بعد خسائر 1.5 تريليون دولار... الصين تحشد جهودها لإنقاذ البورصة

تحركات تنظيمية وشراء حكومي للأسهم لإعادة الثقة عقب أسوأ موجة بيع منذ أشهر

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
TT

بعد خسائر 1.5 تريليون دولار... الصين تحشد جهودها لإنقاذ البورصة

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

​دخلت السلطات الصينية في سباق مع الزمن لاحتواء واحدة من أعنف موجات التراجع التي شهدتها أسواق الأسهم المحلية منذ أشهر، بعدما فقدت البورصات الصينية نحو 10 تريليونات يوان (1.48 تريليون دولار) من قيمتها السوقية خلال أسبوعين فقط، في انهيار أعاد إلى الواجهة تساؤلات المستثمرين حول متانة التعافي الاقتصادي وثقة الأسواق في السياسات الحكومية.

وفي أول تحرك رسمي واسع منذ بداية موجة الهبوط، تعهدت هيئة تنظيم الأوراق المالية الصينية ببذل «كل الجهود» للحفاظ على استقرار سوق رأس المال، بينما دفعت مؤسسات استثمارية مملوكة للدولة بعشرات المليارات من اليوانات إلى السوق، في محاولة لوقف عمليات البيع واستعادة ثقة المستثمرين.

وجاء التحرك بعد اجتماع عقده رئيس لجنة تنظيم الأوراق المالية الصينية وو تشينغ، مع مستثمرين وممثلين عن المؤسسات المالية في بكين، أكد خلاله أن الهيئة ستعمل على منع المخاطر المالية، وتشديد الرقابة، وحماية عدالة وشفافية السوق، إلى جانب تعزيز حماية المستثمرين وتحسين مستوى الإفصاح في الشركات المدرجة.

ويعكس الاجتماع إدراك بكين أن الأزمة الحالية لم تعد مجرد تصحيح طبيعي للأسعار؛ بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة السلطات على الحفاظ على استقرار ثانية كبرى أسواق الأسهم في آسيا، خصوصاً مع تزايد الضغوط الخارجية وتراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.

• ما الذي أشعل موجة البيع؟

جاءت الخسائر نتيجة تزامن عدة عوامل في وقت واحد؛ فقد أثار الطرح العام الأولي الضخم لشركة «سي إكس إم تي» (CXMT) لصناعة الرقائق الإلكترونية، الذي تبلغ قيمته 8.6 مليار دولار، مخاوف من سحب سيولة كبيرة من السوق، في وقت يعاني فيه المستثمرون بالفعل من ضعف الثقة.

وفي الوقت نفسه، تعرض قطاع التكنولوجيا العالمي لموجة بيع واسعة، انعكست بقوة على الشركات الصينية، خصوصاً شركات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، التي كانت من أكبر الرابحين خلال الأشهر الماضية.

كما أسهم تجدد التوترات في الشرق الأوسط في زيادة عزوف المستثمرين عن المخاطرة، ودفع رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة، وهو ما زاد الضغوط على الأسواق الناشئة، ومنها الصين.

وكان قطاع التكنولوجيا الأكثر تضرراً؛ إذ هبط مؤشر «ستار» في بورصة شنغهاي، الذي يضم شركات التكنولوجيا والابتكار، بنحو 25 في المائة مقارنة بذروته المسجلة مطلع يوليو (تموز)، في واحدة من أسرع موجات التصحيح التي يشهدها منذ إطلاقه.

مشاة أمام مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

• تدخل حكومي واسع

رداً على هذه التطورات، تحركت المؤسسات الاستثمارية التابعة للدولة فيما يعرف داخل الأسواق الصينية باسم «الفريق الوطني»، وهو مجموعة من المؤسسات الحكومية التي تتدخل عادة خلال الأزمات لدعم الأسواق.

وأعلنت شركة «تشاينا ريفورم هولدينغز»، المملوكة للحكومة المركزية، أنها ضخت 50 مليار يوان في سوق الأسهم، مؤكدة أنها ستواصل زيادة استثماراتها دعماً لاستقرار السوق. وقالت الشركة إنها «واثقة تماماً بآفاق سوق رأس المال الصينية»، وإنها ستواصل دعم الابتكار التكنولوجي والنمو عالي الجودة للشركات المملوكة للدولة.

كما أعلنت مجموعة «تشاينا تشينغتونغ هولدينغز» الحكومية أنها رفعت استثماراتها في الأسهم بنحو 10 مليارات يوان، متعهدة باستخدام «كل القوة» للحفاظ على استقرار الأسواق.

وبذلك، بلغت قيمة التدخلات الحكومية المعلنة خلال يومين فقط، نحو 60 مليار يوان، في إشارة واضحة إلى استعداد بكين لاستخدام أدواتها المالية لمنع تحول التصحيح إلى أزمة أوسع.

شعار شركة «سي إكس إم تي» الصينية لصناعة الرقائق على لوحة إلكترونية (رويترز)

• الشركات تدخل على الخط

لم يقتصر الدعم على الحكومة فقط؛ بل أعلنت عدة شركات حكومية كبرى إجراءات تهدف إلى تعزيز ثقة المستثمرين؛ فقد كشفت شركات مثل «سي آر آر سي» و«إس دي آي سي باور» عن خطط لزيادة حصص كبار المساهمين، وإعادة شراء الأسهم من السوق، إلى جانب توزيع أرباح نقدية، وهي إجراءات تُستخدم عادة لإظهار ثقة الإدارة في القيمة الحقيقية للشركات ودعم أسعار الأسهم.

وفي الوقت نفسه، أعلنت شركة إدارة الأصول «بوريسا فند» أنها ستستثمر 50 مليون يوان في صناديقها الاستثمارية الخاصة بالأسهم، مؤكدة ثقتها في الآفاق طويلة الأجل للسوق الصينية.

ويرى محللون أن مثل هذه الخطوات تحمل أهمية نفسية كبيرة؛ إذ تبعث برسالة إلى المستثمرين بأن المؤسسات المالية نفسها مستعدة لضخ أموالها الخاصة في السوق.

• رسائل للمستثمرين

وخلال الاجتماع مع هيئة تنظيم الأوراق المالية، طالب المستثمرون السلطات باتخاذ إجراءات أكثر قوة لدعم السوق.

وشملت المقترحات زيادة السياسات الاقتصادية المضادة للدورات الاقتصادية، وتوجيه مزيد من رؤوس الأموال طويلة الأجل نحو سوق الأسهم، وتشديد العقوبات على جرائم التلاعب والتداول غير المشروع، إلى جانب تعزيز الشفافية والإفصاح في الشركات المدرجة.

وأعلنت الهيئة أنها ستواصل خلال الأيام المقبلة، عقد اجتماعات منفصلة مع شركات الوساطة ومديري الصناديق والشركات المدرجة، لجمع مزيد من المقترحات قبل اتخاذ إجراءات إضافية.

• هل تكفي هذه الإجراءات؟

رغم أن الأسواق استجابت إيجابياً في بداية الأسبوع، حيث ارتفع مؤشر «سي إس آي300» للشركات الكبرى بنسبة 1.53 في المائة، وصعد مؤشر «شنغهاي» المركب بنسبة 0.85 في المائة، فإن هذه المكاسب جاءت محدودة مقارنة بحجم الخسائر السابقة... بل إن مؤشر «ستار» التكنولوجي واصل التراجع بنسبة 2.28 في المائة، ما يعكس استمرار الضغوط على قطاع التكنولوجيا، الذي يقود موجة التصحيح الحالية.

ويرى محللون أن تدخلات الدولة قد تنجح في تهدئة التقلبات على المدى القصير، لكنها لن تكون كافية لاستعادة الاتجاه الصاعد، ما لم تتحسن العوامل الأساسية التي دفعت المستثمرين إلى البيع.

وتشمل هذه العوامل استمرار تباطؤ الاقتصاد الصيني، وضعف الطلب المحلي، والضغوط على قطاع العقارات، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بالسيولة في السوق، والتوترات الجيوسياسية، والتقلبات التي تشهدها أسواق التكنولوجيا العالمية.

• اختبار جديد لسياسة «استقرار السوق»

تعكس التحركات الأخيرة تمسك بكين بسياسة تقوم على عدم السماح بانهيارات حادة في سوق الأسهم، نظراً للدور المتزايد الذي تلعبه الأسواق المالية في تمويل الشركات ودعم التحول الاقتصادي الذي تقوده الحكومة نحو التكنولوجيا والابتكار.

لكن في المقابل، يدرك المستثمرون أن قدرة التدخلات الحكومية على وقف الهبوط تبقى محدودة إذا لم تترافق مع تحسن ملموس في المؤشرات الاقتصادية وثقة القطاع الخاص.

ولهذا، تبدو بكين اليوم أمام اختبار مزدوج؛ بين احتواء موجة البيع الحالية من جهة، إضافة إلى استعادة ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في أن سوق الأسهم الصينية لا تعتمد فقط على تدخل الدولة؛ بل تستند أيضاً إلى أسس اقتصادية قادرة على دعم النمو المستدام في المرحلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

وزير خارجية ألمانيا يبدأ من موريتانيا جولة أفريقية

شمال افريقيا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يتحدث إلى الصحافيين بمطار برلين قبل توجهه إلى موريتانيا يوم الاثنين (د.ب.أ)

وزير خارجية ألمانيا يبدأ من موريتانيا جولة أفريقية

بدأ وزير خارجية ألمانيا يوهان فاديفول، الاثنين، جولة أفريقية يستهلها من العاصمة الموريتانية نواكشوط، وستقوده أيضاً إلى نيجيريا وجنوب أفريقيا.

الشيخ محمد (نواكشوط)
تحليل إخباري مشاركون يلتقطون صورة تذكارية خلال اجتماع وزراء خارجية «رابطة دول جنوب شرقي آسيا - آسيان» في «مركز المؤتمرات الدولي» بالفلبين يوم 20 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

تحليل إخباري اجتماعات «آسيان»... هل تصمد سياسة التوازن بين أميركا والصين؟

تختبر اجتماعات «آسيان» في مانيلا قدرة «الرابطة» في الحفاظ على توازنها بين واشنطن وبكين، وسط تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار أزمتَي ميانمار وبحر الصين الجنوبي.

شادي عبد الساتر (بيروت)
الاقتصاد رئيس الوزراء البريطاني المعيّن حديثاً أندي بيرنهام يلقي خطاباً أمام مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينغ ستريت (رويترز)

وسط ضغوط الإنفاق... كيف يمكن لحكومة بيرنهام زيادة الضرائب في بريطانيا؟

قال رئيس الوزراء البريطاني الجديد، أندي بيرنهام، إنه قد يطلب من المواطنين دفع «المزيد قليلاً» من الضرائب، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً متزايدة على الإنفاق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد صورة تخيلية لمدينة المعرفة الاقتصادية (هيئة المدن والمناطق الاقتصادية الخاصة)

«مدينة المعرفة الاقتصادية» توقّع اتفاقية لتطوير «الملتقى رزيدانس» بقيمة 693 مليون دولار

وقّعت شركة «مدينة المعرفة الاقتصادية» اتفاقية تطوير عقاري مع شركة «الراشد العقارية» لتنفيذ مشروع «الملتقى رزيدانس» في المدينة المنورة، بقيمة 693 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مواطنون يتبضعون في إحدى أسواق الخضراوات بضواحي مدينة الدار البيضاء (رويترز)

رغم تحسن العجز المالي... توقعات بتباطؤ نمو المغرب إلى 3 % في 2027

توقعت الهيئة السامية للتخطيط، يوم الاثنين، تباطؤ النمو الاقتصادي في المغرب إلى 3 في المائة في عام 2027، مقارنةً بنسبة 4.8 في المائة المتوقعة خلال العام الحالي.

«الشرق الأوسط» (الرباط)