع جرائم يعاقب عليها النظام، وتعرّض مرتكبيها للمساءلة الجزائية والعقوبات المقررة.

بدورها، قالت «هيئة تنظيم الإعلام»، في منشور عبر حسابها على منصة «إكس»، إن «قيمنا المجتمعية ترفض كل أنواع الفرقة وإثارة النعرات القبلية»، مؤكدة أن «أي محتوى يتضمن تعصباً قبلياً، أو قدحاً بالأنساب تصريحاً أو تلميحاً، يعدّ مخالفة صريحة للفقرة الرابعة من المادة الخامسة من نظام الإعلام المرئي والمسموع».

وأشارت الهيئة إلى ممارسات غير مباشرة تثير النعرات القبلية، هي: «الإيحاء بوجود أفضلية على أساس الانتماء، وإبراز الانتماء القبلي خارج سياق المحتوى، وعبارات عامة تحمل معاني تمييزية مبطنة، وطرح قضايا اجتماعية بإيحاءات توحي بالفرقة».


كيف دعمت «قمة جدة» العمل الخليجي المشترك؟

أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
TT

كيف دعمت «قمة جدة» العمل الخليجي المشترك؟

أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)

وجّه قادة دول مجلس التعاون الخليجي خلال قمتهم التشاورية، في جدة غربي السعودية، الثلاثاء بضرورة استعجال استكمال متطلبات تحقيق الوصول لكافة المشاريع الخليجية المشتركة، بما في ذلك النقل، والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع سكك الحديد الخليجية، مشيرين إلى أهمية مشروع الربط الكهربائي بين دول المجلس، والإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، ومشروع الربط المائي بين دول مجلس التعاون، والمضي قدماً في دراسة إنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي، إلى جانب التأكيد على أهمية تكثيف التكامل العسكري ما بين دول المجلس، والإسراع في إنجاز مشروع منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية.

وعكست هذه التوجيهات التي كشف عنها البيان الإعلامي لجاسم البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، عقب القمة، إشاراتٍ لافتة جاءت بالتوازي مع أخذ السعودية زمام المبادرة للدعوة لهذه القمة التشاورية، حيث تضمّنت «التوجيهات السامية»، كما وصفها البديوي، مصطلحات واضحة ومباشرة اشتملت على «الاستعجال» و«الإسراع» في مناسبتين، إلى جانب «أهمية»، والدعوة المباشرة لتكثيف التكامل العسكري، الأمر الذي لقي تفاعلاً واسعاً يكشف عن جدية، ووضوح في المبادرة السعودية، واللقاء التشاوري الخليجي، للخروج بنتائج حقيقية لهذا اللقاء في ظل الظروف الراهنة شديدة التعقيد.

ولي العهد السعودي وملك البحرين قبيل القمة (واس)

ودلّلت تعليقات أمير قطر الشيخ تميم بن حمد عقب القمة على ذلك قائلاً: «قمتنا الخليجية التشاورية اليوم في جدة تجسد الموقف الخليجي الموحد تجاه الأوضاع الراهنة، وما تستلزمه من تكثيف التنسيق، والتشاور، بما يعزز الدور الفاعل لدولنا في دعم المسارات الدبلوماسية، وصون أمن المنطقة، واستقرار شعوبها، وتحقيق تطلعاتها نحو التنمية، والازدهار».

امتداد لجهود ولي العهد السعودي وقادة الخليج

الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، قال لـ«الشرق الأوسط» إن استضافة المملكة للقمة الخليجية التشاورية جاءت استجابة لبحث الظروف التي تمر بها منطقة الخليج العربي جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية-الإيرانية، والتشاور، وتنسيق مواقف دول مجلس التعاون الخليجي على ضوء ما أسفرت عنه هذه الحرب، ولاحتواء تداعيات الأزمة الراهنة، سواء من الناحية الأمنية، أو الاقتصادية، أو غيرهما. واستدرك أنها تهدف إلى تعزيز الجهود المبذولة لمعالجة هذه الأزمة، وتداعياتها، لتحقيق استقرار المنطقة، وحفظ مصالح دول مجلس التعاون، وتعزيز أمنها الجماعي، وتابع أنها تأتي امتداداً لجهود الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، وقادة دول مجلس التعاون الخليجي.

ولي عهد الكويت لدى وصوله إلى جدة وفي استقباله ولي العهد السعودي (واس)

الدكتور عبد العزيز يرى أن رؤية الملك سلمان بن عبد العزيز -لتعزيز العمل الخليجي المشترك، وترسيخ الوحدة الاقتصادية، وتطوير المنظومتين الدفاعية، والأمنية، وصولاً إلى تكامل خليجي أكثر رسوخاً واستدامة، بما يحقق قيمة مضافة لحماية مصالح دول مجلس التعاون الحيوية، ويعزز التعامل الجماعي مع ما قد تفرضه الأزمة الحالية من تحديات، أو تحسباً لأي أزمات قد تطرأ على المنطقة مستقبلاً- تعد من الملفات التي طرحت على طاولة لقاء القادة.

عدم ارتهان القرار الخليجي لجهات أخرى

وتوقع بن صقر خلال حديثه أن القمة سوف تبني على نجاح دول المجلس في التصدي للهجمات الإيرانية بالصواريخ الموجهة، والمسيرات، والبناء على هذا النجاح في وضع استراتيجية دفاعية متكاملة وشاملة لدول المجلس، تبدأ بالتسليح الحديث الذي يناسب الأجيال الجديدة من الحروب، والتدريب، والشراكات الدفاعية الخارجية، بما يرسي قواعد دفاع استراتيجية قوامها الاعتماد على الذات، والشراكات المناسبة، والمفيدة، وعدم ارتهان القرار الخليجي لأي جهات أخرى.

ولي العهد السعودي مستقبلاً أمير قطر (واس)

وكان القادة الخليجيّون أكدوا على حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها، فردياً أو جماعياً، وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وفي اتخاذ كافة الإجراءات لحماية سيادتها، وأمنها، واستقرارها، وعلى التضامن الكامل بين الدول الأعضاء، وأن أمن دوله كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء تتعرض له أي دولة عضو يعد اعتداءً مباشراً على كل دوله، وفق ما نصت عليه اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

كما أشار الأمين العام للمجلس إلى إشادة القادة بما أظهرته القوات المسلحة لدول المجلس من «شجاعة وبسالة عاليتين في الدفاع عن دول المجلس في وجه الاعتداءات الإيرانية السافرة، وبما أبدته هذه القوات من قدرات وجاهزية مكنتها -بعد توفيق الله- من التصدي للاعتداءات الصاروخية، وبالطائرات المسيرة، والتعامل معها باحترافية وكفاءة عاليتين»، إلى جانب الحفاظ على أمن الدول الأعضاء، ومقدرات شعوبها.

الممرات البديلة «نقاش الفترة المقبلة»

وتوقّع بن صقر أن العمل على إيجاد ممرات بديلة لتأمين سلاسل إمدادات الطاقة سوف يكون محل نقاش خليجي جاد في الفترة المقبلة، وهو الأمر الذي تناوله بيان الأمين العام لمجلس التعاون الذي كشف عن توجيه القادة إلى الإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، علاوةً على استعجال استكمال متطلبات تحقيق الوصول لكافة المشاريع الخليجية المشتركة، بما في ذلك النقل، والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع سكك الحديد الخليجية.

وزير الخارجية السعودي استقبل نظيره الإماراتي عقب وصوله للمشاركة في القمة (واس)

ويتّفق أحمد الإبراهيم، المحلل السياسي، مع هذا الطرح، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن البيان الذي أعقب القمة عكس أهميّتها، وأكّد على أن السعودية كما تولّت الأمر، وأمّنت سلاسل الإمداد لوجستيّاً لدول الخليج خلال الأزمة، وعملت على تأمين ممرات بديلة للطاقة عبر خط أنابيب شرق–غرب كجزء من معالجة أزمة مضيق هرمز، جدّدت اليوم خطواتها المبدئية عبر جمع دول الخليج على طاولة واحدة، للتعامل مع المرحلة المقبلة.

«توجيهات صريحة ومباشرة»

وأضاف: «هذه من المرّات النادرة التي أشهد فيها بياناً مباشراً وصريحاً يتضمن التوجيهات الصارمة، خاصةً في التعامل مع المتطلّبات المستقبلية، والسيناريوهات المفتوحة على كافة الاحتمالات الآن، مع احتمالية تعثر المفاوضات الأميركية–الإيرانية، أو أي سيناريو خطير قادم».

جاسم البديوي الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي أدلى ببيان عقب القمة (مجلس التعاون)

بدوره يرى المحلل السياسي محمد الدوسري أن أهمية مجلس التعاون الخليجي تكمن في مقدرته على العبور من الكثير من الأزمات، ومن ذلك الحرب العراقية-الإيرانية، وأزمة احتلال العراق للكويت، ودور المجلس -وعلى رأسه السعودية- في تجاوز العديد من المحن، مشدّداً على أن العقل الجمعي لمواطني الخليج يرى أهمية توحيد الموقف الخليجي لعبور الأزمات، ومن ذلك الأزمة الجارية، وانعكاسات إغلاق مضيق هرمز.

«الخيمة السعودية»

ونوّه الدوسري إلى أن اللقاء التشاوري لقادة دول الخليج هو بمثابة رسالة لاجتماعها، واستظلالها في «الخيمة الكبيرة»، وهي السعودية، لتفتح آفاقاً جديدة، وتتفق على معالجة وتجاوز الأخطار الحالية المحدقة.