«مضاربات محمومة»: هل تعيد «وول ستريت» استنساخ «فقاعة دوت كوم» المرعبة؟

بين الأرباح الحقيقية والتسعير المبالغ فيه للمستقبل... طفرة أسهم التكنولوجيا أمام اختبار التاريخ

متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

«مضاربات محمومة»: هل تعيد «وول ستريت» استنساخ «فقاعة دوت كوم» المرعبة؟

متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)

تسيطر حالة من التوجُّس والترقُّب على أروقة أسواق المال العالمية، في وقت تتدفَّق فيه سيولة نارية غير مسبوقة نحو قطاع التكنولوجيا، مدفوعةً بهوس طفرة الذكاء الاصطناعي.

هذا الصعود الصاروخي الذي يبدو كأنَّه لا يعرف التوقُّف، بات يثير مخاوف حقيقية لدى كبار المحللين والخبراء الذين بدأوا يحذِّرون علناً من أنَّ المشهد الحالي بات يحاكي، إلى حدِّ التطابق، أواخر تسعينات القرن الماضي؛ الحقبة الشهيرة التي سبقت انفجار «فقاعة دوت كوم» التي هزَّت الاقتصاد العالمي.

بين التفاؤل المفرط بتحقيق أرباح خيالية، والتحذيرات المقبلة من «الدببة» المحنكين في «وول ستريت»، يطرح المستثمرون السؤال المليون: هل يضغط قطار الذكاء الاصطناعي على مكابحه قريباً؟ وإذا فعل، فما حجم الدمار الاقتصادي الذي سيخلفه وراءه؟

لافتة «وول ستريت» في بورصة نيويورك بمانهاتن (رويترز)

تركيز مرعب للسيولة

تكمن الأزمة الحقيقية في السوق اليوم في مشكلة «التركيز الشديد»؛ حيث لا يعكس الارتفاع القياسي للمؤشرات عافيةً شاملةً للاقتصاد، بل يرجع الفضل فيه إلى حفنة صغيرة من الشركات العملاقة.

وتشير البيانات الإحصائية إلى أنَّ مؤشر «فيلادلفيا لأشباه الموصلات» قفز بنسبة هائلة بلغت 70 في المائة في غضون شهرين فقط - بين مارس (آذار) ومنتصف مايو (أيار) 2026 - في حين ارتفع مؤشر «ناسداك» المثقل بأسهم التكنولوجيا بنحو 20 في المائة، وفق موقع «ياهو فاينانس».

ووفقاً لتقرير صادر عن بنك «يو بي إس»، فإنَّ 5 شركات تكنولوجية كبرى فقط وهي: «إنفيديا»، و«ألفابت»، و«أمازون»، و«برودكوم»، و«أبل»، كانت مسؤولة وحدها عن نصف مكاسب مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بأكمله في الآونة الأخيرة.

والأخطر من ذلك، أنَّ 10 شركات فقط باتت تستحوذ على 40 في المائة من الوزن النسبي لهذا المؤشر، وجميعها شركات قيادية في مجال الذكاء الاصطناعي باستثناء شركة «بيركشاير هاثاواي» المملوكة للملياردير وارن بافيت.

مفارقة رقمية

في الوقت الذي يسجِّل فيه مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» مستويات قياسية غير مسبوقة، فإنَّ 5 في المائة من الشركات المدرجة فيه تقبع عند أدنى مستوياتها خلال 52 أسبوعاً. هذا التباين يعكس بوضوح أنَّ الشركات التي لم تشارك في «حفلة الذكاء الاصطناعي» قد تُرِكت تعاني في الظل.

حرفا «AI» على شاشة حاسوب محمول بجوار شعار «جيميني» التابع لشركة «غوغل» على شاشة جوال ذكي في فرانكفورت (أ.ف.ب)

«أجواء المراهنة المالية»

هذه الطفرة أحادية الجانب دفعت مسؤولي الصناديق الاستثمارية إلى التعبير عن قلقهم بعبارات حادة. إيمانويل كاو، المحلل في بنك «باركليز»، أشار إلى أنَّ استمرار هذا الارتفاع الصاروخي للأسهم يصعب تبريره، خصوصاً مع تجاهل السوق للمخاطر الجيوسياسية الراهنة، مثل تداعيات الحرب الإيرانية، وارتفاع أسعار النفط.

من جانبه، كان مارك هوتين، رئيس تداول الأسهم العالمي في «ليون ترست لإدارة الأصول»، أكثر صراحةً، ووصف ما يحدث لأسهم أشباه الموصلات بأنَّه «يشبه أجواء الكازينو»، مؤكداً أنَّ هذه التقييمات الحالية تفتقر إلى العقلانية والاستدامة على المدى الطويل.

ومع وصول الأسعار إلى هذه المستويات الفلكية، عادت المقارنات التاريخية بفقاعة عام 2000 لتفرض نفسها بقوة.

وفي هذا السياق، نشر بنك «بي أن بي باريبا» دراسة قارنت مسار مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الحالي بمساره بدءاً من عام 1996. وكشفت الرسوم البيانية عن تطابق مخيف في المنحنيات. كما لفتت الدراسة الانتباه إلى تضخم مكررات الربحية، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بحجم الديون الهائل المُستخدَم لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وهو ما يعيد إلى الأذهان التوسُّع المالي القائم على الديون لشركات الاتصالات قبيل انهيار عام 2000.

مايكل بوري يتدخل

وسط هذا الصخب، برز صوت المستثمر الشهير مايكل بوري، الذي توقَّع بدقة متناهية انهيار سوق العقارات الأميركية، والأزمة المالية العالمية عام 2008 وصُنع عنه الفيلم الشهير «The Big Short». فقد وجّه بوري عبر منصته في «سبستاك» رسائل تحذيرية شديدة اللهجة للمستثمرين، داعياً إياهم إلى «رفض الجشع» وتقليص مراكزهم المالية فوراً.

وكتب بوري: «بالنسبة لأي أسهم تتحرَّك بشكل عمودي متسارع، قوموا بتخفيض مراكزكم فيها بالكامل تقريباً... السوق لا ترتفع بسبب الوظائف أو ثقة المستهلك، بل ترتفع لمجرد أنَّها كانت ترتفع بالأمس، وبناءً على أطروحة من حرفين (AI) يعتقد الجميع خطأً أنهم يفهمونها».

ورغم سوداوية المشهد، فإنَّ بوري يرى أنَّ اللجوء إلى استراتيجية «البيع على المكشوف» والمراهنة على هبوط أسهم التكنولوجيا في الوقت الحالي ينطوي على مخاطرة كبيرة ومكلفة، وقد يسبب ألماً مالياً كبيراً للمستثمرين؛ بسبب الزخم الشرائي الحالي الذي قد يستمر لفترة أطول من المتوقع.

وبدلاً من ذلك، نصح بوري باستراتيجية بديلة: «الفكرة هي تسييل الأصول، ورفع مستويات الكاش (النقد)، والاستعداد لضخ هذه الأموال مجدداً عندما تعود الأسعار إلى مستويات منطقية وعقلانية».

حرفا «AI» على شاشة حاسوب محمول بجوار شعار «غروك» التابع لشركة «سبايس إكس» على شاشة جوال ذكي في فرانكفورت (أ.ف.ب)

هل نحن في عام 1996 أم 2000؟

تؤكد البيانات الفنية أنَّ الخطر حقيقي، وفق «ياهو فايناناس»؛ فقد كشفت مجموعة «بسبوك الاستثمارية» عن أنَّ أسهم الرقائق تداولت مؤخراً بأعلى من متوسط حركتها في 50 يوماً بنسبة 33 في المائة، وهو مستوى لم يتكرَّر سوى 3 مرات تاريخياً: ديسمبر (كانون الأول) 1998، ومارس 2000، ونوفمبر (تشرين الثاني) 2002. كما أطلق مؤشر أشباه الموصلات إشارة تحذير لم تتكرَّر إلا في أعوام 1996 و2000 و2022 وفقاً لجيف ديغراف، الرئيس التنفيذي لشركة «رينيسانس ماكرو».

لكن، يظلُّ السؤال الجوهري معلقاً: في أي محطة قطار نقف الآن؟ هل نحن في عام 1996 في بدايات الطفرة التكنولوجية التي استمرت سنوات أخرى من الصعود، أم نحن في عام 2000 خلال ذروة الفقاعة التي تلاها الانهيار الكامل، أم في عام 2022 أي تمهيد لتراجع تصحيحي مؤقت بحدود 30 في المائة؟

ينصح ديغراف المستثمرين بعدم التسرُّع في البيع لمجرد الخوف من الفقاعة، قائلاً: «القمم لا ترن جرساً عندما تصل إلى حدها الأقصى، والقرار الصائب هو الانتظار حتى يظهر التدهور الفعلي في المؤشرات، والبيع في أثناء الهبوط وليس في أثناء الصعود».

حكمة التاريخ لأسواق اليوم

تاريخ الأسواق المالية يثبت أن «وول ستريت» مغرمة دائماً «بالمبالغة في تسعير المستقبل». وتظهر دراسة تاريخية نُشرت في مجلة «Marketing Science» شملت 51 ابتكاراً رئيسياً بين عامَي 1825 و2000، أنَّ الفقاعات السعرية تشكَّلت في 37 ابتكاراً منها؛ أي بنسبة 73 في المائة.

وتشمل القائمة كل ما أصبح اليوم جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية: السكك الحديدية، والسيارات، والطائرات، والراديو، والتلفزيون، والميكروويف، والهواتف الجوالة، والإنترنت، وحتى أقلام الحبر الجاف!

وتشير هذه القراءة التاريخية إلى أنَّ الأسواق تخطئ دائماً في تقييم القيمة الحالية للتكنولوجيا الثورية في بداياتها نظراً لتعقد سلاسل القيمة المرتبطة بها؛ فالرقائق تصنع النماذج، والنماذج تنتج برمجيات، والبرمجيات تخلق الأتمتة، والأتمتة تولد نماذج أعمال جديدة. وعندما يحاول المستثمرون تسعير هذه السلسلة بأكملها دفعة واحدة، تتحول التوقعات إلى ما يشبه قصص الخيال العلمي.

ومع ذلك، هناك نقطة جوهرية تدعو للتفاؤل الحذر تفرق بين اليوم وعام 2000: شركات التكنولوجيا العملاقة اليوم التي تقود الطفرة مثل «إنفيديا»، و«مايكروسوفت» تمتلك أرباحاً حقيقية وتدفقات نقدية ضخمة ومستويات ربحية قياسية بناءً على نتائج الرُّبع الحالي؛ إذ حقَّقت 85 في المائة من شركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» أرباحاً فاقت التوقعات، على عكس شركات «دوت كوم» في التسعينات التي كانت مجرد أفكار على ورق دون أي دخل حقيقي.

زائر يرتدي نظارات الواقع الافتراضي في مهرجان كان العالمي للذكاء الاصطناعي (أرشيفية - رويترز)

وبين قناعة الأسواق بقدرة الذكاء الاصطناعي على إعادة صياغة الاقتصاد العالمي، وتحذيرات «الدببة» من انتفاخ الفقاعة، يظل الفيصل الراهن هو مدى قدرة هذه الطفرة على الصمود أمام التحديات الجيوسياسية المتصاعدة وضغوط التضخم. فبينما نجحت أسهم التكنولوجيا في عزل نفسها مؤقتاً عن تداعيات أسواق النفط والتوترات الدولية، فإن طي هذه الصفحة دون تصحيح سعري عنيف سيتطلب توافقاً نادراً بين نمو الأرباح الحقيقية واستقرار البيئة الاقتصادية الكلية؛ وهو رهان تاريخي تترقب «وول ستريت» فصوله الأخيرة بكثير من الحذر.


مقالات ذات صلة

تذبذب الأسعار عالمياً يربك الأسواق في مصر بعد أدنى مستوى خلال 6 أشهر

خاص تذبذب أسعار الذهب يربك الأسواق في مصر (شعبة الذهب بالغرفة التجارية بمصر)

تذبذب الأسعار عالمياً يربك الأسواق في مصر بعد أدنى مستوى خلال 6 أشهر

أربك التذبذب المفاجئ لأسعار الذهب الأسواق المصرية مجدداً؛ إذ عاود المعدن الأصفر الارتفاع الطفيف بعد موجة هبوط حادة دفعته إلى أدنى مستوياته خلال ستة أشهر.

عصام فضل (القاهرة )
الاقتصاد عرض أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

إيلون ماسك يقرع جرس «ناسداك» الجمعة إيذاناً بانطلاق أسهم «سبايس إكس»

من المرتقب أن يقوم الملياردير إيلون ماسك بقرع جرس افتتاح بورصة «ناسداك» بنفسه الجمعة، احتفالاً بالبدء الرسمي لتداول أسهم شركته للصواريخ والفضاء «سبايس إكس».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد انطلاق صاروخ «فالكون 9» الثقيل التابع لشركة «سبيس إكس» من منصة الإطلاق 39A بمركز كيندي للفضاء (أرشيفية-أ.ب)

اكتتاب «سبيس إكس» يجذب طلبات قياسية من أفراد التجزئة تتجاوز 70 مليار دولار

جذب الاكتتاب العام الأولي المرتقب لشركة «سبيس إكس»، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، طلبات قياسية من مستثمري التجزئة والأفراد تجاوزت قيمتها 70 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مضخة تعمل بالقرب من احتياطي نفط خام في حقل نفط حوض بيرميان بالقرب من ميدلاند تكساس (رويترز)

النفط يقفز بعد تهديد ترمب بضربة قاسية لإيران والسيطرة على بنيتها التحتية

ارتفعت أسعار النفط العالمية يوم الخميس فور صدور تصريحات حادة عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أكد فيها أن الولايات المتحدة ستضرب إيران «بقوة شديدة الليلة».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع بمتجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)

الذهب يهوي لأدنى مستوى في 6 أشهر... ويتجه لأسوأ أداء فصلي منذ عقد

هبطت أسعار الذهب إلى أدنى مستوياتها في ستة أشهر خلال تعاملات يوم الخميس وسط استمرار الحرب وتصاعد توقعات رفع الفائدة الأميركية


«العدل الأميركية» تستدعي أكبر البنوك للتحقيق في إغلاق حسابات بدوافع سياسية

المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)
المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)
TT

«العدل الأميركية» تستدعي أكبر البنوك للتحقيق في إغلاق حسابات بدوافع سياسية

المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)
المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)

كشفت صحيفة «وول ستريت» عن أن وزارة العدل الأميركية وجّهت مذكرات استدعاء واسعة النطاق إلى عدد من أكبر المصارف في الولايات المتحدة، وفي مقدمتها «جي بي مورغان تشيس» و«بنك أوف أميركا» و«ويلز فارغو»؛ لطلب معلومات تفصيلية حول ما إذا كانت هذه المؤسسات قد مارست عمداً سياسة «إلغاء الحسابات المصرفية» لعملائها، أو أغلقت حسابات مصرفية بشكل غير قانوني لدوافع سياسية.

وتأتي هذه التحركات الصادرة عن مكتب المدعي العام الأميركي في واشنطن، تحت قيادة المدعية العامة جينين بيرو، لتشكّل تصعيداً كبيراً في الحملة التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاستئصال ما يصفه بـ«الأدلة على تمييز البنوك ضد المحافظين والصناعات المثيرة للجدل سياسياً»، بما في ذلك الحسابات التابعة لعائلته الشخصية وشركاته.

وتعود جذور الأزمة إلى العام الماضي، عندما أعلن ترمب أنه تم عزله مصرفياً وحُرم من فتح حسابات جديدة لدى «جي بي مورغان» و«بنك أوف أميركا» عقب انتهاء ولايته الأولى، والتي تزامنت مع أعمال الشغب العنيفة في مبنى الكابيتول، وفق الصحيفة الأميركية.

وفي أغسطس (آب) الماضي، وقّع ترمب أمراً تنفيذياً يوجّه المنظمين المصرفيين بالتحقيق في ارتكاب المؤسسات المالية ممارسات «إلغاء حسابات مسيّسة أو غير قانونية»، وتفويضهم بفرض عقوبات مالية مشددة. ورغم إرسال البنوك كميات هائلة من البيانات للمنظمين، فإن مكتب بيرو يطالب الآن بمعلومات أكثر عمقاً وحساسية تشمل قوائم الأشخاص المتضررين ومبررات الإغلاق.

دفاع المصارف

في المقابل، تدافع البنوك الكبرى عن موقفها مؤكدة أنها لا تغلق الحسابات لأسباب دينية أو سياسية؛ بل تشير إلى أن قرارات تجنب صناعات أو عملاء معينين تأتي امتثالاً للقوانين الصارمة التي تلزمها بفحص الأنشطة الإجرامية ومكافحة غسل الأموال، أو استجابة لضغوط رقابية أخرى تهدف إلى حماية النظام المصرفي والمالي.

وكانت هذه التحقيقات تدار حتى الآن بموجب تفويض من «مكتب مراقب العملة»، وهو مكتب تابع لوزارة الخزانة يشرف على أكبر البنوك. ومع ذلك، فإن الأمر التنفيذي لترمب سمح للمنظمين بإحالة القضايا إلى المدعي العام، ورغم أن «مكتب مراقب العملة» لم يرسل إحالات رسمية بعد، فإن مكتب المدعية جينين بيرو فتح تحقيقاته بشكل مستقل بالتنسيق مع مكتب المراقبة.

البحث عن مخرج قانوني

وتواجه النيابة العامة والمنظمون تحدياً قانونياً يتمثل في تحديد القوانين الدقيقة التي خرقتها البنوك بقطع علاقاتها مع عملاء تصنفهم «عالي المخاطر»؛ ففي حين تحظر قوانين الحقوق المدنية التمييز في الإقراض والتمويل، تتمتع الشركات والمصارف بصلاحيات تقديرية واسعة النطاق في اختيار من تقدم له خدماتها المصرفية اليومية.

ولمواجهة هذا التحدي، يدرس مكتب بيرو ما إذا كانت تصرفات البنوك قد انتهكت «قانون إصلاح المؤسسات المالية والتعافي والإنفاذ لعام 1989» (FIRREA)، وهو تشريع فضفاض استُخدم تقليدياً لمقاضاة الاحتيال المصرفي، واستعانت به وزارة العدل بعد أزمة 2008 لملاحقة المصارف التي ضللت الأسواق بشأن جودة الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري.

معارك قضائية موازية و«أدلة أولية»

وكان «مكتب مراقب العملة» قد أصدر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي تقريراً أولياً أفاد بوجود «أدلة مبكرة» على ممارسات إلغاء الحسابات من قِبل أكبر تسعة بنوك في البلاد. وأشار التقرير إلى أن الصناعات المتأثرة شملت: النفط والغاز، والفحم، ومصنعي الأسلحة النارية وقطاع الترفيه للبالغين، بربطها بمساعي البنوك للوفاء بالتزاماتها البيئية والاجتماعية وحرب المناخ.

يذكر أن ترمب أقام دعوى قضائية شخصية في يناير الماضي على بنك «جيه بي مورغان» ورئيسه التنفيذي جيمي ديمون، متهماً إياهما بإغلاق حساباته بدوافع سياسية، كما أقامت عائلة ترمب دعوى مماثلة العام الماضي على «كابيتال وان» لإغلاقه أكثر من 300 حساب لشركات تابعة للمجموعة منذ عام 2021.


صندوق النقد يخفّض توقعات نمو منطقة اليورو مجدداً ويرفع تقديرات التضخم

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث إلى مراسلين اقتصاديين في بروكسل حول آفاق منطقة اليورو (إكس)
مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث إلى مراسلين اقتصاديين في بروكسل حول آفاق منطقة اليورو (إكس)
TT

صندوق النقد يخفّض توقعات نمو منطقة اليورو مجدداً ويرفع تقديرات التضخم

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث إلى مراسلين اقتصاديين في بروكسل حول آفاق منطقة اليورو (إكس)
مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث إلى مراسلين اقتصاديين في بروكسل حول آفاق منطقة اليورو (إكس)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الخميس، من أن صدمة أسعار الطاقة الناجمة عن حرب إيران الدائرة حالياً في شهرها الرابع، ستؤدي إلى سحب نمو منطقة اليورو نحو مستويات أدنى مما كان متوقعاً في السابق، بالتوازي مع دفع معدلات التضخم إلى مزيد من الارتفاع.

وأوضح الصندوق أنه حتى لو كانت قفزات أسعار النفط والغاز «مؤقتة»، فإن ثقة المستهلكين ستشهد ضعفاً ملحوظاً وسط الاضطرابات المستمرة في أسواق الطاقة، مما يرفع من مخاطر تراجع الإنفاق الاستهلاكي.

وبناءً على هذه المعطيات، خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو منطقة اليورو خلال هذا العام ليصل إلى 0.9 في المائة، تراجعاً من تقديراته السابقة في أبريل (نيسان) البالغة 1.1 في المائة، قبل أن يرتد صعوداً إلى 1.2 في المائة في عام 2027.

وعلى الجانب الآخر، توقع الصندوق أن يصل التضخم في منطقة اليورو إلى 2.8 في المائة هذا العام، وهو أعلى من توقعات أبريل البالغة 2.6 في المائة. ويمثل هذا الرقم زيادة قدرها 0.8 نقطة مئوية مقارنة بالمستويات التي سبقت الهجمات الأميركية الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي.

اختناقات مضيق هرمز تزيد الضغوط

وتسببت الحرب بفعالية في إغلاق مضيق هرمز أمام شحنات النفط والغاز الخليجية المنقولة بحراً. وأفاد مسؤولون بأن الأضرار التي لحقت ببعض منشآت الإنتاج قد تسفر عن استمرار قيود الإمدادات لعدة أشهر قادمة.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن «حدوث صدمة طاقة أكثر استمراراً قد يدفع التضخم وتوقعاته نحو الأعلى، حتى في الوقت الذي قد يؤدي فيه تراجع الثقة أو الضغوط المالية إلى إضعاف مستويات الطلب».

ولفت التقرير إلى حجم التحدي الكبير الذي يواجه البنك المركزي الأوروبي، والذي تحرك بالفعل برفع سعر الفائدة القياسي إلى 2.25 في المائة، محاولاً الحد من الضربة الاقتصادية، وكبح جماح التضخم في آنٍ واحد.

وكان المركزي الأوروبي قد خفّض بدوره توقعاته للنمو لعام 2026 إلى 0.8 في المائة (من 0.9 في المائة)، في حين رفع تقديراته للتضخم إلى 3 في المائة، وهو ما يتجاوز بكثير مستهدفه الرسمي البالغ 2 في المائة.

وأكد صندوق النقد الدولي أن «الأولوية الفورية للحكومات هي إبقاء توقعات التضخم مقيدة، وتخفيف تأثير الصدمة ضمن المساحة المالية المتاحة، تلافياً لأي إنفاق حكومي مفرط قد يزيد من عجز الموازنة العامة».

ورغم قرار رفع الفائدة الصادر، يتوقع الصندوق أن يُقدم البنك المركزي الأوروبي على زيادة إضافية بمقدار ربع نقطة مئوية (25 نقطة أساس) في سعره القياسي بحلول نهاية هذا العام.


تذبذب الأسعار عالمياً يربك الأسواق في مصر بعد أدنى مستوى خلال 6 أشهر

تذبذب أسعار الذهب يربك الأسواق في مصر (شعبة الذهب بالغرفة التجارية بمصر)
تذبذب أسعار الذهب يربك الأسواق في مصر (شعبة الذهب بالغرفة التجارية بمصر)
TT

تذبذب الأسعار عالمياً يربك الأسواق في مصر بعد أدنى مستوى خلال 6 أشهر

تذبذب أسعار الذهب يربك الأسواق في مصر (شعبة الذهب بالغرفة التجارية بمصر)
تذبذب أسعار الذهب يربك الأسواق في مصر (شعبة الذهب بالغرفة التجارية بمصر)

أربك التذبذب المفاجئ لأسعار الذهب الأسواق المصرية مجدداً؛ إذ عاود المعدن الأصفر الارتفاع الطفيف بعد موجة هبوط حادة دفعته إلى أدنى مستوياته خلال ستة أشهر، ما خلق حالة من الترقب والحذر المتبادل بين التجار والمستهلكين حول المسار المستقبلي للسوق المحلية.

وشهدت تعاملات يوم الخميس ارتداداً صعودياً طفيفاً في الأسعار العالمية، انعكس سريعاً على حركة الصاغة في مصر التي تعيش ارتباكاً واضحاً عقب فترة انخفاضات متتالية.

وبحسب تقارير صحافية محلية، ارتفعت الأسعار بنسب تراوحت ما بين 25 إلى 60 جنيهاً في الغرام الواحد، (في وقت يسجل فيه الدولار نحو 52 جنيهاً في البنوك الرسمية).

وسجلت أسعار الأعيرة المختلفة في الأسواق المصرية المستويات التالية:

  • عيار 24: بلغ نحو 7000 جنيه للغرام.
  • عيار 21 (الأكثر تداولاً): سجل 6125 جنيهاً.
  • عيار 18: وصل إلى 5250 جنيهاً.
  • الجنيه الذهب (8 غرامات عيار 21): استقر عند 49000 جنيه.

هذا الارتفاع المحدود، الذي أعقب نصف عام من الهبوط، فاقم من حالة الضبابية؛ إلا أن مسؤولين في قطاع الذهب يقرأون المشهد بزاوية مختلفة. ووفقاً للاستدلال الذي قدمه نائب رئيس الشعبة العامة للذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرفة التجارية، لطفي منيب، لـ«الشرق الأوسط»، فإنه «لا يمكن تصنيف ما حدث مؤخراً كارتفاع بمفهومه الواسع، بل هو مؤشر وبداية لاستقرار محتمل يُنهي موجة الانخفاض السابقة».

ووصف منيب التقلبات التي سادت طوال الأشهر الستة الماضية بأنها كانت «تحركات سعرية رأسية»، وهي تقلبات حادة ومفاجئة تؤدي طبيعياً إلى إرباك قوى العرض والطلب. وأوضح أن «الزيادة الطفيفة الحالية تنبئ بالتحول نحو تحركات سعرية عرضية (أفقية)، وهو الوضع الطبيعي والصحي للسوق، حيث تنحصر التغيرات صعوداً أو هبوطاً ضمن نسب طبيعية ومتوقعة».

المدخرون يرفضون البيع

ولم يتوقف الارتباك عند حدود تسعير الشاشات، بل امتد ليعيد صياغة سلوك المواطنين الذين ينظرون إلى الذهب كـ«وعاء ادخاري آمن» لحفظ القيمة المشتراة.

وقبل نحو عام، قامت السيدة سلوى محمود، المقيمة بحي عابدين وسط القاهرة، بشراء بضعة غرامات كوسيلة للادخار. ورغم مرورها بضائقة مالية حادة خلال الأيام الماضية، لكنها رفضت تماماً خيار تسييل مدخراتها الذهبية حالياً، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «رغم حاجتي الماسة للمال لإدارة بعض الشؤون الخاصة، لكنني فضلت التمسك بالذهب وعدم البيع وسط هذه الأجواء غير المستقرة، أملاً في معاودة الأسعار الارتفاع لتعويض الفارق في الفترات المقبلة».

ارتفاع طفيف في سعر الذهب بعد أدنى مستوى انخفاض (شعبة الذهب بالغرفة التجارية ب مصر)

ويعتقد منيب أنه «من السابق لأوانه التنبؤ بما قد يحدث في الأسعار خلال الفترة المقبلة، وهو ما يزيد الارتباك بالأسواق»؛ إلا أنه يقول: «إذا استمرت الحركة العرضية للأسعار، فسيعاود المصريون الإقبال على الشراء، بما ينشط حركة البيع، فالوضع الآن (لا بيع ولا شراء) بل ترقب لما ستسفر عنه الساعات أو الأيام المقبلة».

ويشير إلى أن «كثيراً من محال بيع الذهب تعرضت خلال الفترة الماضية لخسائر كبيرة نتيجة الارتباك وعدم الاستقرار، حيث لم تتمكن من مواكبة تقلب الأسعار التي تتغير باستمرار، فعدم الاستقرار يضر التجار والمواطنين».

وكان رئيس شعبة الذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية، هاني ميلاد، قد توقع أن «يعاود الذهب الارتفاع»، وقال في تصريحات متلفزة، الاثنين الماضي، إن «هناك مؤشرات قد تدعم عودة الذهب إلى الارتفاع خلال الفترة المقبلة، خاصة في حال استمرار الاضطرابات العالمية أو تغير توجهات المستثمرين والبنوك»، لافتاً إلى أن «أسعار الذهب تتأثر إيجاباً وسلباً بالتغيرات والأحداث الجيوسياسية حول العالم».

مصريون يترقبون استقرار الأسعار لاتخاذ قرارات البيع أو الشراء (شعبة الذهب بالغرفة التجارية في مصر)

من جهته، تحدث إبراهيم حسين، الذي يعمل فني صيانة تكييف في إحدى الشركات الخاصة، ويقيم بحي شبرا شرق القاهرة، عن جانب آخر من الارتباك، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أنوي شراء غرامات من الذهب خلال الفترة الماضية بسبب انخفاض الأسعار؛ لكني ترددت وقررت أن أنتظر».

أما الخبير الاقتصادي، الدكتور وائل النحاس، فيرى أن الذهب «لا يزال وعاءً ادخارياً بالنسبة لقطاعات واسعة من المصريين»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «التقلبات التي تشهدها سوق الذهب عالمياً سببت ارتباكاً بالسوق المصرية، لكن ما زال الاتجاه في مصر يميل إلى الشراء»، لكن بحسب النحاس «هذه الفترة تشهد ترقباً حذراً من الناس انتظاراً لاستقرار الأسعار».