لا يمكن فصل كرة القدم عن السياسة في العالم الحديث، مهما تمنى كثيرون عكس ذلك؛ لكن ما إذا كانت اللعبة الجميلة قادرة على التخفيف من أزمات عصرنا، فهذه مسألة أخرى. وبعد أسبوع تحولت فيه مسألة الدعم الآيرلندي للشعب في غزة إلى معركة ضمير أحاطت بهذه المباراة، بدت نتيجة اللقاء في نهاية المطاف أقل أهمية من كل ما سبقه.
وفي النهاية، كان الفوز بالفعل من طرف واحد، لكن ليس بسبب المقاطعة؛ فحتى مساء السبت، كان السؤال المطروح هو ما إذا كان منتخب هايمير هالغريمسون سيخوض المباراة أمام إسرائيل في المجر أصلاً، وإذا شارك، فهل سيكون لاعبوه قادرين على تجاوز كل ما حدث والتركيز داخل الملعب؟ لكنّ أياماً من النقاشات والانقسام انتهت بحالة من التماسك داخل المنتخب، الذي دخل المواجهة بقوة وحسمها بـ3 أهداف في الشوط الأول.
وبحسب صحيفة «الغارديان»، كانت الأجواء في ملعب ناغيردي بمدينة ديبريتسن أشبه بالمباريات التي أقيمت خلال فترة جائحة «كوفيد»؛ إذ كان من الممكن سماع كل كلمة تقال داخل الملعب في ظل مدرجات شبه خالية. وحضر نحو 150 مشجعاً إسرائيلياً، مقابل نحو 12 مشجعاً آيرلندياً تمكنوا من دخول الملعب رغم قرار الاتحاد الآيرلندي عدم تخصيص تذاكر رسمية لجماهيره.
وزادت مراسم ما قبل المباراة من غرابة المشهد؛ فقد أدار أفراد من الجهاز الآيرلندي ظهورهم للملعب خلال عزف النشيد الإسرائيلي، بينما وقف لاعبو آيرلندا، الذين ارتدوا جميعاً شارات سوداء، ورؤوسهم منخفضة. كما لم يحدث تبادل للرايات التذكارية، ولم يتصافح الفريقان، قبل أن يتجه كل منتخب مباشرة إلى تجمعه الخاص استعداداً لانطلاق اللقاء.

وكانت المباراة قد اقتربت من الإلغاء يوم السبت، بعدما أعلن الحارس غافين بازونو عدم استعداده للمشاركة، وهو القرار الذي أدى إلى نقاشات عاطفية ومطولة بين اللاعبين والجهاز الفني، قبل أن يصوت غالبية اللاعبين لمصلحة خوض المواجهة.
وأجبرت التطورات هالغريمسون على اختيار تشكيلة أصبح فيها المدافع جيمي دان بمثابة الحارس الثالث بصورة اسمية، كما أبقى فين أزاز على مقاعد البدلاء، ضمن 5 تغييرات على الفريق الذي خسر أمام كوسوفو.
وتحمل والدة أزاز الجنسية الإسرائيلية، وأفادت «الغارديان» بأنه قدم مداخلة عاطفية خلال النقاشات التي جرت داخل المنتخب يوم السبت. لكن هالغريمسون أكد بعد المباراة أن عدم إشراكه أساسياً جاء لأسباب فنية، موضحاً أن الجهاز الفني رأى أن لاعبين آخرين كانوا أكثر ملاءمة لهذه المواجهة.
وبعد كل ما سبق المباراة من نقاشات وتساؤلات، احتاجت آيرلندا إلى 11 دقيقة فقط في الشوط الأول لحسم المواجهة.
وافتتح تروي باروت التسجيل في الدقيقة الـ14، بعدما استغل عملاً مميزاً من جيمس أبانكواه على الجهة اليمنى، ليسدد كرة منخفضة تجاوزت الحارس دانييل بيريتس واستقرت في الشباك.
وبعد دقيقتين فقط، ضاعف آدم إيداه تقدم المنتخب الآيرلندي، بعدما تحرك خلف آخر مدافع واستقبل تمريرة ذكية من جاك مويلان، قبل أن يضع الكرة بهدوء إلى يسار الحارس.

وفي الدقيقة الـ25، جاء دور مويلان نفسه؛ إذ تقدم بالكرة نحو منطقة الجزاء وأطلق تسديدة منخفضة إلى داخل الشباك، مسجلاً هدفه الرابع في 4 مباريات دولية، ومواصلاً بدايته اللافتة مع المنتخب الآيرلندي.
لكن احتفاله بالهدف الثالث حمل رسالة تتجاوز كرة القدم؛ إذ ركض باتجاه الراية الركنية، ونزع الشارة السوداء من ذراعه وقبّلها، في واحد من أبرز المشاهد الرمزية للمباراة بعد أسبوع من الجدل الذي أحاط بالمواجهة.
وعقب اللقاء، قال هالغريمسون إن ما عاشه كان على الأرجح أصعب يوم في مسيرته التدريبية، لكنه شدد على أن الأمر لم يكن متعلقاً به، بل باللاعبين وما مروا به خلال الساعات التي سبقت المباراة.
وأضاف أن لاعبيه أظهروا مدى أهمية تمثيل آيرلندا بالنسبة إليهم، وأنهم ظهروا داخل الملعب بكرامة وبقوة، معرباً عن أمله في أن يحصلوا على دعم الشعب الآيرلندي.
وانتهت المباراة التي كان السؤال قبل ساعات فقط يدور حول إمكانية إقامتها أصلاً بفوز آيرلندا 3 - 0. لكن النتيجة لم تكن وحدها قصة ليلة ديبريتسن، بعدما دخل اللاعبون أرض الملعب بالشارات السوداء، وغابت المصافحة وتبادل الرايات، وانحنت الرؤوس خلال النشيد الإسرائيلي، قبل أن تحسم آيرلندا المواجهة بـ3 أهداف وتطوي داخل الملعب فصلاً من أسبوع تجاوزت أحداثه حدود كرة القدم.

