محافظ «بنك إنجلترا» يحذر من «تراكم المخاطر» على النظام المالي

«المركزي» وضع خطة لتخفيف قواعد الرافعة المالية للمصارف... وقال إن رهانات الذكاء الاصطناعي تتزايد

محافظ «بنك إنجلترا» أندرو بيلي خلال المؤتمر الصحافي الخاص بتقرير الاستقرار المالي (أ.ب)
محافظ «بنك إنجلترا» أندرو بيلي خلال المؤتمر الصحافي الخاص بتقرير الاستقرار المالي (أ.ب)
TT

محافظ «بنك إنجلترا» يحذر من «تراكم المخاطر» على النظام المالي

محافظ «بنك إنجلترا» أندرو بيلي خلال المؤتمر الصحافي الخاص بتقرير الاستقرار المالي (أ.ب)
محافظ «بنك إنجلترا» أندرو بيلي خلال المؤتمر الصحافي الخاص بتقرير الاستقرار المالي (أ.ب)

قال محافظ «بنك إنجلترا»، أندرو بيلي، يوم الثلاثاء، إن البنك المركزي يشعر بالقلق إزاء احتمال تزامن المخاطر التي تواجه البنوك والمؤسسات المالية الأخرى، موضحاً أن اجتماع هذه المخاطر في وقت واحد قد يزيد الضغوط على النظام المالي.

وجاءت تصريحات بيلي عقب نشر البنك تقريره نصف السنوي حول الاستقرار المالي، الذي تضمّن تحذيرات بشأن المخاطر المتزايدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وأشار إلى أن الصراع في الشرق الأوسط، وتقلبات عوائد السندات السيادية، وارتفاع أسعار الفائدة في الأسواق، بالإضافة إلى المخاطر المتنامية في أسواق الائتمان، تمثّل جميعها عوامل ضغط محتملة على القطاع المالي.

وقال بيلي للصحافيين: «منذ تقريرنا الأخير عن الاستقرار المالي، برزت بعض هذه المخاطر بشكل أكبر، لا سيما نتيجة الزيادة الكبيرة في استخدام الرافعة المالية في أسواق الأسهم». وأضاف: «تشعر لجنة السياسة المالية بقلق بالغ إزاء احتمال تزامن عدد من هذه المخاطر».

وفي سياق متصل، قال بيلي إنه لا يرى مبرراً لاستبعاد السندات الحكومية من نسب الرافعة المالية المفروضة على البنوك، رافضاً مقترحات طرحتها بعض الجهات في القطاع المالي لتخفيف الأعباء التنظيمية عن المصارف.

وأوضح أن استثناء الدين الحكومي من احتساب نسبة الرافعة المالية لا يتماشى مع المعايير التنظيمية الدولية. وقال بيلي: «لا توجد، على حد علمي، أي دولة تستثني الدين الحكومي من نسبة الرافعة المالية، وهذا بالتأكيد يتعارض مع (اتفاقية بازل)».

وأضاف: «لذلك، لا أعتقد أن هذه تمثّل مشكلة في الوقت الراهن. أعلم أن هناك، كما يُقال، بعض الآمال المعقودة في أوساط معينة بشأن هذا الأمر، لكنني لا أعتقد أنها قضية مناسبة في المرحلة الحالية».

وكان بنك باركليز، الذي يضم أكثر من 20 مليون عميل في المملكة المتحدة، قد دعا «بنك إنجلترا» إلى إعادة النظر في طريقة احتساب حيازات البنوك من السندات الحكومية البريطانية، المعروفة باسم «غيلتس» (Gilts)، ضمن نسبة الرافعة المالية.

ويرى البنك أن استبعاد هذه السندات من الحسابات التنظيمية قد يُسهم في تخفيف متطلبات رأس المال المفروضة على المصارف؛ إذ تلزم قواعد الرافعة المالية البنوك بالاحتفاظ بمستويات محددة من رأس المال لمواجهة الخسائر المحتملة، بغض النظر عن درجة المخاطر المرتبطة بالأصول التي تحتفظ بها.

من جهة أخرى، قال بيلي إن البنك المركزي لا يتوقع فرض قيود أو سقف على حجم الأموال التي توزعها البنوك والمؤسسات المالية الأخرى على المساهمين، وذلك في إطار التعديلات المرتقبة على قواعد الرافعة المالية المصرفية.

وأوضح أن فرض حدود على عوائد المساهمين لا يتماشى مع طبيعة النظام الرأسمالي، مشيراً إلى أن القيود التي فُرضت على توزيعات البنوك خلال جائحة «كوفيد-19» جاءت في ظروف استثنائية للغاية.

وقال بيلي: «نحن نعمل ضمن نظام رأسمالي، ولذلك أعتقد أنه سيكون من غير المناسب لنا، بأي شكل من الأشكال، فرض سقف على عوائد المساهمين. لقد قمنا بذلك خلال جائحة (كوفيد-19)، لكنها كانت حالة طارئة للغاية». وأضاف أن النهج الحالي لـ«بنك إنجلترا» يركز على تعزيز مرونة النظام المصرفي وضمان قدرة البنوك على مواجهة الصدمات، دون التدخل في قرارات توزيع العوائد ضمن الظروف الطبيعية.

مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)

«بنك إنجلترا» يخفّف قواعد الرافعة المالية

وفي خطوة تهدف إلى تحقيق توازن أكبر بين متطلبات السلامة المالية والقدرة على دعم الاقتصاد، أعلن «بنك إنجلترا» خططاً لتخفيف القواعد المتعلقة بحجم رأس المال الذي يتعيّن على البنوك الاحتفاظ به لمواجهة الصدمات، بهدف مواءمة متطلبات البنوك البريطانية بشكل أوثق مع المعايير الدولية، في ظل تزايد الضغوط على الجهات التنظيمية عالمياً لإعادة النظر في المتطلبات الرامية إلى تعزيز القدرة على الصمود.

وأعلنت لجنة السياسة المالية التابعة لـ«بنك إنجلترا» العمل على تحسين إمكانية استخدام احتياطيات رأس المال، بحيث يمكن صرفها بسهولة أكبر دون تقييد توزيعات الأرباح على المساهمين تلقائياً. كما ذكرت أنها ستخفّف أثر نسبة الرافعة المالية، التي تلزم المقرضين بالاحتفاظ بحد أدنى من رأس المال مقارنة بإجمالي الأصول.

وتأتي خطوة البنك المركزي لتخفيف قواعد الرافعة المالية وغيرها من الاحتياطيات في أعقاب تخفيف متطلبات الرافعة المالية في الولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني)، وهو تطور زاد الضغوط التنافسية على المقرضين البريطانيين.

وعندما تم تطبيق نسبة الرافعة المالية كان الهدف منها توفير طبقة حماية إضافية إلى جانب متطلبات رأس المال القائمة على تقييم المخاطر. إلا أن «بنك إنجلترا» أوضح أن هذه القاعدة أصبحت عاملاً ملزماً لثلاثة من أصل سبعة بنوك بريطانية كبرى، مما أدى إلى زيادة متطلباتها الرأسمالية مقارنة بمؤسسات مصرفية دولية مماثلة.

وأعلن «بنك إنجلترا» أنه سيُزيل أحد بنود نسبة الرافعة المالية، وسيزيد إمكانية الإفراج عن بنود أخرى ضمن التغييرات المقترحة، مُقدراً انخفاضاً بنسبة 0.2 نقطة مئوية في متطلبات الرافعة المالية للبنوك البريطانية الكبرى، التي تبلغ حالياً ما يزيد قليلاً على 3 في المائة.

وذكرت لجنة السياسة المالية أن هذه التغييرات ستجعل الإطار «أكثر تناسباً وفاعلية من خلال تحسين استهدافه».

وأوضح «بنك إنجلترا» أن جهوده الرامية إلى تعزيز قابلية استخدام بنود الرافعة المالية، التي تهدف إلى الحد من حوافز البنوك لتقييد الإقراض خلال فترات الأزمات، ستقتصر على البنوك الكبرى ذات التركيز المحلي، مثل «لويدز» و«نات ويست» و«سانتاندير» المملكة المتحدة، في حين أن قواعد البنوك ذات النشاط الدولي تخضع لإطار اتفاقية «بازل». وبوصفها جزءاً من هذه الحزمة التنظيمية، التي ستخضع لمشاورات عامة في وقت لاحق من هذا العام، ستُمنح البنوك فترة زمنية تمتد لعدة سنوات لإعادة بناء احتياطياتها الرأسمالية.

وقالت لجنة السياسة المالية إنها ترى «ضرورة واضحة» لإنشاء احتياطي موحد يمكن الإفراج عنه خلال فترات الضغط المالي، بهدف تقليل التعقيد الحالي وتعزيز كفاءة استخدام الاحتياطيات، مشيرة إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تعاوناً ودعماً على المستوى الدولي.

وأضافت اللجنة: «ستعمل لجنة السياسة المالية مع هيئة التنظيم الاحترازي والسلطات الدولية على إجراء إصلاح شامل لإطار احتياطيات رأس المال، والمضي قدماً نحو تحقيق هذه الرؤية».

صورة ظلية لشخص بجانب شعار «الحوار العالمي الأول حول حوكمة الذكاء الاصطناعي» في جنيف 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

تحذير من تصاعد مخاطر الذكاء الاصطناعي

وفي جانب آخر من تقرير الاستقرار المالي، حذّر «بنك إنجلترا» من أن الذكاء الاصطناعي يمثّل تهديداً متزايداً للاستقرار المالي، في ظل الرهانات الاستثمارية الضخمة على نجاح هذه التكنولوجيا، بالتزامن مع ارتفاع تعرض البنوك والمؤسسات المالية لمخاطر الهجمات الإلكترونية المرتبطة بها.

وفي تقييمه نصف السنوي للمخاطر التي تواجه النظام المالي البريطاني، أكد البنك المركزي أن المخاطر التي سبق أن حددها، بما في ذلك ارتفاع أسعار الأسهم، وتنامي مستويات الدين العام، والتوسع في الإقراض الخاص عالي المخاطر للشركات، لا تزال قائمة.

إلا أن البنك أشار إلى ظهور مخاطر إضافية منذ تقريره السابق، من بينها تزايد اقتراض المستثمرين، بما في ذلك صناديق التحوط، لتمويل عمليات شراء الأسهم، إلى جانب لجوء الشركات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى الاقتراض بكثافة لتمويل استثماراتها، فضلاً عن التطور السريع لقدرات الذكاء الاصطناعي على إحداث أضرار واسعة النطاق.

ورغم تصاعد هذه المخاوف، خلص «بنك إنجلترا» إلى أن النظام المصرفي البريطاني لا يزال يتمتع بالمرونة، مقدماً مقترحات تهدف إلى تسهيل خفض البنوك لمستويات رأس المال بعد انتهاء الأزمات، بما يضمن استمرار تدفق الائتمان إلى الاقتصاد وعدم عودة القيود الرأسمالية إلى التأثير سلباً على الإقراض.

وأوضح البنك المركزي أن الرهانات الاستثمارية على الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى تحقيق عوائد مجزية، وإلى تبنٍ واسع ومربح لهذه التكنولوجيا، إلى جانب تطوير فعّال للبنية التحتية اللازمة، وضمان قدرة القطاع على الوصول إلى مصادر التمويل المناسبة.

وأضاف البنك: «قد تؤدي إعادة تقييم هذه التوقعات إلى انخفاض أسعار الأسهم، وهو ما قد يتفاقم بفعل ارتفاع مستويات التركّز، والمراكز الاستثمارية المرتبطة بزخم السوق، التي يمكن أن تزيد حدة التقلبات في حال تراجع الأسواق، إلى جانب تصاعد مستويات المديونية».

وتابع: «ستكون التوقعات المتعلقة بقدرة الشركات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي على تحقيق أرباح مستقبلية عاملاً مهماً أيضاً في تقييم استدامة ديونها»، محذراً من أن غياب الشفافية بشأن طبيعة وكيفية اقتراض هذه الشركات قد يؤدي إلى تضخيم آثار أي أزمة محتملة.

سباق عالمي لتنظيم مخاطر الذكاء الاصطناعي

وبدأت الجهات التنظيمية حول العالم إعطاء اهتمام متزايد بتداعيات الذكاء الاصطناعي على القطاع المالي، بدءاً من المخاطر السيبرانية والتشغيلية المرتبطة بالنماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى التحديات التي تفرضها الأنظمة الآلية القادرة على العمل بدرجة محدودة من التدخل البشري.

وتشمل هذه المخاطر الأنظمة المتطورة مثل نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة، ومن بينها «كلود» من شركة «أنثروبيك» التي تثير تساؤلات حول المخاطر التشغيلية والأمنية التي قد تنشأ مع توسع استخدامها في القطاعات الحساسة.

وفي نهاية يونيو (حزيران)، أشارت نائبة محافظ «بنك إنجلترا»، سارة بريدن، للمرة الأولى إلى الحاجة إلى وضع إطار تنظيمي خاص بالذكاء الاصطناعي، بهدف احتواء المخاطر التي قد تفرضها الأنظمة الآلية ذات القدرات المتزايدة.

وقالت سارة بريدن: «لم تُصمم أطر عملنا الحالية لتشمل الأنظمة الآلية المستقلة، ومن غير المرجح أن يكون الاعتماد على العنصر البشري في جميع إجراءات تشغيل هذه الأنظمة أمراً واقعياً».

وفي تقريره الصادر يوم الثلاثاء، أوضح «بنك إنجلترا» أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي سيمنح أفضلية أكبر للمهاجمين الإلكترونيين أم للجهات التي تعمل على حماية الأنظمة المالية.

لكن البنك أشار إلى أن هذا التطور سيجعل الشركات المالية بحاجة إلى تنفيذ تحديثات برمجية بوتيرة أكثر تكراراً، وهو ما يحمل في حد ذاته مخاطر تشغيلية؛ إذ قد تؤدي عمليات التحديث المتواصلة إلى اضطرابات في أنظمة العمل والخدمات المالية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

تحركات طفيفة في عوائد سندات اليورو مع ترقب آفاق الاقتراض طويلة الأجل

الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

تحركات طفيفة في عوائد سندات اليورو مع ترقب آفاق الاقتراض طويلة الأجل

ارتفعت عوائد سندات منطقة اليورو بشكل طفيف يوم الثلاثاء، مع تقييم المستثمرين التوقعات طويلة الأجل لأسواق الاقتراض...

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يعد أوراقاً نقدية هندية في إحدى الأسواق بمدينة بنغالورو (رويترز)

هدوء في سوق السندات الهندية قبيل طرح إصدارات جديدة

تداولت السندات الحكومية الهندية ضمن نطاق ضيق في التعاملات المبكرة من صباح الثلاثاء، متوقفة مؤقتاً عن موجة صعود استمرت ثلاث جلسات.

«الشرق الأوسط» (مومباي)
تحليل إخباري متداول مالي يعمل على مكتبه في شركة «سي إم سي ماركتس» بمدينة لندن (رويترز)

تحليل إخباري سوق السندات البريطانية قد تقيّد خيارات بيرنهام إذا تولى رئاسة الحكومة

يرى محللون أن ارتفاع تكاليف الاقتراض وضيق الهامش المالي قد يحدان من قدرة رئيس الوزراء البريطاني المحتمل آندي بيرنهام على تنفيذ أجندته الاقتصادية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أوراق نقدية من  اليورو (رويترز)

استقرار عوائد سندات اليورو مع انحسار رهانات تغيير سياسة المركزي الأوروبي

استقرت عوائد سندات منطقة اليورو الاثنين في ظل تراجع احتمالات حدوث تغييرات جوهرية في توقعات السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

سوق السندات تترقب دعماً محتملاً من بنك إنجلترا وسط جدل حول المخاطر

تترقب سوق السندات الحكومية البريطانية دعماً محتملاً من بنك إنجلترا هذا الأسبوع، قد يسهم في خفض تكاليف الاقتراض العام بأكثر من مليار جنيه إسترليني.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الأمم المتحدة تستبعد مزيداً من خفض ميزانية 2027 بعد إشادة واشنطن بإصلاحات الإنفاق

شعار الأمم المتحدة والعلم الأميركي يظهران في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
شعار الأمم المتحدة والعلم الأميركي يظهران في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

الأمم المتحدة تستبعد مزيداً من خفض ميزانية 2027 بعد إشادة واشنطن بإصلاحات الإنفاق

شعار الأمم المتحدة والعلم الأميركي يظهران في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
شعار الأمم المتحدة والعلم الأميركي يظهران في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

قال مسؤول رفيع في الأمم المتحدة يقود عملية إصلاح واسعة النطاق، يوم الثلاثاء، إن المنظمة لا تتوقع إجراء تخفيضات إضافية في ميزانيتها خلال عام 2027، بعد أن رحّبت الولايات المتحدة، أكبر مساهم مالي فيها، بإجراءات خفض التكاليف وترشيد الإنفاق التي تم تنفيذها حتى الآن.

وتخضع الأمم المتحدة، التي تحتفل بمرور 80 عاماً على تأسيسها، لعملية إعادة هيكلة شاملة وخفض للنفقات تحت اسم مبادرة «UN80»، في ظل أزمة مالية تفاقمت جزئياً بسبب تراكم المساهمات غير المسددة، بما في ذلك المستحقات المتأخرة للولايات المتحدة، وفق «رويترز».

وكانت المنظمة قد خفضت بالفعل الميزانية العالمية للأمانة العامة للأمم المتحدة بنسبة 9.2 في المائة لعام 2026، كما نقلت آلاف الوظائف من مدن ذات تكاليف معيشية مرتفعة، مثل جنيف ونيويورك، إلى مواقع أقل تكلفة، إضافة إلى دراسة دمج بعض الوكالات التابعة لها بهدف تعزيز الكفاءة وتقليص النفقات.

وقال غاي رايدر، وكيل الأمين العام للسياسات، للصحافيين يوم الثلاثاء في جنيف عقب إحاطة الدول الأعضاء بشأن مسار الإصلاحات: «ستبقى الميزانية التي نعدها لعام 2027 عند مستواها الحالي تقريباً. لا نسعى إلى إجراء تخفيضات إضافية».

وكان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قد حذر في وقت سابق من هذا العام من أزمة مالية حادة تهدد المنظمة، نتيجة تأخر الدول الأعضاء البالغ عددها 193 دولة في سداد مساهماتها، إلى جانب قاعدة مالية قديمة أُلغيت الشهر الماضي كانت تلزم الأمم المتحدة بإعادة الأموال غير المسددة إلى الدول الأعضاء.

ولا تزال الولايات المتحدة، التي تسهم بنحو 22 في المائة من الميزانية الإلزامية للأمم المتحدة، مدينة للمنظمة بنحو 4 مليارات دولار مقابل عمليات حفظ السلام والمساهمات الدورية، رغم قيامها بدفعة أولية من مستحقاتها.

ودعت واشنطن مراراً إلى إصلاح المنظمة الدولية وجعلها أكثر كفاءة، مع تركيز أكبر على ملفات السلام والأمن.

وقال رايدر إن الإصلاحات التي نفذتها الأمم المتحدة حتى الآن حظيت بترحيب من الولايات المتحدة.

وأضاف: «إن ممثلي الولايات المتحدة في نيويورك منخرطون بشكل كبير في عملية الأمم المتحدة الثمانين، وقد أبدوا عموماً دعماً قوياً لها. لقد رحبوا بما أنجزناه».

ورداً على سؤال حول ما إذا كانت هذه الخطوات قد تؤدي إلى استئناف التمويل الأميركي، قال رايدر: «المحادثات مستمرة... ونعتقد أننا أوصلنا رسالتنا».

وكان سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، قد صرح في فبراير (شباط) بأن مبادرة «الأمم المتحدة 80» تمثل «خطوة أولى مهمة» ينبغي مواصلة العمل عليها.


وكالة الطاقة الدولية: الطلب العالمي على الغاز مرشح للتراجع 0.5 % العام الجاري

سفينة غاز طبيعي مسال في عرض البحر (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مسال في عرض البحر (رويترز)
TT

وكالة الطاقة الدولية: الطلب العالمي على الغاز مرشح للتراجع 0.5 % العام الجاري

سفينة غاز طبيعي مسال في عرض البحر (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مسال في عرض البحر (رويترز)

توقعت وكالة الطاقة الدولية، الثلاثاء، تراجع الاستهلاك العالمي للغاز الطبيعي بنسبة 0.5 في المائة خلال العام الجاري، مرجعةً ذلك بشكل أساسي إلى ارتفاع الأسعار الذي كبح الطلب من محطات توليد الكهرباء والقطاع الصناعي، في أعقاب تقلص الإمدادات بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

وقالت الوكالة في تقريرها عن سوق الغاز للربع الثالث من 2026، إن الطلب العالمي على الغاز من المتوقع أن ينخفض بنحو 0.5 في المائة، أو 20 مليار متر مكعب، خلال العام، ليسجل ثالث تراجع سنوي خلال العقد الجاري بعد الانخفاض المسجل في عامي 2020 و2022.

وتراجع الطلب على الغاز في آسيا بنحو واحد في المائة على أساس سنوي خلال النصف الأول من 2026، بعدما دفعت الأسعار المرتفعة المستهلكين إلى التحول نحو أنواع وقود بديلة، لا سيما الفحم المستخدم في قطاع الكهرباء.

وأدى الصراع بين الولايات المتحدة وإيران إلى انخفاض حاد في تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي كان يمر عبره عادةً نحو 20 في المائة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية.

ومن المتوقع أن يظل المعروض العالمي للغاز الطبيعي المسال للعام بأكمله دون تغير يُذكر مقارنةً بعام 2025، مع تعويض الزيادات الإنتاجية في مناطق أخرى لتداعيات الاضطرابات التي شهدتها منطقة الخليج.

وحذرت الوكالة من أنه إذا لم يُفتح مضيق هرمز بالكامل قبل بداية الربع الرابع، فيمكن أن يسجل المعروض العالمي من الغاز الطبيعي المسال أول انخفاض سنوي منذ عام 2012.

وتراجعت إمدادات الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات بشكل حاد، إذ انخفض الإنتاج بنحو 80 في المائة خلال الفترة من مارس (آذار) إلى يونيو (حزيران) مقارنةً بالفترة نفسها من 2025.


الحرب تطيح ثلث وظائف القطاع الخاص في لبنان

عمال يزيلون أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
عمال يزيلون أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
TT

الحرب تطيح ثلث وظائف القطاع الخاص في لبنان

عمال يزيلون أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
عمال يزيلون أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

أظهر مسح إحصائي دولي خسائرَ حادة في فرص العمل، وتراجعاً بالدخل، وازدياداً في انعدام الأمن الوظيفي بلبنان؛ جراء ما سبّبته الأزمة القائمة والحرب من اضطرابات حادة في سوق العمل، مما يبرز الحاجة إلى وضع قضية العمالة في صميم الاستجابة للأزمة والتعافي منها.

ولا تدمر الأزمة الحالية والحرب في لبنان المباني والبنية التحتية فقط، بل تدمّر أيضاً الوظائف والمداخيل والأسس الهشة التي تستند إليها حياة كثير من الناس، وفق توصيف الدكتورة ربا جرادات، المديرة الإقليمية للدول العربية في «منظمة العمل الدولية»، بعدما برز في خلاصات المسح الميداني انضمامُ ما يوازي ثلث العاملين في القطاع الخاص إلى صفوف البطالة، فيما يُقدّر أن متوسط دخل العمل قد انخفض بنسبة 40.4 في المائة عند احتساب خسائر الوظائف وتراجع الأجور معاً.

وتظهر نتائج البيانات والتحليلات الحديثة بشأن العمال في القطاع الخاص، التي وردت في تقرير المنظمة الدولية، بالشراكة مع «الاتحاد العمالي العام» و«الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان»، أن 33 في المائة من العمال الذين شملهم المسح لم يعودوا يعملون وقت إجرائه، بمن فيهم 28.2 في المائة أصبحوا عاطلين عن العمل، و4.7 في المائة خرجوا من القوى العاملة.

وأُجري الاستطلاع وجمع البيانات خلال شهر مايو (أيار) الماضي، عبر عينة متنوعة الأنشطة، شملت تحديداً 2485 عاملاً وعاملة بأجر والعاملين لحسابهم في القطاع الخاص ومن مختلف القطاعات والمحافظات، وكانوا يحظون بفرصة العمل قبل تجدد النزاع الحربي بين «حزب الله» وإسرائيل في شهر مارس (آذار) الماضي.

وظهرت شدّة خسائر الوظائف، بشكل خاص، بين العمال من المحافظات المتأثرة بالنزاع في الجنوب اللبناني؛ إذ بلغت 76.5 في المائة بين سكان محافظة النبطية، و43.2 في المائة بين سكان محافظة الجنوب. علماً بأن الأثر لم يقتصر على مناطق المواجهة، إذ تأثر العمال في محافظات أخرى أيضاً نتيجة ضعف الطلب وتراجع النشاط التجاري والضغوط التضخمية واضطرابات الأسواق على نطاق أوسع.

أشخاص عادوا إلى ديارهم بعد نزوحهم خلال الحرب يسبحون أمام أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في صور (رويترز)

النزوح السكاني

وأسهم النزوح السكاني، الذي تعدت أرقامه عتبة المليون نسمة، في فقدان الوظائف بوصفه عاملاً رئيسياً، حيث ارتفع متوسط النسبة إلى ثلثي العمال بين صفوف هذه الشريحة. في حين أفاد 37.4 في المائة من العمال الذين شملهم المسح ولا يزالون نازحين وقت إجرائه بأنهم خارج وظائفهم، بينما صرح 14.2 في المائة من العمال بأنهم نزحوا خلال النزاع، ثم عادوا لاحقاً إلى منازلهم.

ويبيّن التقرير أن الأزمة أثرت بصورة أكبر على العمال الذين كانوا يواجهون أصلاً مستويات أعلى من الهشاشة. فقد كان فقدان العمل مرتفعاً بشكل خاص بين الأشخاص ذوي الإعاقة بنسبة 71.4 في المائة، والنساء بنسبة 44.3 في المائة، والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً بنسبة 42.4 في المائة، واللاجئين السوريين بنسبة 39.4 في المائة، والعاملين بأجر في وظائف غير منظمة بنسبة 37.7 في المائة. كما كان العمال الذين لا يملكون عقود عمل مكتوبة، وذوو المستويات التعليمية المتدنية، والعاملون في المنشآت الصغيرة، أكبر عرضة لفقدان وظائفهم.

انخفاض متوسط دخل العمل

وامتدت تداعيات الأزمة إلى ما هو أبعد من فقدان الوظائف، حيث انخفض متوسط دخل العمل بنسبة 14.8 في المائة، بين العمال المحافظين على وظائفهم، فيما يُقدّر أن متوسط دخل العمل الإجمالي لدى الأفراد الذين شملهم المسح قد انخفض بنسبة 40.4 في المائة، عند احتساب الفقدان الكامل للدخل لدى بين من خسروا وظائفهم.

وغالباً ما حصل العمال الذين وجدوا وظائف جديدة على عمل بشروط أسوأ؛ إذ تقاضوا في المتوسط أجوراً أقل بنسبة 30.7 في المائة، مقارنة بما كانوا يتقاضونه سابقاً، مع انتقال معظمهم إلى العمل غير المنظم أو العمل لحسابهم الخاص.

واعتمدت الأسر بدرجة كبيرة على مواردها الذاتية للتكيّف. وكانت المدخرات أوسع آليات التكيّف شيوعاً، في حين أفاد أكثر من 40 في المائة من العمال اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين بأنهم أرجأوا سداد القروض أو الفواتير. كما خفّض كثيرون إنفاقهم على الغذاء؛ مما يبرز ازدياد الضغوط على رفاه الأسر والأمن الغذائي.

عائدون إلى ديارهم عقب الاتفاق الإسرائيلي - اللبناني يستمتعون بالاسترخاء على شاطئ مدينة صور (رويترز)

ولا تزال احتياجات التعافي كبيرة، حيث حدد نحو نصف المشاركين في المسح (45.5 في المائة) «المساعدة في إيجاد عمل مستقر» بوصفها احتياجهم الأساسي، فيما قال 37.7 في المائة إنهم بحاجة إلى دعم للحصول على دخل أعلى أو أفضل انتظاماً.

ويدعو التقرير إلى استجابة تجمع بين التدابير الإنسانية وتدابير سوق العمل الفورية، والاستثمارات الأطول أجلاً في خلق فرص العمل، والحماية الاجتماعية، وتنمية المهارات، وتعافي المنشآت، والعمل اللائق. كذلك تنفيذ برامج للتعافي كثيفة العمالة، وبرامج موجهة لدعم الأجور، ودعم طارئ للنساء والأشخاص ذوي الإعاقة والعاملين لحسابهم الخاص والمنشآت المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية، وتوفير الدعم القانوني للعمال المنزليين المهاجرين، وتعزيز حوكمة سوق العمل.

وعلى المديين المتوسط والطويل، يوصي التقرير بتعزيز نظم بيانات سوق العمل، وتفعيل «المؤسسة الوطنية للاستخدام»، واعتماد مقاربات للتنمية الاقتصادية المحلية، والاستثمار في المهارات والتدريب المهني، ودعم الانتقال التدريجي إلى الاقتصاد المنظم، وإرساء حماية من البطالة، ووضع سياسة وطنية شاملة للتشغيل.

وتعمل المنظمة الدولية مع ثلاثي: الحكومة، وأصحاب العمل، والعمال، ومع شركائها؛ لدعم تعافي سوق العمل في لبنان، بما يشمل حماية العمال، ودعم الدخل والعمالة، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وإنتاج بيانات وتحليلات موثوقة وحديثة، ومساعدة المنشآت على الاحتفاظ بالعمال، وضمان عدم دفع الفئات الأعلى هشاشة إلى مزيد من العمل غير المنظم والفقر والإقصاء.