لم تكن أكاديمية أسباير مجرد محطة في مسيرة أكرم عفيف، بل كانت البوابة التي قادته من ملاعب قطر إلى تجربة أوروبية مبكرة، قبل أن يعود إلى بلاده ليصبح أحد أبرز رموز الجيل الذي كتب أهم صفحات تاريخ كرة القدم القطرية. وبعد سنوات من الألقاب والإنجازات الفردية، يستعد الجناح الموهوب لخوض تحدٍّ جديد مع المنتخب القطري في «خليجي 27» بالسعودية، واضعاً خبرته الكبيرة أمام اختبار جديد بقميص «العنابي».
وُلد أكرم حسن عفيف يحيى عفيف في الدوحة يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 1996، وبدأ خطواته الأولى مع كرة القدم في فرق الناشئين بنادي المرخية، قبل الانتقال إلى السد، ثم الالتحاق بـ«أكاديمية أسباير» عام 2009، في خطوة شكَّلت نقطة تحول مهمة في مسيرته.
وفي أسباير، لم يكتفِ عفيف بالتدريب داخل قطر، بل حصل على فرصة خوض تجربة تعليمية ورياضية في إسبانيا، حيث لعب مع فرق الشباب في إشبيلية وفياريال، وبدأ في التَّعرُّف مبكراً على أجواء كرة القدم الأوروبية. وكان ظهوره مع إشبيلية في بطولة الكأس الدولية عام 2013 لافتاً، بعدما سجَّل هدفين وصنع آخر في المباراة الأولى لفريقه أمام أسباير.
وبعد هذه التجربة، انتقل عفيف إلى أوروبا بصورة أكثر جدية، عندما انضم إلى أوبين البلجيكي في يناير (كانون الثاني) 2015، وسجَّل هدفاً في ظهوره الأول، ثم صنع 3 أهداف في المباراة التالية، ليؤكد سريعاً أنه لا يخشى خوض تجربة الاحتراف خارج بلاده رغم صغر سنه.
وفي مايو (أيار) 2016، انتقل عفيف إلى فياريال بعقد دائم، ليصبح أول لاعب قطري مولود في قطر ينضم إلى أحد أندية الدوري الإسباني. وبعدها أُعير إلى سبورتنغ خيخون، حيث ظهر للمرة الأولى في دوري الدرجة الأولى الإسباني في أغسطس (آب) 2016 أمام أتلتيك بيلباو، قبل أن يعود إلى أوبين على سبيل الإعارة في الموسم التالي.
لكن المسيرة التي بدأت في أوروبا اتخذت مساراً مختلفاً في يناير 2018، عندما عاد عفيف إلى قطر وانضم إلى السد على سبيل الإعارة، لتبدأ المرحلة التي شهدت تحوله من موهبة واعدة إلى نجم أول في الكرة القطرية. وبعد فترة الإعارة، أصبح انتقاله إلى السد دائماً في يوليو (تموز) 2020، ليواصل كتابة قصته مع النادي الذي بدأ معه خطواته الأولى.
وفي موسم 2018 - 2019، قدَّم عفيف واحداً من أكثر مواسمه تأثيراً، إذ سجَّل 26 هدفاً وصنع 15 في 22 مباراة بالدوري، ليسهم بقوة في تتويج السد باللقب، ويحصل على جائزة أفضل لاعب في الدوري القطري.
ولم يكن ذلك الموسم مجرد إنجاز عابر، فقد تحوَّل عفيف مع مرور السنوات إلى أحد أهم عناصر السد، وواصل حصد البطولات المحلية، قبل أن يقدِّم موسماً استثنائياً جديداً في 2023 - 2024، سجَّل خلاله 26 هدفاً وصنع 11 في 22 مباراة بالدوري، ليُتوَّج هدافاً للمسابقة ويسهم في قيادة السد إلى لقبه الـ17، ويحصل مجدداً على جائزة أفضل لاعب.
وعلى المستوى الدولي، بدأت قصة عفيف مع المنتخب القطري في الفئات السنية، وكان من أبرز فصولها مشاركته مع منتخب تحت 19 عاماً في بطولة آسيا 2014، حيث سجَّل 4 أهداف، بينها هدف الفوز في المباراة النهائية أمام كوريا الشمالية، ليمنح قطر اللقب القاري.
وفي سبتمبر (أيلول) 2015، تلقى عفيف أول استدعاء إلى المنتخب الأول من المدرب دانيال كارينيو، ولم ينتظر طويلاً لترك بصمته، إذ سجَّل هدفاً وصنع آخر خلال الفوز الكاسح على بوتان 15 - صفر في تصفيات كأس العالم 2018، لتبدأ مسيرة دولية تحوَّلت لاحقاً إلى واحدة من أبرز قصص النجاح في تاريخ المنتخب القطري.
وكانت بطولة كأس آسيا 2019 نقطة التحول الأكبر في مسيرته الدولية؛ حيث لعب عفيف دوراً محورياً في تتويج قطر باللقب للمرة الأولى، وصنع 10 أهداف خلال البطولة، وهو رقم قياسي في تاريخ المسابقة، ليؤكد أنه ليس مجرد هداف أو جناح قادر على التسجيل، وإنما لاعب يستطيع صناعة الفارق لزملائه أيضاً.
وبعد 4 سنوات، عاد عفيف ليكون أحد أبرز نجوم كأس آسيا 2023 التي أُقيمت في قطر، فقاد المنتخب إلى الاحتفاظ باللقب للمرة الثانية على التوالي، وسجَّل 8 أهداف، بينها 3 أهداف من ركلات جزاء في المباراة النهائية أمام الأردن، ليصبح أول لاعب يسجِّل ثلاثية في نهائي كأس آسيا، ويُتوَّج هدافاً للبطولة وأفضل لاعب فيها.
ومع تتويجه القاري الثاني، رسَّخ عفيف مكانته بوصفه أحد أبرز لاعبي آسيا، بعدما سبق له الفوز بجائزة أفضل لاعب في القارة عام 2019، ثم عاد للحصول عليها في 2023، ليصبح أحد الأسماء القطرية القليلة التي تركت بصمةً واضحةً على المستوى القاري.
ولم تقتصر إنجازاته على المنتخب، إذ جمع عفيف عدداً كبيراً من الألقاب مع السد، من بينها الدوري القطري وكأس الأمير وكأس قطر، كما تُوِّج هدافاً للدوري في أكثر من مناسبة، واختير ضمن فريق الموسم، وحصل على جوائز فردية كثيرة عزَّزت مكانته بين أبرز لاعبي الكرة الآسيوية.
وبحلول عام 2026، لم يعد عفيف مجرد أحد نجوم المنتخب القطري، وإنما أصبح من أصحاب الخبرة الأكبر في صفوفه، بعدما خاض أكثر من 130 مباراة دولية وسجَّل أكثر من 40 هدفاً، ليصبح حضوره جزءاً أساسياً من هوية «العنابي» وطريقة لعبه.
وتمنح هذه الخبرة عفيف دوراً مختلفاً في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن المنتخب القطري يدخل «خليجي 27» بعد محطة كأس العالم 2026، التي شهدت خوضه مبارياته الـ3 أمام سويسرا وكندا والبوسنة والهرسك، في أول مشاركة له في المونديال عبر التصفيات بعد ظهوره في نسخة 2022 بصفته منتخب البلد المستضيف.
وبعد سنوات كان فيها عفيف أحد الوجوه الشابة التي تصنع طريقها داخل المنتخب، أصبح الآن واحداً من اللاعبين الذين تقع عليهم مسؤولية قيادة الجيل الجديد، في وقت يسعى فيه «العنابي» إلى الحفاظ على شخصيته التنافسية، وإعادة بناء فريق قادر على مواصلة المنافسة قارياً وإقليمياً.
وفي «خليجي 27»، ستكون خبرة عفيف في البطولات الكبرى إحدى الأوراق التي يعول عليها المنتخب القطري، ليس فقط لما يملكه من قدرة على التسجيل وصناعة الأهداف، وإنما أيضاً لما اكتسبه من تجارب طويلة في المباريات الحاسمة، بداية من نهائي كأس آسيا تحت 19 عاماً، مروراً بنهائيَي كأس آسيا 2019 و2023، وصولاً إلى مشاركته في كأس العالم.
وبين «أسباير» التي فتحت له الطريق إلى أوروبا، والسد الذي تحوَّل فيه إلى نجم محلي وقاري، ومنتخب قطر الذي عاش معه أهم إنجازاته الدولية، تبدو مسيرة أكرم عفيف أشبه برحلة لاعب أصبح جزءاً من التحول الذي شهدته كرة القدم القطرية.
والآن، مع «خليجي 27»، يواجه عفيف تحدياً جديداً في مسيرته، لكن هذه المرة من موقع مختلف؛ فالجناح الذي بدأ رحلته بحثاً عن فرصة لإثبات نفسه في أوروبا أصبح قائداً لمنتخب يحمل طموحات كبيرة، ونجماً تنتظر منه الجماهير القطرية أن يواصل صناعة الفارق في مرحلة جديدة من تاريخ «العنابي».