مدينة طرابلس عاصمة للثقافة العربية... والبؤس اللبناني

توفيق سلطان: رفيق الحريري مُنع عليه العمل في المدينة

الجامع المنصوري الكبير في طرابلس (أرشيفية)
الجامع المنصوري الكبير في طرابلس (أرشيفية)
TT

مدينة طرابلس عاصمة للثقافة العربية... والبؤس اللبناني

الجامع المنصوري الكبير في طرابلس (أرشيفية)
الجامع المنصوري الكبير في طرابلس (أرشيفية)

يشكو كبار مدينة طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني، من التردي الكبير في أوضاع المدينة التي تحتفل بتتويجها «عاصمةً للثقافة العربية» بعد أن باتت على هامش التطور، بل تعاني تأخراً على جميع المستويات، بعد أن كانت رائدة في التطور المدني في لبنان.

ويقول ابن المدينة، توفيق سلطان، إن «المدارس الخاصة كلها صارت خارج طرابلس. كلية التربية والتعليم بمبناها التراثي مغلقة. مسرح الإنجا العريق الذي يتسع لـ800 كرسي هُدم. يوجد في لبنان 22 متحفاً وليس في طرابلس متحف. كان ثمة مكتبه قضوا عليها. لا توجد بلدة حولنا بلا فندق باستثناء طرابلس. قرب بيتي مدرسة فندقية مغلقة، هي أوتيل ومطبخ لم يُستخدم بعد، كلّف 800 ألف دولار، لماذا لا يتم تلزيمه؟».

صديق الرؤساء والزعماء في لبنان والعالم العربي، يفتح لك صناديقه وصوره، وهو يستعيد تاريخاً حافلاً، مع كمال جنبلاط، حيث لا يزال منخرطاً في الحزب الاشتراكي، وكذلك ترى صورة له مع الرئيس السابق للحكومة رفيق الحريري وكثر آخرين. تشاهده على خط بارليف، وفي جنازة جمال عبد الناصر.

توفيق سلطان (أرشيفية)

«تخلّت الدولة عن طرابلس، طوّقوها وحاصروها، خنقوا أهلها، زوّروا تمثيلها بقوانين انتخاب سيئة، وانتخابات أسوأ. أوصلوا طبقة سياسية لا قدرة لها على حمل طرابلس، بقيمتها التاريخية والجغرافية». وحين نسأله: من هم؟ يقول: «جميعهم دون استثناء».

يروي سلطان أن وزيرة النقل الهولندية قالت للوزير السابق عمر مسقاوي، إن «موقع طرابلس فريد من نوعه». وفي رأيه أن طرابلس لها من المرافق ما يجعلها كنزاً. مرفأ طرابلس مساحته شاسعة، وإمكاناته كبيرة. ربطه بطريق إلى دمشق يكلف مليوني دولار، ويقع قرب سكة حديد بطول 35 كلم حتى الحدود السورية. أما مرفأ بيروت فمخنوق، لا تمكن توسعته متراً واحداً، تخرج منه الشاحنات وتمر في قلب العاصمة، وتأخذ طريق الجبل الصعب إلى الشام، وتكاليفه عالية. هو متيقن أن «طرابلس لا تزدهر إلا إذا رُبطت بسوريا. الحرب ستنتهي وطرابلس عليها أن تتهيأ». سكة الحديد التي تربط لبنان بسوريا معطلة منذ 40 سنة. تم شراء حديد السكك، ووضع حجر أساسها منذ 15 سنة، والعمل لم يبدأ.

قلعة طرابلس قبل التشوهات العمرانية التي أحاطت بها (أرشيفية)

يسمونه «أبو المرفأ». يروي أن والده كان رئيساً لبلدية طرابلس في الخمسينات. وتعمل في الميناء شركة إيطالية، اقترحت تطوير الميناء ليزداد عمقه من 7 إلى 11 متراً. «ذهب أبي ورئيس بلدية الميناء سعدي غازي، وأنا عند كميل شمعون. كان عمري 15 سنة. دخل شمعون واستقبلنا بترحاب، عندما أخبره أبي باقتراح الطليان تغيَّر لونه، وهبّ واقفاً وقال: أستاذ سلطان مرفأ طرابلس لن يكون. حين يصبح لمرفأ بيروت 100 حوض بيصير عندكم مرفأ. من بيروت إلى أنطلياس وأبي يردد: لماذا كل هذا التعصب؟ بقيت هذه الحادثة محفورة في رأسي، وبقيت كل حياتي أتابع المرفأ».

يتحدث توفيق سلطان عن محاولاته لتطوير المرفأ. دعمه الرئيس السابق للحزب التقدمي وليد جنبلاط، ورئيس البرلمان نبيه بري، لكن ثمة دائماً مَن يعترض. تمنى بناء إهراءات لحفظ القمح، قبل انفجار مرفأ بيروت، ولم ينفَّذ. في النهاية تمت بعض المشاريع بتمويل ذاتيّ من المرفأ نفسه، الذي له وفرة اليوم 20 مليون دولار، تعهدت الدولة بدفع 30 في المائة من المشروع، ولم تدفع.

يكرر سلطان أن «طرابلس في التاريخ أهلها عملوها. لم يكن من ماء، أسسوا شركة (رشعين). جرّ مهندس من بيت سلهب المياه 17 كيلومتراً إلى طرابلس، باعت النساء مصاغهن وفرش الصوف وأواني النحاس، لتمويل المشروع. شركة الكهرباء قاديشا الأمر نفسه، كانت تبيع سوريا 200 ميغاواط قبل الحرب، كذلك سكة الحديد التي موّلها طرابلسيون».

يتحدث عن «مصفاة النفط المعطلة منذ 40 سنة». «أكثر من 5 ملايين متر مربع، مساحة المصفاة، ثروة هائلة بالإمكان تشغيلها وتسييل الغاز فيها. يوجد خط غاز أنابيب ممتد من سوريا إليها، كلّف 25 مليون دولار، إضافةً إلى 500 موظف».

يتناسل الكلام عن المشاريع المهمَلة. الملعب الأولمبي يُفترض أن يكون ثروة «صرفوا على بنائه 20 مليون دولار، وتركوه بلا موقف للسيارات. بمقارنة بينه وبين ملعب صيدا الأولمبي، نجد الثاني في كامل بهائه، أما الأول فليس مفهوماً إن كان ملعباً أم ثكنة عسكرية».

أيضاً المحاولة لإقامة شركة كهرباء خاصة «نور الفيحاء»، كان على رأسها الرئيس نجيب ميقاتي، لم تكتمل وفُضَّت بعد تأسيسها، «لأن رئيس الجمهورية حينها ميشال عون قال لنا، اسألوا جبران باسيل. أقمت مؤتمراً صحافياً وأعلنت أننا لا نمشي وراء جبران، وإنما نتعامل مع الدولة».

«المشاريع الكبرى بحاجة لأكتاف تحملها. النخبة الطرابلسية سافرت»، يعطي مثلاً: غسان غندور، من عائلة غندور التي كان لها مصانع في طرابلس، كلها أُقفلت. يقيم في اليونان عنده بواخر عملاقة تنقل 300 ألف طن. هناك نافذ الجندي، يقيم في السعودية، مشاريعه في لبنان وخارجه. سفيان الصالح ابن الشيخ صبحي الصالح من أكبر المهندسين في الإمارات. لماذا لا يستعان بالنخبة ويقام مجلس لإنماء طرابلس؟

يعتقد توفيق سلطان أن الانحدار الطرابلسي جاء تدريجياً. مع إعلان لبنان الكبير، قامت مظاهرات في طرابلس ضد الانفصال عن سوريا، كان رفضاً اقتصادياً وليس سياسياً. طرابلس كانت تخدم الساحل والداخل السوريين، البرجوازية السورية كانت لها بيوت في طرابلس. والمدينة مرفأ طبيعي لسوريا. يقول سلطان: «الفرنسيون قالوا للبطرك حويك عند الاستقلال، ما يهمك من طرابلس، ستخلّ بالديمغرافيا، قال لهم: إذا تركت طرابلس خارج خريطة لبنان الكبير، ستشكّل منافسة لبيروت».

خان الخياطين في طرابلس (أرشيفية)

ركز الإنجليز على ميناء حيفا، والفرنسيون أرادوا إبراز دور بيروت. أوائل القرن التاسع عشر، كان عدد سكان طرابلس أكبر من سكان بيروت.

يتحدث عن بدء نمو بيروت في ذلك الوقت، وظهور شركة «دريجانس»، التي سيّرت عربات تجرها البغال من بيروت إلى الشام، واختُصر الوقت إلى 11 ساعة مع استراحة في شتورة. الشركة نفسها تولت تسيير القطار، بمعونة شركة سويسرية ثم رصفت الطريق.

«خُنقت طرابلس وكُتمت أنفاسها. نهاية الأربعينات كان في طرابلس مستشفى أميركي، تم هدمه، ومستشفى إيطالي لا مثيل له اليوم».

يستذكر يوم أعدمت إيطاليا عمر المختار وكان في طرابلس 7 راديوهات فقط. خرج ما يقارب 30 ألف طرابلسي، وأحرقوا القنصلية الإيطالية في المدينة، وحين حاول عبد الحميد كرامي تهدئتهم، تعرضوا له.

«لبنان الكبير أصبح حقيقة. عبد الحميد كرامي كان مع تركيا، البعض صار بعدها مع الإنجليز، لم تكن عروبة رجالات الاستقلال صافية. عبد الحميد وغيره استقووا بالإنجليز للتخلص من الفرنسيين. قفزوا من العروبة».

صار مرفأ بيروت ينمو ويضمر مرفأ طرابلس. الجامعات تُفتح في بيروت، وتُغلَق عندنا. طرابلس وميناؤها، كانا مركزاً لتجار الأخشاب، ولها امتداد إلى الإسكندرية والإسكندرون. أُقيمت مشاريع فاقدة للرؤية. «عندما صار طوفان نهر أبو علي في منتصف الخمسينات، تعاملوا مع النهر كأنه الأمازون، حوّلوه إلى مجرور، تلاه سقف النهر، وإقامة سوق للثياب المستعملة فوقه. هذه فاجعة».

حين نسأله، لماذا الشكوى؟ ولماذا لم يقم رفيق الحريري بمشاريع تُنقذ طرابلس، وهو كان مقرباً منه؟ «كان ممنوعاً عليه أن يعمل في البلد، حتى في بيروت بحدود، تُقصقص جوانحه كي لا يطير. سافرت إلى مصر لسنوات وحين عدت هُدِّدتُ، وتمت مضايقتي».

ساحة التل في طرابلس (أرشيفية)

قدم لرفيق الحريري خمسة مشاريع لطرابلس، «واحد لمنطقة التل الأثرية التي أردنا أن نحدّثها، ونقيم مرآباً تحتها، واعترض الناس. ومشروع منطقة سياحية تربط بين شط الميناء والجزر البحرية وامتدادها خان التماثيلي الثري بمساحته الكبيرة، ولم نتمكن منه. ومحطة التسفير حيث أقيمت اثنتان في بيروت وصيدا، لكنّ محطة طرابلس كانت دونها عقبات».

اتُّهمت طرابلس بالظلامية وأُلبست ما ليس لها. «لكنّ المجلس البلدي الذي ليس فيه مسيحي واحد، اجتمع واتخذ قراراً بتسمية سبعة شوارع باسم مطارنة. وفي المدينة شارع الراهبات، وشارع الكنائس، ومار مارون، وحارة السيدة. هل في جونية شيء مشابه؟ لقد ألبسوا المدينة ثوباً تنكرياً».


مقالات ذات صلة

لبنان: تحديات قضائية وسياسية تتحكم بمعركة خليفة «النائب العام التمييزي»

المشرق العربي قصر العدل في بيروت (أرشيفية)

لبنان: تحديات قضائية وسياسية تتحكم بمعركة خليفة «النائب العام التمييزي»

دخل لبنان مرحلة حاسمة مع اقتراب موعد إحالة النائب العام التمييزي جمال الحجار إلى التقاعد، لتبدأ معركة اختيار الشخصية التي ستخلفه في واحد من أهم المواقع القضائية

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جانب من المباني المتضررة التي استُهدفت بغارات إسرائيلية في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

تصعيد إسرائيلي على لبنان: توسيع رقعة القصف بين الضاحية والجنوب والبقاع

شهد لبنان، السبت، تصعيداً عسكرياً واسع النطاق، مع سلسلة غارات إسرائيلية مكثفة طالت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق واسعة في الجنوب والبقاع الغربي

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)

جنوب لبنان... من السيطرة العسكرية إلى الهندسة الأمنية للحدود

لم تعد المواجهة الدائرة في جنوب لبنان تُختزل في مشهد الدبابات أو خطوط التماس، بل تتخذ شكلاً أكثر تعقيداً وعمقاً.

المشرق العربي أطفال نازحون يلعبون في مدرسة تحولت إلى مركز للنزوح ومن خلفهم العلم اللبناني (رويترز)

حرب إسناد «حزب الله» لإيران: ساحة ضغط موازية وأثمان داخلية متصاعدة

بعد أكثر من شهر على بدء حرب «إسناد إيران» التي أطلقها «حزب الله» عبر 6 صواريخ باتجاه إسرائيل، بدأ يُطرح السؤال حول مدى نجاح هذا الإسناد عسكرياً وسياسياً.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)

تطويق ميداني لبلدة بنت جبيل في جنوب لبنان

تتسارع وتيرة التطورات الميدانية في جنوب لبنان، على وقع تصعيد إسرائيلي متدرّج يجمع بين الضغط العسكري المباشر وتوسيع نطاق الإنذارات والإخلاءات.

صبحي أمهز (بيروت)

مصرع طفلتين في غارات على لبنان... والجيش الإسرائيلي يعلن مقتل جندي

عناصر في الدفاع المدني في أحد المواقع التي استهدفت بقصف إسرائيلي في بلدة معركة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
عناصر في الدفاع المدني في أحد المواقع التي استهدفت بقصف إسرائيلي في بلدة معركة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

مصرع طفلتين في غارات على لبنان... والجيش الإسرائيلي يعلن مقتل جندي

عناصر في الدفاع المدني في أحد المواقع التي استهدفت بقصف إسرائيلي في بلدة معركة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
عناصر في الدفاع المدني في أحد المواقع التي استهدفت بقصف إسرائيلي في بلدة معركة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

قُتلت طفلتان وأصيب 40 شخصاً بجروح جرَّاء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان السبت، بحسب ما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، في وقت أفادت إسرائيل عن مقتل جندي «في المعارك» في المنطقة ذاتها.

وأعلنت الوزارة «استشهاد طفلتين وإصابة 22 مواطناً بجروح» جرَّاء غارة إسرائيلية على بلدة حبوش بقضاء النبطية في جنوب البلاد.

كما أشارت إلى «إصابة 18 مواطناً بجروح من بينهم طفل وثلاث سيدات وثلاثة مسعفين»، في حصيلة نهائية لغارتين إسرائيليتين استهدفتا ليل الجمعة محلة الحوش في قضاء صور.

وشاهد مصوّر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» ركاماً متناثراً وهيكل سيارة متفحماً في الموقع.

سيارات محطمة نتيجة القصف الإسرائيلي في مدينة صور جنوب لبنان (رويترز)

وبحسب بيان لوزارة الصحة، فقد خلّفت الغارتان «أضراراً مختلفة» بالمستشفى اللبناني الإيطالي القريب، مما أسفر وفق إدارته، عن تحطّم زجاج نوافذه وسقوط عدد من الأسقف المستعارة بينما كان طاقمه ومرضى يتلقون العلاج داخله.

من جانبه، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جندي يبلغ 21 عاماً «في المعارك» في جنوب لبنان، مع استمرار قواته في توغّلها البري جنوباً.

وامتدّت الحرب في الشرق الأوسط إلى لبنان في الثاني من مارس (آذار) بعدما أطلق «حزب الله» المدعوم من طهران صواريخ على الدولة العبرية ردّا على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في أول أيام الهجوم الأميركي الإسرائيلي.

ووفق آخر حصيلة صادرة عن وزارة الصحة، أسفرت الحرب عن مقتل 1422 شخصاً ونزوح أكثر من مليون شخص.

في الأثناء، شنّ الجيش الإسرائيلي غارات على ثلاثة أبنية في مدينة صور كان قد أنذر سكانها بإخلائها، وفق ما أوردت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية.

وأفاد مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن صاروخاً استهدف مبنى مؤلفاً من 11 طابقاً، شمال شرق المدينة، ما أسفر عن تدميره بشكل كامل وتحوله إلى أكوام من التراب غطت محطة وقود مجاورة.

وأدت غارة ثانية على مبنى آخر من خمس طوابق قرب المدينة، إلى دمار جزء منه، أمسى عبارة عن أكوام متكدسة من الركام.

وطالت الضربة الثالثة منزلاً في مخيم برج الشمالي للاجئين الفلسطينيين، الواقع جنوب شرق مدينة صور.

وكان الجيش الإسرائيلي أنذر سكان تلك الأحياء بإخلائها، محذِّراً من أن أنشطة «حزب الله» هي التي «تجبر جيش الدفاع على العمل ضده بقوة».

ولا يزال نحو 20 ألف شخص، بينهم نحو 15 ألف نازح من القرى المجاورة، يعيشون في مدينة صور، رغم أوامر الإخلاء الإسرائيلية التي أرغمت عشرات الآلاف على النزوح من غالبية أحيائها.

جنود إسرائيليون يحملون نعش عسكريّ قُتل في جنوب لبنان خلال المواجهات مع «حزب الله» (أ.ف.ب)

واستهدفت سلسلة غارات إسرائيلية أخرى مدينة صور وبلدات في محيطها، طالت إحداها ميناء الصيادين.

وأفاد مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأنّ الغارة استهدفت مركباً سياحياً بينما كان شخص ينام داخله. وقال إن مراكب صيادين بدت متضررة أثناء رسوها في الميناء الذي لطالما شكّل وجهة رئيسية لزوار المدينة الساحلية.

واستهدفت غارة إسرائيلية أخرى مسجد بلدة برعشيت في قضاء بنت جبيل ودمّرته كلياً، بحسب «الوكالة الوطنية للإعلام».

وغداة تنفيذه غارتين على جسر في منطقة البقاع الغربي في شرق البلاد، بهدف «منع نقل تعزيزات ووسائل قتالية» إلى (حزب الله)، جدَّد الجيش الإسرائيلي السبت قصفه الجسر، مما أسفر عن تدميره بالكامل، وفق الوكالة.

ومنطقة البقاع الغربي مجاورة لجنوب لبنان، حيث تدفع إسرائيل منذ بدء الحرب بقوات برية تتقدم على محاور عدة.

مركبات تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان - 6 يوليو 2023 (رويترز)

واستهدفت فجر السبت ضاحية بيروت الجنوبية بعد سلسلة غارات طالتها الجمعة.

من جهته، أعلن «حزب الله» في بيانات متلاحقة استهدافه بلدات عدة في شمال إسرائيل بينها كريات شمونة ومسغاف عام، إضافة إلى قوات وآليات إسرائيلية داخل لبنان وتحديداً في بلدات مارون الراس وحولا وعيناتا.

والسبت، قال مصدر أمني في الأمم المتحدة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» متحفظاً على ذكر اسمه إن «الجيش الإسرائيلي دمَّر منذ يوم أمس (الجمعة) 17 كاميرا تابعة للمقر العام لقوة يونيفيل» في بلدة الناقورة الساحلية.

ومنذ بدء الحرب، تحاصر النيران مقر ومواقع قوة حفظ السلام، مع شنّ «حزب الله» هجمات على مواقع وقوات إسرائيلية من جهة، وتوغل وحدات عسكرية إسرائيلية في بلدات حدودية، من جهة ثانية.

وأعلنت القوة الدولية الجمعة أن «انفجاراً» وقع داخل أحد مواقعها قرب بلدة العديسة، وأسفر عن «إصابة ثلاثة من جنود حفظ السلام».

وأفاد مكتب الأمم المتحدة في جاكرتا بأن المصابين الثلاثة إندونيسيون.

وقالت الخارجية الإندونيسية في بيان إن «تكرار مثل هذه الهجمات أو الحوادث غير مقبول»، وذلك بعدما أسفرت هجمات سابقة عن مقتل ثلاثة جنود إندونيسيين أيضاً.


إندونيسيا تحث مجلس الأمن على التحقيق بعد إصابة جنودها بقوات حفظ السلام في لبنان

مركبات تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان - 6 يوليو 2023 (رويترز)
مركبات تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان - 6 يوليو 2023 (رويترز)
TT

إندونيسيا تحث مجلس الأمن على التحقيق بعد إصابة جنودها بقوات حفظ السلام في لبنان

مركبات تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان - 6 يوليو 2023 (رويترز)
مركبات تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان - 6 يوليو 2023 (رويترز)

دعت إندونيسيا، اليوم (السبت)، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى إجراء تحقيق عاجل في الهجمات المتكررة ضد قوات حفظ السلام الدولية في لبنان، وذلك بعد إصابة 3 من أفرادها في انفجار وقع في الثالث من أبريل (نيسان) الحالي في منطقة العديسة بجنوب لبنان.

وأعربت وزارة الخارجية الإندونيسية، في بيان لها، اليوم (السبت)، عن «قلقها البالغ» إزاء الحادث، مشيرة إلى أنه يمثل الهجوم الخطير الثالث الذي تتعرض له القوات الإندونيسية التابعة لـ«اليونيفيل» في أقل من أسبوع، وفقاً لـ«وكالة أنباء أنتارا الإندونيسية».

جنود حفظ السلام التابعون للأمم المتحدة من مختلف الوحدات الوطنية يسيرون خلال احتفال بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لتأسيس «يونيفيل» في مقر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في بلدة الناقورة بجنوب لبنان - 19 مارس 2025 (أ.ب)

وقالت الوزارة في بيانها: «تدعو إندونيسيا مجلس الأمن الدولي إلى معالجة هذا الأمر بشكل عاجل، كما تدعو الدول المساهمة بقوات عسكرية وشرطية في اليونيفيل إلى عقد اجتماع فوري لمراجعة وتعزيز تدابير حماية القوات».

وأكد البيان أن «سلامة وأمن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة أمر غير قابل للتفاوض، وأن أي ضرر يلحق بهم يشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي ولا يجب أن يمر دون رد».


لبنان: تحديات قضائية وسياسية تتحكم بمعركة خليفة «النائب العام التمييزي»

قصر العدل في بيروت (أرشيفية)
قصر العدل في بيروت (أرشيفية)
TT

لبنان: تحديات قضائية وسياسية تتحكم بمعركة خليفة «النائب العام التمييزي»

قصر العدل في بيروت (أرشيفية)
قصر العدل في بيروت (أرشيفية)

دخل لبنان مرحلة حاسمة مع اقتراب موعد إحالة النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار، إلى التقاعد في 25 أبريل (نيسان) الحالي، لتبدأ معها معركة اختيار الشخصية التي ستخلفه في واحد من أهم المواقع القضائية وأكثرها حساسية وتأثيراً في البلاد. ولا تنحصر أهمية هذا المنصب في كونه رأس النيابات العامة ومرجعيّة الضابطة العدلية؛ بل تتجاوز ذلك إلى أبعاده السياسية والأمنية، حيث يشكّل نقطة تقاطع دقيقة بين السلطة التنفيذية والجسم القضائي، فضلاً عن كونه المرجع المخوّل إدارة التعاون القضائي الدولي.

ملفات كبرى ذات بعد دولي

في السنوات الأخيرة، تعاظم دور النائب العام التمييزي بشكل ملحوظ، خصوصاً في الملفات الكبرى ذات البعد الدولي، وفي مقدّمتها التحقيقات المرتبطة بانفجار مرفأ بيروت، حيث كان له دور محوري في تلقي الاستنابات القضائية من الخارج والرد عليها، كما برزت مهمته في التنسيق مع الأجهزة الأمنية اللبنانية ونظيراتها في الخارج، لا سيما في الدول العربية، في إطار مكافحة شبكات تهريب المخدرات، خصوصاً شحنات «الكبتاغون» التي شكّلت مصدر توتر دائماً بين لبنان ودول الخليج العربي.

موقع انفجار مرفأ بيروت - 4 أغسطس عام 2020 (أرشيفية)

والمرحلة المقبلة على النائب العام الجديد دقيقة ومعقّدة، في ظل ترقب القضاء اللبناني ورود طلبات تعاون قضائي وأمني من دول خليجية، عقب اكتشاف خلايا أمنية مرتبطة بـ«حزب الله» كانت تخطط لعمليات في عدد من هذه الدول، بينها الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر، وتؤكد مصادر مواكبة لهذا الملفّ، أن المدعي العام الجديد «تنتظره كرة نار سيتلقفها، وتشكل اختباراً حقيقاً لأدائه، وترقب دوره في تتبع خيوط هذه الشبكات داخل لبنان، والتحقيق في صلات محتملة لأفراد مقيمين فيه بإدارة أو دعم تلك الخلايا». وشددت على أن «الامتحان الأهم يكمن في كيفية استكمال إدارة الملفات الأمنية والقضائية العائدة لعناصر ومسؤولين في (حزب الله)، بعد قرار الحكومة حظر نشاطات الحزب العسكرية والأمنية، واعتبارها خارجة عن القانون».

أكياس تحتوي على حبوب «كبتاغون» معروضة على الأرض بمقر «شعبة المعلومات» في بيروت خلال سبتمبر الماضي إثر الإعلان عن إحباط عملية التهريب (إ.ب.أ)

تجاذب سياسي حول الشخصية

تتصاعد حدة التجاذب السياسي حول الشخصية القضائية التي ستتولى هذا المنصب، في ظل سعي كل طرف إلى ترجيح كفة مرشحه. ووفق المصادر المواكبة لهذا الملفّ، فإن رئيس الجمهورية جوزيف عون «يميل إلى دعم تعيين رئيس محكمة الجنايات في الشمال القاضي ربيع الحسامي، فيما يُنسب إلى مقربين من رئيس الحكومة نواف سلام، أن الأخير يفضّل تعيين المحامي العام لدى محكمة التمييز القاضي أحمد رامي الحاج». أما في كواليس مجلس القضاء الأعلى، فثمّة من يزكّي اسم القاضية رولا عثمان، التي تشغل حالياً منصب قاضي التحقيق الأول في بيروت، بوصفها خياراً محتملاً يعكس توجهاً نحو تعزيز حضور المرأة في المواقع القضائية العليا. لكن المصادر لفتت إلى أن تأثير مجلس القضاء الأعلى «يبقى محدوداً، خصوصاً بعد أن أبطل المجلس الدستوري قانون استقلالية السلطة القضائية، الذي كان يمنح مجلس القضاء حق اقتراح 3 أسماء لهذا الموقع، وتكون الحكومة ملزمة باختيار أحدهم».

وأمام غياب تأثير مجلس القضاء، يبقى التعيين رهن التوافق السياسي، على الأقل بين رئيسي الجمهورية والحكومة، مع مراعاة التوازنات الطائفية، إذ جرت العادة أن يكون النائب العام التمييزي من الطائفة السنيّة، ما يمنح رئيس الحكومة هامشاً أوسع في عملية الاختيار. ولا تستبعد المصادر بروز أسماء من خارج لائحة المرشحين الأساسيين، من بينها رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي أسامة منيمنة، ومدير عام وزارة العدل القاضي محمد المصري، إضافة إلى القاضي علي عواجي.

وتشير المعطيات المتداولة الأوساط القضائية إلى أن «حظوظ القاضي محمد المصري تقدمت نسبياً في الأيام الأخيرة، نظراً لكونه الأعلى درجة بين القضاة السنّة، وهو عامل يلعب دوراً في الترجيح داخل الجسم القضائي». وترجّح أن يكون القاضي أسامة منيمنة مرشحاً بارزاً لتولي رئاسة هيئة التفتيش القضائي، خلفاً للقاضي أيمن عويدات الذي سيحال إلى التقاعد في يوليو (تموز) المقبل.