جهود سعودية متواصلة لنصرة الفلسطينيين ودعمهم على مدى عقود

الدعوة لقمة إسلامية امتداد لمبادرات كثيرة تؤكد استثنائية مواقف الرياض

الملك سلمان يتوسط القادة المشاركين في القمة العربية التي استضافتها السعودية وأطلق عليها «قمة القدس» (رويترز)
الملك سلمان يتوسط القادة المشاركين في القمة العربية التي استضافتها السعودية وأطلق عليها «قمة القدس» (رويترز)
TT

جهود سعودية متواصلة لنصرة الفلسطينيين ودعمهم على مدى عقود

الملك سلمان يتوسط القادة المشاركين في القمة العربية التي استضافتها السعودية وأطلق عليها «قمة القدس» (رويترز)
الملك سلمان يتوسط القادة المشاركين في القمة العربية التي استضافتها السعودية وأطلق عليها «قمة القدس» (رويترز)

تقود دول عربية وإسلامية وعلى رأسها السعودية جهوداً دبلوماسية رفيعة المستوى لدفع المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بمسؤولياته لوقف العمليات العسكرية في غزة، وتمكين المنظمات الإغاثية من إيصال المساعدات العاجلة للمدنيين، وإيجاد حل عاجل وشامل يلبي تطلعات الشعب الفلسطيني.

وفي الوقت الذي أعلنت منظمة التعاون الإسلامي عن عقد قمة إسلامية استثنائية بناءً على دعوة السعودية بصفتها رئيسة القمة الإسلامية الحالية، أكد محللون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الدعوة لعقد القمة تأتي امتداداً لمبادرات كثيرة تؤكد استثنائية المواقف السعودية من القضية الفلسطينية.

ومنذ تطورات الأوضاع في غزة بالسابع من أكتوبر (تشرين الأول)، تقود السعودية حراكاً دبلوماسياً على الصعيدين الإقليمي والدولي؛ للتنسيق الوثيق مع الدول الشقيقة والصديقة وشركائها في المجتمع الدولي لحقن الدماء ومنع تفاقم الأزمة الإنسانية، ووقف التصعيد القائم واحترام القانون الدولي والإنساني، والتشديد على أهمية تسوية شاملة وعادلة للنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي وإيجاد آفق حقيقي للعودة إلى مفاوضات جادة وفاعلة لتحقيق السلام بما يكفل للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة بحياة كريمة في ظل سلام عادل ومستدام.

ولي العهد السعودي لدى ترؤسه القمة التاريخية بين دول الخليج ورابطة «آسيان» وتأكيده على الرفض القاطع لاستهداف المدنيين (واس)

وتصدّر الملف الفلسطيني الأولوية في القمم التي احتضنتها السعودية خلال العام الحالي، واللقاءات الرسمية والاتصالات التي أجراها وتلقّاها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، منذ بداية الأزمة مع رؤساء الدول الفاعلة كافة، حيث شهدت التأكيد على رفض المملكة استهداف المدنيين، وأهمية الالتزام بالقانون الدولي الإنساني ورفع الحصار عن غزة لإدخال المساعدات، والتشديد على رفض التهجير القسري للسكان، وضرورة تهيئة الظروف لاستعادة مسار السلام، بالإضافة إلى زيارات وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، لعدد من العواصم، والمشاورات السياسية التي أجراها مع نظرائه حول العالم؛ وحشد التأييد الإقليمي والدولي لوقف التصعيد الجاري في غزة.

امتداداً لدعم متواصل

يقول الدكتور عبد الله العساف، المحلل السياسي، لـ«الشرق الأوسط»: إن الجهود السعودية في خدمة القضية الفلسطينية ليست وليدة الساعة، بل هي مواقف ثابتة لا تتزحزح عبر التاريخ، مشيراً إلى مواقف الملك عبد العزيز، التي عبّر بها إلى الرئيس الأميركي روزفلت عن تأييد الحق الفلسطيني ونصرته، وسار على نهجه أبناؤه الملوك من بعده حتى عهد الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان.

وأضاف: «ربما تكون السعودية الدولة الوحيدة التي قرنت الأفعال بالأقوال... ولم تستغل القضية الفلسطينية من أجل مزايدات أو شعارات باطلة»، مضيفاً: «السعودية منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز (طيب الله ثراه) وهي داعمة للقضية الفلسطينية، ووقفت المملكة في مؤتمر لندن عام 1935م والمعروف باسم (المائدة المستديرة) لمناقشة القضية الفلسطينية تأييداً ومناصرة للشعب الفلسطيني، وواصلت دعم القضية عبْر السنين ومساندتها وتقديم أطر للحل تحقق طموحات الشعب الفلسطيني وحقهم في الحياة الكريمة ووجود دولتهم المستقلة».

ولي العهد السعودي خلال مباحثات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في أبريل الماضي (واس)

وأشار الدكتور العساف إلى الدعم الكبير الذي حظيت به القضية الفلسطينية من الملك سلمان بن عبد العزيز، منذ أن كان أميراً لمنطقة للرياض وتبنيه المشروعات الإنسانية والتنموية ودعمه المتواصل لها، لافتاً إلى قيام الملك سلمان، عندما كان أميراً للرياض، بافتتاح مبنى سفارة فلسطين ورفع العَلم الفلسطيني على مبنى السفارة، وتقليده من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وسام «نجمة القدس»؛ تقديراً لجهوده الاستثنائية الخاصة في دعم الشعب الفلسطيني.

كما أشار إلى ما شهدته القمة العربية الـ29 والتي عُقدت في الظهران، وإعلان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، تسمية القمة «قمة القدس»، وإرساله رسالة للقاصي والداني، بأن فلسطين وشعبها في وجدان العرب والمسلمين، وأن القضية ستظل القضية الأولى حتى حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة، وتبرعه بمبلغ 200 مليون دولار لفلسطين.

وأضاف: «لا تكاد تحظى دولة عربية بالدعم السياسي والمالي كما هي القضية الفلسطينية، حيث كانت وتظل هي الأبرز والأكثر أهمية»، مشيراً إلى أن المتابع للخطاب السياسي السعودي يجد أن القضية الفلسطينية دوماً في صدارة اهتمامات القيادة السعودية، حيث لا يخلو خطاب سياسي في المحافل الدولية من تناول القضية؛ كونها الحاضر الأبرز.

ولي العهد السعودي خلال لقائه مع رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك في الرياض (واس)

وتابع الدكتور العساف: «لا أحد يستطيع أن ينكر منذ السابع من أكتوبر الجهود الدبلوماسية السعودية التي لم تهدأ إما اتصالاً أو استقبالاً، إما حديثاً مع المسؤولين الكبار في الدول المهمة جداً من أجل الحق الفلسطيني وتطويق هذه الأزمة ومن أجل العودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر والعودة أيضاً إلى مسار السلام».

تأكيد مستمر على أهمية القضية

ورغم التباين الذي خرج به لقاء عمّان العربي – الأميركي حيال غزة السبت الماضي، أكدت السعودية إلى جانب أشقائها العرب على ضرورة وقف الحرب الإسرائيلية ضد القطاع ورفض تهجير الفلسطينيين منه، كما أخذت السعودية وعدد من الدول العربية المشاركة في «قمة القاهرة للسلام» زمام المبادرة في مؤشر لعدم قبول ما أفرزته القمة بإصدار بيان شديد اللهجة رفض «أي محاولات لتصفية القضية الفلسطينية، ومحاولات تهجير الشعب الفلسطيني خارج أرضه بأي صورة من الصور؛ بوصفه انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، وبمثابة جريمة حرب».

الأمير محمد بن سلمان خلال اجتماعه بوزير خارجية أميركا أنتوني بلينكن في الرياض (الشرق الأوسط)

وتتجلى مواقف القيادة السعودية تجاه قضية فلسطين، بالتأكيدات المستمرة على أهمية هذه القضية وعدم المساومة عليها؛ ومن أهمها ما ذكره ولي العهد في مُقابلته مع قناة «فوكس نيوز»، والتي أكد فيها أن القضية الفلسطينية أمر مهم لتحقيق أمن واستقرار المنطقة، وتشديده على ضرورة أن ينعم الفلسطينيون بحياة كريمة.

وعلى مدار عقود، وقفت السعودية بكامل ثقلها السياسي خلف إرادة الفلسطينيين وخياراتهم وقدّمت مبادرة تلو الأخرى لإحلال السلام لإقامة الدولة الفلسطينية المُستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، ويأتي تعيينها سفيراً فوق العادة لدى فلسطين وقنصلاً عاماً في مدينة القدس؛ امتداداً لرسوخ مواقفها الداعمة للشعب الفلسطيني ومواصلتها دعم قضيته العادلة.

مبادرات لإحلال السلام

وأكد الشيخ نور الدين طويل، إمام وخطيب المركز الثقافي الإسلامي بمدينة درانسي الفرنسية، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الحديث عن المواقف السعودية تجاه القضية الفلسطينية لا يمكن الإحاطة به على عجالة، مشيراً إلى أن المملكة من أوليات الدول التي قدمت الدعم للشعب الفلسطيني في جميع مراحلها وعلى جميع المستويات وفي المحافل الدولية، وقدمت مبادرات تلو الأخرى لإحلال السلام وأن ينعم الفلسطينيون بإقامة دولتهم المستقلة.

وبيّن، أن الظروف الاستثنائية التي تشهدها فلسطين أظهرت بشكل لافت الجهود التي تبذلها السعودية إلى جانب أشقائها في الدول العربية والإسلامية وشركائها في المجتمع الدولي لخفض وتيرة التصعيد وعدم اتساعه في المنطقة، مشيراً إلى أن جهود السعودية ليست مستغربة، ويجدد ما هو مؤكد على مركزية القضية الفلسطينية للسعودية التي تعدّ الدفاع عن حقوق الفلسطينيين واجباً قومياً ودينياً حتى استعادة كامل حقوقه على أراضيه.

الأمير فيصل بن فرحان خلال مشاركته في جلسة المناقشة الرفيعة المستوى لمجلس الأمن الدولي (واس)

وأضاف: «السعودية سخّرت جميع إمكاناتها للدفاع عنها ونصرة الشعب الفلسطيني منذ تأسيسها وحتى اليوم على الصعد والمنابر الدولية كافة، حيث تصدّرت الأحداث الجارية في غزة مباحثات القيادة السعودية واتصالاتها مع الدول كافة لتعزيز التنسيق والتشاور الإقليمي لفرض الشرعية الدولية ودعم حقوق الشعب الفلسطيني وخياراته بما يحقق آماله وتطلعاته»

ضرورة وقف التصعيد واستعادة مسار السلام

وأشار نور الدين طويل إلى موقف الأمير محمد بن سلمان، ومواجهة الإدارة الأميركية بصرامة بالتأكيد على ضرورة العمل لبحث سبل وقف العمليات العسكرية التي راح ضحيتها الأبرياء والعمل على التهدئة ووقف التصعيد القائم واحترام القانون الدولي والإنساني، بما في ذلك رفع الحصار عن غزة والعمل على تهيئة الظروف لعودة الاستقرار واستعادة مسار السلام بما يكفل حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة وتحقيق السلام العادل الدائم، وتشديده على رفض المملكة استهداف المدنيين بأي شكل أو تعطيل البنى التحتية والمصالح الحيوية التي تمس حياتهم اليومية.

في إطار الاهتمام السعودي بالقضية الفلسطينية جاء تعيين نايف السديري أول سفير سعودي لدى فلسطين (وكالة الأنباء الفلسطينية)

وصف الشيخ نور طويل التحركات السعودية ورفضها القاطع دعوات التهجير القسري للفلسطينيين والدفع بعملية السلام والاستمرار في الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني بالأمر «العظيم»، مشيراً إلى أنها تعكس ما توليه المملكة للقضية الفلسطينية والمسجد الأقصى والدفاع عنهما وتقديم الدعم والرعاية والمساندة لنصرة القضية وصولاً إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، والوقوف صفاً واحداً ضد مختلف المحاولات لتصفية قضية فلسطين وتهويد القدس الشريف ودعم صمود أهله بالوسائل الممكنة كافة.


مقالات ذات صلة

توترات «هرمز» تدعم الربط عبر موانئ السعودية ومصر

شمال افريقيا  جانب من تطوير ميناء سفاجا بالبحر الأحمر في مصر (وزارة النقل المصرية)

توترات «هرمز» تدعم الربط عبر موانئ السعودية ومصر

تدعم توترات الملاحة في مضيق هرمز الربط التجاري بين موانئ السعودية ومصر بما يوفر منفذاً جديداً لسلاسل الإمداد بين دول مجلس التعاون الخليجي وأوروبا

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
رياضة سعودية دونيس مدرب الخليج (الشرق الأوسط)

مصادر: الاتفاق تم… دونيس مدرباً للمنتخب السعودي في كأس العالم

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» اليوم الجمعة عن اتفاق نهائي تم بين الاتحاد السعودي لكرة القدم والمدرب اليوناني جورجيوس دونيس.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج جاسم البديوي خلال إحاطة أمام لجنة الشؤون الخارجية للبرلمان الأوروبي في بروكسل الأربعاء (مجلس التعاون الخليجي)

البديوي: استقرار الخليج ينعكس على العالم

قال جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، إن تطورات المنطقة الأخيرة تؤكد أن استقرار الخليج ليس شأناً إقليمياً فحسب، بل عنصر أساس في الاستقرار العالمي

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
خاص سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

خاص البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تلعب دوراً مركزياً في استقرار أسواق الطاقة

شددت مسؤولة بالبنك الدولي على الدور المركزي الذي تلعبه السعودية في أسواق الطاقة العالمية، من خلال تدابيرها لتعزيز موثوقية سلاسل الإمداد.

هلا صغبيني (الرياض)
يوميات الشرق السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدوّن في سجل إنجازاتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.