دخل مشروع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، لبيع حصة من بطولات كأس العالم إلى مستثمرين من القطاع الخاص مرحلةً حرجةً، بعدما استقال مستشاره البارز كارلوس كورديرو، في وقت تجاوزت فيه الدول والاتحادات المعارِضة للخطة نصف أعضاء «فيفا»، ما دفع شخصيات بارزة داخل كرة القدم إلى اعتبار المشروع «انتهى ودُفن» وذلك وفقاً لصحيفة «التلغراف» البريطانية.
وتلقَّت الخطة ضربةً جديدةً بعدما أعلن الاتحاد الآسيوي لكرة القدم انضمامه إلى الاتحاد الأوروبي (يويفا) واتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي (كونكاكاف) في معارضة المشروع، وهو ما وصفه أحد المسؤولين الكبار في اللعبة، في حديث لصحيفة «التلغراف»، بأنه «الضربة القاضية».
وبات مستقبل إنفانتينو السياسي محلَّ تساؤلات، بعدما أصبح من شبه المستحيل حصوله على الأغلبية المطلوبة (50 في المائة) لتمرير المشروع، في ظلِّ اتساع جبهة الرفض داخل الأسرة الكروية.
وفي ضربة أخرى للرئيس السويسري، أعلن مستشاره الأول كارلوس كورديرو استقالته احتجاجاً على المشروع، مؤكداً أنَّه لم يشارك في إعداده، ويعارضه بشكل قاطع.
وقال كورديرو في بيان لشبكة «سكاي نيوز»:«بصفتي مستشاراً لرئيس (فيفا)، ومصرفياً سابقاً، ومشجعاً لكرة القدم طوال حياتي، لا يمكنني الوقوف مكتوف اليدين بينما يفكر (فيفا) في بيع حصة من كأس العالم. أؤكد بوضوح أنني لم أشارك في هذا المقترح، وأعارضه بشكل لا لبس فيه. إنَّها صفقة سيئة للاتحادات الأعضاء في (فيفا)، وصفقة سيئة لكرة القدم، وصفقة سيئة لمستقبل اللعبة على المدى الطويل».
وفي الكواليس، بدأت تحرُّكات للبحث عن مرشَّح محتمل لمنافسة إنفانتينو في انتخابات رئاسة «فيفا» العام المقبل، وسط اعتقاد داخل أوساط الاتحاد الأوروبي بأنَّ حجم الرفض العلني الذي واجهه قد يجعل استمراره في المنصب أمراً بالغ الصعوبة.
وتآكلت قاعدة الدعم التي كان يستند إليها إنفانتينو خلال الأيام الماضية، بعدما أعلن الاتحاد الآسيوي أنه يقف «متضامناً مع (يويفا) و(كونكاكاف) لحماية كأس العالم».
وكانت الاتحادات الأوروبية قد أعلنت، الخميس، أنَّها ستقاطع بطولات «فيفا» إذا مضى المشروع قدماً، قبل أن يلحق بها اتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي بإعلان رفضه الخطة.
وبحساب القوة التصويتية المشتركة للاتحادات الأوروبية والآسيوية واتحاد «كونكاكاف»، لم يعد إنفانتينو يمتلك الأصوات اللازمة لتمرير المشروع بصيغته الحالية.
ورغم ذلك، فإنَّ «فيفا» تمسَّك بموقفه، وأكد في بيان، صدر صباح الجمعة، أنه لن يتراجع عن مشروع الاستثمار الخاص البالغة قيمته 15 مليار دولار، نافياً في الوقت ذاته أنه «يبيع كرة القدم».
ورفض الاتحاد الدولي الانتقادات الصادرة من إنجلترا ودول أوروبية أخرى، معلناً عزمه مواصلة فترة المشاورات مع الاتحادات الأعضاء.
كما دعا الاتحادات الصغيرة إلى اتخاذ قرارها بصورة مستقلة، وعدم الانضمام تلقائياً إلى الاتحادات التي ترفض المشروع، مشيراً إلى أنَّ المقترح قد يوفِّر لها إيرادات إضافية.
غير أنَّ بيان الاتحاد الآسيوي شكَّل ضربةً قويةً للمشروع، إذ أكد أنَّه تابع «بقلق بالغ» التطورات الأخيرة المتعلقة بإنشاء شركة «فيفا فوروارد إنتربرايز» وحالة الانقسام التي ظهرت داخل كرة القدم العالمية.
وأضاف الاتحاد الآسيوي أنه يقف إلى جانب الاتحاد الأوروبي و«كونكاكاف» في التعبير عن «مخاوف جدية» بشأن إدخال استثمارات خاصة في أهم بطولات «فيفا»، وكذلك بشأن آلية اتخاذ القرار المتعلقة بالمشروع.
وقبل صدور بيان الاتحاد الآسيوي، أصدر «فيفا» رداً حاداً على موجة الانتقادات، مؤكداً أن لكل اتحاد عضو الحق في التعبير عن موقفه وطلب مزيد من التوضيحات، لكنه شدَّد على أن «لا جهة واحدة يمكنها الادعاء بأنَّها تمثل جميع الاتحادات الأعضاء الـ211».
وأضاف أن كل اتحاد يجب أن يُمنَح الفرصة لدراسة المقترح واتخاذ قراره بنفسه، عاداً أن ذلك يجسِّد المبادئ الديمقراطية داخل «فيفا».
ولفت البيان إلى غياب أي إشارة مباشرة إلى إنفانتينو، مؤكداً أن عملية المشاورات التي كان الاتحاد الدولي يعتزم تنفيذها تعرَّضت للتشويش؛ بسبب «تقارير إعلامية غير دقيقة».
وأضاف: «سنواصل عملية التشاور لضمان أن يتمكَّن كل اتحاد عضو من الإدلاء بصوته استناداً إلى الحقائق... لا أحد يبيع كرة القدم، وهذا أمر لن يقبله (فيفا) إطلاقاً».
وكانت اتحادات أوروبا الـ55 قد صوَّتت بالإجماع لمصلحة مقاطعة بطولات «فيفا» إذا استمرَّت الخطة، في خطوة احتجاجية غير مسبوقة ضد رئيس الاتحاد الدولي.
وأكد «فيفا» في المقابل أنه يحترم الآراء والمخاوف التي أُثيرت علناً، ويجدِّد التزامه بإجراء مشاورات مفتوحة وديمقراطية.
ويقود إنفانتينو المشروع بالتعاون مع مجموعة استثمارية تقودها شركة «ثرايف إترنال»، التي أسَّسها جوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بهدف شراء حصة أقلية في الشركة الجديدة المزمع إنشاؤها لإدارة الحقوق التجارية لبطولات «فيفا».
كما تواجه الخطة معارضةً من الدوريات الأوروبية والعالمية، التي تخشى أن تؤدي الضغوط التجارية إلى زيادة عدد بطولات «فيفا» أو إقامتها بوتيرة أكبر، بما يفرض مزيداً من الضغط على روزنامة المسابقات المحلية.
ووصف الاتحاد الأوروبي موقفه من المشروع بأنه «إجماع كامل ورفض قاطع».
وأعلن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم وقوفه «كتفاً بكتف» مع بقية الاتحادات الأوروبية، كما أيَّدت اتحادات اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية وجمهورية آيرلندا الموقف نفسه.
وعلى الصعيد السياسي، وبعد انتقاد رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام للخطة في وقت سابق من الأسبوع، أعلنت وزيرة الثقافة البريطانية ليزا ناندي دعم الحكومة لموقف المقاطعة، وقالت: «إنه قرار مبدئي ندعمه بقوة. كرة القدم ملك للجماهير وليست للمليارديرات المستثمرين. لقد حان الوقت لاتخاذ موقف لحماية لعبتنا».
واستمرَّ الاجتماع الطارئ للاتحاد الأوروبي لكرة القدم، الخميس، لمدة ساعتين، بعدما تحدث ممثلو عدد كبير من الاتحادات الوطنية، من بينها الاتحاد الإنجليزي، مؤيدين خيار الانسحاب من بطولات «فيفا»، في خطوة قد تحمل تداعيات تاريخية على مستقبل كرة القدم العالمية.
