ليست مواجهة الأرجنتين وإنجلترا في نصف نهائي كأس العالم 2026 مجرد صراع على بطاقة العبور إلى النهائي؛ بل تمثل امتداداً لواحدة من أكثر المنافسات احتقاناً في تاريخ كرة القدم؛ حيث تتداخل الذكريات الرياضية مع الإرث السياسي لحرب جزر فوكلاند (مالفيناس)، التي لا تزال حاضرة بقوة في وجدان الأرجنتينيين بعد أكثر من 4 عقود.
وسلطت صحيفة «التلغراف» الضوء على مشاهد رافقت احتفالات الجماهير الأرجنتينية بالتأهل على حساب سويسرا؛ إذ أقدم بعض المشجعين في مدينة إسكوبار، بضواحي بوينس آيرس، على إحراق العلم البريطاني، بينما رددوا هتافات معروفة في الملاعب الأرجنتينية، أبرزها: «من لا يقفز فهو إنجليزي»، وهو هتاف يردده اللاعبون أيضاً مع الجماهير عقب الانتصارات الكبرى، يتقدمهم ليونيل ميسي.
وأشار التقرير إلى أن العداء بين المنتخبين لا يقتصر على أحداث كرة القدم، مثل هدف دييغو مارادونا الشهير بـ«يد الرب» في مونديال 1986، أو طرد ديفيد بيكهام في نسخة 1998؛ بل يرتبط أيضاً بحرب فوكلاند عام 1982، التي أسفرت عن مقتل 649 جندياً أرجنتينياً و255 بريطانياً، ولا تزال تمثل قضية وطنية شديدة الحساسية في الأرجنتين.
ورغم محاولات بعض الأرجنتينيين تهدئة الأجواء؛ إذ انتقد عدد من المحتفلين إحراق العلم البريطاني، كما شدد مدرب المنتخب ليونيل سكالوني على أن المواجهة «مجرد مباراة كرة قدم تجمع شعبين عاشقَين للعبة»، فإن القضية لا تزال حاضرة بقوة في الخطاب الشعبي، وحتى داخل المنتخب.
ولفت التقرير إلى أن لاعبي الأرجنتين اعتادوا بعد الانتصارات ترديد أغنية تتضمن إشارات إلى «مالفيناس» ودييغو مارادونا وليونيل ميسي، بينما انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي أغانٍ أكثر حدة تتضمن إساءات مباشرة إلى الإنجليز، وتدعو للثأر من حرب فوكلاند، الأمر الذي أثار نقاشاً واسعاً في وسائل الإعلام الأرجنتينية، وسط دعوات لعدم تحويل المباراة إلى مناسبة لإحياء الكراهية، والتأكيد على الفصل بين الخلافات السياسية وكرة القدم.
كما عادت القضية إلى الواجهة سياسياً، بعدما جدد نائب وزير الخارجية الأرجنتيني بابلو كيرنو مطالبة بلاده بالسيادة على جزر فوكلاند، واعتبر الوجود البريطاني فيها «احتلالاً غير قانوني»، وهو ما دفع الحكومة البريطانية إلى الرد بالتأكيد على أن سكان الجزر بريطانيون ولهم الحق في تقرير مستقبلهم.
وأشار إلى أن المنتخب الأرجنتيني سيرتدي في مواجهة إنجلترا القميص الأزرق نفسه الذي خاض به مباراتَي مونديالَي 1986 و1998 أمام الإنجليز، في خطوة تحمل دلالات رمزية بالنسبة للجماهير، كما ظهرت كلوديا فيلافيني، أرملة مارادونا، بالقميص الأصلي في أحد البرامج التلفزيونية قبل المباراة.
وعلى الجانب الأمني، تستعد مدينة أتلانتا لاستقبال نحو 50 ألف مشجع أرجنتيني و30 ألف مشجع إنجليزي، في حين لا تتجاوز سعة ملعب «مرسيدس-بنز» 68 ألف متفرج، ما يعني وجود أعداد كبيرة من الجماهير من دون تذاكر.
ولهذا السبب، صنفت السلطات الأميركية المباراة بأنها «الأعلى خطورة» في البطولة، مع مشاركة مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) في دعم شرطة أتلانتا التي ستعزز انتشارها في محيط الملعب، وستخصَّص حانات منفصلة لجماهير المنتخبين في محاولة للحد من أي احتكاكات، بينما ستوجَّه الجماهير الإنجليزية إلى أماكن التجمع عبر قنوات الاتحاد الإنجليزي.
ورغم تداول مقاطع مصورة لاشتباكات محدودة بين جماهير المنتخبين خلال البطولة، أكد التقرير أن هذه الحوادث ظلت محدودة مقارنة بعشرات الآلاف الذين حضروا إلى الولايات المتحدة، بينما يرى كثير من المشجعين الإنجليز أن المواجهة بالنسبة لهم تقتصر على الرغبة في الثأر رياضياً، بينما يتمسك كثير من الأرجنتينيين بأن قضية «مالفيناس» ستظل جزءاً لا ينفصل عن أي مواجهة مع إنجلترا.

