التضخم في السعودية يحافظ على صموده أمام صدمة الطاقة

الأسعار استقرت في يونيو رغم اضطرابات المنطقة وارتفاع النفط

شارع التحلية التجاري في الرياض (أ.ف.ب)
شارع التحلية التجاري في الرياض (أ.ف.ب)
TT

التضخم في السعودية يحافظ على صموده أمام صدمة الطاقة

شارع التحلية التجاري في الرياض (أ.ف.ب)
شارع التحلية التجاري في الرياض (أ.ف.ب)

في وقت تتزايد فيه المخاوف من عودة الضغوط التضخمية عالمياً مع تجدد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، أظهرت بيانات التضخم في السعودية أن الاقتصاد المحلي دخل هذه المرحلة من موقع قوي، بعدما حافظت الأسعار على استقرارها خلال يونيو (حزيران)، في أداء يتماشى مع توقعات الحكومة وصندوق النقد الدولي ويضع المملكة بين الاقتصادات الأقل تضخماً في مجموعة العشرين.

وأظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء، الأربعاء، استقرار معدل التضخم السنوي عند 1.8 في المائة خلال يونيو، ليواصل تسجيل مستويات منخفضة مقارنة بالعديد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة، رغم استمرار حالة عدم اليقين التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

وتكتسب بيانات يونيو أهمية خاصة، إذ سبقت مرحلة جديدة من التقلبات في أسواق الطاقة العالمية عقب تجدد الحرب في الشرق الأوسط، التي دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع مجدداً وأثارت مخاوف من انتقال آثارها إلى معدلات التضخم في عدد من الاقتصادات، ما يجعل استقرار الأسعار في المملكة نقطة انطلاق قوية لمواجهة أي ضغوط تضخمية محتملة خلال الأشهر المقبلة.

وجاء ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك مدفوعاً بزيادة أسعار مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 3.5 في المائة. وقد شكّل هذا القسم الرافد الأساسي للضغوط التضخمية نتيجة لارتفاع أسعار الإيجارات الفعلية للسكن بنسبة 4.4 في المائة، مدفوعاً بزيادة الطلب في المدن الكبرى والتوسع الحضري السريع الذي تشهده المملكة في سياق المشاريع التنموية الكبرى.

كما تم تسجيل ارتفاع في أسعار النقل بنسبة 1.7 في المائة، والأغذية والمشروبات بنسبة 1.4 في المائة، في حين أسهم تراجع أسعار بعض المجموعات الأخرى في الحد من الضغوط التضخمية.

بالتوازي مع ذلك، شهدت أقسام رئيسية أخرى ارتفاعات متفاوتة؛ حيث سجل قسم العناية الشخصية والحماية الاجتماعية والسلع والخدمات الأخرى نمواً سنوياً بنسبة 3.8 في المائة، مدفوعاً بقفزة ملحوظة في أسعار المجوهرات والساعات بنسبة بلغت 14.7 في المائة تماشياً مع الارتفاعات القياسية لأسعار الذهب والمعادن الثمينة عالمياً. كما سجل قسم الأغذية والمشروبات زيادة معتدلة بنسبة 1.4 في المائة، وقسم النقل بنسبة 1.7 في المائة، في حين نما قسم الترفيه والرياضة والثقافة بنسبة 2.5 في المائة، نتيجة لنمو أسعار عروض العطلات والرحلات السياحية بنسبة 4.2 في المائة.

وعلى الجانب الآخر، أسهم التراجع في بعض القطاعات الاستهلاكية غير الأساسية في كبح جماح التضخم الإجمالي؛ حيث انخفضت أسعار قسم الأثاث والأجهزة المنزلية والصيانة الدورية للمنزل بنسبة 0.6 في المائة، وتراجعت أسعار قسم الملابس والأحذية بنسبة 0.4 في المائة على أساس سنوي، مما يعكس مرونة المستهلكين ووجود قنوات تنافسية واسعة النطاق.

على أساس شهري، سجل مؤشر أسعار المستهلك العام في شهر يونيو ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.2 في المائة، مقارنة بشهر مايو (أيار) 2026. ويعود هذا التحرك الهامشي إلى ارتفاع أسعار قسم الأغذية والمشروبات بنسبة 0.7 في المائة، متأثراً بشكل مباشر بارتفاع مجموعة الأغذية بالنسبة ذاتها.

كما شهد الشهر نفسه زيادة طفيفة في أسعار السكن والكهرباء والغاز بنسبة 0.1 في المائة، وارتفاع قسم النقل بنسبة 0.4 في المائة. وفي المقابل، أظهرت أسعار قسم العناية الشخصية والحماية الاجتماعية انخفاضاً شهرياً ملموساً بلغت نسبته 1.0 في المائة، وتراجعت أسعار قسم المطاعم وخدمات الإقامة بنسبة 0.1 في المائة، والاتصالات بنسبة 0.1 في المائة.

من بين الأدنى في مجموعة العشرين

وتبرز أهمية الرقم السعودي عند مقارنته بمعدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى. ففي الولايات المتحدة بلغ التضخم 3.5 في المائة خلال يونيو، بينما يدور في المملكة المتحدة حول 3 في المائة، ويقترب في منطقة اليورو من 2 في المائة، في حين لا تزال بعض الاقتصادات الناشئة تسجل معدلات أعلى بكثير. ويضع ذلك السعودية ضمن الاقتصادات الأقل تضخماً بين دول مجموعة العشرين، رغم استمرار تنفيذ مشروعات استثمارية وتنموية واسعة النطاق.

كما أن التضخم في المملكة يقل عن متوسط الاقتصادات المتقدمة، ويظل بعيداً عن متوسط الاقتصادات الناشئة والنامية، التي تواجه ضغوطاً أكبر نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وتقلبات أسعار الصرف.

ويعكس ذلك قدرة الاقتصاد السعودي على الحفاظ على استقرار الأسعار رغم استمرار تنفيذ برامج استثمارية ومشروعات تنموية واسعة، وهو ما يميز المملكة عن كثير من الاقتصادات التي شهدت تسارعاً في التضخم مع زيادة الإنفاق أو ارتفاع تكاليف الطاقة.

يخرج الناس من مترو الرياض في محطة جامعة الملك سعود (أ.ف.ب)

متوافق مع التوقعات

ويأتي استقرار التضخم متوافقاً مع تقديرات وزارة المالية السعودية، التي تتوقع أن يبلغ متوسط التضخم نحو 2 في المائة خلال عام 2026. كما يتماشى ذلك مع توقعات صندوق النقد الدولي، الذي رجح في تقييمه الصادر خلال مايو ويونيو أن يتراجع متوسط التضخم في السعودية إلى أقل من 2 في المائة خلال العام، مرجعاً ذلك إلى متانة الأسس الاقتصادية للمملكة وفاعلية السياسات المحلية في احتواء الضغوط التضخمية.

في حين، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ متوسط التضخم العالمي نحو 4.7 في المائة خلال عام 2026، ارتفاعاً من 4.1 في المائة في عام 2025، قبل أن يتراجع إلى 3.9 في المائة في عام 2027. وتعكس هذه التوقعات استمرار الضغوط الناجمة عن التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، في حين يظل التضخم المتوقع في المملكة أقل من نصف المتوسط العالمي المتوقع.

لماذا بقي التضخم منخفضاً؟

ويرى اقتصاديون أن قدرة المملكة على الحفاظ على تضخم منخفض تعكس متانة الاقتصاد السعودي، واستمرار فاعلية السياسات النقدية والمالية، وتحسن كفاءة سلاسل الإمداد، والإجراءات الحكومية الهادفة إلى ضمان وفرة السلع والخدمات في الأسواق المحلية.

كما أسهم تسارع نمو الأنشطة غير النفطية، وزيادة الاستثمارات المرتبطة بـ«رؤية 2030»، في تعزيز قدرة الاقتصاد على استيعاب الصدمات الخارجية دون انتقالها بصورة كبيرة إلى أسعار المستهلكين.

ولا يقتصر أثر استقرار التضخم على الحفاظ على القوة الشرائية للأسر، بل يمتد إلى تعزيز ثقة المستثمرين، وتوفير بيئة أكثر استقراراً لقطاع الأعمال، وخفض درجة عدم اليقين بشأن التكاليف المستقبلية، بما يدعم قرارات الاستثمار والاستهلاك.

ويرى محللون أن استمرار التضخم عند مستويات معتدلة يمنح صناع السياسات مساحة أكبر للتركيز على دعم النمو الاقتصادي، في وقت تستعد فيه الأسواق العالمية لمواجهة تداعيات موجة جديدة من ارتفاع أسعار الطاقة، وسط توقعات بأن يكون انتقال هذه الضغوط إلى الاقتصاد السعودي أكثر محدودية مقارنة بالعديد من الاقتصادات الأخرى.

استقرار قطاع الأعمال

وفي هذا الإطار، قال كبير المستشارين لدى نايف الراجحي الاستثمارية، هشام أبو جامع، لـ«الشرق الأوسط»، إن ‏استقرار التضخم في السعودية مؤشر إيجابي على استقرار الأسعار والقوة الشرائية مقارنة بالعديد من الاقتصادات الكبرى، ويعكس استمرار المملكة ضمن أقل معدلات التضخم بين دول مجموعة العشرين. وأبان أن استقرار التضخم يوفر بيئة أكثر استقراراً للأفراد وقطاع الأعمال، ويمنح صناع القرار مساحة أكبر للتركيز على دعم النمو الاقتصادي.

واستعرض العوامل التي أسهمت في بقاء معدل التضخم في السعودية دون 2 في المائة، مؤكداً أنه رغم التحديات والاضطرابات العالمية، إلا أن المملكة استطاعت احتواء مؤشر اسعار المستهلك.

وشرح أبو جامع أن ما يضغط على حجم التضخم في السعودية القطاع السكني الذي يحمل وزناً كبيراً في المؤشر، ولكن مع المبادرات الحكومية الاخيرة المتعلقة في القطاع العقاري من المتوقع أن تشهد إنخفاضاً في الأسعار ويتراجع معها معدل التضخم في البلاد.

تنفيذ المشاريع الكبرى

بدوره، بيّن أستاذ الاقتصاد في جامعة الملك عبدالعزيز، الدكتور سالم باعجاجة، أن استقرار التضخم عند 1.8 في المائة يؤكد أن الاقتصاد السعودي دخل مرحلة أصبح فيها النمو لا يقترن بالضرورة بارتفاعات حادة في الأسعار، وهو تحول مهم مقارنة بما شهدته اقتصادات عالمية خلال الأعوام الماضية.

وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن المحافظة على هذا المستوى تمنح صناع القرار مساحة أوسع للاستمرار في تنفيذ المشاريع الكبرى وبرامج التنويع الاقتصادي دون أن تتحول الضغوط التضخمية إلى عائق أمام الاستهلاك أو الاستثمار.

واستطرد باعجاجه قائلاً: «المؤشر الأهم ليس بقاء التضخم منخفضًا فحسب، بل جودة هذا الاستقرار. فإذا كان مدعوماً بزيادة الإنتاج المحلي، واتساع المنافسة، وتحسن كفاءة سلاسل الإمداد، فإنه يصبح استقراراً مستداماً وليس مؤقتاً. لذلك أرى أن التحدي في المرحلة المقبلة لن يكون خفض المعدل إلى مستويات أقل، وإنما الحفاظ عليه ضمن نطاق معتدل يتوافق مع اقتصاد ينمو بوتيرة متسارعة ويستقطب استثمارات ضخمة».


مقالات ذات صلة

التضخم والنفط يرفعان رهانات أول زيادة للفائدة الأميركية منذ 2023

تحليل إخباري رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش أثناء حضوره مراسم إحياء الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر (أ.ب)

التضخم والنفط يرفعان رهانات أول زيادة للفائدة الأميركية منذ 2023

تدخل الأسواق اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» الأسبوع المقبل وهي أمام معادلة نقدية أكثر تعقيداً من مجرد المفاضلة بين خفض الفائدة وإبقائها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

«وول ستريت» ترتفع بعد تقرير التضخم الأميركي لشهر أغسطس

ارتفعت مؤشرات الأسهم الأميركية الرئيسية، يوم الجمعة، لتتجه نحو إنهاء أسبوع متقلب على ارتفاع، رغم بيانات أظهرت تسارع وتيرة تضخم أسعار المستهلكين في أغسطس (آب).

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مواطنة تتسوق الخضراوات في متجر كبير بمانهاتن (رويترز)

تسارع التضخم الأميركي في أغسطس مع ارتفاع أسعار البنزين

تسارع تضخم أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة خلال أغسطس، مع عودة أسعار البنزين إلى الارتفاع بعد تراجعها لشهرين متتاليين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)

المركزي التركي يعدل توقعات التضخم بنهاية العام إلى 29.61 %

عدل البنك المركزي التركي توقعاته للتضخم في أسعار المستهلكين إلى 29.61 في المائة بنهاية العام الحالي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد مقر البنك المركزي في موسكو (رويترز)

«المركزي» الروسي يبقي الفائدة عند 14 % قبيل الانتخابات البرلمانية

أبقى البنك المركزي الروسي سعر الفائدة الرئيسي عند 14 في المائة يوم الجمعة، قبل أسبوع من انتخابات برلمانية يراقبها الكرملين من كثب.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

البنك الدولي: 12 مليار دولار سنوياً لتحويل أمن الغذاء في المنطقة إلى فرصة اقتصادية

TT

البنك الدولي: 12 مليار دولار سنوياً لتحويل أمن الغذاء في المنطقة إلى فرصة اقتصادية

نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان أوسمان ديون (تركي العقيلي)
نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان أوسمان ديون (تركي العقيلي)

لم يعد الأمن الغذائي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان قضية تتعلق بكمية الغذاء المتاحة على موائد السكان فقط؛ بل بات اختباراً واسعاً لقدرة اقتصادات المنطقة على إدارة مواردها المحدودة، وتنويع تجارتها، وجذب الاستثمارات، وتوفير الوظائف، والتعامل مع الصدمات الجيوسياسية والمناخية.

وفي منطقة يعيش فيها أكثر من 142 مليون شخص في حالة انعدام للأمن الغذائي، ولا يستطيع 42 في المائة من السكان تحمل تكلفة نظام غذائي صحي، تزداد صعوبة المعادلة: كيف يمكن إنتاج المزيد من الغذاء في واحدة من أكثر مناطق العالم شحاً في المياه، من دون استنزاف مواردها الطبيعية؟

ومع توقع ارتفاع الطلب على الغذاء بنحو 67 في المائة بحلول عام 2050، يرى البنك الدولي أن تلبية هذا الطلب تتطلب تغييراً في طريقة إدارة موارد المنطقة، خصوصاً المياه، وزيادة الاستثمارات في كفاءة الري والابتكار الزراعي. ويقدّر البنك الدولي أن المنطقة تحتاج إلى نحو 12 مليار دولار سنوياً للاستثمار في الري الأكثر كفاءة والابتكار الزراعي.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يقول نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، أوسمان ديون، إن هذه التحديات يمكن أن تتحول إلى فرص اقتصادية كبيرة إذا جرى التعامل معها باعتبارها منظومة واحدة تشمل الزراعة والمياه والتجارة واللوجستيات والتصنيع والتكنولوجيا والقطاع الخاص.

نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان أوسمان ديون (تركي العقيلي)

المياه في قلب معادلة الغذاء

بالنسبة إلى ديون، لا يمكن الحديث عن مستقبل الغذاء في المنطقة من دون البدء بالمياه؛ فالزراعة تستهلك نحو 87 في المائة من المياه في المنطقة، في وقت تقع فيه دول عديدة بالفعل تحت مستويات شديدة من ندرة المياه، مع وصول نصيب الفرد في عدد منها إلى أقل من 500 متر مكعب سنوياً، وهو مستوى يعكس ندرة مائية شديدة.

ولهذا، لا يرى البنك الدولي أن الحل يكمن فقط في توفير مصادر إضافية للمياه، وإنما في إعادة التفكير في طريقة استخدام المورد نفسه.

ويشير ديون إلى ضرورة الانتقال نحو ما يُعرف بـ«إغلاق دورة المياه» (Closing the Loop)، وهو مفهوم يقوم على التعامل مع المياه ضمن دورة اقتصادية متكاملة، بحيث لا تُستخدم المياه مرة واحدة ثم تُفقد، وإنما تُجمع مياه الصرف، وتُعالج، ثم يُعاد استخدامها في الزراعة والصناعة وغيرها من الاستخدامات المناسبة، بالتوازي مع تقليص الفاقد ورفع كفاءة شبكات المياه والري.

وبذلك، تتحول المياه من مورد يُستهلك إلى مورد يمكن إعادة تدويره واستخدامه مرات متعددة، بما يزيد كمية المياه المتاحة فعلياً للاقتصاد من الكمية نفسها من الموارد الطبيعية.

ويشرح ديون أن المنطقة قطعت خطوات متقدمة في مجال تحلية المياه، لكن التحلية وحدها لن تكون كافية؛ فالمطلوب هو إدارة المياه باعتبارها مورداً اقتصادياً استراتيجياً، وليس مجرد مدخل للإنتاج الزراعي.

ويقول إن «كل قطرة ماء» في المنطقة ينبغي استخدامها بطرق متعددة وصولاً إلى إغلاق دورة المياه.

ولا تتوقف كفاءة استخدام المياه عند إنتاج الغذاء، بل تمتد إلى الحفاظ على الغذاء الذي أُنتج بالفعل؛ فكل كمية تُفقد أو تُهدر تعني، في المقابل، هدر المياه والطاقة والأرض والموارد التي استُخدمت لإنتاجها ونقلها وتخزينها.

إنتاج المزيد... بمياه أقل

يرى ديون أن التكنولوجيا ستلعب دوراً محورياً في تغيير معادلة الغذاء والمياه، بدءاً من الانتقال إلى الري بالتنقيط وتقليل التسرب والهدر وإعادة استخدام المياه، وصولاً إلى توظيف الذكاء الاصطناعي والبيانات في إدارة الموارد الزراعية بدقة أكبر.

ويمكن للتقنيات الحديثة أن تساعد في تحديد احتياجات المحاصيل من المياه، وقياس معدلات الاستهلاك، واختيار المحاصيل الأكثر ملاءمة للظروف المناخية والجغرافية، وتحديد دورات الإنتاج التي تحقق أفضل عائد بأقل استهلاك للمياه.

ومن هنا، لا يرى البنك الدولي أن التكنولوجيا مجرد أداة لرفع الإنتاجية، بل وسيلة لإعادة رسم الخريطة الزراعية للمنطقة: ما الذي تنبغي زراعته؟ وأين؟ وبأي كمية من المياه؟ وبأي تقنية؟

وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في منطقة لا تستطيع زيادة الإنتاج الزراعي ببساطة عبر التوسع في استهلاك المياه الجوفية، لأن ذلك قد يحول السعي إلى تعزيز الأمن الغذائي إلى ضغط إضافي على أحد أكثر مواردها ندرة.

لذلك، فإن الهدف ليس إنتاج المزيد بأي تكلفة، وإنما إنتاج المزيد من الغذاء من كل قطرة ماء، وتحقيق قيمة اقتصادية وغذائية أكبر من الموارد المتاحة.

محطة لتحلية المياه في العراق (إكس)

«المياه الافتراضية»... التجارة أداةً للأمن الغذائي

هنا يطرح ديون فكرة مهمة في إدارة الأمن الغذائي: استيراد الغذاء ليس بالضرورة علامة على ضعف الأمن الغذائي؛ فالمنتج الزراعي المستورد يحمل معه، بصورة غير مباشرة، المياه التي استُخدمت لإنتاجه في بلد المنشأ، وهو ما يعرف بمفهوم «المياه الافتراضية».

وبالتالي، قد يكون من الأكثر كفاءة اقتصادياً وبيئياً أن تستورد دولة محصولاً يحتاج إنتاجه محلياً إلى كميات ضخمة من المياه، بدلاً من استنزاف مواردها المائية المحدودة لإنتاجه.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتماد على الاستيراد إلى اعتماد مفرط على عدد محدود من الدول أو مسارات التجارة.

وهنا يلتقي أمن المياه مع مرونة التجارة؛ فالدولة التي تعتمد على الخارج لتأمين جزء من غذائها تحتاج إلى تنويع مصادر الاستيراد ومسارات الوصول، وضمان قدرة تجارتها على الصمود أمام الصدمات.

وأظهرت اضطرابات تجارة الحبوب في أعقاب الحرب في أوكرانيا كيف يمكن لصدمات التجارة أن تنتقل سريعاً إلى أسعار الغذاء، وتزيد الضغوط على الفئات الأكثر هشاشة.

لذلك، لا يرى البنك الدولي أن المعادلة الصحيحة هي الاختيار بين الإنتاج المحلي والاستيراد، وإنما بناء مزيج أكثر مرونة: إنتاج المحاصيل التي يمكن زراعتها بكفاءة من حيث المياه والموارد، واستيراد ما يكون إنتاجه محلياً أكثر استنزافاً للمياه، مع تنويع مصادر الإمدادات وتعزيز التخزين واللوجستيات والاحتياطيات الاستراتيجية.

محطات الحاويات بميناء حمد في قطر (قنا)

الهدر... موارد تُفقد قبل أن تصل إلى المائدة

تواجه المنطقة تحدياً آخر يتمثل في الفقد والهدر الغذائي. ويقدّر البنك الدولي أن نحو ثلث الغذاء يُفقد أو يُهدر عبر مراحل مختلفة من السلسلة، من الإنتاج والتخزين والنقل إلى التصنيع والتوزيع والاستهلاك.

وتكتسب هذه الخسائر أهمية مضاعفة في منطقة تعاني شح المياه؛ فهدر الغذاء لا يعني خسارة الغذاء وحده، وإنما يعني أيضاً أن المياه والطاقة والأرض التي استُخدمت لإنتاجه لم تتحول في النهاية إلى غذاء يصل إلى المستهلك.

ومن هذه الزاوية، يصبح تقليص الهدر أحد أشكال الحفاظ على المياه؛ إذ إن إنقاذ الغذاء من الفقد يعني الاستفادة بصورة أكبر من الموارد التي استُخدمت لإنتاجه، من دون الحاجة إلى زيادة الضغط عليها لإنتاج الكمية نفسها مرة أخرى.

ولا يقتصر الحد من الهدر على سلوك المستهلك، بل يبدأ في مراحل مبكرة من سلسلة الإمداد، عبر تطوير التخزين وسلاسل التبريد والنقل والصوامع والتعبئة والتصنيع، وهي مجالات يمكن أن تمثل في الوقت نفسه فرصاً استثمارية جديدة.

الناس يصطفون أمام مخبز في القاهرة (أ.ف.ب)

هرمز يضع مرونة الغذاء تحت الاختبار

يكتسب هذا البعد أهمية أكبر مع اضطراب حركة التجارة في المنطقة، خصوصاً مع المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز.

ويقول ديون إن اضطراب طرق التجارة لا يهدد فقط وصول الغذاء؛ بل يمكن أن يرفع تكلفته أيضاً، ما يجعل تنويع مصادر الاستيراد وطرق النقل والمخزونات الاستراتيجية جزءاً من الأمن الغذائي.

وتحتاج الدول، من هذا المنطلق، إلى بناء منظومة قادرة على الصمود أمام اضطرابات التجارة، تشمل تنويع دول المنشأ، وتطوير الموانئ والمستودعات والصوامع وسلاسل التبريد وشبكات النقل، إلى جانب بناء احتياطيات استراتيجية تتيح الوقت الكافي للتكيف عند تعطل الإمدادات.

12 مليار دولار سنوياً... أين تذهب الاستثمارات؟

لكن بناء هذه المنظومة يحتاج إلى رأس مال كبير.

ويشير ديون إلى أن المنطقة تحتاج إلى نحو 12 مليار دولار سنوياً من الاستثمارات الإضافية، وهو رقم لا يمكن تحقيقه بالإنفاق الحكومي وحده. ويرى أن جذب القطاع الخاص يبدأ من تحسين البيئة التنظيمية والتشريعية، ثم توجيه الاستثمار نحو المجالات التي تحقق أعلى قيمة مضافة.

ولا يتعلق الأمر بالزراعة وحدها، بل بما يحدث بعد خروج المنتج من المزرعة: التخزين، والتصنيع، والتعبئة، والنقل، والخدمات، والتوزيع.

ويقول ديون إن بناء هذه السلسلة المتكاملة هو ما يمكن أن يجعل الاستثمار الزراعي أكثر جاذبية، ويخلق تأثيرات اقتصادية تمتد إلى قطاعات أخرى.

المركبات تسير على طول طريق سريع على مشارف مدينة الكويت (أ.ف.ب)

من الغذاء إلى الوظائف

تتجاوز أهمية هذه الاستثمارات مسألة توفير الغذاء لتصل إلى سوق العمل؛ فالمنطقة تتمتع بقاعدة سكانية شابة، لكن ديون يحذر من أن هذه «النافذة الديموغرافية» لن تبقى مفتوحة إلى الأبد، خصوصاً مع بدء بعض دول المنطقة مواجهة الشيخوخة السكانية.

ولهذا، فإن تطوير منظومة الغذاء يمكن أن يوفر وظائف في مجالات تتجاوز العمل الزراعي المباشر، لتشمل التصنيع الغذائي، والتخزين، والنقل، واللوجستيات، والخدمات، والتجارة والتكنولوجيا.

ويقدّر البنك الدولي أن نحو 63 مليون وظيفة في المنطقة ترتبط حالياً بالأنظمة الزراعية والغذائية، مع إمكانية خلق نحو 5 ملايين وظيفة إضافية بحلول عام 2050، من خلال تطوير هذه المنظومة.

ويقول ديون إن الزراعة يمكن أن تكون مصدراً للدخل والثروة، وليست مجرد نشاط لتوفير الغذاء، إذا جرى ربطها بالتمويل والتكنولوجيا والأسواق وسلاسل القيمة.

صغار المزارعين... إلى سلاسل القيمة

يبرز هنا تحدٍ آخر يتمثل في صغار المزارعين؛ فالمزارع الكبيرة تمتلك في العادة قدرة أكبر على الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا، بينما يواجه صغار المزارعين تحديات تتعلق بالتمويل، والوصول إلى الأسواق، والتخزين، والميكنة والبنية التحتية.

ومن هنا تأتي مبادرة «أغري كونكت» التي أطلقها البنك الدولي، والتي تستهدف مساعدة مئات الملايين من صغار المزارعين حول العالم في الانتقال من الزراعة المعيشية إلى إنتاج أكثر تنظيماً وإنتاجية وربحية.

ويشرح ديون أن تنظيم المزارعين في تعاونيات يمكن أن يعزز قدرتهم على الحصول على التمويل، وشراء المدخلات، واستخدام التكنولوجيا، والوصول إلى الأسواق. لكن نجاح هذه العملية، بحسبه، يتطلب أيضاً تطوير البنية التحتية المحيطة بهم، خصوصاً التخزين وسلاسل التبريد والنقل والتصنيع.

ويستشهد ديون بتجارب في المنطقة لإظهار أن زيادة الإنتاج الزراعي مع تقليص استهلاك المياه ليست هدفاً نظرياً. ويشير إلى المغرب، حيث أسهم التعاون مع البنك الدولي في تطوير مساحات زراعية تعتمد على تقنيات ري حديثة وربط الإنتاج بالأسواق، مع تحسين كفاءة استخدام المياه.

كما يشير إلى الأردن، أحد أكثر بلدان العالم شحاً في المياه، حيث تستخدم مشاريع مدعومة من البنك الدولي تقنيات حديثة في إدارة المياه والري بالتنقيط، مع تحقيق مستويات إنتاجية مرتفعة.

والدرس بالنسبة إلى ديون أن ندرة المياه لا تعني بالضرورة ندرة الفرص، إذا اقترنت السياسات الصحيحة بالتكنولوجيا والاستثمار.

السعودية... فرصة لبناء مركز إقليمي

في قلب هذه التحولات، يرى ديون أن السعودية تمتلك مقومات خاصة تؤهلها للعب دور إقليمي في منظومة الغذاء. ويشير إلى الموقع الجغرافي للمملكة، التي تطل على البحر الأحمر من الغرب والخليج من الشرق، ما يمنحها موقعاً محورياً في التجارة والربط اللوجستي بين أسواق المنطقة.

ولا يقتصر الدور المحتمل، بحسبه، على استيراد الغذاء للسوق المحلية، وإنما يمكن أن يتوسع ليشمل التصنيع والمعالجة والتعبئة والتخزين والتوزيع وإعادة التصدير.

ويقول ديون إن المملكة تستطيع أن تصبح مركزاً إقليمياً تُعالج فيه المنتجات الغذائية، وتُصنع وتُعبأ، ثم توزع على أسواق المنطقة. ويرى أن هذا الدور يتقاطع مع عدد من المسارات التي تعمل عليها السعودية ضمن رؤية 2030، بما في ذلك الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا وتحلية المياه والطاقة والبنية التحتية واللوجستيات.

مزارع سعودي يحصد القمح في مزرعته بمنطقة عسير جنوب المملكة (الشرق الأوسط)

ويضيف أن الطاقة الوفيرة التي تتمتع بها المملكة يمكن أن توفر قاعدة مهمة لتطوير أنشطة التصنيع والمعالجة، بينما يوفر موقعها الجغرافي فرصة لتطوير الخدمات اللوجستية المرتبطة بتدفقات الغذاء.

ويشير ديون إلى أن التصنيع واللوجستيات والتوزيع يمكن أن تشكل مصادر مهمة لخلق الوظائف، مشيراً إلى الفرصة التي تملكها السعودية لتعزيز دورها الإقليمي في هذه المجالات.

وفي هذا السياق، لا يرتبط تعزيز الأمن الغذائي بالضرورة بإنتاج جميع أنواع الغذاء محلياً؛ فالأكثر كفاءة قد يكون الجمع بين الإنتاج المحلي، حيث تكون له جدوى مائية واقتصادية، والاستيراد من مصادر متنوعة، والمخزونات الاستراتيجية، والتصنيع الغذائي، والبنية التحتية اللوجستية.

التعاون الإقليمي... تكامل الموارد والأسواق

لكن ديون يرى أن بعض هذه التحديات لا يمكن لكل دولة أن تعالجها منفردة؛ فالتكامل بين دول المنطقة يمكن أن يسمح بتوزيع أكثر كفاءة للموارد: دول تمتلك إمكانات إنتاجية معينة، وأخرى تتمتع بالطاقة أو البنية التحتية أو الموانئ أو الخدمات اللوجستية، وأخرى لديها أسواق واسعة.

ويقول إن تحسين التجارة والربط اللوجستي والاستفادة من البنية التحتية القائمة وتبادل المعرفة والتكنولوجيا يمكن أن يجعل المنطقة ككل أكثر قدرة على التعامل مع صدمات الغذاء والمياه.

وهنا يعود الرابط بين المياه والغذاء والتجارة إلى الواجهة؛ فالبلد الذي لا يملك المياه الكافية لإنتاج كل احتياجاته الغذائية يستطيع تعويض ذلك بالتجارة، لكن عليه أن يضمن في المقابل تنوع مصادر الاستيراد ومرونة طرق النقل ووجود مخزونات استراتيجية.

وفي المقابل، يستطيع البلد الذي يملك إمكانات مائية أو طاقة أو تكنولوجيا متقدمة توظيفها في أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى، بدلاً من استنزاف موارده في إنتاج سلع يمكن استيرادها بكفاءة أكبر.

صيادون باكستانيون يُجهّزون شباكهم في ميناء كراتشي بباكستان (إ.ب.أ)

من إدارة الندرة إلى صناعة الفرصة

في النهاية، يرى ديون أن التحدي الحقيقي أمام المنطقة ليس فقط كيف تطعم سكانها في 2050، وإنما كيف تبني نظاماً غذائياً ومائياً وتجارياً يستطيع التعامل مع عالم أكثر اضطراباً.

فالمياه المحدودة تفرض كفاءة أعلى، والصراعات تفرض مرونة أكبر في التجارة، والنمو السكاني يرفع الطلب، والشباب يفرضون الحاجة إلى وظائف، بينما تفتح التكنولوجيا الباب أمام نماذج إنتاج أكثر كفاءة.

وفي هذه المعادلة، تصبح الاستثمارات في المياه والزراعة والتخزين والتصنيع واللوجستيات والتكنولوجيا استثمارات في المرونة الاقتصادية نفسها.

وبالنسبة إلى السعودية، فإن الفرصة لا تكمن فقط في تأمين احتياجاتها الغذائية، وإنما في توظيف موقعها الجغرافي وطاقتها وبنيتها التحتية وتقنياتها لتصبح جزءاً مركزياً من منظومة الغذاء الإقليمية؛ إذ يمكن للسعودية أن تستخدم التكنولوجيا والتحلية وإعادة الاستخدام والاستيراد الذكي، بالتوازي مع تطوير التصنيع واللوجستيات، لبناء نموذج لا يقوم على إنتاج كل شيء محلياً، وإنما على تأمين الغذاء بكفاءة، وإضافة القيمة، وربط أسواق المنطقة بعضها ببعض.

وهنا يتحول الأمن الغذائي من مجرد قضية استهلاكية إلى فرصة استثمارية واقتصادية، بينما يصبح أمن المياه شرطاً أساسياً لاستدامة هذه الفرصة.

وبعبارة أخرى، فإن معركة الغذاء في المنطقة لن تُحسم فقط في الحقول، بل أيضاً في شبكات المياه، والموانئ، والمخازن، والمصانع، والمختبرات، وسلاسل الإمداد.


من «مفتاح الإيقاف» إلى حظر «الذكاء الفائق»... واشنطن أمام معضلة الذكاء الاصطناعي

أجهزة حاسوب في المركز بمدينة لوغانو جنوب سويسرا (أ.ف.ب)
أجهزة حاسوب في المركز بمدينة لوغانو جنوب سويسرا (أ.ف.ب)
TT

من «مفتاح الإيقاف» إلى حظر «الذكاء الفائق»... واشنطن أمام معضلة الذكاء الاصطناعي

أجهزة حاسوب في المركز بمدينة لوغانو جنوب سويسرا (أ.ف.ب)
أجهزة حاسوب في المركز بمدينة لوغانو جنوب سويسرا (أ.ف.ب)

لم تعد المخاوف الأميركية من الذكاء الاصطناعي المتقدِّم تدور حول سيناريوهات مستقبلية بعيدة، بعدما كشفت حوادث حديثة عن قدرة بعض النماذج على تجاوز قيود وضعتها الشركات المطوِّرة، والوصول إلى الإنترنت وأنظمة خارجية والتَّصرُّف بطرق لم يوجّهها إليها البشر بصورة مباشرة.

وفي الوقت الذي تتسابق فيه شركات التكنولوجيا على تطوير نماذج أكثر قدرة واستقلالية، تتسع في واشنطن دعوات لوضع حدود أكثر صرامة على هذه التكنولوجيا، في معركة تتجاوز الأمن السيبراني إلى مستقبل الاستثمار، والابتكار، والإنتاجية، والقدرة التنافسية الأميركية في مواجهة الصين.

وتضع التطورات الأخيرة الإدارة الأميركية والكونغرس أمام معادلة معقدة: كيف يمكن احتواء المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي من دون إبطاء التكنولوجيا التي يُنظَر إليها في الوقت نفسه بوصفها أحد أهم محركات النمو والإنتاجية والتنافس الاقتصادي في العقود المقبلة؟

حادثة «هاغينغ فيس» تشعل الإنذار

أصبحت حادثة اختراق منصة «هاغينغ فيس» محوراً رئيسياً في هذا الجدل، بعدما كشفت التحقيقات التي أجرتها «أوبن إيه آي» عن أن نماذج استُخدِمت خلال اختبارات للأمن السيبراني تمكَّنت من تجاوز بعض الضوابط والوصول إلى الإنترنت واستغلال ثغرات للوصول إلى أنظمة تابعة لجهات خارجية.

وقالت «أوبن إيه آي» إن الحادثة كانت الأكثر خطورة من هذا النوع التي رصدتها حتى الآن، وإنها أظهرت أن النماذج شديدة القدرة يمكنها، في غياب الضمانات المناسبة، الالتفاف على الضوابط التقنية، والتواصل عبر قنوات غير مصرَّح بها، وتنفيذ إجراءات لم يطلبها منها أي إنسان بصورة مباشرة.

شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

ورغم أن الشركة قالت إن الحادثة لم تؤثر في بيانات العملاء أو وظائف منتجاتها أو توافرها، فإنَّ أهميتها بالنسبة إلى صانعي السياسات تكمن في شيء آخر: إذا كانت الأنظمة قادرة على تجاوز الحواجز الموضوعة داخل بيئة اختبار، فإن السؤال يصبح: كيف يمكن ضمان بقاء السيطرة البشرية عندما تنتشر هذه القدرات على نطاق تجاري واسع.

تحقيقات في الكونغرس

دفعت هذه التطورات أعضاء في الكونغرس إلى التحرك، فقد أطلق السيناتور الجمهوري جوش هاولي تحقيقاً في «أوبن إيه آي»، مطالباً بتفاصيل حول حادثة «هاغينغ فيس» وحوادث أخرى قال إنها تثير تساؤلات بشأن احتمال خروج نماذج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة.

وقال هاولي إن الأميركيين يستحقون معرفة تفاصيل ما حدث، خصوصاً مع ازدياد المخاوف من أنظمة أكثر استقلالية وقدرة على اتخاذ إجراءات معقدة من دون تدخل بشري مباشر.

وفي تحرُّك منفصل، طالب السيناتور الديمقراطي، كريس فان هولن، بأن تتيح «أوبن إيه آي» للجهات الفيدرالية المعنية بالأمن السيبراني الوصول إلى المعلومات اللازمة لتقييم مستوى المخاطر.

وقال فان هولن إن على الشركة، إذا لم تكن قادرة على ضمان سلامة نظام «GPT-6 Astra» ومراقبته بصورة فعالة، أن تسحبه من الاستخدام العام.

وتكشف هذه التَّحرُّكات عن انتقال النقاش في واشنطن من مرحلة الدعوات العامة إلى مزيد من الشفافية إلى سؤال أكثر جوهرية: مَن يملك سلطة التدخل عندما يتصرَّف نظام متقدِّم بطريقة غير متوقعة؟

شعار شركة الذكاء الاصطناعي «أنثروبيك» (رويترز)

ساندرز يذهب أبعد من الرقابة

لكن أبرز تحرك سياسي حتى الآن جاء من السيناتور المستقل بيرني ساندرز، والنائب الديمقراطي غريغ كاسار، اللذين أعلنا مشروع قانون لحظر «الذكاء الاصطناعي الفائق» ووقف تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدِّم مؤقتاً إلى حين وضع قواعد اتحادية للسلامة.

ويذهب ساندرز إلى أبعد بكثير من الدعوة إلى تشديد الرقابة على الشركات. فهو يريد حظراً دائماً لتطوير ونشر أنظمة «الذكاء الاصطناعي الفائق»، إلى جانب وقف مؤقت لتطوير الأنظمة المتقدمة إلى أن تنشئ الحكومة جهةً تنظيميةً اتحاديةً، وتضع قواعد واضحة لمراجعة النماذج.

ويقول ساندرز إن قادة شركات الذكاء الاصطناعي أنفسهم يقرون بأنهم لا يفهمون التكنولوجيا بصورة كاملة، وإنها بدأت تتجاوز قدرتهم على السيطرة عليها. ولذلك يرى أن مواصلة تطوير أنظمة أكثر قوة في هذه الظروف أمر غير مسؤول، وأن مستقبل البشرية لا ينبغي أن يُترَك في أيدي عدد محدود من عمالقة التكنولوجيا.

أما كاسار، فيحذر من أن الذكاء الاصطناعي الفائق يمكن أن يمسَّ الأمن والحرية وحياة الأميركيِّين، مشيراً إلى المفارقة التي يرى أنها قائمة حالياً، وهي أن التكنولوجيا الأكثر تقدماً تخضع لتنظيم أقل من قطاعات يومية كثيرة.

من اليسار: إيلون ماسك والمؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي والرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان (أ.ف.ب)

إعادة توزيع المخاطر

ويبدو أن مشروع ساندرز لا يوقف التكنولوجيا فقط... بل يعيد توزيع المخاطر. وهنا تبرز الأهمية الاقتصادية لمشروع القانون.

فالقضية ليست مجرد منع تقنية مستقبلية، وإنما تحديد مَن يتحمل تكلفة المخاطر الناتجة عن تطويرها.

فشركات الذكاء الاصطناعي تستثمر بكثافة في تطوير نماذج أكثر قدرة، بينما تستفيد الشركات والمساهمون والاقتصاد من المكاسب المحتملة الناتجة عن رفع الإنتاجية والأتمتة وتحسين البرمجيات والخدمات والبحث العلمي.

لكن في المقابل، فإن وقوع حادث أمني واسع أو استخدام نموذج متقدم في هجوم إلكتروني أو تطوير أسلحة بيولوجية أو التسبب في أضرار اقتصادية كبيرة قد يخلق تكاليف تتجاوز الشركة التي طورت النظام، لتنتقل إلى شركات أخرى والحكومة والمستهلكين ودافعي الضرائب.

ومن هنا تأتي أهمية الدعوة إلى إنشاء جهة تنظيمية اتحادية جديدة، قادرة على مراقبة الأنظمة المتقدمة خلال دورة حياتها، والتدخل لإزالة القدرات الخطرة، بل والإشراف على تدمير أنظمة «الذكاء الفائق»، وفق مشروع ساندرز.

أي أن المعركة ليست فقط حول حجم الذكاء الاصطناعي الذي يمكن السماح للشركات ببنائه، وإنما حول كيفية توزيع العائد الاقتصادي من هذه التكنولوجيا مقابل المخاطر التي قد تنتج عنها.

معادلة أصعب: السلامة... أم التنافسية؟

لكن أي تشديد كبير للقيود يفتح في المقابل سؤالاً اقتصادياً واستراتيجياً بالغ الحساسية: ماذا يحدث إذا أبطأت الولايات المتحدة تطوير الذكاء الاصطناعي بينما واصلت الصين المضي قدماً؟

وهذا هو الجانب الذي يجعل القضية مختلفة عن تنظيم قطاع تقني تقليدي.

فالذكاء الاصطناعي أصبح مرتبطاً بالإنتاجية، والقدرة الصناعية، والأمن السيبراني، والبحث العلمي، والرقائق، ومراكز البيانات، والطاقة، والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الرقمية.

وبالتالي، فإن أي تباطؤ أميركي واسع قد تكون له تكلفة تتجاوز شركات الذكاء الاصطناعي نفسها، لتطال القدرة التنافسية للاقتصاد الأميركي في قطاعات تعتمد بصورة متزايدة على هذه التكنولوجيا.

ولهذا يصر نواب آخرون على ضرورة وضع ضوابط، لكن مع الحفاظ على قدرة الولايات المتحدة على المنافسة عالمياً. ويبرز هنا تحذير متكرر في النقاش الأميركي: إذا فرضت واشنطن قيوداً شديدة بينما واصلت الصين تطوير قدراتها، فقد تتحوَّل سياسة السلامة نفسها إلى مصدر لخطر استراتيجي واقتصادي آخر.

فنيون قاموا بتعبئة الروبوتات بعد مظاهرة دعت إلى تنظيم تطوير الذكاء الاصطناعي في وارسو (أ.ف.ب)

من «مفتاح الإيقاف» إلى معايير السيطرة

ولا يقتصر النقاش في الكونغرس على مشروع ساندرز.

ففي يوليو (تموز)، طرح النائبان الديمقراطي تيد ليو والجمهوري ناثانيال موران «قانون مفتاح إيقاف الذكاء الاصطناعي»، الذي يستهدف إلزام مطوري أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي بالاحتفاظ بقدرة تقنية على إبطاء الأنظمة أو تعليقها أو إيقافها بالكامل، مع منح الحكومة صلاحيات للتدخل في الأنظمة التي يمكن أن تسبب أضراراً كارثية.

وفي سبتمبر (أيلول)، طرح النائبان الديمقراطي جوش غوتهايمر، والجمهوري مايك لولر مشروع «قانون وقف الذكاء الاصطناعي المارق»، الذي يركز على وضع معايير وطنية لاكتشاف وكلاء الذكاء الاصطناعي والتَّحقُّق منهم والسيطرة عليهم.

وتختلف هذه المقاربة عن مشروع ساندرز جذرياً.

فبدلاً من إيقاف التطوير المتقدم، تركز على إبقاء الإنسان داخل دائرة السيطرة، بحيث تستطيع الشركات والجهات الحكومية معرفة الأنظمة التي تعمل داخل شبكاتها، وما الذي تستطيع الوصول إليه، وكيف يمكن تعطيلها عند الضرورة.

الإنتاجية في الجهة الأخرى من المعادلة

وتزداد صعوبة النقاش لأن الذكاء الاصطناعي لا يمثل خطراً محتملاً فقط، بل يمثل أيضاً فرصة اقتصادية هائلة.

فالتكنولوجيا تعد برفع الإنتاجية، وأتمتة المهام، وتسريع البحث والتطوير، وخفض تكاليف بعض الخدمات، وخلق منتجات وأسواق جديدة.

وبالتالي، فإن تجميد تطوير الأنظمة المتقدمة قد يعني تأجيل جزء من هذه المكاسب، في وقت تحاول فيه الاقتصادات الكبرى زيادة الإنتاجية لمواجهة ارتفاع تكاليف العمالة، والشيخوخة السكانية، والضغوط المالية.

وهنا تظهر مفارقة أساسية: التكنولوجيا نفسها التي يخشى المشرعون أن تسبب اضطرابات اقتصادية واسعة قد تكون أيضاً إحدى الأدوات الرئيسية لرفع الإنتاجية والنمو في المستقبل.

وهذا يجعل قرار التنظيم أكثر تعقيداً من مجرد الاختيار بين «السلامة» و«الابتكار». فهناك أيضاً تكلفة اقتصادية لعدم الابتكار، وتكلفة اقتصادية محتملة للابتكار غير المنضبط.

إحدى الموظفات تقوم باستبدال أحد مكونات حاسوب «ألبس» العملاق في المركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة (CSCS) بمدينة لوغانو جنوب سويسرا (أ.ف.ب)

الكونغرس يتأخر عن سرعة التكنولوجيا

ويأتي هذا الجدل في وقت لم يواكب فيه التشريع الأميركي حتى الآن السرعة التي تطورت بها أنظمة الذكاء الاصطناعي.

فقد أوصت مجموعة من الحزبين في الكونغرس عام 2024 بتخصيص ما لا يقل عن 32 مليار دولار على مدى 3 سنوات للذكاء الاصطناعي وضماناته، لكن المتابعة التشريعية لم تتناسب مع سرعة تطور التكنولوجيا.

وفي غضون سنوات قليلة فقط، انتقل الذكاء الاصطناعي من روبوتات محادثة قادرة على الإجابة عن الأسئلة، إلى أنظمة أكثر استقلالية تستطيع تنفيذ سلسلة من المهام، والتعامل مع الإنترنت، وكتابة البرمجيات، وتحليل الثغرات، والتفاعل مع أنظمة أخرى.

وهذا التَّحوُّل هو الذي يضغط على المشرِّعين لوضع قواعد قبل أن تصبح القدرات الجديدة جزءاً من البنية الأساسية للاقتصاد.

شعار شركة الذكاء الاصطناعي «أنثروبيك» في حدث استضافته الشركة (د.ب.أ)

مَن ينظِّم «الذكاء الفائق»؟

ويذهب مشروع ساندرز إلى أبعد من إنشاء هيئة رقابية عادية، إذ يقترح وكالة اتحادية جديدة على مستوى مجلس الوزراء، ومجلساً استشارياً للذكاء الاصطناعي، مع صلاحيات لمراقبة الأنظمة المتقدمة خلال دورة حياتها والإشراف على إزالة القدرات الخطرة.

كما يقترح عقوبات شديدة للغاية على المخالفين، تشمل ما يسميه المشروع «عقوبة الإعدام للشركات»، إلى جانب عقوبات بالسجن تصل إلى 20 عاماً على الأفراد.

ويطرح المشروع كذلك بُعداً دولياً، إذ يدعو الولايات المتحدة إلى السعي لاتفاقات دولية تمنع تطوير الذكاء الاصطناعي الفائق في أي مكان، إلى جانب تنسيق الجهود مع الحلفاء واستخدام أدوات مثل ضوابط التصدير.

وهنا تنتقل القضية مرة أخرى من الاقتصاد الأميركي إلى اقتصاد التكنولوجيا العالمي: إذا أصبحت قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدم موضوعاً للاتفاقات الدولية وضوابط التصدير، فقد تتغير خريطة الاستثمار في الرقائق ومراكز البيانات والحوسبة المتقدمة، كما حدث في قطاعات التكنولوجيا الاستراتيجية الأخرى.

أشخاص يسيرون بجوار جناح «Enflame» خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي (رويترز)

معركة على مستقبل الاقتصاد

وفي جوهرها، تعكس المواجهة الحالية في واشنطن خلافاً أوسع حول مستقبل الاقتصاد الأميركي.

فالمؤيدون لتشديد الرقابة يرون أن تكلفة وقوع حادث كارثي قد تفوق بكثير تكلفة إبطاء التطوير اليوم، وأن ترك الشركات التي تستفيد اقتصادياً من السباق لتحدد وحدها حدود السلامة يمثل تضارباً في المصالح.

أما المعارضون للوقف الشامل، فيحذرون من أن التكنولوجيا تتطور عالمياً، وأن الولايات المتحدة لا تستطيع ببساطة التوقف بينما يواصل منافسوها الاستثمار فيها.

وبين الموقفين تظهر مقاربة ثالثة تكتسب زخماً: الاستمرار في تطوير الذكاء الاصطناعي، لكن مع جعل القدرة على المراقبة والتدخل والإيقاف شرطاً أساسياً قبل نشر الأنظمة الأكثر خطورة.

وهكذا، لم يعد السؤال الأميركي هو ما إذا كان ينبغي تنظيم الذكاء الاصطناعي، وإنما إلى أي مدى يمكن تنظيمه من دون خنق أحد أهم محركات الابتكار والإنتاجية، ومن دون أن تتحوَّل المنافسة العالمية على التكنولوجيا إلى سباق تتراجع فيه اعتبارات السلامة كلما ارتفعت قيمة السبق؟

ومع انتقال النقاش من «مخاطر الذكاء الاصطناعي» إلى مشاريع قوانين تتناول الحظر والوقف ومفاتيح الإيقاف والرقابة الاتحادية، يبدو أن واشنطن بدأت تدرك أن المعركة الحقيقية ليست فقط حول مدى ذكاء الآلات، بل حول مَن يملك السيطرة عليها، ومَن يحصل على عوائدها، ومَن يدفع ثمن أخطائها إذا خرجت عن السيطرة.


العراق يوقّع اتفاقاً مدته 25 عاماً لتطوير حقل عجيل النفطي

رئيس الوزراء العراقي خلال توقيع اتفاقية تطوير وتشغيل حقل عجيل النفطي مع شركة «كيبت» الخاصة (إكس)
رئيس الوزراء العراقي خلال توقيع اتفاقية تطوير وتشغيل حقل عجيل النفطي مع شركة «كيبت» الخاصة (إكس)
TT

العراق يوقّع اتفاقاً مدته 25 عاماً لتطوير حقل عجيل النفطي

رئيس الوزراء العراقي خلال توقيع اتفاقية تطوير وتشغيل حقل عجيل النفطي مع شركة «كيبت» الخاصة (إكس)
رئيس الوزراء العراقي خلال توقيع اتفاقية تطوير وتشغيل حقل عجيل النفطي مع شركة «كيبت» الخاصة (إكس)

قال مكتب رئيس الوزراء العراقي، السبت، إن شركة نفط الشمال وقّعت عقداً مدته 25 عاماً مع شركة «كيبت» الخاصة لتطوير المشروعات بهدف تطوير وتشغيل حقل عجيل النفطي.

وأضاف المكتب، في بيان، أن الاتفاق يهدف إلى رفع إنتاج الغاز في الحقل تدريجياً إلى 300 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً، مقارنة مع نحو 135 مليوناً حالياً، وزيادة إنتاج النفط إلى 40 ألف برميل يومياً من 30 ألف برميل.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان، يأتي هذا «في إطار توجه وزارة النفط نحو تعظيم استثمار الموارد الهيدروكربونية، ورفع معدلات إنتاج النفط والغاز والاستفادة المثلى من موارد الحقول النفطية والغازية، بما يعزز أمن الطاقة، ويدعم منظومة توليد الطاقة الكهربائية في البلاد».