كشفت مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» عن وجود توجه يُدرس بجدية داخل أروقة كرة القدم السعودية لإحداث تحول جذري في سياسة تسجيل اللاعبين الأجانب، عبر فتح عدد المحترفين الأجانب في قوائم أندية الدوري السعودي للمحترفين لكرة القدم دون تحديد سقف معين، في خطوة تستهدف إعادة صياغة مستقبل اللاعب السعودي، ودفعه نحو الاحتراف الخارجي، خصوصاً في الدوريات الأوروبية، بوصف ذلك أحد الحلول بعيدة المدى لتطوير جودة اللاعب المحلي ورفع تنافسية المنتخب الوطني. وأكدت المصادر أن هذا التوجه لا يعني بالضرورة تطبيقه ابتداءً من الموسم الرياضي الحالي، إذ لا يزال في مرحلة الدراسة، حيث ستخضع الفكرة لتقييم شامل لقياس آثارها الإيجابية والسلبية، ومدى انعكاسها على الأندية والمنتخبات الوطنية، قبل اتخاذ أي قرار رسمي بشأنها.
ويأتي ذلك في ظل التنظيمات الحالية الخاصة بتسجيل اللاعبين الأجانب، التي تنص على تسجيل 10 لاعبين أجانب في قائمة الفريق، منهم ثمانية محترفين دون أي قيد يتعلق بتاريخ الميلاد، إضافة إلى لاعبين من مواليد عام 2005 فما فوق وفق لائحة اللاعبين الأجانب تحت 21 عاماً. كما تسمح اللائحة بمشاركة ثمانية لاعبين أجانب فقط في قائمة المباراة ضمن منافسات الدوري، مع استثناء بطولتي كأس الملك وكأس السوبر، فيما يبقى تسجيل لاعب المواليد اختيارياً، إذ يمكن استبداله بواسطة لاعب سعودي.

وكشفت المصادر أن فكرة فتح سقف عدد اللاعبين الأجانب ليست وليدة الأسابيع الأخيرة، إذ شهدت اجتماعات عقدت قبل نحو أربعة أشهر بين مسؤولين في رابطة الدوري السعودي للمحترفين والاتحاد السعودي لكرة القدم، جرى خلالها بحث هذا التوجه بصورة موسعة، ودراسة جدواه الفنية وآلية تطبيقه وانعكاساته على مستقبل اللاعب السعودي، إلا أن تلك الاجتماعات لم تفضِ إلى قرار نهائي، مع استمرار دراسة الملف من مختلف جوانبه. وأضافت المصادر أن المقترح لا يزال معلقاً على طاولة النقاش، ويتوقع أن يعود بقوة خلال الفترة المقبلة، رغم أن الاتحاد السعودي لكرة القدم عمم أمس الأربعاء على الأندية المشاركة في مسابقاته التنظيمات الخاصة بالموسم الجديد، وحدد فيها أعداد اللاعبين الأجانب والمواليد واللاعبين السعوديين وفق اللوائح الحالية، باعتبار أن أي تعديل مستقبلي يحتاج إلى اعتماده بصورة رسمية قبل دخوله حيز التنفيذ.
وبحسب المصادر، فإن الفكرة المطروحة تتجاوز هذه التنظيمات الحالية، من خلال فتح عدد اللاعبين الأجانب دون سقف محدد، بالتوازي مع وضع ضوابط وحوافز مالية تضمن استمرار تطوير اللاعب السعودي وزيادة دقائق مشاركته، مع تشجيعه على خوض تجربة الاحتراف الخارجي.

وحسب المصادر، فإن الفكرة لا تهدف إلى تهميش اللاعب السعودي أو تقليص فرصه، بل إلى تغيير فلسفة تطويره بالكامل، بحيث يصبح الاحتراف الخارجي خياراً أساسياً أمام الموهوبين، بدلاً من الاكتفاء بالمنافسة على عدد محدود من المراكز داخل الدوري السعودي، على غرار كثير من الدول التي تعتمد على تصدير مواهبها إلى أوروبا قبل عودتها بخبرات أكبر لخدمة منتخباتها الوطنية.
وتشير المصادر إلى أن المقترح يتضمن أيضاً تقديم امتيازات مالية للأندية التي تعتمد على اللاعبين السعوديين، وبصورة خاصة على اللاعبين الدوليين، بحيث يرتبط جزء من الدعم المالي بعدد الدقائق التي يحصل عليها اللاعب السعودي خلال الموسم، مع منح مزايا إضافية للأندية التي تمنح لاعبيها المحليين فرصة المشاركة المستمرة، بما يضمن تطويرهم فنياً وبدنياً، وعدم الاكتفاء بتسجيلهم ضمن القوائم وإبقائهم على مقاعد البدلاء.

وتأتي هذه المراجعات بعد الخروج المخيب للمنتخب السعودي من دور المجموعات في كأس العالم 2026، وهي المشاركة التي أعادت طرح أسئلة كثيرة حول واقع اللاعب السعودي، بعدما اتجهت معظم الانتقادات نحو الأجهزة الفنية والإدارية، في حين يرى كثير من المختصين أن المشكلة لا تبدأ من المدرب، وإنما من جودة اللاعب المحلي والبيئة التنافسية التي يعيشها طوال الموسم.
فغالبية أندية الدوري السعودي للمحترفين تعتمد على ثمانية محترفين أجانب في تشكيلتها الأساسية، مقابل ثلاثة لاعبين سعوديين فقط، وغالباً ما تنحصر مشاركة المحليين في مراكز متشابهة، بينما يفرض اللاعب الأجنبي هيمنته على أكثر المراكز حساسية وتأثيراً، مثل حراسة المرمى، وقلب الدفاع، وصناعة اللعب، ورأس الحربة، والجناحين، وهي المراكز التي تمثل العمود الفقري لأي منتخب.
وتبرز أزمة حراسة المرمى بصفتها المثال الأوضح على هذا الواقع، إذ تكاد معظم الأندية تعتمد بصورة كاملة على الحارس الأجنبي، بينما يقضي الحراس السعوديون موسماً كاملاً على مقاعد البدلاء، علماً بأن الحارس الأساسي للمنتخب السعودي في كأس العالم محمد العويس كان ينشط مع الدرعية في دوري الدرجة الأولى، فيما كانت مشاركات بقية الحراس الدوليين محدودة للغاية.
ففي الأهلي، لعب السنغالي إدوارد ميندي معظم مباريات الموسم، بينما لم يشارك عبد الرحمن الصانبي سوى في ثماني مباريات من أصل 34 مباراة، في حين لم يخض عبد الله عبدو أو علي باخشوين أي مباراة.

وفي الاتفاق، لم يحصل أي من الحراس السعوديين على فرصة للمشاركة، في ظل الاعتماد الكامل على السلوفاكي مارتن روداك.
أما الفتح، فاكتفى أمين بخاري بخوض خمس مباريات فقط، وكان بديلاً في اثنتين منها، بينما بقي بقية الحراس السعوديين خارج الحسابات.
وفي الفيحاء، لم يظهر عبد اللطيف الدقيل سوى في مباراتين، بينما شارك حارس الحزم إبراهيم زايد في 12 مباراة، بينها مباراة واحدة بديلاً، وخاض الحارس البديل الثاني ماجد الغامدي أربع مباريات فقط.
وفي الهلال، لعب المغربي ياسين بونو 26 مباراة، مقابل تسع مباريات لمحمد الربيعي، بينما لم يشارك بقية الحراس السعوديين في أي مباراة.
أما الاتحاد، فاعتمد على الصربي بريدراغ رايكوفيتش بصورة شبه كاملة، فيما شارك محمد العباسي في خمس مباريات فقط، وكان بديلاً في اثنتين منها.
وفي الخليج، لم يلعب مروان الحيدري سوى مباراة واحدة، مقابل الهيمنة الكاملة للحارس اللوكسمبورغي أنتوني مورايس، فيما اكتفى محمد الشمري في الخلود بمباراتين فقط.
وفي النجمة، شارك وليد العنزي في أربع مباريات، مقابل ثلاث مباريات للحارس البرازيلي براغا، بينما فرض البرازيلي بينتو نفسه في النصر بخوضه 21 مباراة، مقابل 11 مباراة لنواف العقيدي الذي فقد مركزه الأساسي بعد خطأين، فيما شارك راغد النجار في مباراتين فقط.

وتؤكد هذه الأرقام أن أزمة المنتخب السعودي لا تقتصر على مركز حراسة المرمى، بل تمتد إلى غالبية المراكز المؤثرة، حيث يهيمن اللاعب الأجنبي أيضاً على مركزي قلب الدفاع وصانع الألعاب ورأس الحربة، وهو ما يقلص قاعدة الاختيار أمام المنتخب الوطني، ويجعل خياراته أكثر محدودية في كل استحقاق.
كما أن استمرار هذا الواقع سيجعل تطوير المنتخب أكثر صعوبة، مهما تغيرت الأجهزة الفنية، لأن المشكلة تبدأ من اللاعب الذي لا يخوض دقائق كافية طوال الموسم، ولا يعيش المنافسة الحقيقية في المراكز التي يحتاج إليها المنتخب.
ومن هنا، تقوم الفكرة المطروحة على تغيير فلسفة إعداد اللاعب السعودي، عبر فتح الباب أمامه للاحتراف الخارجي واكتساب الخبرات في دوريات أكثر تنافسية، مع إبقاء الأندية السعودية شريكاً رئيسياً في عملية التطوير من خلال الحوافز المالية المرتبطة بعدد دقائق مشاركة اللاعبين السعوديين، خصوصاً الدوليين، وليس بمجرد تسجيلهم في القوائم، بما يحقق التوازن بين رفع جودة الدوري من جهة، وتوسيع قاعدة الخيارات الفنية أمام المنتخب السعودي من جهة أخرى.








