السعودية تصنع نموذجها الخاص في السيادة الرقمية

شركات عالمية لـ«الشرق الأوسط»: المملكة تجمع بين الانفتاح التقني والسيطرة على البيانات

امرأة تقف أمام شاشة معلومات في معرض «ليب» التقني بالسعودية (واس)
امرأة تقف أمام شاشة معلومات في معرض «ليب» التقني بالسعودية (واس)
TT

السعودية تصنع نموذجها الخاص في السيادة الرقمية

امرأة تقف أمام شاشة معلومات في معرض «ليب» التقني بالسعودية (واس)
امرأة تقف أمام شاشة معلومات في معرض «ليب» التقني بالسعودية (واس)

في عالم تتداخل فيه الحدود الرقمية وتتصاعد فيه المنافسة بين الدول على امتلاك البيانات وتعزيز القدرات التقنية، اختارت السعودية أن ترسم مسارها الرقمي الخاص برؤية استراتيجية طموحة، فأطلقت منظومة متكاملة من السياسات والاستثمارات والشراكات النوعية، لتتحول إلى نموذج عالمي في التحول الرقمي، وتتصدر مؤشر الجاهزية الرقمية العالمي لعام 2025 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات بدرجة بلغت 94 من 100.

غير أن الأهم من الرقم ذاته، هو ما يكشفه عن تحوّل عميق في طريقة تفكير السعودية في السيادة الرقمية؛ فهي لم تعد مجرد درع واقية للبيانات؛ بل أصبحت محركاً حقيقياً للنمو الاقتصادي وأداة لصناعة المستقبل.

لفهم هذا التحول، لا بد من إعادة تعريف المفهوم ذاته. يرى أيمن الراشد، نائب الرئيس الإقليمي لشركة «آي بي إم» في السعودية، أن ثمة خطأً شائعاً في النظر إلى السيادة الرقمية باعتبارها مسألة تقنية تتعلق بمكان تخزين البيانات. «من المهم النظر إلى السيادة الرقمية بوصفها قدرة تشغيلية متكاملة»، يقول الراشد لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أنها تشمل قدرة المؤسسات على التحكم في بياناتها وحوكمتها وتشغيل أنظمتها الرقمية ونتائجها بثقة واستمرارية على المدى الطويل.

هذا التعريف الموسع يمنح السيادة الرقمية أبعاداً أعمق بكثير مما يبدو عليه في ظاهره؛ فهي ليست جداراً يحول دون خروج البيانات، بل هي نظام حوكمة متكامل يضمن المساءلة وضوابط الوصول والرقابة وقابلية التدقيق، بما يحافظ على موثوقية الأنظمة الرقمية وقدرتها على التوسع بأمان وامتثال.

من جهته، يؤكد نائب الرئيس لمنطقة السعودية ومصر وشمال أفريقيا وبلاد الشام في «ديل تكنولوجيز»، محمد طلعت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا النهج ترجمته المملكة إلى واقع ملموس من خلال أطر تنظيمية واضحة، في مقدمتها نظام حماية البيانات الشخصية، الذي أسهم في خلق بيئة تعزز التوسع العالمي مع ضمان السيطرة الصارمة على البيانات. فضلاً عن ذلك، عملت المملكة على تعزيز جاذبيتها للشركات التقنية الدولية عبر المناطق الاقتصادية والحوافز الضريبية والشراكات مع مزودي الخدمات السحابية.

كيف ازدهرت التقنية المالية؟

لعل قطاع التقنية المالية يمثل النموذج الأوضح على الدور التحويلي للسيادة الرقمية في الاقتصاد السعودي. فقد شهد هذا القطاع تضاعفاً لافتاً خلال السنوات القليلة الماضية، ويرى الراشد أن السيادة الرقمية كانت أحد العوامل الجوهرية التي مهدت لهذا النمو.

الآلية التي يصفها واضحة: حين أصبح من الممكن معالجة البيانات المالية الحساسة وتخزينها داخل المملكة ووفق الأطر التنظيمية المحلية، ارتفعت ثقة المستثمرين والبنوك وشركات التأمين والعملاء النهائيين في التعامل مع حلول التقنية المالية. وبالتالي، فإن السيادة الرقمية أزالت أحد أكبر العوائق التي كانت تثبط نمو هذا القطاع، وهو القلق المتعلق بمكان وجود البيانات الحساسة ومن يتحكم فيها.

والأهم أن هذا لم يأتِ على حساب الابتكار؛ فقد قدمت «آي بي إم» حلولاً سحابية سيادية وهجينة تتيح للمؤسسات المالية الاحتفاظ بالبيانات الحساسة محلياً، مع الاستفادة في الوقت نفسه من قدرات السحابة المتقدمة. هذا النموذج مكّن شركات التقنية المالية من تحقيق توازن عملي بين سرعة الابتكار والامتثال الصارم للأنظمة دون التضحية بأي منهما.

من الامتثال إلى التوسع

السيادة الرقمية لم تنفع المؤسسات الكبرى وحدها؛ بل أسهمت أيضاً في تغيير قواعد اللعبة لصالح الشركات الناشئة السعودية. ويوضح الراشد أن تخزين البيانات ومعالجتها داخل المملكة ضمن أطر تنظيمية واضحة مكّنا هذه الشركات من الانطلاق والنمو، وهي متوافقة مع الأنظمة منذ اليوم الأول.

غير أن الأثر الاقتصادي يتجاوز مجرد تبسيط الامتثال؛ فالسيادة الرقمية عزّزت ثقة العملاء والشركاء في الحلول المحلية، وانعكس ذلك اقتصادياً في تسريع تبني المنتجات الرقمية، وزيادة فرص التوسع في قاعدة العملاء، وتحسين القدرة على جذب الاستثمارات، وبناء شراكات مع مؤسسات كبرى، إلى جانب تعزيز فرص تحقيق إيرادات مبكرة.

ويبيّن الراشد أن أبعد تأثيرات السيادة الرقمية مدىً، يتمثّل في تحسين جاهزية الشركات الناشئة للتوسع الإقليمي؛ فبناء الحلول الرقمية وفق معايير سيادية قوية داخل المملكة، منح الشركات السعودية ميزة تنافسية واضحة، لا سيما مع تقارب السياسات التنظيمية في عدد من أسواق المنطقة، ما يعني أن ما بنته هذه الشركات محلياً أصبح قابلاً للتصدير والتوسع.

معادلة التوازن

أحد أكثر التساؤلات تعقيداً في هذا الملف هو كيف نجحت المملكة في استقطاب كبرى شركات التقنية العالمية للاستثمار محلياً، دون أن تتنازل عن سيادتها على البيانات الوطنية. ويرى طلعت أن المملكة نجحت في تحقيق توازن دقيق من خلال منح الشركات الدولية بيئة تنظيمية واضحة وحوافز جذابة، في مقابل ضمانات صارمة تكفل بقاء البيانات الحساسة تحت السيطرة الوطنية.

وتجلّت هذه الفلسفة عملياً، بحسب طلعت، في تطوير بنية تحتية محلية وآمنة تدعم أجندات الذكاء الاصطناعي الوطنية. ومن الأمثلة الدالة، افتتاح «ديل تكنولوجيز» عام 2024 مركزاً جديداً للدمج والتوزيع في الدمام، في إطار استثمار بملايين الدولارات لتعزيز العمليات المحلية ومرونة سلسلة التوريد، وهو ما يعكس نموذجاً تصبح فيه الشركات الدولية شريكة في بناء السيادة لا تهديداً لها.

مركز رقمي إقليمي

ماذا ستبدو عليه هذه المنظومة بحلول عام 2030؟ يرسم طلعت صورة طموحة: اقتصاد رقمي سيادي يُتوقع أن يكون الأكبر في الشرق الأوسط، مع مساهمة متوقعة للذكاء الاصطناعي وحده بمبلغ 135 مليار دولار في الاقتصاد، مدعوماً بسعة مراكز بيانات محلية تزيد عن 1.5 غيغاواط. وتسعى المملكة إلى ترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً للحوسبة السحابية وابتكار الذكاء الاصطناعي وتصنيع التكنولوجيا المستدامة، مدعومة بمدن ذكية متكاملة وأنظمة بيانات سيادية وآمنة.

أما الراشد فيرى أن المملكة تمتلك فرصة حقيقية لتجاوز الدور المحلي نحو الإسهام في تشكيل نماذج رقمية سيادية عالمية، عبر منظومة متنامية من الشراكات المحلية والإقليمية والدولية، وهو توجه يعكس انتقالاً من موقع المستورد للتقنية إلى موقع المُصدِّر للنماذج والمعايير.

بيد أن كلاهما يُقرّ بأن تحقيق هذه الرؤية يتطلب مواجهة تحدٍّ محوري؛ وهو سد فجوات المهارات البشرية. فالبنية التحتية المتقدمة ضرورة لكنها ليست كافية؛ إذ يستلزم الأمر استثماراً متوازياً وعميقاً في تطوير الكوادر السعودية القادرة على إدارة هذا المستقبل الرقمي وقيادته.

وفي نهاية المطاف، تكشف تجربة السعودية أن السيادة الرقمية ليست خياراً دفاعياً يهدف إلى عزل البيانات عن العالم؛ بل هي استراتيجية تمنح الدول والشركات القدرة على الانخراط في منظومة الابتكار العالمية من موقع القوة، لا من موقع التبعية.


مقالات ذات صلة

هيئة السوق المالية السعودية تحيل 17 مشتبهاً في «سينومي ريتيل» إلى النيابة العامة

الاقتصاد مبنى هيئة السوق المالية في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

هيئة السوق المالية السعودية تحيل 17 مشتبهاً في «سينومي ريتيل» إلى النيابة العامة

أحالت هيئة السوق المالية 17 مشتبهاً في «سينومي ريتيل» للنيابة العامة لاتهامات بمخالفات مالية وتلاعب وانطباعات مضللة واستغلال مناصب داخلية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)

مؤشر السوق السعودية يغلق على ارتفاع هامشي وسط تباين الأداء

أنهى مؤشر السوق الرئيسية (تاسي) جلسة الأربعاء على ارتفاع بنحو 3 نقاط ليغلق عند 10986 نقطة بتداولات بلغت قيمتها نحو 5.3 مليار ريال 

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أحد موظفي الهيئة العامة للنقل يفتش مستودعات الطرود البريدية (واس)

خاص السعودية: إلزام شركات الشحن بتمكين المستهلك من فحص الطرود قبل تسلمها

علمت «الشرق الأوسط» أن وزارة التجارة السعودية أصدرت توجيهاً رسمياً؛ ألزمت بموجبه جميع شركات القطاع الخاص والشحن بتمكين المستهلك من فتح الطرود قبل التسلم...

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد شعار شركة «هيوماين» السعودية (الشرق الأوسط)

«هيوماين» السعودية تختار «غولدمان ساكس» لترتيب تمويل مراكز بيانات بـ5.3 مليار دولار

اختارت شركة «هيوماين» السعودية للذكاء الاصطناعي، المدعومة من «صندوق الاستثمارات العامة»، بنك «غولدمان ساكس» الأميركي مستشاراً مالياً لترتيب حزمة تمويلية ضخمة...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)

خاص المستثمرون الدوليون يعززون رهاناتهم على السعودية بدعم الإصلاحات الاقتصادية

لم تعد السعودية مجرد رهان على أسعار النفط في محافظ المستثمرين الدوليين، بل باتت تحتل مكانة مختلفة تماماً على خريطة الأسواق الناشئة العالمية.

زينب علي (الرياض)

بنك فرنسا في اختبار الاستقلالية بعد تعيين إيمانويل مولان

ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع لمناقشة تداعيات الحرب إلى جانب مولان في مارس الماضي (رويترز)
ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع لمناقشة تداعيات الحرب إلى جانب مولان في مارس الماضي (رويترز)
TT

بنك فرنسا في اختبار الاستقلالية بعد تعيين إيمانويل مولان

ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع لمناقشة تداعيات الحرب إلى جانب مولان في مارس الماضي (رويترز)
ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع لمناقشة تداعيات الحرب إلى جانب مولان في مارس الماضي (رويترز)

في خطوة تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية واسعة، صادق البرلمان الفرنسي على تعيين إيمانويل مولان محافظاً لبنك فرنسا، رغم الجدل الذي أثاره قربه من الرئيس إيمانويل ماكرون، مما أعاد النقاش حول استقلالية المؤسسات النقدية في البلاد.

ويُعد بنك فرنسا أحد أكثر البنوك المركزية تأثيراً داخل منطقة اليورو، نظراً لحجم الاقتصاد الفرنسي باعتباره ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي بعد ألمانيا.

وجاءت موافقة البرلمان بعد تصويت مشترك للجنتي المالية في الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، حيث عارض 58 نائباً من أصل 110 تعيين مولان، وهي نسبة لم تبلغ حدّ ثلاثة أخماس الأصوات (60 في المائة) اللازمة لرفض الترشيح.

وبذلك، نجح مرشح الرئيس إيمانويل ماكرون في اجتياز العقبة البرلمانية، مما جنَّبه انتكاسة سياسية كانت ستُفسَّر على أنها رفض مباشر لخياراته في التعيينات العليا. كما أظهر التصويت أن القوى الوسطية والمحافظة المقرّبة من ماكرون لعبت دوراً حاسماً في تمرير التعيين، مقابل معارضة واسعة من اليمين المتطرف واليسار والاشتراكيين، دون أن تتمكن هذه القوى من توحيد صفوفها لتحقيق الأغلبية اللازمة لعرقلة القرار.

خلفيات الجدل حول التعيين

أثار ترشيح إيمانويل مولان موجة جدل واسعة في الأوساط السياسية، بسبب قربه الشديد من ماكرون، حيث شغل منصب الأمين العام لقصر الإليزيه وكان أحد أبرز مستشاريه. وقد اعتبرت أحزاب المعارضة أن تعيينه يمثل محاولة من ماكرون لتثبيت نفوذه داخل مؤسسات الدولة قبل مغادرته السلطة في عام 2027، خصوصاً أن منصب محافظ بنك فرنسا يمتد لسنوات طويلة.

في المقابل، دافع مولان عن نفسه خلال جلسات الاستماع البرلمانية، مؤكداً أنه «رجل حر» خدم الدولة لأكثر من 30 عاماً، وأنه سيتولى مهامه باستقلالية كاملة عن السلطة التنفيذية وأي مصالح خاصة.

ويكتسب الجدل حول استقلالية البنك المركزي حساسية خاصة في أوروبا، حيث تُعد استقلالية السياسة النقدية أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها البنك المركزي الأوروبي منذ تأسيسه.

التحديات الاقتصادية الأوروبية

يتزامن تعيين مولان مع مرحلة حساسة تمر بها منطقة اليورو، حيث يدرس البنك المركزي الأوروبي إمكانية رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، أكد مولان أن القرارات النقدية يجب أن تبنى على البيانات، مع ضرورة تحقيق توازن دقيق بين كبح التضخم ودعم النمو الاقتصادي.

الوضع المالي الداخلي في فرنسا

وفي الشأن المالي الداخلي، اعتبر مولان أن فرنسا تواجه تحدياً جدياً يتمثل في تقليص عجز الموازنة العامة، غير أنه شدد على أن الوضع لا يصل إلى حد الأزمة. وأشار إلى أن بيانات المعهد الوطني للإحصاء أظهرت تحسناً في عجز عام 2025 مقارنة بالتوقعات، مما يسهّل على الحكومة بلوغ هدف خفض العجز إلى نحو 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الحالي.

وأوضح أن العودة إلى سقف الاتحاد الأوروبي المحدد عند 3 في المائة تتطلب إرادة سياسية قوية من السلطتين التنفيذية والتشريعية، خصوصاً لضبط الإنفاق العام والتحكم في تكاليف قطاعي الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية، اللذين ينموان بوتيرة أسرع من الاقتصاد.

وفي هذا السياق، أكَّد أن تحقيق الانضباط المالي لا يستدعي بالضرورة إجراءات تقشف قاسية، بل يعتمد على إصلاحات هيكلية وإدارة أكثر كفاءة للموارد.

وتكافح فرنسا في السنوات الأخيرة لضبط ماليتها العامة، وسط انقسامات سياسية حادة داخل البرلمان أدت إلى تعطيل أو إسقاط حكومات بسبب خطط التقشف. ومع ذلك، فإن تحسن أداء العجز في 2025 يجعل تحقيق الأهداف الجديدة أكثر واقعية، ويدعم جهود الحكومة في استعادة التوازن المال

المسار المهني لإيمانويل مولان

يعد مولان (57 عاماً) من كبار المسؤولين الماليين في فرنسا، إذ يتمتع بخبرة واسعة في الإدارة الاقتصادية والمالية. فقد عمل في وزارة الاقتصاد والمالية لسنوات طويلة، وشغل منصب مدير الخزانة الفرنسية بين 2020 و2024. كما كان مدير مكتب وزير المالية برونو لو مير، وتولى لاحقاً منصب الأمين العام للإليزيه، أحد أهم المناصب في الدولة. وشارك في إدارة ملفات اقتصادية حساسة، مثل برامج الإنفاق خلال جائحة «كورونا»، والتعامل مع الأزمات المالية الأوروبية، مما جعله يُعد من صناع السياسة الاقتصادية في فرنسا خلال العقد الأخير.

ويمثل منصب محافظ بنك فرنسا موقعاً محورياً في النظام المالي، إذ تشمل مهامه: الإشراف على النظام المصرفي الفرنسي وتنظيمه، والمشاركة في مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، الذي يحدد أسعار الفائدة في منطقة اليورو، والمساهمة في صياغة السياسات النقدية التي تؤثر في 21 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي. وبالتالي، فإن شاغل هذا المنصب لا يقتصر دوره على فرنسا فقط، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد الأوروبي ككل.

التحديات الاقتصادية

يأتي تعيين مولان في وقت حساس للغاية بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، حيث تواجه منطقة اليورو تحديات كبيرة، أبرزها ضغوط تضخمية ناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، واحتمالات رفع أسعار الفائدة في اجتماع يونيو (حزيران) لمواجهة التضخم.

في المقابل، هناك مخاطر إضعاف النمو الاقتصادي إذا تم تشديد السياسة النقدية.

وأكد مولان أن قرار رفع الفائدة يجب أن يعتمد على البيانات الاقتصادية، مع ضرورة تحقيق التوازن بين مكافحة التضخم وعدم الإضرار بالنمو، مشيراً إلى أن الوضع يتطلب حذراً كبيراً في اتخاذ القرار.

دلالات التعيين سياسياً ومؤسسياً

يحمل تعيين مولان عدة دلالات مهمة، منها:

1- تعزيز موقع ماكرون: إذ نجح في تمرير أحد أهم التعيينات رغم المعارضة.

2- تصاعد الجدل حول استقلالية المؤسسات: حيث أعاد التعيين النقاش حول حياد البنوك المركزية.

3- توازن القوى في البرلمان: إذ أظهر التصويت انقسام المعارضة وعدم قدرتها على تشكيل جبهة موحدة.

4- أهمية المنصب أوروبياً: بالنظر إلى دور بنك فرنسا داخل منظومة البنك المركزي الأوروبي.

ختاماً، يمثل تعيين إيمانويل مولان محافظاً لبنك فرنسا لحظة مفصلية في السياسة الاقتصادية الفرنسية، إذ يجمع بين الرهانات السياسية الداخلية والتحديات الاقتصادية الأوروبية. وبينما يرى مؤيدوه أنه يمتلك الخبرة والكفاءة اللازمة، يخشى منتقدوه من تسييس مؤسسة يفترض أن تكون مستقلة. وفي ظل استمرار الضغوط التضخمية وعدم اليقين العالمي، سيبقى أداء مولان في هذا المنصب تحت اختبار دقيق من الأسواق وصناع القرار على حد سواء.


هيئة السوق المالية السعودية تحيل 17 مشتبهاً في «سينومي ريتيل» إلى النيابة العامة

مبنى هيئة السوق المالية في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى هيئة السوق المالية في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
TT

هيئة السوق المالية السعودية تحيل 17 مشتبهاً في «سينومي ريتيل» إلى النيابة العامة

مبنى هيئة السوق المالية في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى هيئة السوق المالية في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

أعلنت هيئة السوق المالية عن إحالة 17 مشتبهاً بهم إلى النيابة العامة، من بينهم أعضاء مجالس إدارة سابقون وحاليون في شركة «سينومي ريتيل» (فواز عبد العزيز الحكير وشركاه)، إضافة إلى رئيس تنفيذي سابق وعدد من المديرين الماليين وأعضاء من فريق المراجعة لدى المراجع الخارجي السابق.

وقالت الهيئة إن الإحالة جاءت بعد نتائج تفتيش ميداني وفحص لحسابات الشركة أظهرت وجود اشتباه بمخالفات لنظام السوق المالية ولوائحه التنفيذية، تتعلق بسلوكيات السوق، إلى جانب مخالفات محتملة لنظام الشركات من قبل بعض أعضاء مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي المكلف.

وحسب بيان الهيئة، فإن الشبهات شملت قيام بعض الأطراف بإحداث انطباع غير صحيح ومضلل بشأن القيمة العادلة للسهم، إضافة إلى استغلال مناصب وصلاحيات داخل الشركة لتحقيق مصالح شخصية أو محاباة أطراف ذات علاقة.

وأكدت الهيئة أنها ماضية في تطبيق الأنظمة بحق المخالفين، مشددة على أن أي ممارسات قائمة على الغش أو التلاعب أو التدليس ستُقابل بإجراءات نظامية وعقوبات صارمة، بهدف حماية المستثمرين وتعزيز الشفافية في السوق المالية.

وفي سياق متصل، كانت الشركة قد شهدت خلال سبتمبر (أيلول) الماضي تحولات مهمة، بعد إتمام صفقة استحواذ مع «مجموعة الفطيم» الإماراتية على 49.95 في المائة من أسهمها مقابل 2.5 مليار ريال (675 مليون دولار)، إلى جانب الحصول على تسهيلات تمويلية إضافية بقيمة 2.95 مليار ريال (نحو 787 مليون دولار)، ما دعم مرحلة إعادة هيكلة شاملة وتغييرات في مجلس الإدارة ضمن مسار استراتيجي جديد للشركة.


«هيوماين» و«أكسنتشر» تطلقان شراكة لتسريع تبني الذكاء الاصطناعي في السعودية

رجلان يقفان أمام أحد نماذج الذكاء الاصطناعي (رويترز)
رجلان يقفان أمام أحد نماذج الذكاء الاصطناعي (رويترز)
TT

«هيوماين» و«أكسنتشر» تطلقان شراكة لتسريع تبني الذكاء الاصطناعي في السعودية

رجلان يقفان أمام أحد نماذج الذكاء الاصطناعي (رويترز)
رجلان يقفان أمام أحد نماذج الذكاء الاصطناعي (رويترز)

أعلنت «هيوماين» و«أكسنتشر» عن تعاون استراتيجي لتسريع تبني الذكاء الاصطناعي في المملكة، ودعم انتقال المؤسسات إلى تطبيقات تشغيلية متقدمة على نطاق واسع.

وتسعى «هيوماين»، وهي شركة تابعة لصندوق الاستثمارات العامة تقدم قدرات متكاملة في مجال الذكاء الاصطناعي عالمياً، و«أكسنتشر» وهي شركة خدمات مهنية عالمية متخصصة في الاستشارات الإدارية والتقنية والتحول الرقمي وتعمل مع كبرى الحكومات والشركات حول العالم، إلى تسريع تبني الذكاء الاصطناعي في المملكة عبر القطاعين العام والخاص، ودعم انتقال المؤسسات من مرحلة التجارب الأولية إلى أنظمة ذكاء اصطناعي تشغيلية على مستوى الإنتاج.

وبموجب هذه الشراكة، ستعمل «أكسنتشر» كشريك استراتيجي في إعادة ابتكار الأعمال والذكاء الاصطناعي في السعودية، لمساعدة «هيوماين» على توسيع قدراتها داخل المملكة، عبر الانتقال من النماذج التجريبية إلى التنفيذ الفعلي.

ويجمع التعاون بين البنية التحتية المتكاملة لدى «هيوماين»، بما يشمل مراكز بيانات متقدمة، ومنصات سحابية عالية الأداء، ونماذج ذكاء اصطناعي متطورة وحلول تطبيقية، وبين قدرات «أكسنتشر» العالمية في تصميم وبناء وتشغيل التحولات الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وتُعد «أكسنتشر» شركة خدمات مهنية عالمية متخصصة في الاستشارات الإدارية والتقنية والتحول الرقمي، وتعمل مع كبرى الحكومات والشركات حول العالم لتسريع تبنّي التقنيات الحديثة.

وتركز الشراكة على 5 محاور رئيسية تشمل إعادة ابتكار الأعمال، وبناء معماريات ذكاء اصطناعي قابلة للتوسع، وتحول القوى العاملة، وتنشيط منظومة الشراكات التقنية، وتعزيز الثقة الرقمية عبر الأمن السيبراني والحوكمة والامتثال.

وأكد الطرفان أن هذا التعاون يتجاوز النماذج الاستشارية التقليدية، عبر تقديم تنفيذ متكامل يدمج البنية التحتية والمنصات والتشغيل، بما يمكّن المؤسسات من تبني الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع وتحقيق قيمة قابلة للقياس.