هل تدفع بورصة كوريا فاتورة التفاؤل المفرط بـ«طفرة الرقائق»؟

من قمة الـ9 آلاف نقطة إلى قواطع الدائرة المعلقة للتداول في جلسة الثلاثاء العاصفة

تراقب متداولة العملات أسعار الصرف بينما تعرض شاشة إلكترونية مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول العملات الأجنبية في مقر بنك هانا (أ.ف.ب)
تراقب متداولة العملات أسعار الصرف بينما تعرض شاشة إلكترونية مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول العملات الأجنبية في مقر بنك هانا (أ.ف.ب)
TT

هل تدفع بورصة كوريا فاتورة التفاؤل المفرط بـ«طفرة الرقائق»؟

تراقب متداولة العملات أسعار الصرف بينما تعرض شاشة إلكترونية مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول العملات الأجنبية في مقر بنك هانا (أ.ف.ب)
تراقب متداولة العملات أسعار الصرف بينما تعرض شاشة إلكترونية مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول العملات الأجنبية في مقر بنك هانا (أ.ف.ب)

عندما يتحدث خبراء المال عن «معجزة نهر هان» - وهو التعبير الشهير الذي يصف التحول الاقتصادي المذهل لكوريا الجنوبية من بلد دمرته الحروب في منتصف القرن الماضي إلى عملاق تكنولوجي وصناعي عالمي - فإنهم يشيرون ضمناً إلى قلب هذا التحول النابض: بورصة كوريا الجنوبية. واليوم، لم تعد هذه البورصة مجرد سوق محلية لتبادل الأسهم؛ بل تحولت إلى مرآة تعكس نبض التكنولوجيا العالمية، ومؤشر حساس لشهية الاستثمار في قطاعات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.

لكن هذا القلب النابض عاش يوم الثلاثاء في العاصمة الكورية الجنوبية سيول، واحدة من أكثر الجلسات دراماتيكية في التاريخ المالي الحديث للبلاد. وجاء ذلك بعدما اجتاحت موجة بيع ذعرية وعنيفة قاعات التداول، لتطيح بالمكاسب القياسية التي سجلتها أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على مدار الأشهر الماضية، وتضع الأسواق العالمية في حالة ترقب وتأهب للمرحلة المقبلة من الدورة الاقتصادية لقطاع الرقائق الإلكترونية.

ولم تكن هذه الصدمة مجرد تراجع عابر في أسعار الأسهم؛ بل شكلت اختباراً حقيقياً لصلابة البنية التحتية المالية لكوريا الجنوبية، وأثارت تساؤلات عميقة حول مدى ارتباط الأسواق الآسيوية بتقييمات شركات التكنولوجيا في الولايات المتحدة، ودور الرافعة المالية والتداول بالهامش في تضخيم حدة الانهيارات السعرية عند حدوث الهزات الاقتصادية.

مفتاح الاقتصاد

تُعدّ بورصة كوريا الجنوبية، والمعروفة اختصاراً بـ«كي آر إكس»، بمثابة المظلة الرسمية والوحيدة لتداول الأسهم والسندات والمشتقات المالية، حيث تدمج تحت لوائها الشركات الصناعية والتقنية الكبرى.

ويُمثل مؤشر «كوسبي» (Kospi) الرئيسي في هذه البورصة المقياس العام لأداء كبرى الشركات العائلية العملاقة، أو ما يُعرف محلياً بـ«التشيبول»، مثل «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس» و«هيونداي».

وتتميز البورصة بهيكل فريد يجمع بين التدفقات النقدية الضخمة للمؤسسات والصناديق الاستثمارية الأجنبية من جهة، والنشاط الاستثماري الكثيف والمضاربي للمستثمرين الأفراد المحليين من جهة أخرى، مما يمنحها سيولة عالية وحساسية شديدة للأخبار الاقتصادية العالمية.

متداول عملات يتمدد بالقرب من شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في بنك هانا (أ.ب)

لماذا يراقب العالم مؤشر «كوسبي»؟

تتجاوز أهمية بورصة كوريا الجنوبية حدودها الجغرافية لتصبح مؤشراً حيوياً يعكس صحة الاقتصاد العالمي وشهية المخاطرة لدى المستثمرين في قطاع التقنية؛ فالبلاد تُعدّ المصدر الأول عالمياً لشرائح الذاكرة المتقدمة وأشباه الموصلات، وهي المكونات الأساسية لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية والأجهزة اللوحية.

وعندما يتحرك مؤشر «كوسبي»، فإن الصناديق الاستثمارية في نيويورك ولندن وطوكيو تراقب هذا التحرك بدقة، كونه يُعطي قراءة مبكرة ومباشرة لمستويات الطلب العالمي على الأجهزة والعتاد التكنولوجي. ولذلك، فإن أي اضطراب يصيب هذه السوق يمتد سريعاً عبر سلاسل الإمداد العالمية، ليوجه ضربة لثقة المستثمرين في قطاع التكنولوجيا بأسره.

تفاصيل يوم عصيب

بدأت القصة عندما افتتحت البورصة تداولاتها يوم الثلاثاء على تراجع حاد ومفاجئ، مدفوعاً بضغوط بيع مكثفة قادها مستثمرون أجانب ومؤسسات دولية قررت التخلص من حيازاتها في أسهم الرقائق الثقيلة. ومع تسارع وتيرة الهبوط، عمّق مؤشر «كوسبي» خسائره ليتراجع بنسبة تزيد على 8 في المائة خلال ساعات الصباح الأولى، مما نشر حالة من الهلع بين المتداولين الأفراد.

وأمام هذا التدهور المتسارع والتقلبات العنيفة، تدخلت إدارة بورصة كوريا لتفعيل آلية «قواطع الدائرة» القانونية، حيث تقرر تعليق التداول مؤقتاً لمدة 20 دقيقة، في محاولة لامتصاص الصدمة وإتاحة الفرصة للمستثمرين لمراجعة مراكزهم المالية. لكن هذه الخطوة الحمائية لم تمنع السوق من مواصلة الانزلاق عقب استئناف الجلسة، ليرتفع حجم التراجع ويغلق المؤشر على انخفاض حاد بلغ 10 في المائة، مقارنة بأعلى مستوى قياسي كان قد سجله في وقت سابق من هذا الشهر عند تجاوزه حاجز 9000 نقطة للمرة الأولى في تاريخه.

وطالت موجة البيع القاسية هذه أسهم الصدارة التكنولوجية بشكل مباشر؛ حيث هبط سهم شركة «إس كيه هاينكس» - ثاني أكبر مصنع لرقائق الذاكرة في العالم - بنسبة تجاوزت 12 في المائة، في حين لحق به سهم العملاق «سامسونغ إلكترونيكس» ليتراجع بنسب حادة ومؤثرة، مسبباً خسائر بمليارات الدولارات من القيمة السوقية للشركتين في جلسة واحدة.

يحتفل الموظفون أمام شاشة ببنك هانا بسيول بعد قفزة مؤشر «كوسبي» التاريخية في 18 يونيو (إ.ب.أ)

خلفيات الانفجار

يرى المحللون الماليون أن هذا التراجع العنيف لم يكن وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تراكم عوامل عدة أوصلت السوق إلى مرحلة «التشبع الشرائي المفرط». وكانت أسهم شركة «إس كيه هاينكس» قد حققت مكاسب فلكية بلغت نحو 350 في المائة منذ مطلع العام، مدفوعة بسلسلة صعود استمرت لـ8 أيام متتالية، مما جعل أسعار الأسهم ترتفع بمعدلات تفوق بكثير تقييماتها العادلة وتوقعات أرباحها على المدى القريب.

وتزامنت هذه التقييمات المرتفعة مع تغير ملموس في شهية المستثمرين العالمية تجاه أسهم التقنية والذكاء الاصطناعي خلال التداولات الأخيرة في الأسواق الأميركية، التي شهدت تراجعاً لأسهم شركات كبرى مثل «سبايس إكس». وزاد من عمق الأزمة وجود تقارير محلية تتحدث عن عزم الشركات الكورية مراجعة وتعديل خططها التوسعية الطموحة لإنتاج شرائح الذاكرة المتقدمة، خوفاً من حدوث تخمة في المعروض مستقبلاً.

ترقب عالمي

وعلاوة على المخاوف الهيكلية، يعيش المتداولون حالة من حبس الأنفاس والترقب الشديد لما ستسفر عنه نتائج الأعمال الربع سنوية لشركة أشباه الموصلات الأميركية العملاقة «ميكرون تكنولوجي». ويُنظر إلى هذه النتائج على نطاق واسع في الأوساط المالية باعتبارها «الاختبار الحقيقي والمباشر» الذي سيحدد ما إذا كانت الطفرة الحالية في عتاد الذكاء الاصطناعي تمتلك ركائز حقيقية للاستمرار، أم أن الأسواق قد بالغت في تقدير حجم الأرباح المستقبلية.

وفي غضون ذلك، برزت معضلة أموال التداول بالهامش (الرافعة المالية) بوصفها عاملاً رئيسياً في تسريع وتيرة الانهيار؛ إذ تشير البيانات إلى أن حجم هذه القروض الاستثمارية في كوريا الجنوبية، قد قفز إلى مستوى قياسي غير مسبوق يناهز 38.5 تريليون وون (ما يعادل نحو 25 مليار دولار). وتكمن خطورة هذه الأداة المالية في كونها سلاحاً ذا حدين؛ فهي تتيح للمستثمرين شراء كميات من الأسهم تفوق قدراتهم المالية الفعلية عبر الاقتراض من شركات الوساطة، وهو ما يضخم الأرباح في أوقات الصعود، ويخلق طلباً اصطناعياً يدفع مؤشرات السوق نحو مستويات فلكية. لكن المعضلة الحقيقية تنفجر عند حدوث أي تراجع مفاجئ؛ حيث تصبح الأسعار غير قادرة على دعم حجم الديون المتراكمة، مما يضطر الوسطاء آلياً إلى تفعيل أوامر «التصفية القسرية» لبيع الأسهم بهدف استرداد أموالهم المغلوبة. هذا البيع الإجباري يولد سيلاً جارفاً من أوامر البيع المتلاحقة دون وجود قوى شرائية مقابلة، مما يحول التصحيح الهادئ إلى انهيار رأسي سريع وخارج عن السيطرة، وهو ما حدث بالفعل في فترة ما بعد الظهر، حيث تدفقت أوامر البيع بشكل آلي ومكثف أدى إلى تهاوي الأسعار دون وجود قوى شرائية مقابلة، رغم دخول بعض المستثمرين الأفراد للشراء بهدف اقتناص الفرص.

رئيس بورصة كوريا جيونغ إيون بو يتحدث خلال حفل أقيم في مقر البورصة بمدينة بوسان (إ.ب.أ)

تداعيات وتحذيرات

دفعت هذه التطورات غير العادية السلطات التنظيمية والرقابية في سيول، إلى الخروج عن صمتها والتدخل لتهدئة المخاوف؛ حيث أعلن رئيس هيئة الرقابة المالية الكورية، لي تشان جين، أن الجهات المختصة تتابع من كثب وبقلق بالغ، تأثير الرافعة المالية في تضخيم وتعميق التحركات السعرية السلبية بالسوق. وحذر من أن السوق باتت شديدة الحساسية والصدمات نتيجة للتشبع المفرط في المراكز الاستثمارية المركزة.

وتدرس الهيئات الحكومية حالياً إمكانية تطبيق حزمة من إجراءات التهدئة والتدخل المؤقت للحد من التأثيرات الحادة التي تفرضها صناديق المؤشرات المتداولة المرتبطة بأسهم «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس»، بهدف حماية صغار المستثمرين، ومنع تكرار مثل هذه الهزات العنيفة التي قد تهدد الاستقرار المالي والاقتصادي العام للبلاد في حال استمرارها.


مقالات ذات صلة

صندوق الثروة النرويجي يقترح خفض حيازاته من سندات الخزانة الأميركية

الاقتصاد البنك المركزي النرويجي في أوسلو حيث مقرّ صندوق الثروة السيادي (رويترز)

صندوق الثروة النرويجي يقترح خفض حيازاته من سندات الخزانة الأميركية

اقترح مدير صندوق الثروة السيادي النرويجي، البالغ حجمه 2.3 تريليون دولار، خفضاً كبيراً لانكشافه على سندات الخزانة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
الاقتصاد عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)

المعادن النادرة تعيد الضغط على هدنة الصين وأميركا

عادت المعادن النادرة إلى صدارة التوتر التجاري بين الصين والولايات المتحدة، بعدما امتنع بعض الموردين الصينيين عن تنفيذ شحنات إلى عملاء أميركيين.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما لدى حضورها اجتماعات مجموعة العشرين في مدينة آشفيل الأميركية مطلع الأسبوع (د.ب.أ)

اليابان بين إنفاق قياسي وين ضعيف واستهلاك متراجع

تدخل السياسة الاقتصادية اليابانية مرحلة دقيقة، وفي حين تراهن حكومة رئيسة الوزراء على الاستثمار لتحفيز النمو، تراقب الأسواق قدرتها على ضبط الدين

الاقتصاد سفن في مضيق هرمز (أ.ب)

توترات «هرمز» تشعل أسعار النفط وتهدد الإمدادات

اتجهت أسعار النفط يوم الجمعة إلى تسجيل أكبر مكاسب أسبوعية منذ منتصف يوليو (تموز)، مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مقر البورصة في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

الأسهم الصينية تتراجع واليوان عند ذروة جديدة

أنهت الأسهم الصينية الأسبوع على تراجع مع فقدان موجة الصعود المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بعض زخمها.

«الشرق الأوسط» (بكين)

وول ستريت تتراجع عند الافتتاح بعد صدور تقرير الوظائف

العلم الأميركي على مدخل بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
العلم الأميركي على مدخل بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

وول ستريت تتراجع عند الافتتاح بعد صدور تقرير الوظائف

العلم الأميركي على مدخل بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
العلم الأميركي على مدخل بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية والدولار، فيما تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بشكل طفيف يوم الجمعة، بعد أن أظهر نمو الوظائف في الولايات المتحدة تسارعاً في أغسطس (آب)، في حين استقر معدل البطالة.

ويشير التقرير الشهري إلى أن سوق العمل لا تزال مستقرة، ما عزز التوقعات بأن يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا الشهر، بينما يترقب المستثمرون بيانات التضخم الاستهلاكي المقرر صدورها الأسبوع المقبل باعتبارها عاملاً رئيسياً في تحديد قرار البنك المركزي.

وزاد عدد الوظائف غير الزراعية بمقدار 162 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد ارتفاع معدل إلى 21 ألف وظيفة في يوليو (تموز). وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا زيادة قدرها 56 ألف وظيفة، بعدما أظهرت البيانات السابقة انخفاضاً قدره 23 ألف وظيفة في يوليو.

وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، وهو العائد القياسي، بمقدار 1.21 نقطة أساس إلى 4.774 في المائة في أحدث تعاملات. وكان قد بلغ 4.792 في المائة مباشرة بعد صدور التقرير. كما سجل عائد السندات لأجل عامين أعلى مستوى له منذ يناير 2025.

وقال بريت كينويل، محلل الاستثمار الأميركي لدى «إي تورو» في نيويورك: «من وجهة نظر الاحتياطي الفيدرالي، لا يزال سوق العمل متماسكاً، ما يعني أن التضخم يظل المشكلة الأكبر».

وأضاف: «ستحظى بيانات مؤشر أسعار المستهلكين الأسبوع المقبل بمتابعة وثيقة، في ظل اقتراب موعد قرار الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة في منتصف سبتمبر (أيلول)».

وتشير العقود الآجلة لأسعار الفائدة قصيرة الأجل إلى احتمال يبلغ نحو 65 في المائة لرفع الفائدة في اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المقرر يومي 15 و16 سبتمبر، ارتفاعاً من نحو 55 في المائة قبل صدور التقرير.

تراجع أسعار النفط وارتفاع الدولار

تراجعت أسعار النفط من مستوياتها المرتفعة مؤخراً. وأدت الهجمات المتجددة هذا الأسبوع في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى ارتفاع أسعار النفط، ما زاد المخاوف القائمة بالفعل بشأن ارتفاع التكاليف.

وانخفض الخام الأميركي 1.6 في المائة إلى 89.87 دولار للبرميل، فيما تراجع خام برنت 1.3 في المائة إلى 94.26 دولار للبرميل.

وتراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي 98.46 نقطة، أو 0.19 في المائة، إلى 53,587.65 نقطة، وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» 6.06 نقطة، أو 0.08 في المائة، إلى 7,741.65 نقطة، فيما ارتفع مؤشر «ناسداك» المركب 17.02 نقطة، أو 0.06 في المائة، إلى 26,601.08 نقطة.

وارتفع مؤشر «إم إس سي آي» للأسهم العالمية 1.02 نقطة، أو 0.09 في المائة، إلى 1,155.76 نقطة، فيما صعد مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي 0.04 في المائة.

وارتفع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من العملات تشمل الين واليورو، 0.2 في المائة خلال اليوم. وتراجع الين الياباني لفترة وجيزة 0.41 في المائة إلى 156.45 ين للدولار، قبل أن يستقر الدولار تقريباً أمام الين في أحدث التعاملات.

وانخفض سعر الذهب الفوري 1.2 في المائة إلى 4,418.09 دولار للأوقية.


صندوق الثروة النرويجي يقترح خفض حيازاته من سندات الخزانة الأميركية

البنك المركزي النرويجي في أوسلو حيث مقرّ صندوق الثروة السيادي (رويترز)
البنك المركزي النرويجي في أوسلو حيث مقرّ صندوق الثروة السيادي (رويترز)
TT

صندوق الثروة النرويجي يقترح خفض حيازاته من سندات الخزانة الأميركية

البنك المركزي النرويجي في أوسلو حيث مقرّ صندوق الثروة السيادي (رويترز)
البنك المركزي النرويجي في أوسلو حيث مقرّ صندوق الثروة السيادي (رويترز)

اقترح مدير صندوق الثروة السيادي النرويجي، البالغ حجمه 2.3 تريليون دولار، خفضاً كبيراً لانكشافه على سندات الخزانة الأميركية، في إطار إعادة هيكلة أوسع لاستثماراته في السندات بهدف تحسين العوائد، وفقاً لرسالة نُشرت هذا الأسبوع.

وأوصت إدارة الاستثمار في «بنك النرويج» بخفض وزن السندات الحكومية في مؤشر السندات القياسي من 70 في المائة إلى 50 في المائة، مع توجيه الجزء الأكبر من الخفض إلى سندات الخزانة الأميركية، التي تمثّل أكبر حيازات الصندوق، وفقاً للرسالة.

وستؤدي هذه التغييرات إلى خفض ما يقرب من 80 مليار دولار من حيازات الصندوق الحالية من سندات الخزانة الأميركية، التي بلغت نحو 215 مليار دولار حتى نهاية يونيو (حزيران)، وفقاً لحسابات «رويترز».

وشهدت أسواق السندات الحكومية اضطرابات مؤخراً، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض طويل الأجل بشكل حاد، في ظل مخاوف المستثمرين من ارتفاع معدلات التضخم ومستويات الدين الحكومي.

ويمتلك صندوق الثروة السيادي النرويجي، وهو الأكبر في العالم، في المتوسط 1.5 في المائة من جميع الشركات المدرجة عالمياً. ويعني حجمه الهائل أن قراراته الاستثمارية قادرة على التأثير في تدفقات السوق على نطاق واسع.

وأكدت إدارة الاستثمار في «بنك النرويج» أن أي تغييرات ستُنفّذ تدريجياً.

وجاءت مقترحات الصندوق رداً على استفسارات من وزارة المالية النرويجية بشأن استراتيجية استثمار صندوق الثروة السيادي في السندات.

وقال بنك النرويج للاستثمار إنه سينتظر رد الوزارة، مضيفاً أن أي تغييرات ستُنفّذ تدريجياً تأتي للحد من تأثيرها على السوق وتكاليف المعاملات.

وكتبت محافظة «بنك النرويج»، إيدا وولدن باش، والرئيس التنفيذي لإدارة الاستثمار في «بنك النرويج»، نيكولاي تانجن، في الرسالة: «نوصي بخفض المؤشر الفرعي الحكومي لمؤشر السندات من 70 في المائة إلى 50 في المائة».

وأضافا: «ستكون حصة حكومية بنسبة 50 في المائة كافية لتغطية احتياجات السيولة، بما في ذلك خلال فترات اضطراب الأسواق المالية».

كما اقترح الصندوق، في رسالة منفصلة، النظر في زيادة استثماراته في الأصول غير المدرجة، جزئياً بوصفها وسيلة للحد من مخاطر التركّز التي تزايدت في محفظة أسهمه الخاصة وسط الارتفاع القوي في أسعار أسهم عدد من شركات التكنولوجيا الأميركية.

وبموجب تفويضه الحالي، يمكن للصندوق الاستثمار في أصول عقارية وأصول أخرى للطاقة المتجددة غير المدرجة، إلا أن حصة الاستثمارات غير المدرجة لديه لا تزال أقل من مثيلاتها لدى الصناديق المماثلة.

خفض سندات الخزانة الأميركية

أعلنت إدارة الاستثمار في «بنك النرويج» أن التغيير الأبرز في مؤشر السندات يتمثّل في زيادة الاستثمار في أدوات الدين غير الحكومية، بما في ذلك الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، بهدف تحسين تنويع المحفظة وزيادة الانكشاف على علاوات المخاطر.

وصرّح متحدث باسم إدارة الاستثمار في «بنك النرويج» بأن إجمالي الانكشاف على الدولار الأميركي سيظل عند نحو 50 في المائة، مضيفاً: «يكمن التغيير في تركيبة سوق الدولار: انخفاض حيازات سندات الخزانة الأميركية الحكومية، وزيادة مقابلة في سندات الرهن العقاري الأميركية والسندات الحكومية».

وبموجب المقترحات، سينخفض وزن سندات الخزانة الأميركية الحكومية في مؤشر السندات من 34.1 في المائة إلى 21.9 في المائة، وفقاً للرسالة، فيما سينخفض تخصيص سندات منطقة اليورو بشكل طفيف من 16.8 في المائة إلى 14.1 في المائة.

وسيرتفع تخصيص سندات الحكومة اليابانية من 4.6 في المائة إلى 7.4 في المائة، في حين سيظل تخصيص السندات البريطانية دون تغيير عند 4.2 في المائة. وقال الصندوق إن هذه التغييرات ستجعل المؤشر أكثر توافقاً مع أوزان السوق العالمية.

وفي حين سينخفض انكشاف الصندوق على سندات الخزانة الأميركية، سترتفع النسبة المقترحة للديون غير الحكومية الأميركية من 16.2 في المائة إلى 27.6 في المائة، ما يعني أن الوزن الإجمالي لمؤشر السندات المقوّم بالدولار الأميركي سينخفض بشكل طفيف فقط، من 52.9 في المائة إلى 52.5 في المائة.


المعادن النادرة تعيد الضغط على هدنة الصين وأميركا

عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)
عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)
TT

المعادن النادرة تعيد الضغط على هدنة الصين وأميركا

عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)
عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)

عادت المعادن النادرة إلى صدارة التوتر التجاري بين الصين والولايات المتحدة، بعدما امتنع بعض الموردين الصينيين عن تنفيذ شحنات إلى عملاء أميركيين رغم حصولهم على تراخيص تصدير؛ خشية التعرض لعقوبات من بكين، في تطور يعكس استمرار هشاشة سلاسل توريد المواد الحيوية قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى واشنطن في 24 سبتمبر (أيلول).

ويكتسب الملف أهمية استثنائية للولايات المتحدة؛ نظراً إلى استخدام المعادن والمواد الحرجة في قطاعات الدفاع وأشباه الموصلات والطيران والطاقة والأجهزة الطبية. ورغم تعافي صادرات كثير من المعادن النادرة والمغناطيسات المرتبطة بها منذ فرض الصين قيوداً في أبريل (نيسان) 2025، لا تزال أسعار بعض المواد قرب مستويات قياسية، في حين تستمر اختناقات المعروض.

وحسب مصادر مطلعة، رفض عدد من الموردين الصينيين منذ مطلع أغسطس (آب) إرسال معادن نادرة إلى شركات أميركية بعد فرض بكين عقوبات على تحالف «ريسبونس بيزنس أليانس»، وهي جهة أميركية تراقب سلاسل التوريد.

وتخشى الشركات الصينية التعرض لإجراءات من السلطات إذا التزمت بإطار العناية الواجبة التابع لـ«ريسبونس بيزنس أليانس»، وهو برنامج عالمي لتدقيق سلاسل توريد المعادن مرتبط بالتحالف الأميركي.

كما أوقفت شركات صينية أخرى شحناتها إلى الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة؛ تجنباً للتورط في التوترات الجيوسياسية. وأشار أحد المصادر إلى أربع حالات رفضت فيها شركات صينية إرسال مواد بسبب مخاوف من إعادة بيعها لاحقاً إلى مستخدمين خاضعين للحظر.

ولم يتضح العدد الإجمالي للموردين الذين امتنعوا عن تنفيذ شحنات إلى الولايات المتحدة، لكن استمرار المشكلة دفع واشنطن إلى وضع المعادن النادرة ضمن الملفات التي يجري التحضير لمناقشتها قبل زيارة شي.

وتضغط الإدارة الأميركية على الصين للالتزام بالتعهدات التي تم التوصل إليها في بوسان وبكين خلال العام الماضي؛ لضمان التدفق السلس لتراخيص تصدير المعادن النادرة. وقال مسؤول أميركي إن واشنطن تواصل مطالبة الجانب الصيني بمعالجة ما تعدّه عدم امتثال لاتفاق بوسان، إلى جانب قضايا ثنائية أخرى.

وتبرز أهمية القيود بصورة خاصة في مواد مثل الإيتريوم وفوسفيد الإنديوم والتنغستن، المستخدمة في تطبيقات عسكرية أو صناعات حساسة مثل الطيران وتصنيع الرقائق. كما طالت تأخيرات التراخيص شركات تعمل في الأجهزة الطبية والطاقة.

وتظهر بيانات الجمارك الصينية أن صادرات الإيتريوم إلى الولايات المتحدة ارتفعت هذا العام، لكنها لا تزال عند نحو نصف مستويات 2024، رغم إرسال كميات كبيرة إلى دول أخرى. وحسب المصادر، تنتظر بعض الشركات الأميركية منذ أكثر من ستة أشهر الحصول على تراخيص لاستيراد المعادن.

وقالت ريفا غوجون، الخبيرة الاستراتيجية في الشؤون الجيوسياسية لدى «روديوم غروب»، إن الصين استخدمت ضوابط تصدير المعادن النادرة بفاعلية للضغط على مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأميركية، المسؤول عن عدد من القيود المفروضة على الصين.

وترى غوجون أن اختناقات سلاسل التوريد ستكون في صلب المباحثات المقبلة، لكنها تتوقع أن تخفف بكين بعض القيود على المواد الخام الحيوية حول موعد القمة؛ بهدف تقليص الانتقادات الأميركية بشأن عدم التزام الصين بالهدنة التجارية.

وتقول بكين من جانبها، إنها ملتزمة بالحفاظ على استقرار سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الحيوية. كما تربط العقوبات التي فرضتها في أغسطس على شركات تدقيق أميركية بإجراءات اتخذتها لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية منذ ديسمبر (كانون الأول) ضد مختبرات صينية لاختبار الإلكترونيات والطائرات المسيّرة وأجهزة التوجيه الاستهلاكية والكابلات البحرية ومعدات الروبوتات المتقدمة ومحولات الطاقة.

وعندما أثار مسؤولون أميركيون قضية المعادن النادرة خلال اجتماعات ثنائية، رد مسؤولون صينيون بأن الإجراءات الأميركية نفسها تنتهك هدنة بوسان؛ ما يعكس اتساع الخلاف من قضية تجارية محددة إلى شبكة من القيود التنظيمية المتبادلة.

ومع ذلك، ظهرت مؤشرات على مرونة محدودة. فبعد شهرين لم تصدّر خلالهما الصين أي إيتريوم إلى الولايات المتحدة، أرسلت 27 طناً في يوليو (تموز)، وهي ثاني أكبر شحنة شهرية منذ يناير (كانون الثاني) 2025. كما أفادت شركات أميركية بحصولها مؤخراً على تراخيص عدة بعد فترات انتظار طويلة، وسط توقعات بزيادة الموافقات مع اقتراب قمة سبتمبر.

ولا تقتصر القيود على الولايات المتحدة؛ إذ تواجه الشركات اليابانية والهندية صعوبات أكبر في بعض الحالات، في حين قال وزير التجارة الياباني ريوسي أكازاوا سابقاً إن الشركات اليابانية واجهت تأخيرات في التصاريح وعمليات تفتيش جمركية مطولة للمعادن الحيوية.

وتكشف البيانات عن حجم التراجع في الإمدادات إلى اليابان؛ فلم تصدّر الصين أي كميات من التيربيوم إليها بين يناير وأغسطس من العام الحالي، مقارنة بنحو 20 طناً في الفترة نفسها من العام الماضي. كما هبطت شحنات الغاليوم 65 في المائة، والإيتريوم 98 في المائة. ويستخدم الغاليوم والتيربيوم بكميات صغيرة في تصنيع المغناطيسات عالية الأداء.

كما قالت غرفة التجارة الأوروبية في الصين إن إجراءات الترخيص أصبحت أكثر انسيابية، لكن الشركات الأعضاء لا تزال تواجه مشكلات في التنفيذ، مطالبة بنظام شفاف ويمكن التنبؤ به يضمن الوصول الموثوق إلى المعادن النادرة.

وتكشف الأزمة عن ورقة استراتيجية قوية تمتلكها بكين في علاقتها الاقتصادية مع واشنطن وحلفائها. فحتى عندما تمنح الحكومة تراخيص التصدير، يمكن للمخاطر التنظيمية والجيوسياسية أن تدفع الشركات نفسها إلى الامتناع عن الشحن.

ومع اقتراب زيارة شي إلى واشنطن، سيكون الاختبار الأساسي هو ما إذا كانت الصين ستخفف القيود بما يكفي لإزالة الاختناقات، أم ستحتفظ بالمعادن النادرة ورقة تفاوضية. وفي الحالتين، تؤكد التطورات أن أمن الإمدادات أصبح جزءاً أساسياً من المنافسة الاقتصادية بين القوتين، وأن الحصول على الترخيص لم يعد بالضرورة ضماناً لوصول المواد الحيوية إلى المصانع الأميركية.