بعد تتويج مانشستر سيتي بلقب دوري أبطال أوروبا والفوز بالثلاثية التاريخية قد يسأل جوسيب غوارديولا نفسه مرة أخرى هذا السؤال المألوف: إلى أي مدى يمكن قيادة هذا الفريق المذهل؟ ربما كانت الإجابة عن هذا السؤال واضحة في المستويات الرائعة التي قدمها الفريق الفائز بدوري أبطال أوروبا والدوري الإنجليزي الممتاز وكأس الاتحاد الإنجليزي في موسم 2022-2023. لقد أصبح الفريق الذي بناه غوارديولا قادرا على التحكم في رتم وزمام المباريات مهما كان المنافس، ويبدو كفريق لا يمكن إيقافه لدرجة أنه أصبح مصدراً طبيعياً للطاقة والدافع اللازمين لمساعدة المدير الفني الإسباني على مواصلة العمل بكل حماس في المستقبل القريب.
وفي الساعات الأولى من صباح اليوم التالي لمواجهة إنتر ميلان، وبعد أن تلقى تصفيقاً حاراً في غرفة الإعلام بملعب أتاتورك بعد الفوز على إنتر بهدف دون رد، كان غوارديولا عبارة عن مزيج من الإرهاق والتحدي. وقال المدير الفني البالغ من العمر 52 عاماً: «لا تسألني عن الموسم المقبل»، قبل أن يؤكد في وقت لاحق على أن «من يعرفني» يدرك أنه لن يكون هناك تراجع عندما يبدأ الفريق في الدفاع عن لقبه في أغسطس (آب).
وبحلول ذلك الوقت، ربما ينجح مانشستر سيتي أيضا في الفوز بكأس الدرع الخيرية، ثم سيلعب المباراة النهائية لكأس السوبر الأوروبي أمام إشبيلية في أثينا بعد ذلك بأربعة أيام، وستتجه أنظار غوارديولا إلى كأس العالم للأندية في ديسمبر (كانون الأول)، وسيعمل المدير الفني الإسباني جاهدا على الفوز بكل هذه البطولات. وفي بداية الموسم الذي انتهى للتو، كان يتبقى في عقد غوارديولا مع مانشستر سيتي 12 شهراً، وقد شعر المقربون منه بالدهشة عندما وقع عقداً جديداً لمدة عامين خلال كأس العالم. وعندما تولى غوارديولا قيادة مانشستر سيتي في صيف عام 2016، كان هناك شعور بقدوم مدير فني مثالي سيبقى في منصبه لفترة محدودة، خاصة أن عقده آنذاك كان يمتد لثلاث سنوات فقط.
ويجب أن نُذكر هنا بحقيقة أن هذا هو المدير الفني الذي كان قد أكمل للتو ثلاث سنوات في تدريب بايرن ميونيخ، وكان قبل ذلك قد حصل على عطلة من العمل لمدة 12 شهراً، وأنه قضى أربعة مواسم في قيادة برشلونة (بين عامي 2008 و2012) ثم استقال من منصبه حتى يبتعد عن التدريب لفترة من الوقت، مشيراً إلى أن العمل في «مثل هذا النادي يجعلك تشعر بأنك ستعمل إلى الأبد». وتحت قيادته، تحول مانشستر سيتي الآن إلى هذا النوع من الأندية أيضا (ناد من أندية النخبة بحيث ينافس على كل البطولات التي يشارك فيها، وهو الأمر الذي يشكل ضغطاً هائلاً على المدير الفني).
ومن زاوية معينة، يمكن اعتبار الفوز بدوري أبطال أوروبا هذا الموسم بمثابة خط النهاية الطبيعي لكل ما قام به غوارديولا منذ وصوله إلى ملعب الاتحاد، وكذلك لما تم تعيينه من أجله. وعلى مدار سنوات، كان هناك نفي أن رئيس مجلس الإدارة، خلدون المبارك، ومديره الرياضي، تكسيكي بيغيريستين، والرئيس التنفيذي، فيران سوريانو، طلبوا من غوارديولا ضرورة الفوز بدوري أبطال أوروبا. لكن هذا الموقف تغير تماماً خلال الأسابيع الأخيرة: بدأ غوارديولا يتحدث عن أن مانشستر سيتي لن يكون «نادياً كبيراً» إلا إذا فاز بلقب دوري أبطال أوروبا. وربما كان هذا المدير الفني الذكي يوجه رسالة إلى لاعبيه حتى يكون هذا بمثابة دافع كبير لهم بعد خسارة المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا عام 2021 أمام تشيلسي في بورتو، وكان يشير إلى أن الفريق الذي يريد أن يكون رقم واحد في أوروبا يتعين عليه بالتبعية الفوز بالبطولة الأقوى في القارة.
ونجح الأمر، وحصل غوارديولا على لقب دوري أبطال أوروبا للمرة الثالثة في مسيرته التدريبية وقاد مانشستر سيتي للفوز باللقب للمرة الأولى في تاريخه والحصول على الثلاثية التاريخية ليكرر إنجاز الغريم التقليدي مانشستر يونايتد، الذي فاز بالثلاثية تحت قيادة السير أليكس فيرغسون في عام 1999، وخلد اسمه في قائمة أعظم المديرين الفنيين في تاريخ اللعبة.
فما الذي يمكن لغوارديولا أن يحققه مع مانشستر سيتي بعد ذلك؟ مرة أخرى، سيكون هناك شعور بالدهشة إذا استمر غوارديولا في ملعب الاتحاد بعد الموسمين المقبلين، حيث سيكون قد تولى قيادة الفريق آنذاك لمدة تسع سنوات. كما أن رحيله في صيف عام 2025 سيجعل من المستحيل الوصول إلى الأرقام القياسية التي حققها فيرغسون مع مانشستر يونايتد: 13 لقبا للدوري الإنجليزي الممتاز، وخمس بطولات لكأس الاتحاد الإنجليزي، وأربع بطولات لكأس رابطة الأندية الإنجليزية المحترفة، ودوري أبطال أوروبا مرتين، وكأس الكؤوس الأوروبية مرة، وكأس السوبر الأوروبي مرة، وكأس الإنتركونتيننتال مرة، وكأس العالم للأندية مرة.
أما الإنجازات التي حققها غوارديولا مع مانشستر سيتي فهي: خمس بطولات للدوري الإنجليزي الممتاز، ودوري أبطال أوروبا مرة واحدة، وكأس الاتحاد الإنجليزي مرتين، وكأس رابطة الأندية الإنجليزية المحترفة أربع مرات. وإذا فاز مانشستر سيتي بلقب كأس السوبر الأوروبي وكأس العالم للأندية فسوف يعادل غوارديولا إنجازات فيرغسون في هاتين البطولتين، كما عادل بالفعل إنجاز فيرغسون في كأس رابطة الأندية الإنجليزية المحترفة. وقاد مانشستر سيتي الآن لتحقيق نصف عدد الكؤوس الأوروبية التي حققها مانشستر يونايتد تحت قيادة فيرغسون، لكنه يتخلف عن المدير الفني الأسكوتلندي بثلاثة ألقاب لكأس الاتحاد الإنجليزي، وثمانية ألقاب في الدوري الإنجليزي الممتاز. ومع ذلك، فإن غوارديولا يتفوق بمقياس واحد فقط على ما حققه فيرغسون على مدار أكثر من 26 عاماً في مانشستر يونايتد: عدد الجوائز بالنسبة لكل موسم.

فبغض النظر عن درع الكأس الخيرية، حصل فيرغسون على 28 بطولة، أي بمعدل 1.05 بطولة في الموسم، بينما حقق غوارديولا 12 بطولة، بمعدل 1.74 بطولة لكل موسم، لذلك إذا استمر في قيادة مانشستر سيتي فسيتمكن من تجاوز إنجازات فيرغسون بعد عقد من الزمان تقريبا. فهل سيكون هذا حافزا لغوارديولا لكي يواصل العمل مع مانشستر سيتي؟ من المؤكد أن عشر سنوات فترة طويلة للغاية فيما يتعلق بقيادة ناد على مستوى النخبة، لكن غوارديولا سيبلغ من العمر 62 عاماً فقط في عام 2033، أي سيكون أصغر من كارلو أنشيلوتي الآن بـ 12 شهراً، وبما أن التشكيلة الأساسية لمانشستر سيتي المتوجة مؤخرا بلقب دوري أبطال أوروبا لا تضم الكثير من اللاعبين الطاعنين في السن، فسيتعين على غوارديولا بناء فريق واحد رائع حتى يتمكن من التفوق على فيرغسون.
ومن بين التشكيلة الأساسية التي لعبت في إسطنبول، قد يكون هناك لاعبون كبار في السن مثل إيلكاي غوندوغان البالغ من العمر 32 عاماً، وكيفين دي بروين 31 عاما، لكن إيدرسون يبلغ من العمر 29 عاماً، وروبن دياز وجون ستونز 26 و29 عاما بالترتيب، وناثان أكي وبرناردو سيلفا 28 عاما، ورودري 26 عاما، وجاك غريليش ومانويل أكانجي 27 عاما، وإيرلينغ هالاند 22 عاما. لقد أثبت غوارديولا أنه قادر على التجديد المستمر، وبعد رحيل سيرخيو أغويرو وديفيد سيلفا نجح في بناء فريق قوي للغاية سيطر على الساحتين المحلية والأوروبية، لذا فإن استبدال غوندوغان ودي بروين أو أي لاعب آخر قد يرحل خلال السنوات القادمة لا يبدو وكأنه يمثل أي مشكلة. وهناك سبب آخر قد يغريه بالبقاء وتمديد تعاقده، وهو أنه في الثانية والخمسين من عمره وفي أوج عطائه التدريبي فإلى أين سيذهب في حال الرحيل عن مانشستر سيتي؟ ربما لا يزال التدريب في إيطاليا هدفا بالنسبة له، لكن هل يمكنه حقاً الاستمتاع بما يفعله الآن في حال انتقاله إلى الدوري الإيطالي الممتاز، أو إلى أي مكان آخر؟
*خدمة الغارديان


