بين صخور العُلا وقاعات ميونيخ… حوار يعيد صياغة أمن العالم

في رسالة تؤكد أن السعودية أصبحت شريكاً لا يمكن تجاوزه في صياغة النقاشات الأمنية الدولية

قادة دول الخليج خلال القمة الخليجية التي عقدت في العلا (واس)
قادة دول الخليج خلال القمة الخليجية التي عقدت في العلا (واس)
TT

بين صخور العُلا وقاعات ميونيخ… حوار يعيد صياغة أمن العالم

قادة دول الخليج خلال القمة الخليجية التي عقدت في العلا (واس)
قادة دول الخليج خلال القمة الخليجية التي عقدت في العلا (واس)

في خطوة رمزية تحمل دلالات أعمق من مجرد تغيير جغرافي، احتضنت العُلا السعودية هذا العام ولأول مرة اجتماعات «مؤتمر ميونيخ للأمن»، بعد أن ارتبط اسمه لعقود بمدينة ميونيخ الألمانية، حيث كانت عاصمة بافاريا منصة سنوية، يلتقي فيها قادة العالم وصنّاع القرار، لمناقشة أبرز التحديات السياسية والأمنية الدولية.

جانب من أعمال اجتماع قادة مؤتمر ميونيخ للأمن بمشاركة نحو 100 من كبار القادة الدوليين (الخارجية السعودية)

مشاركة نحو 100 من كبار القادة الدوليين وصنّاع القرار، في الاجتماعات عبر قاعات قاعة «مرايا» بدا وكأنه يربط بين مدينتين متباعدتين جغرافياً، متقاربتين في رمزياتهما؛ ميونيخ بتاريخها الأوروبي العريق، والعُلا بتاريخها العربي العتيق.

منذ قرون، وقفت ميونيخ شاهدة على تحولات أوروبا السياسية، ومسرحاً للثقافة والفن والفكر، فيما كانت العُلا، في قلب الجزيرة العربية، حاضنةً لحضارات ضاربة في عمق التاريخ؛ من اللحيانيين إلى الأنباط، شاهدةً على مرور القوافل، ومعبّرة عن هوية المكان عبر نقوش صخرية ما زالت تحاكي زائرها حتى اليوم.

وبحسب الرئيس التنفيذي لمؤتمر ميونيخ للأمن، بنديكت فرانك، فإن «السعودية اليوم واحدة من أكبر اللاعبين الإقليميين، بل إنها أصبحت واحدة من أهم الفاعلين في الدبلوماسية (الدولية)». على حد تعبيره.

ولفت فرانك، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى رمزية العلا التاريخية والثقافية، ولا سيما «صخرة الفيل التي تتوافق بشكل جيد مع شعارنا في المؤتمر (الفيل في الغرفة)». مشيداً بجهود ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان «الذي يعمل لخلق الاستقرار حتى تتمكن الحكومة من التركيز على خلق ازدهار طويل الأمد ومستدام».

قادة دول الخليج خلال القمة الخليجية التي عقدت في العلا (واس)

ورغم اختلاف المناخ والطبيعة؛ خضرة الألب وأنهارها في ميونيخ، وصخور العلا الذهبية وواحاتها في قلب الصحراء، فإن كليهما يقدّم صورة بديعة لالتقاء الإنسان بالتاريخ والطبيعة.

من جانبه، يؤكد الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، أن مؤتمر ميونيخ يعدّ من أهم المؤتمرات الأمنية في العالم، ويحضره وزراء الخارجية وأجهزة الأمن والاستخبارات، ووزارات الدفاع، والمختصون بمراكز الفكر والدراسات التي لها علاقة بالدراسات الأمنية والسياسية.

وأضاف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن المؤتمر «يعقد سنوياً في شهر فبراير (شباط) في مدينة ميونيخ بألمانيا، وكان بادرة بعد الحرب العالمية الثانية، للتقارب بين أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وكان بحضور دولي متميز من رؤساء دول، وتكون بعض أنشطة هذا المؤتمر الدولي في دول مختلفة، وآخرها كان في أميركا».

وتابع: «هذه السنة عقد في العلا، وهو ما يؤكد على الدور الذي تلعبه السعودية سياسياً وأمنياً ودولياً على مختلف الأصعدة، ما جعل السعودية هي المحطة المهمة بعد الولايات المتحدة التي يعقد فيها مؤتمر القادة الخاص بمؤتمر ميونيخ للأمن».

في قاعات مؤتمر ميونيخ الشهيرة، كان النقاش يدور على مدار سنوات طويلة حول مستقبل الأمن الأوروبي والدولي، بينما في مدرجات «مرايا» العُلا الزجاجية، التي تتماهى مع تكوينات الجبال، تردد صدى كلمات القادة والمسؤولين هذا العام، في مشهد لم يخلُ من الرمزية؛ الأمن والسلام أصبحا يحتاجان إلى منظور عالمي أكثر شمولية، يربط الشرق بالغرب، والصحراء بالخضرة، والتاريخ بالمستقبل.

يضيف الدكتور بن صقر، الذي شارك في جلسات المؤتمر بالعلا، أن «مؤتمر ميونيخ تطور ليصبح مختبراً لصناعة القرار الاستراتيجي في السياسة الدولية، لذا فإن انعقاده في المملكة يعدّ تقديراً كبيراً لمكانة المملكة في السياسة الدولية».

الميزة التي جعلت ميونيخ عاصمة غير معلنة للنقاشات الأمنية هي ذاتها التي منحت العُلا اليوم مكانتها الجديدة؛ القدرة على أن تكون جسراً بين الثقافات، والقارات، وبين رؤى متباينة تبحث عن قاسم مشترك يضمن استقرار العالم.

الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي في افتتاح اجتماع قادة مؤتمر ميونيخ للأمن (الخارجية السعودية)

وإذا كان مهرجان «أكتوبرفست» الشعبي يجمع ملايين الزوار في ميونيخ، فإن «شتاء طنطورة» ومهرجانات العُلا باتت تجمع العالم أيضاً، لكن في إطار ثقافي وفني يتكامل مع مكانتها السياسية الجديدة، فالمدينة باتت في السنوات الأخيرة وجهة دبلوماسية بارزة استضافت قمماً إقليمية ودولية مهمة، من بينها قمة دول مجلس التعاون الخليجي التي شكّلت علامة فارقة في مسار العمل الخليجي المشترك، إلى جانب اجتماعات سياسية وثقافية رفيعة المستوى.

إن انتقال الحدث من ميونيخ إلى العُلا لم يكن مجرد اختيار لوجهة سياحية آسرة، بل رسالة في حد ذاتها تؤكد أن السعودية، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي، أصبحت شريكاً لا يمكن تجاوزه في صياغة النقاشات الأمنية الدولية.

وكما خرجت ميونيخ من حدودها المحلية لتصبح منصّة عالمية للأمن، تخرج العُلا من حدودها التاريخية لتصبح فضاءً جديداً يلتقي فيه الماضي بالحاضر، والتاريخ بالسياسة، والفن بالدبلوماسية.

مسرح مرايا العلا الذي احتضن اجتماعات مؤتمر ميونيخ للأمن لأول مرة (الشرق الأوسط)

هكذا، وجد العالم نفسه هذا العام أمام مشهد مختلف، فالقادة الذين اعتادوا الجلوس في قاعات بافارية عتيقة، يناقشون القضايا ذاتها، لكن بين صخور صامتة في العُلا، وكأن التاريخ يقول إن الحوار لا يُحَدّ بمكان، بل بروح المدن التي تمنح النقاشات بعداً إنسانياً وحضارياً، وبين ميونيخ والعُلا، يمتد خيط خفي من التشابه؛ كلاهما مدينة تتجاوز حجمها لتصبح منصّة عالمية، تحتضن حوار الأمن والسلام، وتعيد صياغة ملامح العالم.

تحكي العُلا، تلك الواحة المستلقية وسط الصحراء الغنية بالحضارة الإنسانية الخالدة، قصصاً تعود لأكثر من 200 ألف عام، وتكشف النقاب عن أسرار كما لو أنها تروى للوهلة الأولى.

ومنذُ أن كانت طريقاً لتجارة البخور، تتردد حكايات العلا بين المسافرين والتجار والحجاج، وتتجسّد ملامح رواياتها بين جبالها ورمالها، لتتمازج مع ابتكارات الفنانين والمصممين والحالمين بالمستقبل، حيث جبل عكمة الذي يعد مكتبة مفتوحة، تضم مئات النقوش بلغات عدة، وقصص متاهة تضم أكثر من 900 منزل من الطين، بالإضافة إلى قصص لورنس العرب وفتوحاته.


مقالات ذات صلة

السعودية تحبط تهريب 3 ملايين حبة كبتاغون

الخليج ضُبطت الكمية مُخبأة في إرسالية واردة إلى السعودية عبر ميناء جدة الإسلامي (الجمارك)

السعودية تحبط تهريب 3 ملايين حبة كبتاغون

أحبطت السعودية محاولة تهريب 2.916.180 حبة من مادة الإمفيتامين المخدِّر «الكبتاغون»، ضُبطت مُخبأة في إرسالية واردة إلى البلاد عبر ميناء جدة الإسلامي.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والوزير محمد إسحاق دار (الخارجية السعودية)

وزيرا خارجية السعودية وباكستان يبحثان المستجدات

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع محمد إسحاق دار نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني، مستجدات الأوضاع واستمرار التنسيق والتشاور.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج يضم متنزه «أكواريبيا القدية» 22 لعبة وتجربة مائية مبتكرة (واس)

«أكواريبيا القدية» يستقبل زواره 23 أبريل

حدَّدت مدينة القدية (جنوب غربي الرياض)، الخميس 23 أبريل الحالي، موعداً للافتتاح الرسمي لثاني أصولها الترفيهية، متنزه «أكواريبيا» المائي الأكبر بالشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

خادم الحرمين الشريفين يأمر بترقية وتعيين 218 قاضياً بوزارة العدل

أصدر خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، أمراً بترقية وتعيين 218 قاضياً بوزارة العدل في مختلف درجات السلك القضائي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في جدة (واس) p-circle 00:21

محمد بن سلمان وميلوني يبحثان تداعيات التصعيد العسكري بالمنطقة

بحث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في جدة، مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، تداعيات التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة.

جبير الأنصاري (الرياض)

استهداف إيراني لمنشآت طاقة خليجية

مصفاة ميناء الأحمدي في الكويت (قنا)
مصفاة ميناء الأحمدي في الكويت (قنا)
TT

استهداف إيراني لمنشآت طاقة خليجية

مصفاة ميناء الأحمدي في الكويت (قنا)
مصفاة ميناء الأحمدي في الكويت (قنا)

استمرت الاعتداءات الإيرانية في الخليج، وتعرضت مصفاة ميناء الأحمدي ومحطة كهرباء وتقطير مياه في الكويت لاستهداف بمسيَّرات، في حين علّقت أبوظبي العمليات في منشآت حبشان للغاز إثر سقوط شظايا أدت إلى مقتل مقيم مصري وإصابة 4 آخرين من مصر وباكستان، واندلاع حريق بعد عملية اعتراض ناجحة.

فقد اعترضت الدفاعات الجوية السعودية ودمَّرت، الجمعة، 14مسيّرة، حسب إفادات المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية، اللواء الركن تركي المالكي. وأعلنت البحرين تدمير 16 مسيّرة استهدفت البلاد خلال 24 ساعة، ليبلغ الإجمالي منذ بدء الاعتداءات 188 صاروخاً و445 مسيَّرة.

وأعلنت وزارة الدفاع القطرية تعرض الدولة لهجوم بعدد من المسيّرات مؤكدة التصدي لها بنجاح. وتعاملت الدفاعات الجوية الإماراتية مع 18 صاروخاً باليستياً، و4 صواريخ «جوالة» و47 طائرة مسيّرة.

في السياق، نفى المتحدث باسم الحرس الوطني الكويتي العميد جدعان فاضل، صحة ما تم تداوله عبر بعض مواقع التواصل الاجتماعي بشأن احتمالية حدوث تسرب إشعاعي في البلاد، مؤكداً أن القراءات في الأجواء والمياه الإقليمية للدولة ضمن المعدلات الطبيعية.


السعودية تحبط تهريب 3 ملايين حبة كبتاغون

ضُبطت الكمية مُخبأة في إرسالية واردة إلى السعودية عبر ميناء جدة الإسلامي (الجمارك)
ضُبطت الكمية مُخبأة في إرسالية واردة إلى السعودية عبر ميناء جدة الإسلامي (الجمارك)
TT

السعودية تحبط تهريب 3 ملايين حبة كبتاغون

ضُبطت الكمية مُخبأة في إرسالية واردة إلى السعودية عبر ميناء جدة الإسلامي (الجمارك)
ضُبطت الكمية مُخبأة في إرسالية واردة إلى السعودية عبر ميناء جدة الإسلامي (الجمارك)

أحبطت السعودية محاولة تهريب 2.916.180 حبة من مادة الإمفيتامين المخدِّر «الكبتاغون»، ضُبطت مُخبأة في إرسالية واردة إلى البلاد عبر ميناء جدة الإسلامي.

وأوضح حمود الحربي، المتحدث باسم هيئة الزكاة والضريبة والجمارك السعودية، أنه عُثر على تلك الكمية من الحبوب مُخبأة في إرسالية وردت عبر الميناء تحتوي على «زبدة الشيا»، وذلك بعد خضوعها للإجراءات الجمركية، والكشف عليها عبر التقنيات الأمنية، والوسائل الحية.

وأضاف الحربي أنه بعد إتمام عملية الضبط، جرى التنسيق مع «مديرية مكافحة المخدرات»، لضمان القبض على مستقبِلي المضبوطات داخل السعودية، وهما شخصان جرى ضبطهما.

وأكّد المتحدث مُضي الهيئة، عبر جميع منافذها الجمركية، في إحكام الرقابة الجمركية على واردات وصادرات السعودية، ووقوفها بالمرصاد أمام محاولات أرباب تهريب هذه الآفات وغيرها من الممنوعات؛ وذلك تحقيقاً لأبرز ركائز استراتيجيتها المتمثلة في تعزيز أمن وحماية المجتمع بالحد من تلك المحاولات.

ودعا الحربي الجميع للإسهام في مكافحة التهريب لحماية المجتمع والاقتصاد الوطني، من خلال التواصل مع الهيئة على الوسائل المخصصة للبلاغات الأمنية، مؤكداً أنها تتعامل معها بسرية تامة، مع منح مكافأة مالية للمُبلِّغ في حال صحة المعلومات.


وزيرا خارجية السعودية وباكستان يبحثان المستجدات

الأمير فيصل بن فرحان والوزير محمد إسحاق دار (الخارجية السعودية)
الأمير فيصل بن فرحان والوزير محمد إسحاق دار (الخارجية السعودية)
TT

وزيرا خارجية السعودية وباكستان يبحثان المستجدات

الأمير فيصل بن فرحان والوزير محمد إسحاق دار (الخارجية السعودية)
الأمير فيصل بن فرحان والوزير محمد إسحاق دار (الخارجية السعودية)

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع محمد إسحاق دار نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني، مستجدات الأوضاع واستمرار التنسيق والتشاور بهذا الشأن.

واستعرض الجانبان خلال اتصالٍ هاتفي تلقاه الأمير فيصل بن فرحان من الوزير محمد إسحاق دار، الجمعة، العلاقات الأخوية بين السعودية وباكستان.