انتخابات الكويت: «ضبط التمويل» للحدّ من نفوذ المال السياسي

«سوق الانتخابات» تتضخم... ومليون دولار متوسط إنفاق المرشح

يٌقدّر مراقبون متوسط ما ينفقه المرشح في الكويت بنحو مليون دولار (كونا)
يٌقدّر مراقبون متوسط ما ينفقه المرشح في الكويت بنحو مليون دولار (كونا)
TT

انتخابات الكويت: «ضبط التمويل» للحدّ من نفوذ المال السياسي

يٌقدّر مراقبون متوسط ما ينفقه المرشح في الكويت بنحو مليون دولار (كونا)
يٌقدّر مراقبون متوسط ما ينفقه المرشح في الكويت بنحو مليون دولار (كونا)

يشتكي مرّشح سابق لانتخابات مجلس الأمة الكويتي (البرلمان)، من التكاليف الباهظة للحملات الانتخابية، خاصة مع تكرار العملية الانتخابية وسط حالة من عدم الاستقرار السياسي التي حكمت التجربة النيابية في الكويت، وأدت فعلياً إلى تنظيم أربع انتخابات تشريعية خلال أربع سنوات.

يقول لـ«الشرق الأوسط» طالباً عدم ذكر اسمه، إنه دخل السباق الانتخابي مرتين، الأولى في انتخابات مجلس 2022 المبطل بقرار المحكمة الدستورية، والأخرى في مجلس 2023، وفي كلتا الحالتين لم يحالفه الفوز. يضيف: «لقد أرهقتني المصاريف المالية، لم أعد قادراً على مجاراة المنافسين الذين يتمتعون بدعم أطراف نافذة».

ويفتح هذا الكلام مجدداً قضية الرقابة على نفقات وتمويل الحملات الانتخابية لمجلس الأمة الكويتي، وكان يمكن لقانون «مفوضية الانتخابات» أن يلعب دوراً في مراقبة تمويل الحملات الانتخابية، وتحقيق العدالة بين المرشحين، خاصة في وضع سقف أعلى للإنفاق على الحملات.

ورغم محاولة البرلمان ومنظمات المجتمع المدني والهيئة العامة لمكافحة الفساد (نزاهة)، الدفع قدماً لإقرار وتطبيق قانون تنظيم تمويل الحملات الانتخابية، بعد سعي البرلمان لتشريعه منذ سنوات، إلا أنه لم يصدر كقانون إلا في عام 2023، ومع ذلك تم تعطيله بمرسوم.

يشرح خبير قانوني لـ«الشرق الأوسط»؛ أنه وفق القانون (120) لسنة 2023 (الموقوف تنفيذه بالمرسوم بقانون 4 لسنة 2024)، فإن «مفوضية الانتخابات» هي التي يتعين عليها حين إنشائها أن تضع قواعد تمويل الحملة الانتخابية.

وكان مجلس الأمة الكويتي وافق في الأول من أغسطس (آب) 2023 على مشروع قانون «إنشاء مفوضية عامة للانتخابات» وتتولى الإشراف على الانتخابات وتنظيم العملية الانتخابية وتلحق بوزير العدل. ونص القانون على أن تصدر اللائحة التنفيذية للقانون خلال 6 أشهر من تاريخ العمل به وتحدد قواعد الدعاية والحملات والنفقات الانتخابية ومواردها والتزامات وسائل الإعلام ومشاركة منظمات المجتمع المدني في متابعة الانتخابات ومراقبتها.

وفي 21 فبراير (شباط) 2024 أصدر مجلس الوزراء مرسوماً بقانون برقم 4 لسنة 2024، يقضي بوقف العمل مؤقتاً بالقانون 120 لسنة 2023 بشأن انتخابات مجلس الأمة (المفوضية العليا للانتخابات).

نفقات الانتخابات

ومع تكرار تنظيم الانتخابات البرلمانية في الكويت خلال السنوات الماضية، أصبح هناك ما يعرف بـ«سوق الانتخابات» نشطاؤها عادة قطاعات واسعة من شركات الإعلان والدعاية والترويج الإلكتروني والتواصل والخدمات اللوجيستية والمطاعم وصالات الفنادق والمناسبات، هؤلاء يمثلون سوقاً منتعشة خلال موسم الانتخابات.

أقرّ مجلس الأمة الكويتي في الأول من أغسطس 2023 مشروع قانون «إنشاء مفوضية عامة للانتخابات» التي تتولى تنظيم العملية الانتخابية والإشراف على تمويل الحملات الانتخابات (كونا)

وتعدّ انتخابات الرابع من أبريل (نيسان) 2024 رابع انتخابات برلمانية تُنظم في الكويت منذ عام 2020، فقد أجريت انتخابات في الخامس من ديسمبر (كانون الأول) 2020، وعقد المجلس أولى جلساته في 15 ديسمبر من ذلك العام وتم حله في الثاني من أغسطس (آب) 2022، وفي 29 سبتمبر (أيلول) 2022، أُجريت انتخابات برلمانية، لكن هذه المجلس تم إبطاله في 19 مارس (آذار) 2023 بقرار من المحكمة الدستورية، وإبطال العملية الانتخابية بأكملها، وعودة مجلس الأمة 2020، بسبب بطلان مرسوم حل مجلس الأمة 2020، تبعته انتخابات مجلس الأمة في 6 يونيو (حزيران) 2023، وفي 15 فبراير (شباط) 2024 صدر مرسومٌ أميريٌ بحل المجلس.

وبالإضافة إلى نفقات الإعلان والضيافة وإقامة المخيمات يتحمل المرشح أيضاً تكاليف تشغيل عشرات العاملين في حملته الانتخابية، مع بذل جهد أكبر للتواصل مع القاعدة الانتخابية من النساء.

ومن الملاحظ أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً في تنظيم الانتخابات في الكويت مع بروز جيل أكثر مهارة وفاعلية في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وبث الدعايات، وتنظيم المقابلات عبر «البودكاست»، وتنظيم قوائم الناخبين آلياً، وتصميم آليات رقمية للتواصل معهم.

ويقول رئيس قسم الاقتصاد والتمويل في جامعة الخليج الدكتور أسامة الفالح في تصريح نقلته وكالة الأنباء الكويتية، إن موسم الانتخابات يعدّ من أبرز المواسم على الصعيد المحلي التي يرتفع فيها الطلب على بعض القطاعات الخدمية وتتزايد الحركة المالية بشكل عام إضافة إلى أنه فرصة سانحة لأصحاب الأعمال لتوسيع نشاطهم المالي.

وأوضح الفالح أن حجم النشاط الاقتصادي في الحملات الانتخابية الأخيرة كان «متوسطاً» نظراً لمجموعة من العوامل ودخول موسم رمضان الذي يعدّ ذا طابع اجتماعي وديني خاص للمجتمع.

من جانبه، قال رئيس الجمعية الاقتصادية مشاري العبد الجليل إن أبرز القطاعات الخدمية المستفيدة من موسم الانتخابات قطاع الإعلان والتجهيزات الغذائية والخدمات اللوجيستية وبصورة خاصة المتعلقة بتجهيز المقار الانتخابية، إضافة إلى القنوات التلفزيونية الخاصة وقنوات «يوتيوب» الخاصة وشركات توفير العمالة لتنظيم الندوات والشركات التي توفر خدمات إعلامية للمرشحين كالتصوير.

تُعدّ نفقات الضيافة من أبرز بنود الصرف على الانتخابات في الكويت

المال السياسي

وتبدأ تكاليف الحملة الانتخابية للمرشح من 150 ألف دينار (نحو نصف مليون دولار)، لكن هذا المبلغ يبدو زهيداً أمام الإنفاق الباذخ للكثير من المرشحين، خاصة أولئك الذين يواجهون منافسة شديدة في دوائرهم، وبحسب مراقبين، فإن متوسط ما ينفقه المرشح يبلغ مليون دولار.

لكن من أين يتلقى المرشحون الدعم المالي مع تكرار خوض الحملات الانتخابية؟ يتحدث مراقبون عن دعم من تجار ورجال أعمال مؤيدين لهذا المرشح أو ذاك، مع ما يعرف بـ«الفزعة» من أبناء القبيلة أو الأشخاص المرتبطين بالمرشح بصلات مختلفة. لكن العبء الأكبر يتحمله المرشح نفسه.

وفي ظل عدم وجود قانون لمراقبة التمويل، فإن الجهود المبذولة لمواجهة المال السياسي غير كافية، فلطالما أثيرت في الكويت اتهامات لأشخاص ذوي نفوذ سياسي بالتدخل في «إدارة» الانتخابات، وفي السعي لـ«الهيمنة» على البرلمان، عبر تمويل حملات مرشحين بعينهم، أو تقديم الدعم لمرشحين ثانويين يسعون لتفتيت الأصوات المحتمل أن يحصل عليها خصومٌ سياسيون.

المحامية أريج عبد الرحمن حمادة

تقول المحامية أريج عبد الرحمن حمادة، لـ«الشرق الأوسط»، «مع اقتراب موعد انتخابات مجلس الأمة الكويتي 2024 يثور التساؤل والخوف لدى الكثير من أفراد المجتمع الكويتي عن دور المال السياسي في إفساد العملية الانتخابية، لا سيما وأن هناك الكثير من المرشحين نجدهم قد صرفوا ببذخ على حملاتهم الانتخابية على الرغم من أن حالتهم المادية عادية وغير معروف مصدر هذه الأموال التي تم صرفها على حملاتهم الانتخابية».

تضيف: «يُعدّ تمويل الحملات الانتخابية موضوعا في غاية الأهمية؛ لأنه يشكل عاملاً محورياً في توجيه نتيجة الانتخابات نحو وجهة معينة لصالح توجه سياسي معين دون غيره، وبالتالي المساس بنزاهة وشرعية العملية الانتخابية برمتها؛ لذلك لا بد من تفعيل الرقابة».

وتدعو حمادة لأن «تخضع مصادر التمويل وإنفاقه لإجراءات النزاهة والشفافية وللرقابة المشددة لإنجاح العملية الانتخابية». وتقول: «يُعدّ المال السياسي من أهم المخاطر التي تؤثر على نزاهة العملية الانتخابية ونجاح الديمقراطية الكويتية بالتأثير على إرادة الناخبين وتوصيل مرشحين موجهين بطريقة غير شرعية».


مقالات ذات صلة

السعودية تدين استهداف الكويت بـ«مسيّرات» من العراق

الخليج الجهات المختصة الكويتية باشرت فوراً اتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع الحادث (كونا)

السعودية تدين استهداف الكويت بـ«مسيّرات» من العراق

أدانت السعودية واستنكرت بأشد العبارات استهداف موقعين من المراكز الحدودية البرية الشمالية لدولة الكويت بطائرات مسيَّرة قادمة من العراق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج أرشيفية لدخان يتصاعد من أحد المباني في الكويت جراء الهجمات الإيرانية أخيراً (أ.ف.ب)

الكويت تعلن عن هجوم جديد استهدفها من العراق

كشفت الكويت عن هجوم جديد استهدفها انطلاقاً من العراق، في تكرار لهجمات عديدة مماثلة حصلت في الأسابيع الماضية خلال الحرب الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
الخليج تشغيل الرحلات الجوية في مطار الكويت الدولي تدريجياً ابتداءً من الأحد المقبل (كونا)

إعادة فتح الأجواء في مطار الكويت الدولي

أعلنت هيئة الطيران المدني الكويتية إعادة فتح الأجواء في مطار الكويت الدولي ابتداء من الخميس، بعد توقف حركة الطيران «مؤقتاً واحترازياً» منذ 28 فبراير الماضي.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
رياضة عربية الشيخ أحمد اليوسف الصباح رئيس الاتحاد الكويتي لكرة القدم (الاتحاد الكويتي)

انقسام الأندية الكويتية يعقّد انتخابات اتحاد الكرة

تتجه انتخابات الاتحاد الكويتي لكرة القدم، المقررة في 20 مايو، نحو مزيد من التعقيد، في ظل جدل متصاعد بين الأندية حول أهلية اللجنة المشرفة على العملية الانتخابية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق حياة الفهد في منتصف السبعينات من القرن الماضي (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

حياة الفهد... أيقونة الخليج الفنية تغيب

رحلت الفنانة الكويتية حياة الفهد، الثلاثاء، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، تركت خلالها بصمة بارزة في تاريخ الدراما الخليجية والعربية.

إيمان الخطاف (الدمام)

ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
TT

ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

استعرض الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة وتداعياتها الأمنية والاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي.
جاء ذلك خلال اتصال تلقاه ولي العهد السعودي من رئيس الوزراء الكندي يوم الأربعاء، بحث الجانبان خلاله العلاقات الثنائية بين البلدين، واستعرضا مجالات التعاون القائمة وسبل تعزيزها وتطويرها في عدد من المجالات.


«الداخلية» السعودية: إجراءات بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية

وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
TT

«الداخلية» السعودية: إجراءات بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية

وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)

أعلنت وزارة الداخلية السعودية، الأربعاء، مباشرة الجهات المختصة في حينه الإجراءات النظامية بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية، والتي تمثل خطاً أحمر لا يُقبل المساس به، أو التأثير عليه.

جاء ذلك في بيان للوزارة أشار إلى «ما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي من محتوى من شأنه المساس بالوحدة الوطنية، وتهديد السلم والأمن المُجتمعي، متضمناً عبارات مثيرة للتعصب القبلي المقيت»، في تصرف غير مسؤول، ولا يعكس وعي المجتمع السعودي، وإدراكه لخطورة تلك الممارسات الشاذة التي لا تمثل إلا أصحابها.

وحذَّرت «الداخلية» من «كل ما من شأنه المساس بالنظام العام»، مؤكدة أن الجهات الأمنية تقف بحزم أمام كل من يحاول النيل من اللُّحمة الوطنية بإثارة النعرات القبلية المقيتة، وأن الجزاء الرادع سيكون مصيره»، باعتبار أن تلك الأفعال تعدّ جريمة خطيرة يُعاقب عليها القانون.

من جانبها، أكدت النيابة العامة، في منشور على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي، أن إثارة النعرات القبلية أو الدعوة للتعصب والكراهية بين أفراد المجتمع جرائم يعاقب عليها النظام، وتعرّض مرتكبيها للمساءلة الجزائية والعقوبات المقررة.

بدورها، قالت «هيئة تنظيم الإعلام»، في منشور عبر حسابها على منصة «إكس»، إن «قيمنا المجتمعية ترفض كل أنواع الفرقة وإثارة النعرات القبلية»، مؤكدة أن «أي محتوى يتضمن تعصباً قبلياً، أو قدحاً بالأنساب تصريحاً أو تلميحاً، يعدّ مخالفة صريحة للفقرة الرابعة من المادة الخامسة من نظام الإعلام المرئي والمسموع».

وأشارت الهيئة إلى ممارسات غير مباشرة تثير النعرات القبلية، هي: «الإيحاء بوجود أفضلية على أساس الانتماء، وإبراز الانتماء القبلي خارج سياق المحتوى، وعبارات عامة تحمل معاني تمييزية مبطنة، وطرح قضايا اجتماعية بإيحاءات توحي بالفرقة».


كيف دعمت «قمة جدة» العمل الخليجي المشترك؟

أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
TT

كيف دعمت «قمة جدة» العمل الخليجي المشترك؟

أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)

وجّه قادة دول مجلس التعاون الخليجي خلال قمتهم التشاورية، في جدة غربي السعودية، الثلاثاء بضرورة استعجال استكمال متطلبات تحقيق الوصول لكافة المشاريع الخليجية المشتركة، بما في ذلك النقل، والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع سكك الحديد الخليجية، مشيرين إلى أهمية مشروع الربط الكهربائي بين دول المجلس، والإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، ومشروع الربط المائي بين دول مجلس التعاون، والمضي قدماً في دراسة إنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي، إلى جانب التأكيد على أهمية تكثيف التكامل العسكري ما بين دول المجلس، والإسراع في إنجاز مشروع منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية.

وعكست هذه التوجيهات التي كشف عنها البيان الإعلامي لجاسم البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، عقب القمة، إشاراتٍ لافتة جاءت بالتوازي مع أخذ السعودية زمام المبادرة للدعوة لهذه القمة التشاورية، حيث تضمّنت «التوجيهات السامية»، كما وصفها البديوي، مصطلحات واضحة ومباشرة اشتملت على «الاستعجال» و«الإسراع» في مناسبتين، إلى جانب «أهمية»، والدعوة المباشرة لتكثيف التكامل العسكري، الأمر الذي لقي تفاعلاً واسعاً يكشف عن جدية، ووضوح في المبادرة السعودية، واللقاء التشاوري الخليجي، للخروج بنتائج حقيقية لهذا اللقاء في ظل الظروف الراهنة شديدة التعقيد.

ولي العهد السعودي وملك البحرين قبيل القمة (واس)

ودلّلت تعليقات أمير قطر الشيخ تميم بن حمد عقب القمة على ذلك قائلاً: «قمتنا الخليجية التشاورية اليوم في جدة تجسد الموقف الخليجي الموحد تجاه الأوضاع الراهنة، وما تستلزمه من تكثيف التنسيق، والتشاور، بما يعزز الدور الفاعل لدولنا في دعم المسارات الدبلوماسية، وصون أمن المنطقة، واستقرار شعوبها، وتحقيق تطلعاتها نحو التنمية، والازدهار».

امتداد لجهود ولي العهد السعودي وقادة الخليج

الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، قال لـ«الشرق الأوسط» إن استضافة المملكة للقمة الخليجية التشاورية جاءت استجابة لبحث الظروف التي تمر بها منطقة الخليج العربي جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية-الإيرانية، والتشاور، وتنسيق مواقف دول مجلس التعاون الخليجي على ضوء ما أسفرت عنه هذه الحرب، ولاحتواء تداعيات الأزمة الراهنة، سواء من الناحية الأمنية، أو الاقتصادية، أو غيرهما. واستدرك أنها تهدف إلى تعزيز الجهود المبذولة لمعالجة هذه الأزمة، وتداعياتها، لتحقيق استقرار المنطقة، وحفظ مصالح دول مجلس التعاون، وتعزيز أمنها الجماعي، وتابع أنها تأتي امتداداً لجهود الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، وقادة دول مجلس التعاون الخليجي.

ولي عهد الكويت لدى وصوله إلى جدة وفي استقباله ولي العهد السعودي (واس)

الدكتور عبد العزيز يرى أن رؤية الملك سلمان بن عبد العزيز -لتعزيز العمل الخليجي المشترك، وترسيخ الوحدة الاقتصادية، وتطوير المنظومتين الدفاعية، والأمنية، وصولاً إلى تكامل خليجي أكثر رسوخاً واستدامة، بما يحقق قيمة مضافة لحماية مصالح دول مجلس التعاون الحيوية، ويعزز التعامل الجماعي مع ما قد تفرضه الأزمة الحالية من تحديات، أو تحسباً لأي أزمات قد تطرأ على المنطقة مستقبلاً- تعد من الملفات التي طرحت على طاولة لقاء القادة.

عدم ارتهان القرار الخليجي لجهات أخرى

وتوقع بن صقر خلال حديثه أن القمة سوف تبني على نجاح دول المجلس في التصدي للهجمات الإيرانية بالصواريخ الموجهة، والمسيرات، والبناء على هذا النجاح في وضع استراتيجية دفاعية متكاملة وشاملة لدول المجلس، تبدأ بالتسليح الحديث الذي يناسب الأجيال الجديدة من الحروب، والتدريب، والشراكات الدفاعية الخارجية، بما يرسي قواعد دفاع استراتيجية قوامها الاعتماد على الذات، والشراكات المناسبة، والمفيدة، وعدم ارتهان القرار الخليجي لأي جهات أخرى.

ولي العهد السعودي مستقبلاً أمير قطر (واس)

وكان القادة الخليجيّون أكدوا على حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها، فردياً أو جماعياً، وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وفي اتخاذ كافة الإجراءات لحماية سيادتها، وأمنها، واستقرارها، وعلى التضامن الكامل بين الدول الأعضاء، وأن أمن دوله كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء تتعرض له أي دولة عضو يعد اعتداءً مباشراً على كل دوله، وفق ما نصت عليه اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

كما أشار الأمين العام للمجلس إلى إشادة القادة بما أظهرته القوات المسلحة لدول المجلس من «شجاعة وبسالة عاليتين في الدفاع عن دول المجلس في وجه الاعتداءات الإيرانية السافرة، وبما أبدته هذه القوات من قدرات وجاهزية مكنتها -بعد توفيق الله- من التصدي للاعتداءات الصاروخية، وبالطائرات المسيرة، والتعامل معها باحترافية وكفاءة عاليتين»، إلى جانب الحفاظ على أمن الدول الأعضاء، ومقدرات شعوبها.

الممرات البديلة «نقاش الفترة المقبلة»

وتوقّع بن صقر أن العمل على إيجاد ممرات بديلة لتأمين سلاسل إمدادات الطاقة سوف يكون محل نقاش خليجي جاد في الفترة المقبلة، وهو الأمر الذي تناوله بيان الأمين العام لمجلس التعاون الذي كشف عن توجيه القادة إلى الإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، علاوةً على استعجال استكمال متطلبات تحقيق الوصول لكافة المشاريع الخليجية المشتركة، بما في ذلك النقل، والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع سكك الحديد الخليجية.

وزير الخارجية السعودي استقبل نظيره الإماراتي عقب وصوله للمشاركة في القمة (واس)

ويتّفق أحمد الإبراهيم، المحلل السياسي، مع هذا الطرح، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن البيان الذي أعقب القمة عكس أهميّتها، وأكّد على أن السعودية كما تولّت الأمر، وأمّنت سلاسل الإمداد لوجستيّاً لدول الخليج خلال الأزمة، وعملت على تأمين ممرات بديلة للطاقة عبر خط أنابيب شرق–غرب كجزء من معالجة أزمة مضيق هرمز، جدّدت اليوم خطواتها المبدئية عبر جمع دول الخليج على طاولة واحدة، للتعامل مع المرحلة المقبلة.

«توجيهات صريحة ومباشرة»

وأضاف: «هذه من المرّات النادرة التي أشهد فيها بياناً مباشراً وصريحاً يتضمن التوجيهات الصارمة، خاصةً في التعامل مع المتطلّبات المستقبلية، والسيناريوهات المفتوحة على كافة الاحتمالات الآن، مع احتمالية تعثر المفاوضات الأميركية–الإيرانية، أو أي سيناريو خطير قادم».

جاسم البديوي الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي أدلى ببيان عقب القمة (مجلس التعاون)

بدوره يرى المحلل السياسي محمد الدوسري أن أهمية مجلس التعاون الخليجي تكمن في مقدرته على العبور من الكثير من الأزمات، ومن ذلك الحرب العراقية-الإيرانية، وأزمة احتلال العراق للكويت، ودور المجلس -وعلى رأسه السعودية- في تجاوز العديد من المحن، مشدّداً على أن العقل الجمعي لمواطني الخليج يرى أهمية توحيد الموقف الخليجي لعبور الأزمات، ومن ذلك الأزمة الجارية، وانعكاسات إغلاق مضيق هرمز.

«الخيمة السعودية»

ونوّه الدوسري إلى أن اللقاء التشاوري لقادة دول الخليج هو بمثابة رسالة لاجتماعها، واستظلالها في «الخيمة الكبيرة»، وهي السعودية، لتفتح آفاقاً جديدة، وتتفق على معالجة وتجاوز الأخطار الحالية المحدقة.