حاكم مصرف لبنان: معالجة «الفجوة» تشاركية مع الدولة والبنوك

طرح منهجية مغايرة ومعززة بمهل لمعالجة الأزمة «النظامية»

رئيس الجمهورية اللبناني العماد جوزيف عون يلتقي حاكم مصرف لبنان في بعبدا (إكس)
رئيس الجمهورية اللبناني العماد جوزيف عون يلتقي حاكم مصرف لبنان في بعبدا (إكس)
TT

حاكم مصرف لبنان: معالجة «الفجوة» تشاركية مع الدولة والبنوك

رئيس الجمهورية اللبناني العماد جوزيف عون يلتقي حاكم مصرف لبنان في بعبدا (إكس)
رئيس الجمهورية اللبناني العماد جوزيف عون يلتقي حاكم مصرف لبنان في بعبدا (إكس)

​حدّد حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، معالم خريطة الطريق للإنقاذ والتعافي الاقتصادي، عبر تبنّي منهجية متكاملة لتشخيص الأزمة المالية والمصرفية، ترتكز على قاعدة الإقرار المحلّي والدولي بوصفها «نظامية» وشاملة، والحلول المقترحة، والإطار التشريعي المطلوب، والمعزّز بالجدول الزمني الواقعي، مع الإضاءة على حزمة «الحقائق الأساسية التي لا يمكن لأي معالجة أن تنجح من دون الانطلاق منها».

وشدّد الإفصاح المحدث من قبل الحاكم، على «أن الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية تتحمل معاً المسؤولية»، وعليها أن تتحمل أعباء معالجتها». على أساس أن «المسألة لا تتعلق بتعثر مصرف واحد، أو حتى عدد من المصارف، بل بانهيار متزامن للقدرة المالية للدولة، وللمركز المالي للبنك المركزي، ولسيولة القطاع المصرفي، ولثقة المواطنين، بحيث أصبحت كل هذه العناصر تغذي بعضها بعضاً وصولاً إلى انهيار شامل». وحسب مسؤول مالي معني، يرجّح أن تتحول هذه المداخلة التي أطلقها سعيد من منبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وما تضمنته من معادلات صريحة لتوزيع المسؤوليات والأعباء، إلى وثيقة مرجعية موازية لمشروع قانون استعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي أحالته الحكومة، بأغلبية ضعيفة، على المجلس النيابي، بنهاية العام الماضي، مستهدفة استكمال ثلاثية تشريعية تستجيب لشروط صندوق النقد الدولي، وتضمّه إلى جانب إقرار قانوني تعديلات السرية المصرفية، وإصلاح الجهاز المصرفي.

تعديلات أخيرة

وبالتوازي، رصدت «الشرق الأوسط» سعي الفريق الاقتصادي الحكومي إلى إدخال تعديلات على مندرجات مشروع القانون قبل تحديد موعد إدراجه على جدول أعمال لجنة المال والموازنة النيابية، وبما يتلاقى مع طلبات سابقة للحاكمية بضرورة إدخال «تحصينات وتحسينات» أساسية، بعدما لمس الوزراء توسّع موجة الاعتراضات النيابيّة والاقتصاديّة على مواد محورية، تستهدف ضمناً حصر أعباء «الفجوة» المالية بالمودعين والبنوك والبنك المركزي، مع دور هامشي للدولة لا يتعدى نسبة 10 في المائة من إجمالي يناهز 50 مليار دولار، من أصل نحو 80 مليار دولار، بحال تنفيذ اقتراحات غير مؤكدة، بتنقية أصول وقيود غير منتظمة أو مشكوك بمصادرها.

وتزامنت المداخلة، مع تأكيد محدث لمقاربة جمعية المصارف، على لسان رئيسها، سليم صفير، أن الأزمة التي يمر بها لبنان ليست مجرد أزمة مصرفية، بل هي أزمة بنيوية شاملة نتجت عن تراكمات في السياسات المالية والنقدية والمؤسساتية، مما يقتضي «الاستجابة الشاملة»، من خلال الحفاظ على ما تبقى من عناصر قابلة للحياة، وإرساء إطار مالي أكثر شفافية وحداثة، وطمأنة المودعين والمستثمرين، عبر إعادة بناء بيئة ثقة مستدامة قائمة على الشفافية والوضوح والأمان القانوني.

ووفق إفصاحات الحاكم، فإن ما يتيحه الإطار النظامي لهذه الأزمة هو توفير «أساس عادل لتوزيع الأعباء»، بما يضمن ألا تقع تكلفة المعالجة بالكامل على المودعين، وهم في الوقت نفسه الطرف الأقل مسؤولية عن الأزمة والأكثر تضرراً من نتائجها. وهذا «ليس مجرد مبدأ مالي، بل هو واجب أخلاقي وأساس العدالة الاجتماعية». ولاحظ أن الأزمة المحلية تختلف اختلافاً جوهرياً عن أزمات مماثلة، وهذه الحقيقة بالغة الأهمية عند تحديد المسؤوليات ووضع الحلول. ففي «معظم الحالات التي أصابت قطاعات مالية حول العالم، كان القطاع الخاص هو من أشعل شرارة الأزمة، بينما كان القطاع العام هو نقطة الانطلاق للأزمة في لبنان. وبالتحديد بسبب التهوّر المالي للدولة والاستدانة الشرسة والممنهجة، فيما أصبح سائر المستفيدين والمشاركين فيها وكلاء أساسيّين مثل مصرف لبنان أو شركاء فعليّين مثل المصارف التجاريّة.

سعيد متحدثاً من منبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي (الوكالة الوطنية للإعلام)

تشريح للأزمة

وبتبسيط غير مُخل بتحديد المقصود، أكد سعيد، أن الأزمة التي بدأها القطاع العام، تمت هندستها على مدى عقود لتمويل عجز مالي مزمن وهيكلي، من خلال آلية تنم عن قدر كبير من اللامبالاة بالمخاطر، فاقترضت الدولة من البنك المركزي بالليرة وبالدولار، بأسعار فائدة ما كان ينبغي لأي دولة أن تدفعها، وبدوره عرض «المركزي» على المصارف التجارية عوائد استثنائية لقاء توظيف أموالها لديه؛ وقبلت المصارف، بدافع السعي إلى الربح المفرط. أما المودعون، من معلمين ومهندسين ومهنيين ومتقاعدين عسكريين ومدنيين وعائلات اغترابية كانت ترسل أموالها إلى الوطن، فلم يكونوا، حسب الحاكم، شركاء في هذه العمليّة، خصوصاً صغار ومتوسطي المودعين، بل كانوا الوقود الذي أبقتها قائمة. وعندما انفجر المحرك، طُلب منهم تحمّل تبعات الحطام.

ويشكل هذا التفاوت في المسؤولية، الأساس الأخلاقي والقانوني لموقف البنك المركزي من مبدأ توزيع الأعباء. فالمودعون، بتأكيد الحاكم، «لا يتحملون أي مسؤولية مباشرة، بل هم ضحايا هذا الانهيار. في حين أن الدولة تتحمل المسؤولية الأساسية. ويتحمل مصرف لبنان مسؤولية تكاد تضاهي مسؤولية الدولة، نتيجة إخفاقه في أداء دوره بوصفه جهة ناظمة ورقابية على القطاع المصرفي، وبصفته مصرفاً للدولة يلتزم مقتضيات الرصانة المالية. كما تتحمل المصارف التجارية، التي استفادت من هذا الوضع وحققت مكاسب من خلاله، مسؤولية لا يجوز لها التهرب منها».

استتباعاً لهذه القواعد، يجد الحاكم، أن التعافي يتطلب العمل على خمسة مسارات متزامنة ومتوازية، تنطلق من التحديد الواضح للخسائر عبر إجراء تدقيق شامل في حسابات مصرف لبنان ونشر نتائجه كاملة، بالتوازي مع تقييمات مستقلة ومعتمدة دولياً لجميع المصارف التجارية.

كما يتوجب، تصنيف جميع المصارف ضمن ثلاث فئات، مصارف قابلة لإعادة الرسملة، ومصارف تحتاج إلى إعادة هيكلة، ومصارف تستوجب المعالجة أو التصفية المنظمة، على أن تتولى هذه المهمة «هيئة مستقلة»، تتمتع بصلاحيات قانونية واضحة، ومحصنة من التدخلات السياسية، وتعمل وفق مهل زمنية محددة وملزمة. وبالتوازي، يعدّ سعيد إعادة حقوق المودعين، ركيزة غير قابلة للتفاوض، مما يوجب توفير حماية إلى أقصى حد ممكن من السيولة، مع أولوية للمودعين الصغار والمتوسطين، واعتماد آليات لاسترداد جزء من حقوق كبار المودعين من خلال مزيج من المدفوعات النقدية والسندات المالية، والمساهمات الرأسمالية، وذلك ضمن جداول زمنية واضحة.

والتزم الحاكم أن يعمل على تسييل جميع الأصول التي يملك البنك المركزي صلاحية التصرف بها وبيعها، بما في ذلك حصصه وأسهمه في الشركات العاملة من دون استثناء، ومعظم محفظته العقارية التي راكمها على مرّ السنوات، بالإضافة إلى محفظته من الأوراق المالية، بما فيها سندات «اليوروبوندز». كما تشمل هذه الجهود جميع الديون المستحقة لصالحه على الدولة. وينبغي، وفق مقاربة حاكم المركزي، أن تمتد مرحلة الاستقرار للعامين الحالي والمقبل، لتشمل استكمال التدقيقات الجنائية والمالية، وإقرار الإطار التشريعي الأساسي، وإطلاق عملية تصنيف المصارف، والتوصل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي، والبدء بإعادة جزء من حقوق صغار المودعين.

أما خلال العامين المقبلين، فيجب أن تبدأ عملية إعادة الهيكلة بصورة فعلية، لجهة تصنيف المصارف ومعالجة أوضاعها، وتسوية الدين السيادي، وتحقيق تقدم ملموس في المؤشرات المالية العامة، والرفع التدريجي للقيود على حركة الرساميل مع عودة الثقة. أما بين عامي 2028 و2030، فإذا ما نجحت المراحل السابقة، فيصبح الانتقال إلى الوضع الطبيعي أمراً ممكناً. وعندها يمكن استعادة وظيفة الائتمان، واسترجاع القدرة على النفاذ إلى الأسواق، وتوسيع نطاق إعادة حقوق المودعين، وإرساء إطار نقدي مستدام.


مقالات ذات صلة

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

المشرق العربي آلية عسكرية إسرائيلية تعبر بين الدمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، إلى بلدة دير ميماس التي تسكنها أغلبية مسيحية في جنوب لبنان، في ثاني عملية من هذا النوع خلال يومين.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال قداس في بلدة إيليج بشمال لبنان (البطريركية المارونية)

البطريرك الماروني: جنوب لبنان ليس ورقة تفاوض

أكد البطريرك الماروني بشارة الراعي أن «الجنوب ليس ورقة تفاوض»، مشدداً على أن حماية لبنان «تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة وتكتمل بدولة واحدة وجيش قوي وسيادة كاملة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون واللبناني جوزيف عون يلتقطون صورة قبل اجتماع «مسار العقبة» لدعم القوات المسلحة اللبنانية بمجمع «ليزانفاليد» في باريس (أ.ف.ب)

لبنان يطلب التمديد لـ«يونيفيل» بتعذر التوافق على البديل الأممي

يعلق لبنان أهمية قصوى على الاتصالات الدولية والعربية لمنع حصول فراغ أمني في الجنوب بانتهاء المهمة التي أوكلها مجلس الأمن الدولي لقوات «يونيفيل» لتطبيق «1701».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز في وقت سابق (رئاسة الحكومة)

جهود حكومية لبنانية على خط الاستقرار ودعم المتضررين

تتواصل الجهود اللبنانية لتثبيت الاستقرار ومواكبة تداعيات الحرب، بالتوازي مع سعي لحشد الدعم الدولي للبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)

تقوية الجيش اللبناني... شرط إسرائيلي جديد للانسحاب من الجنوب

من حماية مستوطنات الشمال إلى نزع سلاح «حزب الله»، وصولاً إلى قدرة الجيش اللبناني على تولّي الأمن، تتعدَّد الشروط التي تربط بها تل أبيب انسحابها من لبنان.

كارولين عاكوم (بيروت)

«ساما» لـ«الشرق الأوسط»: مشاركتنا في «إم بريدج» انتهت في 2025

مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ساما» لـ«الشرق الأوسط»: مشاركتنا في «إم بريدج» انتهت في 2025

مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)

أكّد البنك المركزي السعودي (ساما) أن مشاركته في مشروع «إم بريدج» (mBridge) للعملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية انتهت في عام 2025، موضحاً أنه أكمل تجربة إثبات المفهوم (PoC) في 13 مايو (أيار) من ذلك العام، وأن التجربة نُفذت في بيئة اختبارية دون معاملات مالية حقيقية، وفقاً للنطاق المخطط لمشاركته في المشروع منذ انضمامه إليه.

وجاء توضيح «ساما»، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، عقب تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، يوم الأحد، أفاد بانسحاب السعودية من منصة «إم بريدج». ووصفت الصحيفة هذه المنصة بأنها مشروع تقوده الصين، وأنه يأتي ضمن جهود بكين لتطوير نظام للمدفوعات العابرة للحدود أقل اعتماداً على الدولار.

وقال «ساما» لـ«الشرق الأوسط» إن البنك المركزي انضم إلى مشروع بنك التسويات الدولية «إم بريدج» كعضو مراقب في 11 يونيو (حزيران) 2023، إلى جانب أكثر من 25 بنكاً مركزياً ومنظمة دولية أخرى، من بينها البنك المركزي الأوروبي، ومركز نيويورك للابتكار التابع للاحتياطي الفيدرالي (NYIC)، وبنك إيطاليا، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي.

شعار البنك المركزي السعودي في أحد المؤتمرات (الشرق الأوسط)

وفي 5 يونيو 2024، أصبح البنك المركزي السعودي مشاركاً ضمن نطاق محدود في المشروع بهدف إجراء تجربة إثبات مفهوم (PoC)، أي اختبار عملي لمدى جدوى الفكرة والتقنية، إلى جانب اختبار منتج الحد الأدنى (MVP)، وهو النسخة الأولية من المنصة التي تتضمن وظائفها الأساسية.

وأوضح «ساما» أن التجربة نُفذت في بيئة اختبارية دون معاملات مالية حقيقية، وجرى خلالها فحص وظائف المنصة لتقييم جدوى استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية (Wholesale CBDC) في تحسين كفاءة المدفوعات العابرة للحدود وعمليات التسوية بين البنوك التجارية.

وأضاف البنك أنه، وفقاً للنطاق المخطط لمشاركته منذ انضمامه إلى المشروع، أكمل تجربة إثبات المفهوم في 13 مايو 2025، وباكتمال التجربة انتهت مشاركة البنك المركزي السعودي في المشروع، ولم ينضم بعدها إلى مراحله التالية.

وأوضح «ساما» أن هذه الخطوة تأتي استكمالاً لجهوده المستمرة الرامية إلى دراسة الاستخدامات المحتملة للعملات الرقمية للبنوك المركزية وتقنيات الترميز واختبارها، بما يشمل بحث المسائل والتحديات المرتبطة بالسياسات والجوانب القانونية والفنية التي تواجهها البنوك المركزية والتجارية فيما يتعلق باستخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية في المدفوعات العابرة للحدود، إضافة إلى تقييم انعكاساتها المحتملة على مستقبل أنظمة المدفوعات والبنى التحتية للأسواق المالية.


الحقيل: سوق إدارة المرافق في السعودية تتجاوز 50 مليار دولار

وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
TT

الحقيل: سوق إدارة المرافق في السعودية تتجاوز 50 مليار دولار

وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)

أكد وزير البلديات والإسكان، ماجد بن عبد الله الحقيل، أن سوق إدارة المرافق في المملكة يتجاوز حجمها 50 مليار دولار، مشيراً إلى أن حجم المنظومة يعكس الفرص المتاحة لتعظيم قيمة الأصول، ورفع كفاءة المدن، وتطوير قطاع وطني قادر على المنافسة عالمياً.

وافتتح وزير البلديات والإسكان ماجد بن عبد الله الحقيل، اليوم، أعمال المؤتمر والمعرض الدولي الثالث لإدارة المرافق 2026، الذي يُقام تحت شعار «مرافق ذكية... مدن ذكية»، بمشاركة نخبة من المختصين والخبراء والجهات الحكومية والخاصة والمهتمين بقطاع إدارة المرافق.

وأوضح أن انعقاد المؤتمر يأتي في مرحلة تتوسع فيها المدن السعودية وتتنامى أصولها وخدماتها، بالتزامن مع استحقاقات وطنية وعالمية كبرى، في مقدمتها «إكسبو الرياض 2030» و«كأس العالم 2034»، ما يعزز الحاجة إلى تطوير أساليب إدارة الأصول والمرافق ورفع كفاءتها.

تشغيل المرافق

وأشار وزير البلديات والإسكان إلى أن إدارة المرافق أصبحت عنصراً مؤثراً في قدرة المدن على الحفاظ على مواردها وتحسين خدماتها واتخاذ القرارات في الوقت المناسب، مؤكداً أهمية الانتقال من تشغيل المرفق إلى إدارة قيمة الأصل طوال دورة حياته، ومن معالجة الأعطال بعد وقوعها إلى التنبؤ بالاحتياج قبل حدوثها.

وبيّن أن البيانات والذكاء الاصطناعي والتوائم الرقمية توفر أدوات عملية لرفع كفاءة إدارة الأصول، من خلال قراءة أدائها، والتنبؤ باحتياجاتها، ودعم اتخاذ القرار، بما يسهم في تقديم خدمات أكثر موثوقية، ورفع كفاءة الأصول، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد.

ولفت إلى أن الوزارة تركز في هذا المجال على أولويتين رئيسيتين؛ تتمثل الأولى في إدارة الأصول بالبيانات والنتائج، من خلال ربط إدارة الأصل بمراحل التصميم والتخطيط والتشغيل والصيانة والتحسين، وتطوير عقود تربط مقدم الخدمة بالنتائج، ومؤشرات أداء تقيس القيمة الفعلية.

الابتكار والاستثمار

فيما تتمثل الأولوية الثانية في بناء سوق سعودية تنافسية تصنع الحلول والمهارات، بما يتيح للشركات الوطنية النمو، ويعزز فرص الابتكار والاستثمار في القطاع الخاص، ويدعم تأهيل الكفاءات السعودية في مجالات الهندسة والتقنية وإدارة الأصول وتحليل البيانات.

الوزير الحقيل خلال جولته في المعرض المرافق للمؤتمر (الشرق الأوسط)

وبحسب الوزير الحقيل، فإن دور وزارة البلديات والإسكان يتمثل في تطوير بيئة تنظيمية واضحة ومحفزة، وتعزيز الشراكات التي تسهم في رفع مستوى الممارسة وتوسيع أثرها، لافتاً إلى أن تطوير قطاع إدارة المرافق مسؤولية مشتركة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات ومراكز المعرفة والخبراء.

وأكمل أن المؤتمر والمعرض الدولي الثالث لإدارة المرافق 2026 يستهدف الانتقال من تبادل الأفكار إلى شراكات ومشروعات وحلول قابلة للتوسع، بما يعزز تطور القطاع ويرفع جاهزيته للمرحلة المقبلة.

المدن الذكية

واختتم وزير البلديات والإسكان كلمته بالتأكيد على أن المدن الذكية تُبنى بقدرتها على تحويل البيانات إلى قرار، والقرار إلى خدمة، والخدمة إلى قيمة يشعر بها الإنسان، مبيناً أن مستقبل إدارة المرافق في المملكة يقوم على التقنية بوصفها أداة، والبيانات كونها أساساً، والاستثمار بصفته محركاً، والكفاءة كونها معياراً، والإنسان اعتباره غاية.

وشهد المؤتمر، الذي تنظمه جمعية إدارة المرافق السعودية، مشاركة أكثر من 200 جهة حكومية وخاصة في نسخة 2026، إلى جانب حضور دولي من خبراء ومتخصصين وأساتذة جامعات، يناقشون مستقبل قطاع إدارة المرافق، ويستعرضون أبرز التجارب والممارسات والحلول والتقنيات الحديثة في هذا المجال.


«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.