قمة بوتين وشي تعيد رسم مثلث التوازن الاقتصادي بين موسكو وبكين وواشنطن

الطاقة والتجارة في صلب المناقشات بعد زيارة ترمب لبكين

TT

قمة بوتين وشي تعيد رسم مثلث التوازن الاقتصادي بين موسكو وبكين وواشنطن

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ في لقاء سابق بالعاصمة الصينية بكين (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ في لقاء سابق بالعاصمة الصينية بكين (رويترز)

اتجهت الأنظار إلى القمة المرتقبة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ في بكين، ليس فقط بسبب أبعادها السياسية والجيوسياسية؛ بل أيضاً لما تحمله من رسائل اقتصادية عميقة في لحظة تشهد إعادة تشكيل للتوازنات العالمية بين الصين وروسيا والولايات المتحدة.

وتأتي زيارة بوتين إلى الصين بعد أقل من أسبوع على انتهاء زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بكين، في مشهد يعكس محاولة الصين السير على خط دقيق بين الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع موسكو، وتثبيت علاقاتها الاقتصادية الحساسة مع واشنطن.

وحسب الكرملين، سيركز بوتين وشي خلال القمة على ملفات التعاون الاقتصادي والطاقة والتجارة، إضافة إلى القضايا الدولية والإقليمية الكبرى، بينما تتزامن الزيارة مع الذكرى الخامسة والعشرين لمعاهدة الصداقة الصينية الروسية الموقعة عام 2001.

وقال بوتين قبيل الزيارة إن العلاقات بين البلدين وصلت إلى «مستوى غير مسبوق»، مضيفاً أن التعاون بين موسكو وبكين يشكل «عامل توازن واستقرار» في النظام العالمي.

الصين... شريان الاقتصاد الروسي

ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، تحولت الصين عملياً إلى الرئة الاقتصادية الأهم لروسيا، بعدما قطعت العقوبات الغربية جزءاً كبيراً من علاقات موسكو التجارية والمالية مع أوروبا والولايات المتحدة.

وباتت بكين الشريك التجاري الأول لروسيا، والمستورد الأكبر للنفط والغاز الروسيين، بينما ارتفعت التجارة الثنائية إلى مستويات قياسية خلال العامين الماضيين.

وحسب بيانات روسية رسمية، ارتفع حجم التجارة الثنائية بين البلدين إلى أكثر من 320 مليار دولار خلال 2025، مقارنة بنحو 147 مليار دولار فقط قبل الحرب في 2021.

وقال مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، إن صادرات النفط الروسية إلى الصين ارتفعت بنسبة 35 في المائة خلال الربع الأول من 2026، بينما أصبحت موسكو واحدة من أكبر مورِّدي الغاز الطبيعي لبكين.

عرائس خشبية تمثِّل الرئيسين الصيني والروسي في متجر للهدايا التذكارية بالعاصمة الروسية موسكو (أ.ف.ب)

وتكتسب هذه الأرقام أهمية إضافية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط، والتوترات في مضيق هرمز، ما يدفع الصين إلى تعزيز الاعتماد على الإمدادات الروسية، بوصفها أكثر استقراراً وأقل عرضة للمخاطر الجيوسياسية.

كما أشار أوشاكوف إلى أن موسكو ترى في الصين «مستهلكاً مسؤولاً للطاقة»، بينما تعتبر بكين روسيا مورداً موثوقاً وسط اضطرابات أسواق النفط العالمية.

النفط والغاز... قلب القمة

ويُتوقع أن يكون ملف الطاقة المحور الاقتصادي الأبرز في لقاء بوتين وشي؛ خصوصاً مع اقتراب الجانبين من إنهاء تفاهمات واسعة تتعلق بمشاريع النفط والغاز وخطوط الإمداد المستقبلية.

وقال بوتين مؤخراً إن موسكو وبكين حققتا «تقدماً كبيراً جداً» في التعاون بقطاع النفط والغاز، مؤكداً أن «جميع القضايا الرئيسية تقريباً تم الاتفاق عليها».

ويبرز ضمن ملفات الطاقة الكبرى بين موسكو وبكين مشروع خط أنابيب الغاز «قوة سيبيريا 2»، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد أهم المشاريع الاستراتيجية لإعادة توجيه صادرات الغاز الروسية من أوروبا إلى آسيا.

ويهدف المشروع إلى نقل نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً من حقول غرب سيبيريا إلى الصين عبر منغوليا، وهو حجم يقترب من الكميات التي كانت روسيا تضخها إلى أوروبا قبل الحرب الأوكرانية. ورغم أن المشروع لم يحصل بعد على الموافقة النهائية، فإن بوتين أكد أخيراً أن الجانبين أحرزا «تقدماً كبيراً» في المفاوضات المتعلقة بالطاقة. وتسعى موسكو للإسراع في تنفيذ المشروع لتعويض خسائر السوق الأوروبية، بينما تستخدم بكين المفاوضات للحصول على أسعار وشروط أكثر ملاءمة، مستفيدة من حاجة روسيا المتزايدة إلى السوق الصينية.

ويرى خبراء أن روسيا تسعى عبر هذه المشاريع إلى تعويض خسائر السوق الأوروبية، بينما تحاول الصين تنويع مصادر الطاقة وتقليل اعتمادها على الإمدادات البحرية التي تمر عبر مناطق متوترة، مثل الخليج العربي وبحر الصين الجنوبي.

كما يتوقع أن تشمل المباحثات توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية، في إطار جهود البلدين لتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي. فالتبادل التجاري بين البلدين باليوان والروبل ارتفع بشكل كبير منذ 2022، كما توسع استخدام أنظمة دفع بديلة عن النظام المالي الغربي.

بورتريهات للرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب في محل للهدايا التذكارية بمدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

توازن صيني

ورغم تعمق التعاون مع روسيا، تحرص الصين في الوقت نفسه على تجنب مواجهة اقتصادية مفتوحة مع الولايات المتحدة؛ خصوصاً بعد القمة الأخيرة بين ترمب وشي في بكين.

وخلال زيارة ترمب، وصف شي العلاقات الأميركية الصينية بأنها «الأهم في العالم»، بينما اتفق الجانبان على العمل على إطار جديد لإدارة علاقة «مستقرة وبنَّاءة».

ويرى محللون أن بكين تحاول الحفاظ على مسارين متوازيين، بين شراكة استراتيجية مع موسكو، وعلاقة اقتصادية مستقرة مع واشنطن، باعتبار أن الاقتصاد الصيني لا يزال مرتبطاً بشكل كبير بالأسواق الغربية.

وقال وانغ زيتشن، نائب الأمين العام لمركز الصين والعولمة في بكين، إن «زيارة ترمب هدفت إلى استقرار أهم علاقة ثنائية في العالم، بينما تهدف زيارة بوتين إلى طمأنة شريك استراتيجي طويل الأمد». وأضاف أن الصين لا ترى تعارضاً بين المسارين.

التكنولوجيا والعقوبات... وتعدد الأقطاب

وفي خلفية القمة، يبرز ملف التكنولوجيا كأحد أبرز مصادر القلق الغربي من التعاون الروسي الصيني.

فبينما تؤكد بكين أنها محايدة في الحرب الأوكرانية، تتهمها واشنطن وحلفاؤها بتزويد روسيا بمكونات وتقنيات تساعد صناعاتها العسكرية على تجاوز العقوبات الغربية. كما تجاهلت الصين مطالب غربية بوقف تصدير بعض المكونات الإلكترونية والتقنيات المتقدمة التي تستخدمها الصناعات الدفاعية الروسية.

عرائس زينة روسية تقليدية تزيِّن ممشى نهرياً في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

وفي المقابل، تستفيد الشركات الصينية من السوق الروسية الضخمة بعد انسحاب عدد كبير من الشركات الغربية من روسيا منذ بدء الحرب.

وتحمل القمة أيضاً بعداً أوسع يتعلق بإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي. فكل من موسكو وبكين تدفعان باتجاه نظام عالمي أقل اعتماداً على الغرب والمؤسسات المالية التقليدية، مع توسيع دور تكتلات مثل «بريكس» ومنظمة شنغهاي للتعاون.

كما يعمل البلدان على تعزيز أنظمة الدفع البديلة، وتقوية التبادل التجاري باليوان والروبل، في محاولة لتقليل تأثير العقوبات الأميركية.

ويرى مراقبون أن قمة بوتين وشي تعكس بوضوح التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي؛ إذ تسعى الصين إلى تثبيت نفسها كقوة قادرة على التعامل مع جميع الأطراف، بينما تعتمد روسيا بشكل متزايد على الشرق لتعويض خسائرها في الغرب.

وفي ظل استمرار الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط والتنافس الأميركي الصيني، تبدو القمة أكثر من مجرد لقاء ثنائي؛ بل محطة جديدة في سباق إعادة رسم موازين الاقتصاد والسياسة في العالم.


مقالات ذات صلة

خلاف «الفجوة» المالية يؤجل حسم مصير الودائع في لبنان

خاص يستمتع الناس بغروب الشمس على كورنيش المنارة ​​في بيروت (إ.ب.أ)

خلاف «الفجوة» المالية يؤجل حسم مصير الودائع في لبنان

بلغت الاقتراحات المعدّلة لمندرجات قانون إصلاح المصارف في لبنان، محطة الصياغة النهائية لدى لجنة المال والموازنة النيابية، لاعتمادها مكتملةً منتصف الأسبوع المقبل.

علي زين الدين (بيروت)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

«فيتش» ترسِّخ الثقة بالاقتصاد السعودي رغم تداعيات «هرمز»

قررت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني تثبيت تصنيف السعودية عند «إيه +» مع نظرة مستقبلية «مستقرة».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد طوابير على إحدى محطات الوقود في العاصمة الروسية موسكو (أ.ف.ب)

المسيّرات الأوكرانية تربك سوق الوقود الروسية

تواجه روسيا ضغوطاً متزايدة على سوق الوقود المحلية بعدما أدى تصاعد الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة إلى تعطيل عدد من أكبر مصافي النفط في البلاد.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد سفن وحاويات في ميناء صيني (رويترز)

الصين توقف تصدير الهيليوم تحسباً لأزمة جديدة بسبب حرب إيران

أعلنت الصين، الجمعة، حظراً مؤقتاً على تصدير غاز الهيليوم يبدأ سريانه فوراً

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

«شي إن» تحصل على موافقة الصين للاكتتاب العام في هونغ كونغ

وافقت الصين، يوم الجمعة، على الاكتتاب العام المرتقب لشركة «شي إن»، المتخصصة في بيع الأزياء السريعة بالتجزئة، في هونغ كونغ.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)

صندوق النقد الدولي يحذر البنوك المركزية من المبالغة في الرهان على الذهب

تُجهز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)
تُجهز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي يحذر البنوك المركزية من المبالغة في الرهان على الذهب

تُجهز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)
تُجهز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)

أعاد صندوق النقد الدولي فتح ملف الذهب في احتياطيات البنوك المركزية عبر تقرير موسع أصدره مؤخراً، مسلطاً الضوء على التحولات العميقة التي شهدتها الأسواق العالمية في السنوات الأخيرة. وحذّر الصندوق في ورقته التحليلية من إفراط البنوك المركزية في الاعتماد على الذهب كبديل للأصول الأجنبية السائلة، مؤكداً أن الصعود الحاد لحصته في الاحتياطي العام يرجع في المقام الأول إلى «مكاسب تقييم الأسعار» وليس إلى تراكم مادي حقيقي للمعدن النفيس.

وفقاً للبيانات الصادرة، قفزت حصة الذهب النقدي في ميزانيات البنوك المركزية من 10 في المائة في يناير (كانون الثاني) 2019 إلى أكثر من 22 في المائة بحلول أغسطس (آب) 2025. ورغم أن هذا الصعود عزز ظاهرياً مؤشرات كفاية الاحتياطي الدولي، غير أن الصندوق يرى أن جزءاً كبيراً من هذه المكاسب قد يكون مؤقتاً وعرضة للتبخر مع أي تقلبات حادة في الأسعار العالمية.

قفزة تاريخية بالتقييم لا بحجم الشحنات

كشفت الحسابات التحليلية الواردة في التقرير عن مفارقة نوعية؛ فبين عامي 2018 و2025، ارتفعت القيمة السوقية لإجمالي حيازات الذهب لدى البنوك المركزية بنحو 3.2 تريليون دولار، لتصل إلى 4.5 تريليون دولار، وهو ما يمثل قفزة بنسبة 268 في المائة. ومع ذلك، فإن الحجم الإجمالي الفعلي للذهب المادي المخزن لم يرتفع سوى بنسبة ضئيلة بلغت نحو 8.5 في المائة فقط.

وبيّن التقرير أن نحو ثلثي هذه الزيادة في القيمة الصافية تعود إلى بنوك مركزية لم تغير كميات الذهب المادي لديها على الإطلاق، بل استفادت بالكامل من رالي الأسعار التاريخي. وفي المقابل، فإن البنوك التي نشطت في الشراء الفعلي رفعت أحجام حيازاتها بنسبة 36 في المائة، وجاء الجزء الأكبر من هذه المشتريات مدفوعاً بقرارات استراتيجية لبنوك مركزية في دول غير منتجة للذهب تسعى لتنويع أصولها، وليس بدافع الاحتفاظ التلقائي بالإنتاج المحلي.

امرأة هندية تجرب حلياً ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (إ.ب.أ)

تفكك الارتباط التقليدي

أعاد خبراء الصندوق تقييم الخصائص الحمائية للذهب، مؤكدين أن قدرته على التحوط وتوفير الأمان تظل مشروطة ومرتبطة بطبيعة الصدمات الاقتصادية؛ حيث أثبت الذهب فاعلية مستقرة في التحوط ضد «مخاطر أسعار الفائدة» والانخفاض الجزئي لقيمة الدولار الأميركي.

غير أن المفاجأة الكبرى تكمن في تلاشي الخصائص الحمائية التقليدية للمعدن الأصفر منذ جائحة «كوفيد-19». ففي السابق، كانت تراجعات الأسواق تنجم عن مخاوف النمو، مما يخفض الفائدة الحقيقية ويدعم الذهب. أما منذ عام 2022، فقد أصبحت التراجعات مدفوعة بـ«التشديد النقدي وصدمات التضخم المرتبطة بجانب العرض»، وهي عوامل ترفع أسعار الفائدة الحقيقية وتضغط سلباً على الذهب.

وأظهرت التقديرات الإحصائية أن توزيع عوائد الذهب يظل متماثلاً حول الصفر تقريباً خلال صدمات السوق الحادة وتقلبات مؤشر الجيوسياسية ومؤشر الخوف (VIX)، مما ينفي امتلاكه لخصائص ملاذ آمن مطلق أو كوني في أوقات الأزمات المتطرفة.

معضلة السيولة ومخاطر العقوبات

رغم تمتع سوق الذهب العالمي بسيولة عميقة تصل في لندن وحدها إلى متوسط يومي يبلغ 134 مليار دولار، فإن الصندوق وضع خطاً فاصلاً بين القيمة السوقية الدفترية والقدرة الفعلية على تسييل الأصل عند الطوارئ:

* شريحة السيولة مقابل الاستثمار: يوصي التقرير بإبعاد الذهب تماماً عن شرائح السيولة المخصصة للدفاع الفوري عن العملة الوطنية، وحصره فقط في الشرائح الاستثمارية طويلة الأجل نظراً لتقلباته العالية.

* معضلة التخزين والمخاطر السيادية: يبرز الذهب كأداة للتحوط ضد مخاطر العقوبات وتجميد الأصول لكونه لا يمثل التزاماً على أي دولة أجنبية. لكن الصندوق يشير إلى معادلة عكسية معقدة؛ فإذا تم تخزين الذهب في الخزائن المحلية لضمان الحماية من التدخل الخارجي، فإنه يصبح «شبه عاجز عملياً عن التحول إلى سيولة فورية» للتدخل في أسواق الصرف أو السداد الدولي.

*حسم نسب الخصم: اقترح الصندوق تطبيق نسب خصم مخاطر تتراوح بين 6 في المائة إلى 12 في المائة على القيمة السوقية للذهب عند احتساب كفاية الاحتياطيات لمواجهة الصدمات المتطرفة، وهي نسبة تعادل ضعف الخصم المطبق على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات.

سبائك وعملات ذهبية موضوعة على طاولة في متجر برو أوروم لتجارة المعادن الثمينة في ميونيخ (د.ب.أ)

مخاطر هيكلية وشبه مالية

أفرد تقرير صندوق النقد الدولي مساحة واسعة للتحذير من مغبة إطلاق برامج الشراء المحلي للذهب (DGPs)، لا سيما تلك التي تركز على شراء الذهب غير النقدي (الخام أو غير المصفى) مباشرة من المناجم أو من قطاع التعدين التقليدي والمنقبين الصغار.

ووصف الصندوق هذه العمليات بأنها «أنشطة شبه مالية» تقع خارج نطاق المهام الأساسية للبنوك المركزية المتمثلة في الاستقرار النقدي والمالي. وتخلق هذه البرامج مخاطر متعددة تشمل:

* مخاطر الحوكمة والنزاهة المالية: تتطلب عمليات الشراء من المناجم التقليدية تطبيق ضوابط صارمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لضمان عدم تسلل أموال غير مشروعة أو مهربة إلى الاحتياطيات الرسمية للدولة، وهي مهمة ترهق الهياكل الرقابية للمصارف المركزية.

* استنزاف الميزانيات العمومية: يتحمل البنك المركزي تكاليف إضافية باهظة تشمل الفحص، والتصفية، والنقل الدولي للحصول على اعتماد لندن للمقاييس، والتأمين. وغالباً ما تشكل هذه الأنشطة دعماً مضمناً للمناجم المحلية يتحمله البنك المركزي على حساب استقلاليته المالية.

* التشويش على السياسة النقدية: يضخ شراء الذهب محلياً سيولة بالعملة الوطنية مباشرة في الاقتصاد، مما يؤدي إلى توسيع القاعدة النقدية. وفي حال ضعف القدرة على امتصاص هذه السيولة عبر عمليات السوق المفتوحة المكلفة، فإن ذلك يؤدي حتماً إلى صعوبة التحكم في معدلات التضخم أو يضطر البنوك إلى بيع النقد الأجنبي لامتصاص السيولة، مما يغير هيكل الاحتياطي بشكل غير مدروس.

يخلص صندوق النقد الدولي إلى ضرورة تجنب برامج شراء الذهب غير النقدي محلياً بشكل كامل، أو نقل هذه المهام بالكامل إلى جهات حكومية ومؤسسات عامة متخصصة تكون أكثر قدرة على إدارة المخاطر التجارية والمالية. وأكد الصندوق أن تنويع الاحتياطيات يجب أن يستند إلى أطر توزيع الأصول الاستراتيجية المدروسة بدقة، بعيداً عن برامج الدعم المحلي أو الانصياع للضغوط السياسية الرامية لتسييل المكاسب الدفترية المؤقتة.


رئيس «الفيدرالي» يواجه اختبار الكونغرس الأول وسط غموض السياسة النقدية

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمره الصحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في يونيو (أ.ف.ب)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمره الصحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في يونيو (أ.ف.ب)
TT

رئيس «الفيدرالي» يواجه اختبار الكونغرس الأول وسط غموض السياسة النقدية

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمره الصحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في يونيو (أ.ف.ب)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمره الصحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في يونيو (أ.ف.ب)

تتجه أنظار الأوساط المالية العالمية الأسبوع المقبل نحو مبنى الكابيتول هيل، حيث يستعد رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الجديد، كيفين وارش، لتقديم شهادته نصف السنوية الأولى أمام المشرّعين، في إطلالة تحمل أبعاداً رقابية وسياسية بالغة الحساسية.

وسيمثل وارش أمام لجنة الخدمات المالية بمجلس النواب يوم الثلاثاء، تليها شهادة أمام لجنة المصارف بمجلس الشيوخ يوم الأربعاء، بهدف مناقشة التقرير الأخير للسياسة النقدية وبحث آليات تحقيق التفويض المزدوج الموكل للبنك المركزي من قبل الكونغرس، والمتمثل في كبح جماح التضخم والحفاظ على مستويات توظيف مرتفعة في آن واحد.

وتأتي هذه الجلسات المرتقبة بعد أسابيع قليلة من نيل وارش ثقة مجلس الشيوخ وتثبيته رسمياً في منصبه خلفاً لجيروم باول؛ ومن المتوقع أن يواجه رئيس «الفيدرالي» الجديد استجواباً حاداً من المشرّعين، يعيد إلى الأذهان الانقسام الذي شهدته جلسات اعتماده؛ فحين لقي ترحيباً حاراً من الأعضاء الجمهوريين، واجه أسئلة قاسية من الديمقراطيين تركزت حول مدى استقلالية قراراته الاقتصادية عن التوجيهات السياسية للبيت الأبيض، نظراً لأن الرئيس دونالد ترمب هو من قام بترشيحه للمنصب، إلى جانب رغبة المشرعين في استيضاح خططه الراديكالية التي أعلن عنها مسبقاً لإعادة هيكلة البنك المركزي الأميركي من الداخل.

لغز السياسة النقدية

تحليلياً، يقف وارش أمام معضلة أرقام التضخم التي لا تزال تؤرق مضاجع صانعي السياسة النقدية؛ إذ كشف تقرير «الاحتياطي الفيدرالي» الصادر تمهيداً لجلسة الاستماع أن مقياس التضخم المفضل لدى البنك، وهو مؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي الشخصي الأساسي (Core PCE) الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة التقليدية، قد سجل ارتفاعاً بنسبة 3.4 في المائة على أساس سنوي. ورغم تأكيد مجلس المحافظين في تقريره الأخير التزامه الصارم بإعادة التضخم إلى مستهدفه التاريخي البالغ 2 في المائة، مشدداً بعبارات قاطعة على أن «اللجنة ستحقق استقرار الأسعار»، فإن الأسواق لا تتوقع الحصول على إجابات واضحة أو وعود محددة من رئيس «الفيدرالي» الجديد.

ويعود هذا الغموض إلى العقيدة الاقتصادية الجديدة التي يتبناها كيفين وارش؛ فمنذ إطلالاته العامة الأولى، تعمد تجنب الأسئلة المباشرة حول اتجاهات أسعار الفائدة، معلناً عن رغبته في تقليص، بل وإنهاء، سياسة «التوجيهات المستقبلية» التي اعتاد «الفيدرالي» عبرها إرسال إشارات مسبقة لطمأنة الأسواق. ويرى وارش أن البنك المركزي يجب أن يستعيد مرونته التشغيلية وأن يتحرك بناءً على القراءة الآنية للمؤشرات الاقتصادية دون تقييد نفسه بوعود مستقبلية، مما يجعل «وول ستريت» تتحرك في حالة من الترقب المستمر لخطواته المقبلة.

مدخل «وول ستريت» لبورصة نيويورك (رويترز)

ضغوط حرب «هرمز» وصدمة الطاقة

وفي سياق متصل، لم تعد الأرقام المحلية وحدها ما يحرك بوصلة «الفيدرالي»؛ إذ فرضت التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط نفسها كعامل ضغط أساسي على الاقتصاد الأميركي. وأدت الحرب المستمرة منذ أربعة أشهر وتداعيات إغلاق مضيق هرمز إلى إشعال المخاوف من حدوث أزمة معروض في أسواق الطاقة العالمية؛ وعلى الرغم من تراجع أسعار خام برنت لتستقر حول مستوى 76 دولاراً للبرميل - وهي مستويات تبتعد عن حاجز الـ100 دولار المقلق للأسواق والذي سُجل في وقت سابق من العام - فإن التهديد الإيراني لخطوط الملاحة وضع مخاطر التضخم المستورد في مقدمة أولويات المستثمرين.

وتشير تحليلات الأسواق إلى أن سلوك أسعار النفط سيكون المحرك الأساسي لتحديد مستوى «الاستعجال» لدى مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» لإقرار زيادات جديدة في أسعار الفائدة؛ ففي حين صوت المجلس بالإجماع على تثبيت الفائدة في اجتماع يونيو (حزيران) الماضي، وهو الاجتماع الأول الذي ترأسه وارش، كشفت محاضر الجلسة الصادرة مؤخراً عن قلق عارم لدى الأعضاء من إمكانية ارتداد التضخم صعوداً بسبب أزمة الوقود. وتتوقع أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» أن يضطر «الفيدرالي» لرفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية قبل نهاية العام الحالي، مع وجود احتمالية بنسبة 33 في المائة (واحد إلى ثلاثة) لإقرار هذه الزيادة في الاجتماع المرتقب نهاية يوليو (تموز) الحالي.

أسبوع الحسم في «وول ستريت»

بالتوازي مع الترقب السياسي في واشنطن، تستعد بورصة «وول ستريت» لأسبوع عاصف ومليء بالمتغيرات المتقاطعة التي ستختبر صمود مؤشراتها التي تقترب من مستوياتها القياسية؛ حيث يترقب المستثمرون صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) يوم الثلاثاء، يليه مؤشر أسعار المنتجين (PPI) يوم الأربعاء، إلى جانب أرقام مبيعات التجزئة لتقييم مدى قدرة الإنفاق الاستهلاكي الأميركي على الصمود ومدى تغلغل ارتفاع أسعار الطاقة في مفاصل القطاعات غير النفطية.

وفي التوقيت نفسه، تنطلق شرارة موسم نتائج أعمال الربع الثاني للشركات المدرجة في مؤشر «إس آند بي 500» والذي يفتتحه عمالقة القطاع المصرفي مثل «جي بي مورغان تشيس» و«غولدمان ساكس». وتتوقع تقديرات وكالات الرصد المالي طفرة استثنائية في الأرباح الإجمالية للشركات بنسبة نمو قد تصل إلى 23.7 في المائة على أساس سنوي؛ وسيكون أداء البنوك الكبرى بمثابة مرآة تعكس الملاءة المالية للمستهلكين الأميركيين وحجم الديون الائتمانية، مما يوفر لـ«وول ستريت» إجابات حاسمة حول ما إذا كانت هذه الشركات قادرة على تبرير التقييمات المرتفعة لأسهمها في ظل بيئة التمويل المتشددة وأسعار الفائدة المرتفعة التي تفرضها الحقبة الجديدة لكيفين وارش.


سائقو السيارات في أميركا يواصلون شراء البنزين رغم ارتفاع الأسعار

شخص يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة وقود بأوستن في تكساس - 10 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
شخص يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة وقود بأوستن في تكساس - 10 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

سائقو السيارات في أميركا يواصلون شراء البنزين رغم ارتفاع الأسعار

شخص يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة وقود بأوستن في تكساس - 10 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
شخص يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة وقود بأوستن في تكساس - 10 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

طغت الاضطرابات بين أميركا وإيران على حجم الطلب على البنزين في الولايات المتحدة، حيث تتزامن هذه الفترة مع موسم الإجازات ومشاهدة مباريات كأس العالم التي تقام في الولايات الأميركية.

وتجاوز متوسط ​​سعر غالون البنزين العادي 4.50 دولار في مايو (أيار)، مسجلاً ارتفاعاً بأكثر من 50 في المائة منذ بداية الحرب، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية. لكن ذلك لم يمنع السائقين من استخدام سياراتهم؛ بل على العكس، ارتفع استهلاك البنزين في الولايات المتحدة خلال الربع الثاني من العام.

ويقول ستيرنوف إن أحد الأسباب قد يكون انخفاض نسبة دخل الأسر الأميركية المخصصة للبنزين على مدى سنوات. وأضاف أن الكثيرين ينتقلون من العمل عن بُعد إلى العمل المكتبي. وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية.

ومع أن ارتفاع أسعار البنزين يُعدّ قضية سياسية تحظى باهتمام كبير، فإن أصحاب الدخل المرتفع في الولايات المتحدة قد يتذمرون منه، لكن هذا الارتفاع لا يعني بالضرورة تقليل استخدامهم للسيارات.

وقال جيم بوركهارد، نائب الرئيس ورئيس قسم أبحاث النفط الخام في شركة «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي في هذا الصدد»: «ربما يكون مستقبل مضيق هرمز اليوم أكثر غموضاً مما كان عليه في بداية الحرب». وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وأضاف بوركهارد أن إيران لا تزال تسعى للسيطرة على المضيق، بينما لم تتمكن الولايات المتحدة من استعادة العمليات الطبيعية بالكامل، مما يجعل العودة إلى ظروف ما قبل الحرب أمراً مستبعداً.

وبلغ متوسط ​​الطلب العالمي على النفط 97.9 مليون برميل يومياً في مايو، بانخفاض قدره 5.3 مليون برميل يومياً عن الفترة نفسها من العام السابق. وتركز معظم هذا الانخفاض في آسيا، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط.

كانت وكالة الطاقة الدولية قد توقعت مؤخراً أن ينخفض ​​الطلب العالمي على النفط هذا العام للمرة الأولى منذ ذروة جائحة كوفيد-19 في عام 2020. ويعزى هذا الانخفاض، الذي تتوقع الوكالة أن يصل إلى نحو مليون برميل يومياً في عام 2026، إلى ارتفاع أسعار النفط واضطرابات الإمدادات الفعلية التي أثرت بشكل كبير، وإن كان متفاوتاً، على مناطق مختلفة من العالم، حسب التقرير.

لكن الاستثناء الرئيسي لهذا التراجع العالمي في استهلاك النفط كان في الولايات المتحدة، حيث ارتفع استهلاك البنزين في الربع الثاني من عام 2026، على الرغم من أن أسعار البنزين في محطات الوقود كانت أعلى بنحو 50 في المائة من مستوياتها قبل الحرب في مايو، وفقاً للتقرير.