هل تدفع بورصة كوريا فاتورة التفاؤل المفرط بـ«طفرة الرقائق»؟

من قمة الـ9 آلاف نقطة إلى قواطع الدائرة المعلقة للتداول في جلسة الثلاثاء العاصفة

تراقب متداولة العملات أسعار الصرف بينما تعرض شاشة إلكترونية مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول العملات الأجنبية في مقر بنك هانا (أ.ف.ب)
تراقب متداولة العملات أسعار الصرف بينما تعرض شاشة إلكترونية مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول العملات الأجنبية في مقر بنك هانا (أ.ف.ب)
TT

هل تدفع بورصة كوريا فاتورة التفاؤل المفرط بـ«طفرة الرقائق»؟

تراقب متداولة العملات أسعار الصرف بينما تعرض شاشة إلكترونية مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول العملات الأجنبية في مقر بنك هانا (أ.ف.ب)
تراقب متداولة العملات أسعار الصرف بينما تعرض شاشة إلكترونية مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول العملات الأجنبية في مقر بنك هانا (أ.ف.ب)

عندما يتحدث خبراء المال عن «معجزة نهر هان» - وهو التعبير الشهير الذي يصف التحول الاقتصادي المذهل لكوريا الجنوبية من بلد دمرته الحروب في منتصف القرن الماضي إلى عملاق تكنولوجي وصناعي عالمي - فإنهم يشيرون ضمناً إلى قلب هذا التحول النابض: بورصة كوريا الجنوبية. واليوم، لم تعد هذه البورصة مجرد سوق محلية لتبادل الأسهم؛ بل تحولت إلى مرآة تعكس نبض التكنولوجيا العالمية، ومؤشر حساس لشهية الاستثمار في قطاعات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.

لكن هذا القلب النابض عاش يوم الثلاثاء في العاصمة الكورية الجنوبية سيول، واحدة من أكثر الجلسات دراماتيكية في التاريخ المالي الحديث للبلاد. وجاء ذلك بعدما اجتاحت موجة بيع ذعرية وعنيفة قاعات التداول، لتطيح بالمكاسب القياسية التي سجلتها أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على مدار الأشهر الماضية، وتضع الأسواق العالمية في حالة ترقب وتأهب للمرحلة المقبلة من الدورة الاقتصادية لقطاع الرقائق الإلكترونية.

ولم تكن هذه الصدمة مجرد تراجع عابر في أسعار الأسهم؛ بل شكلت اختباراً حقيقياً لصلابة البنية التحتية المالية لكوريا الجنوبية، وأثارت تساؤلات عميقة حول مدى ارتباط الأسواق الآسيوية بتقييمات شركات التكنولوجيا في الولايات المتحدة، ودور الرافعة المالية والتداول بالهامش في تضخيم حدة الانهيارات السعرية عند حدوث الهزات الاقتصادية.

مفتاح الاقتصاد

تُعدّ بورصة كوريا الجنوبية، والمعروفة اختصاراً بـ«كي آر إكس»، بمثابة المظلة الرسمية والوحيدة لتداول الأسهم والسندات والمشتقات المالية، حيث تدمج تحت لوائها الشركات الصناعية والتقنية الكبرى.

ويُمثل مؤشر «كوسبي» (Kospi) الرئيسي في هذه البورصة المقياس العام لأداء كبرى الشركات العائلية العملاقة، أو ما يُعرف محلياً بـ«التشيبول»، مثل «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس» و«هيونداي».

وتتميز البورصة بهيكل فريد يجمع بين التدفقات النقدية الضخمة للمؤسسات والصناديق الاستثمارية الأجنبية من جهة، والنشاط الاستثماري الكثيف والمضاربي للمستثمرين الأفراد المحليين من جهة أخرى، مما يمنحها سيولة عالية وحساسية شديدة للأخبار الاقتصادية العالمية.

متداول عملات يتمدد بالقرب من شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في بنك هانا (أ.ب)

لماذا يراقب العالم مؤشر «كوسبي»؟

تتجاوز أهمية بورصة كوريا الجنوبية حدودها الجغرافية لتصبح مؤشراً حيوياً يعكس صحة الاقتصاد العالمي وشهية المخاطرة لدى المستثمرين في قطاع التقنية؛ فالبلاد تُعدّ المصدر الأول عالمياً لشرائح الذاكرة المتقدمة وأشباه الموصلات، وهي المكونات الأساسية لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية والأجهزة اللوحية.

وعندما يتحرك مؤشر «كوسبي»، فإن الصناديق الاستثمارية في نيويورك ولندن وطوكيو تراقب هذا التحرك بدقة، كونه يُعطي قراءة مبكرة ومباشرة لمستويات الطلب العالمي على الأجهزة والعتاد التكنولوجي. ولذلك، فإن أي اضطراب يصيب هذه السوق يمتد سريعاً عبر سلاسل الإمداد العالمية، ليوجه ضربة لثقة المستثمرين في قطاع التكنولوجيا بأسره.

تفاصيل يوم عصيب

بدأت القصة عندما افتتحت البورصة تداولاتها يوم الثلاثاء على تراجع حاد ومفاجئ، مدفوعاً بضغوط بيع مكثفة قادها مستثمرون أجانب ومؤسسات دولية قررت التخلص من حيازاتها في أسهم الرقائق الثقيلة. ومع تسارع وتيرة الهبوط، عمّق مؤشر «كوسبي» خسائره ليتراجع بنسبة تزيد على 8 في المائة خلال ساعات الصباح الأولى، مما نشر حالة من الهلع بين المتداولين الأفراد.

وأمام هذا التدهور المتسارع والتقلبات العنيفة، تدخلت إدارة بورصة كوريا لتفعيل آلية «قواطع الدائرة» القانونية، حيث تقرر تعليق التداول مؤقتاً لمدة 20 دقيقة، في محاولة لامتصاص الصدمة وإتاحة الفرصة للمستثمرين لمراجعة مراكزهم المالية. لكن هذه الخطوة الحمائية لم تمنع السوق من مواصلة الانزلاق عقب استئناف الجلسة، ليرتفع حجم التراجع ويغلق المؤشر على انخفاض حاد بلغ 10 في المائة، مقارنة بأعلى مستوى قياسي كان قد سجله في وقت سابق من هذا الشهر عند تجاوزه حاجز 9000 نقطة للمرة الأولى في تاريخه.

وطالت موجة البيع القاسية هذه أسهم الصدارة التكنولوجية بشكل مباشر؛ حيث هبط سهم شركة «إس كيه هاينكس» - ثاني أكبر مصنع لرقائق الذاكرة في العالم - بنسبة تجاوزت 12 في المائة، في حين لحق به سهم العملاق «سامسونغ إلكترونيكس» ليتراجع بنسب حادة ومؤثرة، مسبباً خسائر بمليارات الدولارات من القيمة السوقية للشركتين في جلسة واحدة.

يحتفل الموظفون أمام شاشة ببنك هانا بسيول بعد قفزة مؤشر «كوسبي» التاريخية في 18 يونيو (إ.ب.أ)

خلفيات الانفجار

يرى المحللون الماليون أن هذا التراجع العنيف لم يكن وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تراكم عوامل عدة أوصلت السوق إلى مرحلة «التشبع الشرائي المفرط». وكانت أسهم شركة «إس كيه هاينكس» قد حققت مكاسب فلكية بلغت نحو 350 في المائة منذ مطلع العام، مدفوعة بسلسلة صعود استمرت لـ8 أيام متتالية، مما جعل أسعار الأسهم ترتفع بمعدلات تفوق بكثير تقييماتها العادلة وتوقعات أرباحها على المدى القريب.

وتزامنت هذه التقييمات المرتفعة مع تغير ملموس في شهية المستثمرين العالمية تجاه أسهم التقنية والذكاء الاصطناعي خلال التداولات الأخيرة في الأسواق الأميركية، التي شهدت تراجعاً لأسهم شركات كبرى مثل «سبايس إكس». وزاد من عمق الأزمة وجود تقارير محلية تتحدث عن عزم الشركات الكورية مراجعة وتعديل خططها التوسعية الطموحة لإنتاج شرائح الذاكرة المتقدمة، خوفاً من حدوث تخمة في المعروض مستقبلاً.

ترقب عالمي

وعلاوة على المخاوف الهيكلية، يعيش المتداولون حالة من حبس الأنفاس والترقب الشديد لما ستسفر عنه نتائج الأعمال الربع سنوية لشركة أشباه الموصلات الأميركية العملاقة «ميكرون تكنولوجي». ويُنظر إلى هذه النتائج على نطاق واسع في الأوساط المالية باعتبارها «الاختبار الحقيقي والمباشر» الذي سيحدد ما إذا كانت الطفرة الحالية في عتاد الذكاء الاصطناعي تمتلك ركائز حقيقية للاستمرار، أم أن الأسواق قد بالغت في تقدير حجم الأرباح المستقبلية.

وفي غضون ذلك، برزت معضلة أموال التداول بالهامش (الرافعة المالية) بوصفها عاملاً رئيسياً في تسريع وتيرة الانهيار؛ إذ تشير البيانات إلى أن حجم هذه القروض الاستثمارية في كوريا الجنوبية، قد قفز إلى مستوى قياسي غير مسبوق يناهز 38.5 تريليون وون (ما يعادل نحو 25 مليار دولار). وتكمن خطورة هذه الأداة المالية في كونها سلاحاً ذا حدين؛ فهي تتيح للمستثمرين شراء كميات من الأسهم تفوق قدراتهم المالية الفعلية عبر الاقتراض من شركات الوساطة، وهو ما يضخم الأرباح في أوقات الصعود، ويخلق طلباً اصطناعياً يدفع مؤشرات السوق نحو مستويات فلكية. لكن المعضلة الحقيقية تنفجر عند حدوث أي تراجع مفاجئ؛ حيث تصبح الأسعار غير قادرة على دعم حجم الديون المتراكمة، مما يضطر الوسطاء آلياً إلى تفعيل أوامر «التصفية القسرية» لبيع الأسهم بهدف استرداد أموالهم المغلوبة. هذا البيع الإجباري يولد سيلاً جارفاً من أوامر البيع المتلاحقة دون وجود قوى شرائية مقابلة، مما يحول التصحيح الهادئ إلى انهيار رأسي سريع وخارج عن السيطرة، وهو ما حدث بالفعل في فترة ما بعد الظهر، حيث تدفقت أوامر البيع بشكل آلي ومكثف أدى إلى تهاوي الأسعار دون وجود قوى شرائية مقابلة، رغم دخول بعض المستثمرين الأفراد للشراء بهدف اقتناص الفرص.

رئيس بورصة كوريا جيونغ إيون بو يتحدث خلال حفل أقيم في مقر البورصة بمدينة بوسان (إ.ب.أ)

تداعيات وتحذيرات

دفعت هذه التطورات غير العادية السلطات التنظيمية والرقابية في سيول، إلى الخروج عن صمتها والتدخل لتهدئة المخاوف؛ حيث أعلن رئيس هيئة الرقابة المالية الكورية، لي تشان جين، أن الجهات المختصة تتابع من كثب وبقلق بالغ، تأثير الرافعة المالية في تضخيم وتعميق التحركات السعرية السلبية بالسوق. وحذر من أن السوق باتت شديدة الحساسية والصدمات نتيجة للتشبع المفرط في المراكز الاستثمارية المركزة.

وتدرس الهيئات الحكومية حالياً إمكانية تطبيق حزمة من إجراءات التهدئة والتدخل المؤقت للحد من التأثيرات الحادة التي تفرضها صناديق المؤشرات المتداولة المرتبطة بأسهم «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس»، بهدف حماية صغار المستثمرين، ومنع تكرار مثل هذه الهزات العنيفة التي قد تهدد الاستقرار المالي والاقتصادي العام للبلاد في حال استمرارها.


مقالات ذات صلة

«قطار الخليج»... شبكة عابرة للحدود تربط الدول الـ6 وتعيد رسم خريطة النقل والتجارة

الاقتصاد خريطة مشروع «سكة حديد دول مجلس التعاون» (الهيئة الخليجية للسكك الحديدية)

«قطار الخليج»... شبكة عابرة للحدود تربط الدول الـ6 وتعيد رسم خريطة النقل والتجارة

يمثل مشروع سكة حديد دول «مجلس التعاون الخليجي» أحد أكبر مشروعات الربط الإقليمي في المنطقة؛ إذ يستهدف إنشاء شبكة سكك حديدية تمتد عبر الدول الخليجية الـ6...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد العاصمة البحرينية المنامة (الشرق الأوسط)

البحرين: تكامل شبكات النقل الخليجي ركيزة لتعزيز الأمن الاقتصادي وسلاسل الإمداد

أكد وزير المواصلات والاتصالات البحريني أن تكامل شبكات النقل والمواصلات بين دول مجلس التعاون يمثل ركيزة أساسية للأمن الاقتصادي الخليجي.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
الاقتصاد البديوي يتحدث خلال مراسم توقيع الاتفاقية لربط دول المجلس بمشروع سكة الحديد (إكس)

مجلس التعاون: اتفاقية سكة الحديد تؤسس إطاراً مشتركاً لتنفيذ المشروع وتشغيله

أكد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية أن توقيع الاتفاقية العامة لمشروع سكة حديد دول المجلس، خطوة مهمة نحو بناء منظومة نقل خليجية متكاملة.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
الاقتصاد أعلام دول الخليج العربي في إحدى المناسبات (أ.ف.ب)

دول الخليج تُوقِّع اتفاقية السكك الحديدية في ظل اضطرابات الملاحة بمضيق هرمز

أعلنت الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي أن مراسم توقيع الاتفاقية العامة لربط دول مجلس التعاون بمشروع سكة الحديد الخليجية ستُقام الأحد في العاصمة البحرينية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا متظاهرون يسيرون في باريس ضمن يوم تحرك وطني يجمع الإضرابات النقابية والاحتجاجات الطلابية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

احتجاجاً على غلاء المعيشة... شوارع فرنسا تكتظ بمئات آلاف المتظاهرين

خرج مئات الآلاف في مختلف أنحاء فرنسا للمشاركة في مظاهرات وتحركات احتجاجية تنظمها الهيئات النقابية تحت شعار «طفح الكيل» للمطالبة بزيادة الأجور والحد من الغلاء.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«قطار الخليج»... شبكة عابرة للحدود تربط الدول الـ6 وتعيد رسم خريطة النقل والتجارة

أعلام دول «مجلس التعاون الخليجي» (وكالة الأبناء القطرية)
أعلام دول «مجلس التعاون الخليجي» (وكالة الأبناء القطرية)
TT

«قطار الخليج»... شبكة عابرة للحدود تربط الدول الـ6 وتعيد رسم خريطة النقل والتجارة

أعلام دول «مجلس التعاون الخليجي» (وكالة الأبناء القطرية)
أعلام دول «مجلس التعاون الخليجي» (وكالة الأبناء القطرية)

يمثل مشروع سكة حديد دول «مجلس التعاون الخليجي» أحد أكبر مشروعات الربط الإقليمي في المنطقة؛ إذ يستهدف إنشاء شبكة سكك حديدية تمتد عبر الدول الخليجية الـ6، لتسهيل انتقال الركاب والبضائع، وتعزيز التجارة البينية، وربط المراكز الاقتصادية والصناعية والموانئ الخليجية ضمن منظومة نقل واحدة.

وبعد سنوات من التخطيط والدراسات والإجراءات التنظيمية، يتقدم المشروع خطوة جديدة مع توقيع دول «المجلس»، الأحد، الاتفاقية العامة للربط السككي في العاصمة البحرينية المنامة، بما يوفر إطاراً مشتركاً لتنفيذ الشبكة وتشغيلها وتنسيق مواصفاتها الفنية والتشغيلية.

وتشهد المنامة، الأحد، مراسم توقيع «الاتفاقية العامة لربط دول مجلس التعاون بمشروع السكة الحديد»، برعاية وحضور الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء البحريني، وبمشاركة وزراء النقل والمواصلات في دول «المجلس» والأمين العام لـ«مجلس التعاون» جاسم البديوي.

وتأتي الاتفاقية لتضع إطاراً عاماً للتنسيق بين الدول الأعضاء، وتحدد مسؤولياتها في تنفيذ المشروع وتشغيله، إلى جانب توحيد المعايير الفنية والتشغيلية ومتطلبات السلامة، بما يمهد لربط الشبكات الوطنية ضمن منظومة خليجية متكاملة.

وتعود فكرة المشروع إلى ديسمبر (كانون الأول) 2009، عندما أقر «المجلس الأعلى لمجلس التعاون» إنشاء سكة حديد تربط الدول الأعضاء بعضها ببعض، انطلاقاً من «أهمية تطوير وسائل النقل الإقليمية وتيسير حركة التجارة والتنقل، ودعم الاستثمارات المشتركة، وتعزيز التكامل الاقتصادي الخليجي».

ويشمل المشروع الدول الـ6: السعودية، والإمارات، والكويت، والبحرين، وقطر، وسلطنة عُمان، ضمن شبكة يبلغ طول مسارها الإجمالي نحو 2117 كيلومتراً، وتتراوح التكلفة التقديرية للبنية التحتية الأساسية بين 15.4 و16 مليار دولار.

خريطة مشروع «سكة حديد دول مجلس التعاون» (الهيئة الخليجية للسكك الحديدية)

شبكة واحدة في 6 دول

يقوم المشروع على ربط شبكات السكك الحديدية الوطنية في دول «مجلس التعاون» ضمن منظومة إقليمية متكاملة، بما يسمح بانتقال القطارات بين الدول من دون أن تشكل الحدود الوطنية عائقاً أمام حركة النقل، مع توحيد المواصفات الفنية والتشغيلية ومتطلبات السلامة، وضمان ما يُعرف بالتشغيل البيني بين الشبكات.

ولا يقتصر المشروع على نقل الركاب، بل يستهدف أيضاً تطوير حركة الشحن ونقل البضائع، بما يتيح ربط المراكز الصناعية والتجارية والموانئ والمناطق اللوجيستية الخليجية، ويفتح المجال أمام انتقال أعلى كفاءة للسلع بين الأسواق الخليجية.

ووفق المواصفات المعلنة للمشروع، فقد صُممت شبكة الركاب لاستيعاب قطارات تصل سرعتها إلى 200 كيلومتر في الساعة، فيما تتراوح السرعة المستهدفة لقطارات الشحن بين 80 و120 كيلومتراً في الساعة. ومن شأن هذا التنوع أن يجعل الشبكة وسيلة للنقل بين المدن، وفي الوقت نفسه ممراً لوجيستياً يخدم حركة التجارة وسلاسل الإمداد.

كيف سينفَّذ المشروع؟

يتطلب تنفيذ شبكة عابرة لـ6 دول تنسيقاً يتجاوز إنشاء خطوط السكك الحديدية، ليشمل الجوانب التنظيمية والتشغيلية والفنية، فضلاً عن تحديد مسؤوليات كل دولة وآليات الربط بين شبكاتها الوطنية.

وفي هذا الإطار، قرر «المجلس الأعلى لمجلس التعاون» في ديسمبر 2021 إنشاء «الهيئة الخليجية للسكك الحديدية»، لتتولى تنظيم صناعة النقل السككي في دول المجلس، والتنسيق بين الدول الأعضاء لمتابعة تنفيذ المشروع وتشغيله بوصفه خطاً إقليمياً واحداً متكاملاً، إلى جانب العمل على ضمان توافق الشبكات الوطنية وتكاملها.

وفي ديسمبر 2023، وافق المجلس الوزاري الخليجي على أن يكون ديسمبر 2030 الموعد المستهدف للتشغيل الكامل للمشروع بين الدول الأعضاء، مع إتاحة تشغيل خطوط الربط بين أي دولتين متجاورتين فور الانتهاء من تنفيذ الجزء الرابط بينهما، من دون انتظار اكتمال الشبكة الخليجية بأكملها.

ويعني ذلك أن تنفيذ المشروع وتشغيله يمكن أن يتقدما على مراحل، بحيث تبدأ الاستفادة من المقاطع المكتملة قبل اكتمال جميع الخطوط، مما يتيح للدول الأعضاء تحقيق مكاسب تدريجية من الاستثمار في الشبكة.

وتأتي «الاتفاقية العامة»، التي ستوقعها الدول الأحد، في هذا السياق؛ إذ تضع إطاراً للتنسيق بشأن التنفيذ والتشغيل، وتوحيد المواصفات الفنية والتشغيلية، وتحديد مسؤوليات الدول، وتعزيز دور «الهيئة الخليجية للسكك الحديدية» في متابعة مراحل المشروع ومعالجة العقبات التي قد تواجهه.

وكان «المجلس الأعلى» قد أقر «الاتفاقية العامة» للمشروع في ديسمبر 2025، تمهيداً لاستكمال الإجراءات اللازمة بين الدول الأعضاء، وصولاً إلى مراسم التوقيع الحالية.

جانب من العاصمة البحرينية المنامة (أ.ف.ب)

البحرين والربط مع السعودية

يمثل الربط بين البحرين والسعودية أحد المسارات المهمة في الشبكة الخليجية؛ إذ تخطط البحرين للاتصال بشبكة السكك الحديدية عبر «جسر الملك حمد» المقترح، الذي يتضمن مسارات مخصصة لحركة القطارات إلى جانب حركة المركبات.

ويكتسب هذا الربط أهمية تتجاوز تسهيل انتقال الركاب بين البلدين؛ إذ يتيح للبحرين الاتصال بالشبكة الإقليمية الأوسع، والاستفادة من خطوط النقل التي تربط السعودية ببقية دول «المجلس»، بما يدعم حركة البضائع والتجارة والوصول إلى الموانئ والمراكز اللوجيستية.

لماذا تزداد أهمية المشروع الآن؟

تأتي الخطوة الجديدة في وقت أظهرت فيه الاضطرابات الإقليمية، وما رافقها من تحديات لحركة الملاحة، مدى تأثر التجارة وسلاسل الإمداد بالاعتماد على مسارات نقل محددة، خصوصاً في منطقة الخليج ومضيق هرمز.

وقد دفعت هذه التطورات دول المنطقة إلى البحث عن خيارات أوسع تنوعاً ومرونة لنقل البضائع، وتعزيز الربط بين الموانئ والمراكز التجارية عبر وسائل النقل البرية والسكك الحديدية.

وفي هذا السياق، أشار الشيخ عبد الله بن أحمد آل خليفة، وزير المواصلات والاتصالات البحريني، إلى أن صعوبات عبور السفن مضيق هرمز أبرزت أهمية تسريع تنفيذ مشروع الربط السككي وتعزيز التكامل بين شبكات النقل الخليجية.

وأوضح أن البحرين لجأت، في ظل التحديات التي واجهت حركة الملاحة وانخفاض حركة السفن في «ميناء خليفة بن سلمان»، إلى زيادة الاعتماد على النقل البري وموانئ بديلة في دول خليجية مجاورة، من بينها ميناء جدة الإسلامي في السعودية، وميناءي صحار والدقم في سلطنة عُمان، والفجيرة في الإمارات، لنقل البضائع منها براً إلى البحرين.

وتكشف هذه التجربة عن أهمية وجود منظومة نقل إقليمية مترابطة، تتيح تنويع مسارات وصول البضائع وتخفيف الاعتماد على وسيلة نقل واحدة أو ممر بحري محدد، وإن كانت شبكة السكك الحديدية لا تمثل بديلاً مباشراً عن النقل البحري، بل مكملاً له ضمن منظومة أوسع لسلاسل الإمداد.

مكاسب اقتصادية تتجاوز النقل

إلى جانب دورها في تسهيل حركة الركاب والشحن، يُنتظر أن تسهم الشبكة الخليجية في خفض تكاليف نقل بعض البضائع، وتحسين كفاءة انتقالها بين الأسواق، وتعزيز الترابط بين المناطق الصناعية والموانئ والمراكز التجارية.

كما يمكن أن تدعم حركة السياحة والتنقل بين «دول المجلس»، وتفتح فرصاً استثمارية في الخدمات اللوجيستية والمستودعات ومراكز الشحن والخدمات المرتبطة بالسكك الحديدية، فضلاً عن تعزيز جاذبية المناطق التي تمر بها الخطوط للاستثمارات والأنشطة الاقتصادية.

وتوفر السكك الحديدية، بصفتها وسيلة نقل جماعي، خياراً أعلى كفاءة في استهلاك الطاقة وفي تقليل الانبعاثات مقارنة ببعض وسائل النقل الأخرى، لا سيما في نقل كميات كبيرة من البضائع والركاب، بما يدعم توجه دول الخليج إلى تطوير منظومات نقل أفضل استدامة.

ومع توقيع «الاتفاقية العامة»، ينتقل المشروع إلى «مرحلة أكبر تقدماً من التنسيق بين الدول الأعضاء، لكن التحدي الرئيسي سيظل في استكمال البنية التحتية الوطنية، وضمان التوافق الفني والتشغيلي بين الشبكات، والالتزام بالجداول الزمنية المحددة، وصولاً إلى الهدف المعلن بتشغيل الشبكة الخليجية بالكامل بحلول ديسمبر 2030».


أرباح «مبكو» تنخفض 9.9 % إلى 3.4 مليون دولار في الربع الثالث

جانب من معامل شركة مبكو السعودية (الشرق الأوسط)
جانب من معامل شركة مبكو السعودية (الشرق الأوسط)
TT

أرباح «مبكو» تنخفض 9.9 % إلى 3.4 مليون دولار في الربع الثالث

جانب من معامل شركة مبكو السعودية (الشرق الأوسط)
جانب من معامل شركة مبكو السعودية (الشرق الأوسط)

تراجع صافي ربح شركة الشرق الأوسط لصناعة وإنتاج الورق «مبكو» بنسبة 9.9 في المائة خلال الربع الثالث من عام 2026، ليبلغ 12.9 مليون ريال (3.4 مليون دولار)، مقارنة بنحو 14.3 مليون ريال (3.8 مليون دولار) في الربع المماثل من العام السابق.

وعلى أساس فصلي، انخفض صافي ربح الشركة بنسبة 15.6 في المائة، مقارنةً بنحو 15.3 مليون ريال (4.1 مليون دولار) في الربع الثاني من العام الحالي.

وقالت الشركة، في بيان نشر على موقع السوق المالية السعودية «تداول»، إن تراجع الأرباح يعود بشكل رئيسي إلى ارتفاع المصاريف العمومية والإدارية، وتسجيل خسائر انخفاض في قيمة الأصول المالية، مقابل عكس خسائر انخفاض في القيمة خلال الفترة المقارنة، إضافة إلى انخفاض الإيرادات التشغيلية الأخرى وإيرادات التمويل. وقابل ذلك جزئياً ارتفاع إجمالي الربح والأثر الإيجابي للزكاة.

في المقابل، ارتفعت إيرادات الشركة خلال الربع الثالث بنسبة 2 في المائة إلى 284.7 مليون ريال (75.7 مليون دولار)، مقارنة بنحو 279 مليون ريال (74.2 مليون دولار) في الربع المماثل من عام 2025.

وأرجعت الشركة نمو الإيرادات إلى تحسن مزيج المبيعات، مما أسهم في ارتفاع متوسط أسعار البيع، وعوّض أثر انخفاض الكميات المباعة.

وخلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، ارتفعت الإيرادات بنسبة 1.7 في المائة إلى 827 مليون ريال (220 مليون دولار)، مقارنة بنحو 813.2 مليون ريال (216.3 مليون دولار) في الفترة نفسها من العام السابق، مدعومة بتحسن مزيج المبيعات وارتفاع متوسط أسعار البيع، إلى جانب زيادة كميات المبيعات في قطاع التصنيع.

كما ارتفع صافي الربح خلال الفترة بنسبة 5.3 في المائة إلى 26.2 مليون ريال (7 ملايين دولار)، مقارنة بنحو 24.9 مليون ريال (6.6 مليون دولار) في الفترة المماثلة من العام الماضي.


«أديس» السعودية تفوز بعقود لتشغيل منصتين بحريتين بـ117 مليون دولار في الهند

منصة بحرية تابعة لـ«أديس» (الشركة)
منصة بحرية تابعة لـ«أديس» (الشركة)
TT

«أديس» السعودية تفوز بعقود لتشغيل منصتين بحريتين بـ117 مليون دولار في الهند

منصة بحرية تابعة لـ«أديس» (الشركة)
منصة بحرية تابعة لـ«أديس» (الشركة)

فازت شركة «أديس القابضة» بعقود من مؤسسة النفط والغاز الطبيعي المحدودة (ONGC) في الهند، لتشغيل منصتين بحريتين مرفوعتين تقليديتين، هما «كي سنغابور» و«أدمارين 10»، بقيمة إجمالية تبلغ نحو 439.6 مليون ريال (117.2 مليون دولار).

وقالت الشركة في بيان نشر على موقع السوق المالية السعودية «تداول» اليوم الأحد، إن مدة العقد المؤكدة تبلغ ثلاث سنوات لكل منصة، بينما تشمل القيمة الإجمالية للعقود رسوم بدء الأعمال.

وأوضحت أن العقود الجديدة تعزز حضورها في السوق الهندية، وتمثل إضافة إيجابية لأعمال المجموعة، بما يعكس استمرار الطلب على منصات الحفر البحرية المرفوعة، ويدعم وضوح الرؤية بشأن الأعمال المتراكمة ضمن محفظة أعمالها الدولية.

وأشارت إلى أن العقود تأتي في ظل تحسن ظروف السوق في قطاع منصات الحفر البحرية المرفوعة بالمنطقة، مع إسهام ارتفاع معدلات الاستخدام في دعم بيئة تعاقدية أكثر إيجابية.

ومن المتوقع أن تبدأ العمليات بحلول نهاية الربع الأول من عام 2027، عقب انتهاء حملات التشغيل الحالية للمنصتين بنهاية الربع الرابع من عام 2026.