يعود الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى واجهة المشهد في قطاع العملات المشفرة، داعياً الكونغرس إلى إقرار تشريع واسع يمنح الصناعة إطاراً تنظيمياً أكثر ملاءمة، في وقت تتزايد فيه ارتباطات عائلته التجارية بهذا القطاع وتتصاعد الانتقادات بشأن تضارب المصالح المحتمل بين أعماله الخاصة ومسؤولياته في البيت الأبيض.
واجتمع ترمب، الأربعاء، في البيت الأبيض مع مجموعة من أبرز مسؤولي شركات العملات المشفرة، في فعالية قُدمت رسمياً باعتبارها انطلاقة للجنة استشارية جديدة معنية بالابتكار، تقدم المشورة إلى لجنة تداول العقود الآجلة للسلع، إحدى الجهات التنظيمية الرئيسية للقطاع، وفق صحيفة «نيويورك تايمز».
لكن الاجتماع سلّط الضوء في الوقت نفسه على العلاقة المتشابكة بين الإدارة الأميركية وصناعة العملات المشفرة، التي أصبحت مصدراً كبيراً للثروة لعائلة ترمب. ووفقاً للصحيفة، حققت أعمال العملات المشفرة المرتبطة بالرئيس 1.4 مليار دولار العام الماضي.

ومن بين الحاضرين سيرغي نازاروف، الشريك المؤسس لشركة «تشين لينك»، التي أبرمت شراكة مع شركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» التابعة لعائلة ترمب، إلى جانب مايك بيلشي، الرئيس التنفيذي لشركة «بيت غو»، الشريكة أيضاً مع الشركة العائلية. كما حضر براين أرمسترونغ، مؤسس «كوين بيس»، وأرجون سيتي، الرئيس التنفيذي لـ«كراكن»، وهما منصتان تتيحان تداول عدد من العملات الرقمية التي أطلقتها عائلة ترمب.
«كلاريتي»... المعركة التشريعية المقبلة
وتأتي تحركات ترمب في وقت تسعى فيه صناعة العملات المشفرة إلى دفع الكونغرس لإقرار قانون «كلاريتي» (Clarity Act)، الذي يهدف إلى وضع إطار تنظيمي شامل للعملات الرقمية ويمنح الشركات العاملة في القطاع قواعد أكثر وضوحاً وملاءمة للأعمال.
وكان مجلس النواب قد أقر نسخة من القانون بدعم من الحزبين، لكن التشريع يواجه عقبات في مجلس الشيوخ، حيث يطالب الديمقراطيون بإضافة قيود تمنع المسؤولين الحكوميين، بمَن فيهم الرئيس، من الاستفادة من بيع الأصول الرقمية.
ودعا ترمب خلال الاجتماع إلى إقرار القانون، واصفاً إياه بأنه تشريع قوي من شأنه أن يحافظ على تقدم الولايات المتحدة على الصين في مجال التكنولوجيا.

من التشكيك إلى تبني العملات المشفرة
ويمثل موقف ترمب تحولاً كبيراً مقارنة بموقفه السابق من العملات المشفرة، إذ كان من المشككين في القطاع قبل أن يجعل دعمه له محوراً رئيسياً في حملته الانتخابية عام 2024، ثم يتحول لاحقاً إلى أحد مكونات أعمال عائلته.
وخلال العام الماضي، اتخذت الإدارة الأميركية سلسلة خطوات داعمة للصناعة، من بينها توقيع ترمب قانون «جينيوس» (GENIUS Act) الذي وضع إطاراً تنظيمياً للعملات المستقرة المرتبطة بالدولار.
كما أنهت هيئة الأوراق المالية والبورصات حملة تنظيمية طويلة ضد عدد من شركات العملات المشفرة الكبرى، بينها «كوين بيس» و«كراكن».

ترخيص مصرفي يثير جدلاً جديداً
لكن الجدل الأكبر يتعلق بتزايد التداخل بين قرارات الإدارة ومصالح عائلة ترمب التجارية.
ففي الأسبوع الماضي، منح مكتب مراقب العملة التابع لوزارة الخزانة موافقة أولية لشركة تابعة لـ«وورلد ليبرتي فاينانشال» للحصول على ترخيص مصرفي محدود. وتمتلك عائلة ترمب حصة كبيرة في الشركة.
ومن شأن الترخيص أن يسمح للشركة بإصدار عملتها المستقرة بنفسها بدلاً من الاعتماد على «بيت غو»، ما قد يخفض تكاليفها، وإن كان الترخيص لا يسمح لها باستقبال ودائع الأفراد أو تقديم القروض.
وأثارت الخطوة انتقادات حادة من الديمقراطيين، الذين يرون فيها مثالاً على تداخل المصالح الخاصة مع المسؤوليات الحكومية. في المقابل، تنفي إدارة ترمب وجود أي تضارب، وتقول إن الرئيس يتصرف بما يخدم المصلحة العامة.

فتح أوسع لقطاع الكريبتو
وفي تطور آخر يعكس التحول التنظيمي، اقترحت هيئة الأوراق المالية والبورصات، الثلاثاء، قواعد تسمح للشركات بجمع ما يصل إلى 75 مليون دولار سنوياً من دون التسجيل لدى الهيئة، وهو ما يمنح شركات القطاع مساحة أكبر لزيادة رأس المال خارج الإطار التقليدي للرقابة الفيدرالية.
وهكذا، لا يقتصر التحول الذي تشهده صناعة العملات المشفرة في عهد ترمب على دعم سياسي مباشر، بل يمتد إلى إعادة صياغة البيئة التنظيمية والمالية المحيطة بالقطاع.
لكن في الوقت نفسه، تضع المصالح التجارية المتنامية لعائلة الرئيس هذا التحول أمام اختبار سياسي وأخلاقي صعب: إلى أي مدى يمكن للإدارة أن تعزز صناعة ترتبط بها مصالح مالية مباشرة من دون أن تتحول السياسة التنظيمية إلى مصدر جديد لتضارب المصالح؟


