بعد قرن من الهيمنة... هل تفقد أوروبا قبضتها على الرياضة العالمية؟

لم تعد استضافة أكبر الأحداث الرياضية العالمية امتيازاً أوروبياً خالصاً كما كانت الحال طوال معظم القرن الماضي (إ.ب.أ)
لم تعد استضافة أكبر الأحداث الرياضية العالمية امتيازاً أوروبياً خالصاً كما كانت الحال طوال معظم القرن الماضي (إ.ب.أ)
TT

بعد قرن من الهيمنة... هل تفقد أوروبا قبضتها على الرياضة العالمية؟

لم تعد استضافة أكبر الأحداث الرياضية العالمية امتيازاً أوروبياً خالصاً كما كانت الحال طوال معظم القرن الماضي (إ.ب.أ)
لم تعد استضافة أكبر الأحداث الرياضية العالمية امتيازاً أوروبياً خالصاً كما كانت الحال طوال معظم القرن الماضي (إ.ب.أ)

لم تعد استضافة أكبر الأحداث الرياضية العالمية امتيازاً أوروبياً خالصاً كما كانت الحال طوال معظم القرن الماضي.

فمع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وتزامن ذلك مع استعداد لوس أنجليس لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية 2028، تتعزز المؤشرات على أن مراكز الثقل في الرياضة الدولية تشهد إعادة تموضع تاريخية، مدفوعة بقوة الاقتصاد والاستثمار أكثر من الاعتبارات التقليدية.

ولعقود طويلة، كانت أوروبا المسرح الطبيعي لأبرز البطولات العالمية. فمنذ انطلاق الألعاب الأولمبية الحديثة في أثينا عام 1896، استضافت القارة العجوز غالبية النسخ الأولى من الأولمبياد وكأس العالم لكرة القدم، إضافة إلى بطولات ألعاب القوى والكريكيت. لكن هذا المشهد يتغير بوتيرة متسارعة، مع انتقال عدد كبير من الفعاليات الكبرى إلى الولايات المتحدة وآسيا ومنطقة الخليج، وفقاً لصحيفة «التلغراف» البريطانية.

فالولايات المتحدة، التي استضافت كأس العالم عام 1994، تعود هذا الصيف لاحتضان النسخة الأكبر في تاريخ البطولة بمشاركة 48 منتخباً، قبل أن تستضيف أولمبياد لوس أنجليس بعد عامين. كما شهدت الأراضي الأميركية إقامة مباريات من كأس العالم للأندية، واستضافت منافسات من كأس العالم للكريكيت، فيما ستحتضن كأس العالم للرغبي عام 2031، لتصبح مركزاً رئيسياً للأحداث الرياضية العالمية.

ولا يقتصر التحول على أميركا الشمالية؛ إذ تستضيف أستراليا أولمبياد 2032، بينما تتنافس مدن مثل الرياض والدوحة وأحمد آباد على استضافة نسخة 2036. وفي كرة القدم، تستعد السعودية لاستضافة كأس العالم 2034، بعد أقل من 12 عاماً على تنظيم قطر لنسخة 2022، في مؤشر واضح على تنامي حضور منطقة الخليج في المشهد الرياضي الدولي.

ويرى خبراء اقتصاد الرياضة أن المال أصبح العامل الأكثر تأثيراً في تحديد وجهات البطولات الكبرى. ويقول ستيفان شيمانسكي، المؤلف المشارك لكتاب «سوكرنوميكس»، إن أوروبا حظيت تاريخياً بحصة أكبر من نصيبها الطبيعي من هذه الأحداث، مضيفاً أن انتشار البطولات عالمياً قد يكون أكثر صحة للرياضة من احتكارها في منطقة جغرافية محدودة.

وفي المقابل، تبدو رغبة كثير من الدول الأوروبية في تحمل أعباء التنظيم أقل مما كانت عليه سابقاً، خصوصاً مع تضخم تكاليف استضافة البطولات وتوسعها المستمر. فالتنظيم لم يعد يقتصر على البنية التحتية الرياضية، بل يشمل استثمارات ضخمة في النقل والأمن والخدمات اللوجستية، ما يجعل استضافة الأولمبياد أو كأس العالم مشروعاً تتجاوز تكلفته مليارات الدولارات.

ويعتقد إد وارنر، الرئيس السابق لاتحاد ألعاب القوى البريطاني، أن أوروبا قد تتجه مستقبلاً إلى التركيز على البطولات الأقل تكلفة، مثل بطولات العالم والأحداث القارية في الألعاب الفردية، بدلاً من منافسة الاقتصادات الصاعدة على استضافة الأولمبياد أو كأس العالم.

ولا يقتصر تراجع النفوذ الأوروبي على الاستضافة فقط، بل يمتد إلى مراكز صنع القرار في المؤسسات الرياضية الدولية. فقد شكّل انتخاب الزيمبابوية كيرستي كوفنتري رئيسة للجنة الأولمبية الدولية محطة لافتة، بعدما أصبحت أول شخصية من خارج أوروبا وأميركا الشمالية تتولى المنصب. كما أن انتخابات الاتحاد الدولي لكرة القدم باتت تعتمد بصورة كبيرة على أصوات الاتحادات في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

وفي الكريكيت، انتقل مركز النفوذ فعلياً إلى الهند، التي تستضيف بصورة متكررة البطولات الكبرى، وتملك من خلال الدوري الهندي الممتاز أقوى وأغنى مسابقة محلية في اللعبة، بينما يتولى رئاسة المجلس الدولي للكريكيت حالياً الهندي جاي شاه.

أما كرة القدم، فرغم استمرار هيمنة الأوروبيين على رئاسة «فيفا» والاتحاد الأوروبي، فإن القرارات الكبرى خلال السنوات الأخيرة عكست ازدياد ثقل الاتحادات خارج القارة. فزيادة عدد منتخبات كأس العالم إلى 48 منتخباً، وإطلاق النسخة الموسعة من كأس العالم للأندية، جاءتا استجابة لرغبة الاتحادات الناشئة في الحصول على فرص تمثيل أكبر، في وقت أبدت فيه أوروبا تحفظات واضحة على هذا التوسع.

ويبرز حضور الاستثمار الخليجي بوصفه أحد أهم العوامل التي أعادت تشكيل المشهد الرياضي العالمي. فقد ضخت السعودية، عبر صندوق الاستثمارات العامة، عشرات المليارات من الدولارات في قطاعات رياضية متعددة، شملت كرة القدم والغولف والملاكمة والألعاب الإلكترونية والشطرنج، فضلاً عن امتلاك نادي نيوكاسل الإنجليزي والمساهمة في تمويل مشاريع كبرى مثل كأس العالم للأندية.

كما أن الاستثمارات الأميركية والخليجية أصبحت لاعباً رئيسياً داخل الرياضة الأوروبية نفسها، حيث باتت أغلبية أندية الدوري الإنجليزي الممتاز مملوكة لمستثمرين أميركيين، فيما يرأس القطري ناصر الخليفي رابطة الأندية الأوروبية، إلى جانب رئاسته نادي باريس سان جيرمان.

ورغم هذا التحول في موازين القوة الاقتصادية والإدارية، فإن أوروبا لا تزال تحتفظ بتفوقها الرياضي على أرض الملعب. ففي كرة القدم، تواصل أنديتها ومنتخباتها فرض حضورها في كبرى البطولات، حتى وإن باتت تواجه منافسة كبيرة من خارج القارة.

وشهدت كأس العالم للأندية الأخيرة واحدة من أبرز مفاجآتها عندما نجح الهلال السعودي في إقصاء مانشستر سيتي، بطل أوروبا حينها، في نتيجة عكست تضييق الفجوة الفنية بين القارات. ومع ذلك، احتفظت الأندية الأوروبية بالغالبية في الأدوار الحاسمة، بعدما حجزت ثلاثة مقاعد في نصف النهائي، ووصل فريقان منها إلى المباراة النهائية.

ويمتد هذا التفوق إلى كرة القدم النسائية، حيث فرضت المنتخبات الأوروبية حضورها في الأدوار النهائية خلال النسخ الأخيرة من كأس العالم، كما تواصل القارة تحقيق نتائج قوية في الألعاب الأولمبية مقارنة بحجمها السكاني.

ويرى مراقبون أن شبكة الأكاديميات، والبنية الاحترافية، وقوة الدوريات الأوروبية تجعل من الصعب نقل مركز التفوق الرياضي بعيداً عن القارة في المستقبل القريب، حتى وإن انتقلت إليها استضافة البطولات أو مراكز القرار الإداري.

وبينما يعكس كأس العالم 2026 اتجاهاً واضحاً نحو عالم رياضي أقل تمركزاً حول أوروبا، فإنه قد يؤكد في الوقت نفسه أن القارة العجوز ما زالت تملك أهم عناصر القوة داخل المستطيل الأخضر، وأن تراجع نفوذها التنظيمي لا يعني بالضرورة نهاية هيمنتها الرياضية.


مقالات ذات صلة

تمزق جزئي في أحد أوتار القدم اليمنى لنوير

رياضة عالمية مانويل نوير (إ.ب.أ)

تمزق جزئي في أحد أوتار القدم اليمنى لنوير

أعلن بايرن ميونيخ، الأحد، في بيان أن حارس مرماه وقائده مانويل نوير يعاني من تمزق جزئي في أحد أوتار القدم اليمنى أرغمه على عدم إكمال المباراة أمام مضيفه ماينتس.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ )
رياضة سعودية الاتحاد الخليجي يعتبر الاتفاق خاسراً أمام أربيل بثلاثية (نادي الاتفاق)

الاتحاد الخليجي يعتبر الاتفاق خاسراً أمام أربيل بثلاثية... والنادي يدرس الاستئناف

الاتحاد الخليجي يعتبر الاتفاق خاسراً أمام أربيل بثلاثية... إدارة النادي تتحفظ على القرار وتدرس الاستئناف ضده.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
رياضة سعودية كشفت مصادر آسيوية لـ«الشرق الأوسط» أن 28 ديسمبر المقبل موعد مقترح لإعادة مباراة النصر والوصل (نادي النصر)

مصادر آسيوية لـ«الشرق الأوسط»: 28 ديسمبر موعداً مقترحاً لمباراة النصر والوصل

كشفت مصادر آسيوية لـ«الشرق الأوسط» أن إدارة المسابقات في الاتحاد الآسيوي لكرة القدم حددت الـ28 من ديسمبر المقبل موعداً مقترحاً لإعادة مباراة النصر والوصل.

سعد السبيعي (الرياض)
رياضة عالمية كوزو تاشيما (أ.ف.ب)

الياباني كوزو تاشيما: فرصي في منافسة إنفانتينو بانتخابات «الفيفا» تصل لـ30 %

قال كوزو تاشيما الرئيس الفخري للاتحاد الياباني لكرة القدم أثناء استعراض برنامجه استعداداً لانتخابات (الفيفا) إن الحوكمة تمثل أكبر مشكلة تواجه هذه المنظمة

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
رياضة عالمية فينسنت كومباني (د.ب.أ)

كومباني يعود لقيادة بايرن في غضون ثلاثة أسابيع بعد تعافيه من وعكة صحية

قال أولي هونيس، الرئيس الفخري لنادي بايرن ميونخ، إن البلجيكي فينسنت كومباني، المدير الفني للفريق، سيعود لممارسة مهام عمله خلال أسبوعين أو ثلاثة أسابيع.

«الشرق الأوسط» (ميونخ )

«الدوري الإيطالي»: ميلان يعبر جنوا بثنائية

لاعبو ميلان يحيون جماهيرهم الزائرة بعد إسقاط جنوا (رويترز)
لاعبو ميلان يحيون جماهيرهم الزائرة بعد إسقاط جنوا (رويترز)
TT

«الدوري الإيطالي»: ميلان يعبر جنوا بثنائية

لاعبو ميلان يحيون جماهيرهم الزائرة بعد إسقاط جنوا (رويترز)
لاعبو ميلان يحيون جماهيرهم الزائرة بعد إسقاط جنوا (رويترز)

واصل ميلان انتصاراته في بطولة الدوري الإيطالي لكرة القدم، محققاً فوزه الرابع في خمس مباريات، وذلك بعد تغلبه على مضيّفه جنوا 1-2، الأحد، ضمن منافسات الجولة 11 من المسابقة.

وقبل خوضه مباراة جنوا، كان ميلان قد تعرض لخسارة واحدة وفاز في ثلاث مباريات في آخر أربع جولات، وكان آخرها الفوز على غريمه التقليدي إنتر ميلان 1-2 في الجولة العاشرة.

وجاء الفوز ليصالح به ميلان جماهيره، بعد خسارته يوم الخميس الماضي في الدوري الأوروبي على أرضه أمام فرينكفاروس المجري صفر-2.

ورفع ميلان رصيده إلى 24 نقطة في المركز الرابع، بفارق نقطة خلف إنتر ميلان صاحب المركز الثالث، والذي سيواجه كومو في وقت لاحق من الأحد ضمن منافسات الجولة ذاتها.

على الجانب الآخر، تجمد رصيد جنوا عند 13 نقطة في المركز الثالث عشر.

وتقدم ميلان عن طريق ألفادو سيسيه في الدقيقة 13، وبعده بست دقائق سجل كريستيان بولسيتش الهدف الثاني.

وفي الدقيقة 88 سجل ميكيل إيغل ألبرتسون هدف فريق جنوا الوحيد.


«لا ليغا»: ريال بيتيس يعزز موقعه رابعاً بالفوز في إلتشي

فرحة لاعبي ريال بيتيس بالفوز على إلتشي (إ.ب.أ)
فرحة لاعبي ريال بيتيس بالفوز على إلتشي (إ.ب.أ)
TT

«لا ليغا»: ريال بيتيس يعزز موقعه رابعاً بالفوز في إلتشي

فرحة لاعبي ريال بيتيس بالفوز على إلتشي (إ.ب.أ)
فرحة لاعبي ريال بيتيس بالفوز على إلتشي (إ.ب.أ)

عزَّز ريال بيتيس موقعه في المركز الرابع بفوز ثمين على مضيّفه إلتشي 2 - 0، الأحد، في المرحلة الثانية عشرة من الدوري الإسباني لكرة القدم.

وانتظر ريال بيتيس الدقائق الأخيرة لحسم نتيجة المباراة في صالحه، فمنحه المهاجم رودريغو ريكيلمي التقدم في الدقيقة 81 بعد 4 دقائق من دخوله مكان الجناح الدولي المغربي عبد الصمد الزلزولي، قبل أن يضيف قطب الدفاع مارك بارترا الهدف الثاني في الدقيقة 89.

وهو الفوز الثاني توالياً لريال بيتيس والثامن، هذا الموسم، فرفع رصيده إلى 26 نقطة في المركز الرابع، بينما مُني إلتشي بخسارته الثانية توالياً والسادسة، هذا الموسم، فتجمد رصيده عند 10 نقاط في المركز الثامن عشر.

ويلعب لاحقاً ريال سوسييداد مع رايو فايكانو، وفياريال مع خيتافي، وسلتا فيغو مع ليفانتي، وأتلتيكو مدريد مع برشلونة.


كيف أسقط غلاسنر مانشستر سيتي وركض فرحاً على خط التماس؟

أوليفر غلاسنر يجري فرحاً بهدف فورست الثالث ضد مان سيتي (الدوري الإنجليزي)
أوليفر غلاسنر يجري فرحاً بهدف فورست الثالث ضد مان سيتي (الدوري الإنجليزي)
TT

كيف أسقط غلاسنر مانشستر سيتي وركض فرحاً على خط التماس؟

أوليفر غلاسنر يجري فرحاً بهدف فورست الثالث ضد مان سيتي (الدوري الإنجليزي)
أوليفر غلاسنر يجري فرحاً بهدف فورست الثالث ضد مان سيتي (الدوري الإنجليزي)

انتصار بثلاثة أهداف مقابل هدف أعاد نوتنغهام فورست إلى الحياة، وأخرجه من منطقة الهبوط، ومنح مدربه أوليفر غلاسنر دفعة كان في أمسّ الحاجة إليها. من خطاب ملهم للقائد رايان ييتس إلى ثنائية مذهلة لليام ديلاب، كانت ليلة وجد فيها الفريق إجابات عن أسئلة صعبة.

وحسب شبكة «The Athletic»، لم يحتج أوليفر غلاسنر سوى إلى بضع نفخات متقطعة من وجنتيه ليلتقط أنفاسه، فيما كان يندفع بأقصى سرعته بمحاذاة خط التماس، قاطعاً نصف طول الملعب تقريباً، قبل أن يلقي بنفسه وسط احتفالات لاعبيه أمام مدرج «ترينت إند».

وفي الثانية والخمسين من عمره، مرتدياً حذاءً رمادياً بدا أقرب إلى ما يمكن ارتداؤه في حانة منه إلى ملعب كرة قدم، أظهر المدرب النمساوي سرعة مثيرة للإعجاب.

حتى إن بعض بدلاء نوتنغهام فورست لم يسبقوه إلى تجمع اللاعبين إلا بفارق ضئيل، بعدما سجل ليام ديلاب هدفه الثاني الرائع.

لكن غلاسنر كان يشعر على الأرجح وكأنه يركض فوق الهواء، بعدما أزاح الانتصار على مانشستر سيتي بثلاثة أهداف مقابل هدف حملاً هائلاً عن كاهليه.

لم تكن تلك الليلة هي التي وُلدت فيها كرة القدم الخاصة بغلاسنر على ملعب سيتي غراوند، لكنها كانت بالتأكيد المباراة التي خطا فيها نوتنغهام فورست أولى خطواته التي تستحق أن تُحفر في الذاكرة تحت قيادة المدرب النمساوي.

ولم تكن خطوات مترددة، بل انطلاقات واثقة وحاسمة، حملت الفريق خارج المراكز الثلاثة الأخيرة في الدوري الإنجليزي الممتاز.

والأهم أنها حملت رسالة قوية جاءت في التوقيت المناسب.

من «انتهى زمن الرجل اللطيف» إلى انتصار مدوٍّ

بعد الهزيمة المحبطة بهدفين دون رد أمام برنتفورد، تعهد غلاسنر بأن زمن التعامل بلطف قد انتهى.

ورسم المدرب النمساوي خطاً واضحاً عندما حذر لاعبيه من أن عليهم الالتزام بفلسفته وأفكاره، أو الرحيل ببساطة.

وإذا كان أحد ينتظر معرفة الجانب الذي سيختاره اللاعبون من هذا الخط، فإن الإجابة جاءت حاسمة أمام مانشستر سيتي.

لقد اختاروا الوقوف إلى جانب مدربهم.

في المباريات السابقة، قدم نوتنغهام فورست عروضاً إيجابية لم تنعكس على النتائج.

وكان غلاسنر قد حذّر لاعبيه من أن الوقت حان لتحمل المسؤولية، بعد سلسلة شهدت انتصاراً واحداً فقط في تسع مباريات بالدوري الإنجليزي الممتاز.

ورغم تراجع النتائج، ظل الاتجاه السائد داخل إدارة نوتنغهام فورست هو دعم المدرب النمساوي.

وكان مسؤولو النادي يعتقدون أن تجربته ستسير على النهج نفسه الذي عرفه في فولفسبورغ وآينتراخت فرانكفورت وكريستال بالاس، حيث أعقبت البدايات البطيئة والمحبطة فترات من النجاح.

لكن مع اقتراب فترة التوقف الدولي، وبقاء ذكريات المدربين الأربعة الذين تعاقبوا على قيادة الفريق في الموسم الماضي حاضرة في الأذهان، بدت مواجهة مانشستر سيتي لحظة فاصلة في مستقبل غلاسنر.

وزادت أهمية المناسبة بحضور مالك النادي، إيفانغيلوس ماريناكيس، المعروف بطموحه الكبير، الذي تابع أول مباراة للفريق من المدرجات هذا الموسم.

انتصار يستحضر ليالي فورست التاريخية

بينما كان المشجعون يغادرون المدرجات بعد المباراة، دارت بينهم أحاديث عن المكانة التي يمكن أن يحتلها هذا الانتصار بين أكثر اللحظات رسوخاً في ذاكرة النادي خلال العصر الحديث.

ولدى جماهير فورست بالفعل عدد من الذكريات الاستثنائية.

من بينها ضمان البقاء في الدوري الإنجليزي بعد الفوز على آرسنال عام 2023.

وكذلك الانتصارات السابقة على مانشستر سيتي ومانشستر يونايتد، عندما كان فريق المدرب نونو إسبيريتو سانتو يشق طريقه نحو المشاركة الأوروبية.

وبدا الفوز الجديد على سيتي مهماً ورمزياً بالقدر نفسه.

ليس فقط بسبب النتيجة، بل لأن المباراة قدمت إجابات كثيرة عن أسئلة صعبة ظلت تحيط بالفريق.

لاعب وسط فورست رايان ييتس ألقى خطاباً حماسياً في زملائه ليلة مباراة السيتي (رويترز)

خطاب ييتس الذي أشعل غرفة الملابس

بدأت الليلة بخطاب حماسي ألقاه لاعب الوسط رايان ييتس.

وبصفته قائد الفريق، تحمل ييتس مسؤولية توجيه الكلمات الأخيرة إلى زملائه قبل خروجهم إلى أرض الملعب.

ووصف غلاسنر الخطاب بأنه من أكثر الكلمات إلهاماً التي سمعها طوال مسيرته، سواء لاعباً أو مدرباً.

ولم يكتف ييتس بالكلمات، بل ترجمها إلى أداء داخل الملعب.

وكان قرار غلاسنر منح اللاعب أول مشاركة أساسية له هذا الموسم ضربة موفقة للغاية.

فالقائد البالغ من العمر 28 عاماً، الذي تمتد علاقته بالنادي إلى نحو عقدين، وضع معياراً مرتفعاً من حيث الجهد والالتزام.

ربما قدم بعض زملائه أداءً فنياً أفضل، لكن لم يجسد أحد روح الفريق في تلك الليلة أكثر منه.

وكان غلاسنر قد أعرب سابقاً عن قلقه من أن لاعبي نوتنغهام فورست يركضون لمسافات أقل من منافسيهم، وأن الفريق غالباً ما يأتي في المرتبة الثانية من حيث المسافات المقطوعة.

ولهذا السبب، تضمنت حصة الاستشفاء يوم الأحد الماضي، عقب الهزيمة أمام برنتفورد، جرياً لمسافات طويلة عبر الحقول.

وكان الهدف من تلك الخطوة التأكيد عملياً على الرسالة التي يريد المدرب إيصالها.

22 % استحواذ... لكن فورست ركض أكثر من سيتي

رغم أن نوتنغهام فورست استحوذ على الكرة بنسبة 22 في المائة فقط أمام مانشستر سيتي، فإن لاعبيه قطعوا مسافة إجمالية بلغت 119.6 كيلومتر.

في المقابل، قطع لاعبو مانشستر سيتي 113 كيلومتراً.

وهكذا، تفوق فورست على منافسه في المسافات المقطوعة بفارق 6.6 كيلومتر.

ولم تكن تلك الإحصائية الوحيدة التي عكست تحولاً مهماً في أداء الفريق.

فقد عانى نوتنغهام فورست طوال الموسم من ضعف استغلال الفرص؛ إذ ظل يسجل أهدافاً أقل بكثير مما تشير إليه إحصائية الأهداف المتوقعة.

وحتى بعد تسجيل ثلاثة أهداف أمام مانشستر سيتي، لم يرتفع إجمالي أهداف الفريق إلا إلى تسعة، رغم أن حصيلته من الأهداف المتوقعة بلغت 15.4 هدف.

لكن مواجهة سيتي شهدت للمرة الأولى تسجيل الفريق عدداً من الأهداف يتجاوز حصيلته المتوقعة في المباراة، التي بلغت 1.06 هدف فقط.

جاير كونيا سجل هدفاً وأنقذ كرة خطيرة لسيتي (رويترز)

جاير كونيا ينهي صيام سيتي غراوند

في المباريات الخمس السابقة التي خاضها نوتنغهام فورست على ملعب سيتي غراوند، بما فيها الهزيمة أمام ليدز يونايتد في كأس رابطة الأندية الإنجليزية، فشل الفريق في تسجيل أي هدف.

وقليلون للغاية كانوا سيراهنون على أن جاير كونيا سيكون اللاعب الذي ينهي هذا الصيام.

لكن قلب الدفاع البرازيلي كان صاحب الكلمة الأولى.

فبعد أن انتزع الكرة بشجاعة من يوشكو غفارديول في عمق نصف ملعب مانشستر سيتي، اندفع كونيا بثقة عبر وسط الملعب.

ومع تراجع مدافعي سيتي أمامه، واصل تقدمه قبل أن يسدد بهدوء، واضعاً نوتنغهام فورست في المقدمة بعد ست دقائق فقط.

وكان ذلك أول أهدافه في الدوري الإنجليزي الممتاز.

وفجأة، ارتفع صخب المدرجات إلى مستويات جديدة.

ومع ارتفاع الضجيج، ارتفعت ثقة اللاعبين أيضاً.

ولم يكتفِ كونيا بهدفه، بل عاد لينقذ فريقه من هدف محقق، بعدما أبعد الكرة من على خط المرمى ليحرم إرلينغ هالاند من التسجيل.

وبذلك، أصبح المدافع البرازيلي أحد أبرز المرشحين لجائزة رجل المباراة.

لكن حتى هذا الأداء الاستثنائي تراجع إلى الظل أمام ما قدمه ليام ديلاب.

ليام ديلاب تألق وأحرز هدفين في مرمى دوناروما (أ.ف.ب)

ديلاب يثبت لماذا دفع فورست 45 مليون جنيه إسترليني

كان ليام ديلاب، الذي انضم إلى نوتنغهام فورست من تشيلسي خلال الصيف مقابل 45 مليون جنيه إسترليني، نجم الليلة بلا منازع.

وقدم المهاجم الإنجليزي دليلاً قاطعاً على الأسباب التي دفعت النادي إلى استثمار هذا المبلغ الكبير في التعاقد معه.

وكان تشافر شلاغر، الذي ضاهى زميله ييتس في العزيمة والقتال بوسط الملعب، صاحب الدور الحاسم في صناعة هدف ديلاب الأول.

فقد أرسل الكرة إلى المهاجم، الذي اندفع بقوة نحو منطقة الجزاء، قبل أن يطلق تسديدة قوية ارتفعت إلى داخل الشباك.

وبعد أن سجّل ريان شرقي هدفاً رائعاً جعل النتيجة 2-1، عاد ديلاب ليضع بصمته على هجمة مرتدة أخرى شديدة الإتقان.

وبدأت الهجمة بإبعاد بهلواني للكرة من رايان ييتس.

ثم حمل مورغان غيبس وايت الكرة لمسافة تقارب نصف طول الملعب، قبل أن يمررها إلى ديلاب، لاعب إيبسويتش تاون السابق.

ولم يتردد المهاجم الإنجليزي، فأطلق تسديدة قوية أخرى اصطدمت بالقائم قبل أن تستقر في الشباك.

وكان ذلك الهدف هو الشرارة التي أطلقت غلاسنر في ركضته الشهيرة على خط التماس.

غلاسنر: لا أستطيع مطالبة اللاعبين بالركض إذا لم أركض أسرع من مدرب المنافس!

عندما سُئل غلاسنر عن شعوره خلال تلك اللحظة، لم يفقد حس الدعابة رغم كل الضغوط التي عاشها.

وقال مبتسماً: «لا يمكنني أن أطالب اللاعبين بالركض أكثر من منافسيهم إذا لم أكن أنا نفسي أركض أسرع من مدرب الفريق المنافس».

وأضاف: «شعرت بأنني سريع للغاية».

ثم انتقل إلى الحديث عن حجم الضغوط التي أحاطت بالفريق قبل المباراة.

وقال: «كان هناك ضغط كبير على الجميع. ولا يزال الضغط موجوداً».

وتابع: «لكن يمكننا الآن أن نلتقط أنفاسنا، وربما نستمتع قليلاً بمدينة نوتنغهام هذه الليلة».

واختتم قائلاً: «كان هناك شعور بالسعادة، وكان هناك شعور بالارتياح».

أوليفر غلاسنر احتفل بفوز ثمين طال انتظاره على مان سيتي (رويترز)

ماريناكيس يحضر... وغلاسنر يطلب منه العودة

بعد المباراة، قضى غلاسنر بعض الوقت مع مالك النادي إيفانغيلوس ماريناكيس داخل قاعة الإدارة.

وخلال اللقاء، مازح المدرب النمساوي مالك فورست، قائلاً إنه ينبغي له حضور مزيد من المباريات، بعدما بدا وجوده في المدرجات بمثابة فأل حسن.

وسيأمل الاثنان أن يكون هذا الانتصار مجرد بداية لسلسلة طويلة من الليالي التي يحتفلان فيها معاً.

فبالنسبة إلى نوتنغهام فورست، لم يكن الفوز على مانشستر سيتي مجرد ثلاث نقاط ثمينة في صراع البقاء.

لقد كان انتصاراً أعاد الثقة إلى اللاعبين، ورفع العبء عن كاهل المدرب، ومنح الجماهير سبباً جديداً للإيمان بأن الفريق قادر على تغيير مسار موسمه.

أما صورة غلاسنر وهو يركض نصف الملعب للاحتفال بهدف ديلاب، فستبقى التعبير الأوضح عن حجم ما يعنيه هذا الانتصار.