الدولار يتراجع مع تصاعد قلق الديون الأميركية

مشتريات الخزانة تفشل في طمأنة المستثمرين

رجل يعد أوراق نقدية من فئة 20 دولاراً (أ ب)
رجل يعد أوراق نقدية من فئة 20 دولاراً (أ ب)
TT

الدولار يتراجع مع تصاعد قلق الديون الأميركية

رجل يعد أوراق نقدية من فئة 20 دولاراً (أ ب)
رجل يعد أوراق نقدية من فئة 20 دولاراً (أ ب)

تراجع الدولار الأميركي، يوم الجمعة، متجهاً نحو تسجيل خسارة أسبوعية، بعدما خلص المستثمرون إلى أن خطة وزارة الخزانة الأميركية لتوسيع عمليات إعادة شراء السندات قد توفر تهدئة مؤقتة للأسواق، لكنها لا تعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في تضخم الدين والعجز المالي. وأعاد ذلك المخاوف بشأن جاذبية الأصول الأميركية، ودفع بعض المستثمرين نحو العملات الأخرى والذهب وبتكوين. وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد أعلن أن الحكومة قد تزيد مشترياتها من سندات الخزانة أكثر، بعد يوم من إعلان الوزارة مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء الأوراق المالية طويلة الأجل خلال الربع المقبل، في محاولة لاحتواء الارتفاع الحاد في العوائد.

كما قال بيسنت إنه ومدير مكتب الإدارة والميزانية في البيت الأبيض راسل فوغت سيبدآن جهوداً جديدة لضبط المالية العامة بتوجيه من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلا أن هذه التصريحات لم تكن كافية لإزالة القلق من الأسواق، خصوصاً مع تجاوز الدين الحكومي الأميركي مستوى 40 تريليون دولار.

وبدلاً من ترسيخ الهدوء، عادت سندات الخزانة إلى التراجع بعد انحسار الارتياح الأولي لخطة إعادة الشراء. وارتفع عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً بنحو 1.4 نقطة أساس إلى 5.2508 في المائة، بينما استقر عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات عند 4.7041 في المائة، بعدما ارتفع 4.5 نقطة أساس في الجلسة السابقة.

وتشير هذه التحركات إلى أن الأسواق بدأت تنظر إلى ارتفاع العوائد باعتباره مشكلة مالية أكثر منه اضطراباً فنياً في سيولة سوق السندات؛ فإعادة شراء الحكومة للسندات يمكن أن تخفف ضغوط العرض وتحسن السيولة، لكنها لا تقلص وحدها حجم العجز أو احتياجات الاقتراض المستقبلية. وقال فيتالي ميشولام، الاستراتيجي لدى «غولدمان ساكس»، إن الشكوك لا تتعلق بقدرة صناع السياسة على التأثير في العوائد طويلة الأجل؛ إذ يظهر التاريخ إمكانية تحقيق ذلك مؤقتاً، لكن المشكلة الحالية تبدو بصورة متزايدة مالية وليست فنية.

وأضاف أن تجارب الأسواق المتقدمة تظهر إمكانية خفض علاوة الأجل، لكن تجارب الأسواق الناشئة تشير إلى أنه عندما يبدأ المستثمرون التركيز على ديناميكيات تمويل الدين السيادي، تصبح محاولات كبح العوائد أقل فاعلية تدريجياً. وتضرر الدولار من هذه المخاوف. وانخفض مؤشر العملة الأميركية، الذي يقيس أداءها أمام سلة من ست عملات رئيسية، إلى 98.76 نقطة، بالقرب من أدنى مستوياته في ثلاثة أشهر، متجهاً إلى خسارة أسبوعية تقارب 0.9 في المائة.

وفي المقابل، استقر اليورو بالقرب من أعلى مستوى له في ثلاثة أشهر عند 1.1693 دولار، متجهاً لتحقيق مكاسب أسبوعية تبلغ نحو 1 في المائة. وارتفع الجنيه الإسترليني إلى 1.3643 دولار مقترباً من أعلى مستوياته في ستة أشهر، لتصل مكاسبه الأسبوعية إلى نحو 0.8 في المائة.

كما صعد الدولار الأسترالي إلى أعلى مستوى في شهرين ونصف الشهر عند 0.71445 دولار، ووصل الدولار النيوزيلندي إلى 0.59735 دولار، وهو أعلى مستوى له منذ الأول من يونيو (حزيران).

وقالت كارول كونغ، استراتيجية العملات لدى «كومنولث بنك أوف أستراليا»، إن عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل تمثل مثالاً آخر على استخدام الحكومة الأميركية أدوات غير تقليدية لإدارة تكاليف الاقتراض، في وقت تعاني فيه البلاد ارتفاع الدين والعجز وعدم اليقين بشأن السياسات.

وترى كونغ أن هذه الإجراءات قد تصبح عاملاً إضافياً يضغط على معنويات المستثمرين تجاه الأصول المقوَّمة بالدولار، وقد تشجع على زيادة التحوط من العملة الأميركية وتنويع المحافظ بعيداً عنها. وفي آسيا، استقر الين عند 159.01 مقابل الدولار. جاء ذلك بعدما أظهرت بيانات تسارع التضخم الأساسي في اليابان خلال يوليو (تموز)؛ ما عزَّز مبررات رفع بنك اليابان أسعار الفائدة، وهو عامل قد يوفر دعماً إضافياً للعملة اليابانية إذا استمرت توقعات التشديد النقدي. وكان أبرز المستفيدين من القلق بشأن الأصول الأميركية الذهب والبتكوين؛ فقد ارتفعت العملة المشفرة 3.65 في المائة إلى 75. 306.50 دولار، بعدما سجلت أعلى مستوى في أكثر من شهرين، وتتجه إلى مكسب أسبوعي يبلغ نحو 19 في المائة، سيكون الأكبر في عامين ونصف العام.

كما يتجه الذهب الفوري إلى الارتفاع بأكثر من 3 في المائة خلال الأسبوع. وتكشف تحركات الأسواق أن القضية لم تعد تقتصر على قدرة الخزانة الأميركية على تهدئة سوق السندات في الأجل القصير، بل على مدى قدرة واشنطن على تقديم مسار مالي مقنع يحد من نمو الدين والعجز. وحتى تظهر نتائج ملموسة لجهود ضبط المالية العامة، قد يظل الدولار وعوائد السندات عرضة للتقلب، فيما يستمر المستثمرون في البحث عن أدوات للتحوط وتنويع أصولهم بعيداً عن المخاطر الأميركية.


مقالات ذات صلة

قاليباف: على إيران التغلّب على «العقوبات الجائرة» الأميركية

شؤون إقليمية رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف خلال مؤتمر صحافي في كربلاء بالعراق... 20 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

قاليباف: على إيران التغلّب على «العقوبات الجائرة» الأميركية

قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، اليوم الجمعة، إن على بلاده التخطيط من أجل التغلّب على «العقوبات الجائرة» من قِبل الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مشاة أمام شاشة تعرض حجم الدين الأميركي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ ف ب)

مجموعة السبع في مواجهة فخ الديون

تدخل أسواق الديون السيادية في الاقتصادات الكبرى مرحلة أكثر حساسية، بعدما اجتمع تضخم الاقتراض الحكومي مع ارتفاع أسعار الفائدة ومطالب إنفاق يصعب تأجيلها

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد قاعة التداول في البورصة الألمانية بمدينة فرانكفورت (رويترز)

الأسهم الأوروبية تحت ضغط النفط والعوائد

استقرت الأسهم الأوروبية إلى حد كبير يوم الجمعة، لكنها اتجهت نحو تسجيل خسارة أسبوعية ثانية على التوالي

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد مشغولات في متجر للذهب بمدينة بومباي الهندية (رويترز)

الذهب يقترب من قمم تاريخية جديدة

واصل الذهب مكاسبه، يوم الجمعة، متجهاً نحو تسجيل ارتفاع أسبوعي للمرة الثالثة على التوالي

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

«نيكي» يسجل أسوأ أسبوع في شهر

أنهت الأسهم اليابانية أسبوعاً مضطرباً تحت ضغط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط وعوائد السندات

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

مجموعة السبع في مواجهة فخ الديون

مشاة أمام شاشة تعرض حجم الدين الأميركي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ ف ب)
مشاة أمام شاشة تعرض حجم الدين الأميركي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ ف ب)
TT

مجموعة السبع في مواجهة فخ الديون

مشاة أمام شاشة تعرض حجم الدين الأميركي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ ف ب)
مشاة أمام شاشة تعرض حجم الدين الأميركي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ ف ب)

تدخل أسواق الديون السيادية في الاقتصادات الكبرى مرحلة أكثر حساسية، بعدما اجتمع تضخم الاقتراض الحكومي مع ارتفاع أسعار الفائدة ومطالب إنفاق يصعب تأجيلها، من الدفاع وشيخوخة السكان إلى تغير المناخ والطاقة. ومع تجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار، واقتراب عوائد السندات اليابانية من مستويات لم تشهدها منذ ثلاثة عقود، باتت تكلفة خدمة الدين أحد أبرز التحديات التي تواجه دول مجموعة السبع.

ولا تقتصر المشكلة على الولايات المتحدة واليابان؛ فألمانيا، التي تتمتع بعبء دين أقل كثيراً من معظم نظرائها، شهدت ارتفاع عوائد سنداتها إلى أعلى مستوياتها منذ 2011، بينما تواجه فرنسا ضغوطاً مالية متزايدة. وتضاف إلى هذه الصورة الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الطاقة والظواهر المناخية المتطرفة، وهي عوامل ترفع الإنفاق العام وتعيد مخاطر التضخم إلى الواجهة. جاء التحوُّل الأهم في أسواق السندات بعد جائحة «كوفيد - 19»، ثم تسارع مع الحرب الروسية - الأوكرانية؛ فقد رفعت البنوك المركزية أسعار الفائدة بقوة لمواجهة التضخم، منهية حقبة طويلة من الأموال الرخيصة التي سمحت للحكومات بزيادة ديونها بتكلفة منخفضة نسبياً. واليوم يطالب المستثمرون بعوائد أعلى للاحتفاظ بالديون طويلة الأجل. كما أضيف عامل جديد يتمثل في موجة الاقتراض الضخمة من شركات التكنولوجيا العملاقة لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي؛ ما يزيد المنافسة على رؤوس الأموال، ويدفع المستثمرين للمطالبة بعوائد أكثر جاذبية.

وتتجاوز التداعيات ميزانيات الحكومات؛ فالسندات السيادية تمثل السعر المرجعي للاقتراض في الاقتصاد، وبالتالي فإن ارتفاع عوائدها ينتقل إلى قروض الشركات والتمويل العقاري والرهون السكنية، ويضغط في نهاية المطاف على الاستثمار والاستهلاك والنمو.

• مساعي التكيف

وتحاول بعض الحكومات التكيف عبر زيادة الاعتماد على السندات قصيرة الأجل، بعدما أصبحت تكلفة الاقتراض طويل الأجل أكثر ارتفاعاً نسبياً. لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة مختلفة؛ إذ تضطر الحكومات إلى إعادة تمويل ديونها بوتيرة أسرع، ما يعني أن أي ارتفاع جديد في الفائدة ينتقل بسرعة أكبر إلى الميزانية. وتزداد المشكلة مع تراجع مشتريات بعض المستثمرين التقليديين في السندات طويلة الأجل، مثل شركات التأمين وصناديق التقاعد، بالتزامن مع تقليص البنوك المركزية محافظها من السندات. وتكشف مستويات الدين حجم التحدي؛ فالدين الحكومي يعادل تقريباً الناتج الاقتصادي أو يتجاوزه في معظم دول مجموعة السبع باستثناء ألمانيا، بينما تتصدر اليابان القائمة بدين يتجاوز ضعفي حجم اقتصادها.

ولا تبدو الضغوط مرشحة للاختفاء سريعاً؛ فشيخوخة السكان ترفع تكاليف التقاعد والرعاية الصحية، بينما تتطلب التحولات المناخية استثمارات ضخمة في البنية التحتية والطاقة. وفي الوقت نفسه، أدت التوترات الجيوسياسية إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، خصوصاً في أوروبا. وقد أبلغت وزارة المالية الألمانية «رويترز» بأن الحرب الروسية رفعت احتياجات التمويل اللازمة للاستثمارات الدفاعية الضخمة، وهو ما ساهم في زيادة تكاليف الاقتراض.

ويظهر العبء بصورة متزايدة في مدفوعات الفائدة؛ فرغم أنها لا تزال أقل من قمم تاريخية في عدد من الاقتصادات، ارتفعت تكلفة الفائدة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في معظم دول المجموعة، وبصورة ملحوظة في الولايات المتحدة. وفي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تجاوزت مدفوعات الفائدة بالفعل الإنفاق الدفاعي خلال 2024.

• تحديات إضافية

وتواجه الولايات المتحدة تحدياً إضافياً يتمثل في ارتفاع «علاوة الأجل»، أي العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل مخاطر الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل. ويعكس ذلك القلق بشأن السياسة المالية، وتقليص الاحتياطي الفيدرالي حيازاته من السندات، وعدم اليقين بشأن التضخم والسياسة النقدية. وليس الأمر أميركياً فقط؛ إذ وصلت علاوة الأجل في الاقتصادات الرئيسية بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أعلى مستوياتها في أكثر من عشر سنوات.

أما أوروبا، فتقدم صورة أكثر تفاوتاً؛ فقد تراجعت فروق العائد بين سندات بعض دول منطقة اليورو والسندات الألمانية مقارنة بأزمة الديون السيادية قبل أكثر من عقد.

وتبرز إيطاليا مثالاً لافتاً؛ إذ ساعد الاستقرار السياسي وانخفاض عجز الميزانية وزيادة التماسك الأوروبي على دفع علاوة مخاطر ديونها أخيراً إلى أدنى مستوياتها منذ 2008. وعلى الجانب الآخر، أصبحت فرنسا مصدراً أكبر للقلق. فالانقسام السياسي الذي أعقب انتخابات 2024 عرقل جهود السيطرة على العجز، فيما حذر تقرير مستقل بتكليف من الحكومة في يوليو (تموز) من تدهور حاد محتمل في المالية العامة خلال بقية العقد، إذا لم يتحرك صناع القرار سريعاً لضبط الإنفاق.

• أزمة اليابان

لكن اليابان قد تكون الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة العالمية؛ فعائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات أصبح قريباً من مستوى 3 في المائة للمرة الأولى منذ منتصف التسعينات، في تحول جذري لسوق اعتادت لعقود الفائدة شديدة الانخفاض. وتجتمع في اليابان ثلاثة ضغوط؛ هي الدين الحكومي الضخم، وعودة التضخم، وتوقعات تشديد السياسة النقدية، إلى جانب المخاوف المرتبطة بخطط الإنفاق التي تتبناها رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي. واضطرت الحكومة بالفعل إلى خفض بعض إصدارات السندات طويلة الأجل للمساعدة في تحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب، لكن الضغوط على العوائد لم تختف.

والخطر الياباني يحمل بُعداً عالمياً؛ فقد كانت المؤسسات والمستثمرون اليابانيون لعقود مصدراً مهماً للطلب على السندات الأميركية والأوروبية، بسبب ضعف العوائد المحلية. وإذا أصبحت السندات اليابانية أكثر جاذبية، فقد تعود أجزاء من تلك الأموال إلى الداخل. وهنا تظهر الحلقة الأكثر خطورة؛ حيث إن ارتفاع العوائد اليابانية قد يسحب السيولة من أسواق الدين الغربية، ما يرفع العوائد الأميركية والأوروبية، ويزيد بدوره تكلفة خدمة ديون الحكومات.

لذلك، لم يعد السؤال أمام مجموعة السبع يتعلق فقط بحجم الدين الذي تستطيع الحكومات تحمله، بل بالسعر الذي سيطلبه المستثمرون لتمويله. ومع استمرار احتياجات الإنفاق الدفاعي والمناخي والاجتماعي، أصبح على الحكومات الموازنة بين دعم اقتصاداتها والحفاظ على ثقة سوق السندات. وإذا استمرت العوائد المرتفعة، فقد تتحول تكلفة الدين من بند مالي قابل للإدارة إلى قيد مباشر على النمو ومستويات المعيشة والسياسات الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.


الأسهم الأوروبية تحت ضغط النفط والعوائد

قاعة التداول في البورصة الألمانية بمدينة فرانكفورت (رويترز)
قاعة التداول في البورصة الألمانية بمدينة فرانكفورت (رويترز)
TT

الأسهم الأوروبية تحت ضغط النفط والعوائد

قاعة التداول في البورصة الألمانية بمدينة فرانكفورت (رويترز)
قاعة التداول في البورصة الألمانية بمدينة فرانكفورت (رويترز)

استقرت الأسهم الأوروبية إلى حد كبير يوم الجمعة، لكنها اتجهت نحو تسجيل خسارة أسبوعية ثانية على التوالي، مع استمرار ارتفاع عوائد السندات العالمية وصعود أسعار النفط بفعل تعثر المساعي الدبلوماسية في التوتر الأميركي الإيراني.

وتضع هذه التطورات المستثمرين أمام معادلة أكثر تعقيداً تجمع بين ارتفاع تكاليف التمويل وتجدد مخاطر التضخم واحتمال استمرار الضغوط على أرباح الشركات.

وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة محدودة بلغت 0.06 في المائة إلى 650.79 نقطة بحلول الساعة 07:05 بتوقيت غرينتش، لكنه ظل في طريقه لإنهاء الأسبوع على انخفاض للمرة الثانية توالياً.

وتأتي الضغوط الأساسية من أسواق الدخل الثابت، بعدما عادت عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى الارتفاع، ما أضعف الارتياح الذي أحدثته إجراءات وزارة الخزانة الأميركية في وقت سابق من الأسبوع.

وكانت «الخزانة» قد أعلنت مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل في محاولة لدعم السيولة وتهدئة الارتفاع في تكاليف الاقتراض. كما قال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن الحكومة قد تزيد عمليات إعادة الشراء مستقبلاً، بالتزامن مع طرح إمكانية إطلاق جهود جديدة لضبط المالية العامة.

لكن الأسواق تعاملت مع هذه التدابير باعتبارها علاجاً قصير الأجل أكثر من كونها حلاً للمشكلة الأساسية المتعلقة بارتفاع الدين والعجز الأميركيين. ويكتسب ذلك أهمية مباشرة بالنسبة إلى أوروبا، لأن ارتفاع العوائد الأميركية يميل إلى دفع تكاليف الاقتراض عالمياً إلى الأعلى، ويزيد الضغوط على تقييمات الأسهم، خصوصاً الشركات ذات النمو المرتفع والقطاعات الحساسة لأسعار الفائدة.

وفي الوقت نفسه، عاد النفط ليشكل مصدراً رئيسياً للقلق بالنسبة إلى المستثمرين الأوروبيين. فقد وسع بيسنت نطاق التهديدات الاقتصادية التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد إيران، قائلاً إن واشنطن ستفرض «أقسى عقوبات في التاريخ» على طهران. وأدت هذه التصريحات إلى تقليص الآمال في التوصل إلى انفراجة تسمح بإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

وصعد خام برنت إلى 94.71 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى له في شهر، قبل أن يتراجع جزئياً بفعل عمليات جني الأرباح. ويمثل استمرار النفط قرب هذه المستويات تحدياً مهماً للاقتصاد الأوروبي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة. فارتفاع الخام لا يرفع فقط فاتورة الطاقة، بل يمكن أن ينتقل تدريجياً إلى تكاليف النقل والتصنيع والسلع الاستهلاكية، ما يهدد بإبقاء التضخم أعلى لفترة أطول.

وهذا السيناريو قد يحد بدوره من قدرة البنوك المركزية على تخفيف السياسة النقدية، ويُبقي عوائد السندات مرتفعة. ومن ثم تواجه الأسهم الأوروبية ضغطاً مزدوجاً بين ارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج من جهة، وارتفاع معدل الخصم المستخدم في تقييم الشركات من جهة أخرى. ولا تتوزع التداعيات بالتساوي على القطاعات. فقد تصدر قطاع الموارد الأساسية المكاسب بارتفاع 1.3 في المائة، مستفيداً من ضعف الدولار وصعود أسعار الذهب.

وتستفيد شركات التعدين والموارد عادة من ارتفاع أسعار السلع الأولية، ما يوفر للمؤشرات الأوروبية بعض الحماية أمام تراجع القطاعات الأكثر تعرضاً لارتفاع تكاليف الطاقة والفائدة.

في المقابل، تصبح قطاعات مثل الصناعة والنقل والكيماويات والشركات كثيفة الاستهلاك للطاقة أكثر عرضة لضغوط الهوامش إذا استمر النفط عند مستويات مرتفعة. كما أن الشركات المثقلة بالديون قد تواجه زيادة في تكاليف إعادة التمويل إذا استمرت موجة ارتفاع عوائد السندات العالمية.

وتتجاوز أهمية أزمة الطاقة أرباح الشركات لتصل إلى توقعات النمو الأوروبي. فإذا استمرت أسعار النفط مرتفعة بالتزامن مع تشديد الأوضاع المالية، فقد يتعرض إنفاق المستهلكين والاستثمارات لضغوط إضافية، وهو ما يضع المستثمرين أمام خطر عودة مزيج غير مريح من تباطؤ النمو وارتفاع التضخم.


الذهب يقترب من قمم تاريخية جديدة

مشغولات في متجر للذهب بمدينة بومباي الهندية (رويترز)
مشغولات في متجر للذهب بمدينة بومباي الهندية (رويترز)
TT

الذهب يقترب من قمم تاريخية جديدة

مشغولات في متجر للذهب بمدينة بومباي الهندية (رويترز)
مشغولات في متجر للذهب بمدينة بومباي الهندية (رويترز)

واصل الذهب مكاسبه يوم الجمعة، متجهاً نحو تسجيل ارتفاع أسبوعي للمرة الثالثة على التوالي، في ظل مزيج من ضعف الدولار، وتراجع الثقة في سوق الدين الأميركية، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بإيران.

تأتي هذه التحركات في وقت يعيد فيه المستثمرون تقييم مستقبل أسعار الفائدة الأميركية وقدرة واشنطن على احتواء الضغوط المتزايدة في سوق سندات الخزانة. وارتفع الذهب في المعاملات الفورية 0.4 في المائة إلى 4537.41 دولار للأوقية بحلول الساعة 05:04 بتوقيت غرينتش، بعدما سجَّل في الجلسة السابقة أعلى مستوياته منذ أوائل يونيو (حزيران).

وبذلك تصل مكاسبه منذ بداية الأسبوع إلى نحو 3.6 في المائة. كما صعدت العقود الأميركية الآجلة للذهب 0.5 في المائة إلى 4593.90 دولار.

يأتي صعود المعدن الأصفر بالتزامن مع تراجع الدولار، الذي اتجه نحو تسجيل خسارة أسبوعية، ما يجعل الذهب المقوم بالعملة الأميركية أقل تكلفة بالنسبة إلى المشترين من حائزي العملات الأخرى.

وقال برايان لان، المدير الإداري في «غولد سيلفر سنترال»، إن ضعف الدولار دعم ليس الذهب وحده، بل المعادن النفيسة عموماً، بالتزامن مع تغيرات كبيرة في عوائد السندات. لكن المحرك الأكثر أهمية للأسواق خلال الأيام الأخيرة كان تدخل وزارة الخزانة الأميركية في سوق الدين. وقال وزير الخزانة، سكوت بيسنت، إنه قد يرفع حجم عمليات إعادة شراء سندات الخزانة أكثر، بعدما أعلنت الوزارة، الأربعاء، مضاعفة عمليات إعادة شراء الأوراق المالية طويلة الأجل خلال الربع المقبل إلى ما لا يقل عن 4 مليارات دولار لكل عملية.

وتستهدف هذه الخطوة تحسين السيولة واحتواء الارتفاع في تكاليف الاقتراض طويلة الأجل، لكنها في الوقت نفسه أثارت نقاشاً أوسع حول أوضاع المالية العامة الأميركية، خصوصاً بعدما تجاوز الدين الحكومي 40 تريليون دولار. ومن منظور الذهب، تحمل هذه التطورات تأثيرات متعارضة؛ فانخفاض عوائد السندات وضعف الدولار يصبّان عادة في مصلحة المعدن الذي لا يدر عائداً، لكن أي اعتقاد بأن تدخل الخزانة سيؤدي إلى استقرار مستدام في سوق الدين قد يقلل الطلب على الملاذات الآمنة. وتزداد المعادلة تعقيداً بسبب موقف مجلس الاحتياطي الفيدرالي؛ فقد أبدى مسؤولان في البنك المركزي الأميركي حذراً عند سؤالهما عن تأثير التغييرات التي تجريها وزارة الخزانة في إدارة الدين على السياسة النقدية.

ويرى لان أن الاتجاه المقبل للذهب سيتوقف بدرجة كبيرة على قرارات الاحتياطي الفيدرالي وتأثيرها في توقعات السوق بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات سوق العمل الأميركية أن طلبات إعانة البطالة الجديدة انخفضت بمقدار 6 آلاف طلب إلى 206 آلاف خلال الأسبوع المنتهي في 15 أغسطس (آب)، في إشارة إلى أن عمليات تسريح العمال لا تزال محدودة، رغم الضعف الذي ظهر في بيانات التوظيف خلال يوليو (تموز).

وتمنح متانة سوق العمل الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للاستمرار في التركيز على التضخم بدلاً من الإسراع نحو تخفيف السياسة النقدية. وتشير تسعيرات الأسواق إلى احتمال يبلغ نحو 63 في المائة للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير الشهر المقبل، مقابل احتمال بنحو 37 في المائة لرفعها. وهنا تظهر إحدى أهم المخاطر أمام استمرار ارتفاع الذهب؛ فعلى الرغم من أن المعدن يُستخدم تقليدياً للتحوط من التضخم والاضطرابات المالية، فإن ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية يزيد تكلفة الفرصة البديلة لحيازته مقارنة بالسندات والأصول المدرة للعائد.

في المقابل، توفر التطورات الجيوسياسية دعماً إضافياً للأسعار؛ فقد قال بيسنت إن الولايات المتحدة ستفرض «أقسى عقوبات في التاريخ» على إيران؛ ما يعزز حالة عدم اليقين المحيطة بالشرق الأوسط وأسواق الطاقة.

وأي تصعيد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط قد يزيد توقعات التضخم ويعزز الطلب على الذهب بوصفه أداة للتحوط. وامتدت موجة الصعود إلى بقية المعادن النفيسة، إذ ارتفعت الفضة 1.3 في المائة إلى 68.93 دولار للأوقية، وصعد البلاتين 2 في المائة إلى 1865.29 دولار، بينما زاد البلاديوم 0.8 في المائة إلى 1344.44 دولار، وتتجه المعادن الثلاثة أيضاً إلى تحقيق مكاسب أسبوعية. وبالنسبة إلى المستثمرين، تبدو حركة الذهب المقبلة مرتبطة بثلاثة متغيرات رئيسية؛ هي اتجاه الدولار، ومستويات عوائد سندات الخزانة، وقرار الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر (أيلول).

وإذا استمرت المخاوف بشأن الدين الأميركي بالتزامن مع ضعف الدولار والتوترات الجيوسياسية، فقد يحتفظ الذهب بزخمه الصعودي. أما عودة العوائد للارتفاع بقوة، خصوصاً إذا ازدادت احتمالات تشديد السياسة النقدية، فقد تشكل الاختبار الأكبر للمعدن، بعد ثلاثة أسابيع متتالية من المكاسب.