حققت «أرامكو السعودية» أداءً مالياً استثنائياً خلال الربع الأول من عام 2026، حيث تجاوزت أرباحها توقعات المحللين بشكل ملحوظ، مستفيدة من مرونة تشغيلية عالية وجاهزية فائقة في مواجهة التقلبات العالمية.
ووفقاً لبيان صدر يوم الأحد حول نتائج الشركة المالية، قفز صافي الدخل المعدل للشركة بنسبة تقارب 26 في المائة ليصل إلى 33.6 مليار دولار (126.0 مليار ريال)، متخطياً متوسط توقعات المحللين البالغة 109 مليارات ريال، ومقارنة بـ99.8 مليار ريال للفترة نفسها من العام الماضي. وأقرت الشركة توزيع أرباح أساسية بقيمة 21.89 مليار دولار (82.08 مليار ريال)، تماشياً مع استراتيجيتها الرامية لتقديم عوائد مستدامة ومتنامية تعكس الثقة في تدفقاتها النقدية وقوة مركزها المالي.
وتؤكد هذه النتائج قدرة «أرامكو» الفائقة على تحقيق تدفقات نقدية من الأنشطة التشغيلية بلغت 30.7 مليار دولار، رغم التحديات الجيوسياسية المعقدة المحيطة بالأسواق.
يعكس أداؤنا في الربع الأول مرونة تشغيلية كشركة عالمية رائدة في مجال الطاقة في مواجهة التحديات الجيوسياسية المعقدة، مع الاستمرار في تلبية احتياجات العالم من الطاقةلمعرفة المزيدhttps://t.co/UfI8fGQq22 pic.twitter.com/8oZ4qDq9bO
— أرامكو (@saudi_aramco) May 10, 2026
ويأتي هذا النمو القوي تأكيداً على قدرة الشركة على الصمود في وجه التداعيات الجيوسياسية الراهنة التي تؤثر على حركة الملاحة في مضيق هرمز. وقد لعب الاستثمار الاستراتيجي في البنية التحتية، متمثلاً في تشغيل خط أنابيب "شرق – غرب"، دوراً حيوياً في ضمان تدفق الإمدادات إلى الأسواق العالمية وتخفيف آثار صدمة الطاقة، مما عزز من مكانة الشركة باعتبارها شريكاً موثوقاً لأمن الطاقة العالمي.
ودفع الحصار الإيراني للملاحة عبر ممر هرمز المائي الحيوي، وسط الصراع الأميركي الإسرائيلي - الذي أدى إلى تقليص إمدادات الطاقة وارتفاع الأسعار - شركة «أرامكو» إلى زيادة تدفقات النفط الخام من ساحلها الشرقي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وقال رئيس «أرامكو» وكبير إدارييها التنفيذيين، المهندس أمين الناصر: «أثبت خط أنابيبنا بين الشرق والغرب، الذي بلغ طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل من النفط يومياً، أنه شريان إمداد حيوي، ساهم في تخفيف آثار صدمة الطاقة العالمية». وأضاف: «يُعدّ الإمداد الموثوق بالطاقة أمراً بالغ الأهمية».
وكانت أسعار النفط الخام ارتفعت خلال الربع الأول من العام من حوالي 65 دولاراً في أوائل فبراير (شباط) إلى أكثر من 100 دولار للبرميل في مارس (آذار)، حيث أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى صدمة طاقة عالمية.
تحليل البيانات المالية
في التفاصيل، بلغ الدخل الصافي المعدل 33.6 مليار دولار (ما يعادل 125.97 مليار ريال) متجاوزاً بذلك متوسط تقديرات المحللين البالغ 31.16 مليار دولار. وهو الرقم الذي يعكس الأداء الحقيقي لعمليات الشركة بعد استبعاد البنود غير المتكررة والمؤثرات المحاسبية المرتبطة بتكلفة الاستبدال وتقلبات القيمة العادلة لبعض المشتقات وتكاليف التمويل، التي بلغت قيمتها الإجمالية نحو 1.06 مليار دولار (3.96 مليار ريال)، وفق ما أظهرت نتائج الشركة المنشورة على موقع السوق المالية السعودية.
تعلن شركة الزیت العربیة السعودیة (أرامكو السعودیة) عن النتائج المالية الأولية للفترة المنتهية في 2026-03-31 (ثلاثة أشهر)https://t.co/1tf2Ogqh3L
— Tadawul News (@TadawulFeed) May 10, 2026
كما ارتفع صافي الدخل بأكثر من 25 في المائة في الربع الأول من العام مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، مدفوعاً بزيادة مبيعات النفط الخام وارتفاع الأسعار. وبلغ 32.04 مليار دولار (120.13 مليار ريال) مقارنة بـ25.51 مليار دولار (95.68 مليار ريال) للربع نفسه من عام 2025.
وفيما يخص صافي الدخل العائد للمساهمين، فقد سجلت «أرامكو» نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 25.5 في المائة ليصل إلى 32.04 مليار دولار (120.13 مليار ريال)، مقارنة بنحو 25.51 مليار دولار للفترة ذاتها من العام السابق.
ويعود هذا الارتفاع بشكل جوهري إلى قفزة في إجمالي الإيرادات التي بلغت 115.49 مليار دولار (433.10 مليار ريال) بارتفاع نسبته 7 في المائة مقارنة بالعام الماضي، مدعومة بارتفاع أسعار النفط الخام والمنتجات المكررة والكيميائية، وزيادة الكميات المبيعة من النفط الخام والمنتجات الكيميائية، مما ساهم في تعزيز الدخل الآخر المتعلق بالمبيعات ليصل إلى 34.14 مليار ريال.

وعلى صعيد المقارنة الربعية، أظهرت النتائج قفزة نوعية في صافي الدخل بنسبة 72.9 في المائة مقارنة بالربع الرابع من عام 2025، حيث ارتفعت الأرباح من 18.53 مليار دولار إلى 32.04 مليار دولار. ويُعزى هذا النمو المتسارع إلى تحسن الهوامش الربحية وانخفاض تكاليف التشغيل، رغم الزيادة التي طرأت على ضرائب الدخل والزكاة نتيجة ارتفاع الوعاء الضريبي، وهو ما يعكس مرونة الشركة في التعامل مع تقلبات التكاليف وزيادة كفاءة الإنتاج في قطاعي التنقيب والإنتاج والتكرير والكيميائيات.
أما بالنسبة للمركز المالي، فقد واصلت «أرامكو» تدعيم حقوق الملكية لتصل إلى 408.46 مليار دولار (1.5 تريليون ريال)، بزيادة سنوية قدرها 3.9 في المائة. ورافقت هذه النتائج ربحية للسهم بلغت 0.13 دولار (0.50 ريال)، مما يعزز الثقة في قدرة العملاق السعودي على الاستمرار في سياسة توزيعات الأرباح المستدامة.

التدفقات النقدية والمركز المالي
على الصعيد المالي، حققت الشركة تدفقات نقدية من الأنشطة التشغيلية بلغت 30.7 مليار دولار (115.2 مليار ريال). كما سجلت التدفقات النقدية الحرة 18.6 مليار دولار (69.9 مليار ريال) انخفاضاً من 19.2 مليار دولار في العام السابق، وهو رقم تأثر بزيادة استراتيجية في رأس المال العامل بمقدار 15.8 مليار دولار (59.1 مليار ريال) لضمان استمرارية الأعمال. وحافظت الشركة على هيكل رأسمال قوي بنسبة مديونية بلغت 4.8 في المائة (ارتفاعاً من 3.8 في المائة نهاية عام 2025)، مع تحقيق عائد على متوسط رأس المال المستثمر بنسبة 20.7 في المائة، مما يؤكد كفاءة إدارة الأصول.
وبعد إعلان النتائج، ارتفع سهم «أرامكو» بنسبة 0.8 في المائة ليغلق عند 27.42 ريال، بتداولات بلغت نحو 12 مليون سهم.
توزيعات الأرباح والنمو المستقبلي
تماشياً مع أدائها القوي، أعلن مجلس إدارة «أرامكو» عن توزيع أرباح أساسية بقيمة 21.9 مليار دولار (82.1 مليار ريال) عن الربع الأول، بزيادة سنوية قدرها 3.5 في المائة، ومن المقرر دفعها خلال الربع الثاني من العام الجاري. وفي إطار سعيها لتأمين النمو طويل الأجل، ضخت الشركة نفقات رأسمالية بلغت 12.1 مليار دولار (45.4 مليار ريال) خلال الربع الأول، مستهدفة توسيع قدراتها الإنتاجية وتعزيز بنيتها التحتية الحيوية.

مرونة تشغيلية واستجابة للأزمات
وتعليقاً على النتائج، أوضح رئيس «أرامكو» وكبير إدارييها التنفيذيين، المهندس أمين الناصر، أن أداء الشركة خلال هذا الربع يبرهن على جاهزية تشغيلية قوية وقدرة استثنائية على التكيف مع تعقيدات البيئة الجيوسياسية الراهنة.

وأوضح أن خط الأنابيب «شرق - غرب» - الذي يعمل حالياً بطاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يومياً - أثبت أنه شريان حيوي يضمن تدفق النفط والمنتجات إلى الأسواق العالمية. كما ساهم هذا الدور المحوري في تخفيف وطأة صدمة الطاقة العالمية، ودعم عملائنا المتأثرين بحدود الشحن في مضيق هرمز.
وشدد الناصر على أن «الأحداث الأخيرة تؤكد بجلاء الأهمية الجوهرية للنفط والغاز في تعزيز أمن الطاقة ودفع عجلة الاقتصاد العالمي، وهي تذكير مستمر بضرورة توفر إمدادات موثوقة ومستدامة». وقال: «رغم جميع التحديات، تواصل (أرامكو) التركيز على أولوياتها الاستراتيجية، مستفيدة من بنيتها التحتية المحلية المتطورة وشبكتها العالمية لتجاوز أي اضطرابات».
وفي بيان له لـ«رويترز»، أعلن الناصر أن العالم فقد نحو مليار برميل من النفط خلال الشهرين الماضيين، وحتى مع استئناف تدفقات الطاقة، سيستغرق الأمر وقتاً قبل أن يعود النظام إلى وضعه الطبيعي. وقال: «هدفنا بسيط: ضمان استمرار تدفق الطاقة، حتى في ظل الضغط الذي يتعرض له النظام».
وفي تعليق له، أكد المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن نتائج «أرامكو» في الربع الأول أظهرت متانة نموذجها التشغيلي وقدرتها العالية على الاستفادة من البيئة السعرية للنفط، حيث انعكس ارتفاع متوسط أسعار البيع بشكل مباشر على نمو صافي الربح مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي.وقال «إن اللافت في هذه النتائج ليس فقط نمو الأرباح، بل مرونة الشركة التشغيلية في إدارة سلاسل الإمداد والتصدير في ظل ظروف جيوسياسية معقدة، وهو ما حافظ على مستويات التدفق النقدي القوي واستدامة التوزيعات للمساهمين».وأضاف أن من المهم قراءة هذه النتائج بواقعية مهنية، مشيراً إلى أن جزءاً من هذا النمو يرتبط بارتفاعات سعرية استثنائية خلال الربع، ما يعني أن وتيرة الربحية المستقبلية ستظل مرتبطة بشكل وثيق باتجاهات أسعار النفط العالمية واستقرار الإمدادات.واختتم بالقول إن هذه النتائج تؤكد أن «أرامكو» لا تزال من أكثر شركات الطاقة عالمياً قدرة على تحقيق ربحية عالية في مختلف الظروف، بفضل انخفاض تكلفة الإنتاج وكفاءة التشغيل والانضباط المالي، وهي عوامل تمنحها ميزة تنافسية يصعب مجاراتها.
توزيعات تعزز جاذبية السهم
من جهته، أكد الرئيس الأول لإدارة الأصول في «أرباح كابيتال»، محمد الفراج، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن التوزيعات النقدية الضخمة التي تقدمها «أرامكو» تعزز جاذبية السهم كأداة استثمارية دفاعية تستقطب المستثمرين المؤسسيين وطويلي الأجل، وفي مقدمتهم الصناديق السيادية وصناديق التقاعد، بفضل التدفقات النقدية المستقرة التي تدعمها ميزانية قوية وتكاليف إنتاج تُعد من الأقل عالمياً.
وأوضح أن هذه العوامل تمنح الشركة قدرة عالية على الاستمرار في توزيع الأرباح حتى في ظل تقلبات أسواق الطاقة، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على جاذبية السوق السعودية ويرفع وزنها في المحافظ الاستثمارية العالمية كوجهة آمنة لرؤوس الأموال الأجنبية، خصوصاً خلال فترات الأزمات والتوترات الجيوسياسية.
إعادة شراء الأسهم
وأشار الفراج إلى أن برنامج إعادة شراء الأسهم يمثل رسالة ثقة من الإدارة في القيمة الجوهرية للشركة وقدرتها على تحقيق تدفقات نقدية قوية تدعم التوسع والربحية المستقبلية، لافتاً إلى أن هذه الخطوة تسهم في رفع ربحية السهم ودعم تقييمه السوقي.
وكانت «أرامكو» أعلنت في مارس الماضي عن برنامج إعادة شراء أسهمها بـ3 مليارات دولار على 18 شهراً، موضحة أن عملية الشراء تهدف إلى الاحتفاظ بالأسهم كأسهم خزينة لغرض تخصيصها لبرنامج خطط أسهم الموظفين.
وأضاف الفراج أن «أرامكو» تواصل تنفيذ استراتيجية توسعية لتنويع مصادر دخلها عبر الاستثمار في الغاز الطبيعي والغاز المسال ومشاريع كبرى مثل حقل الجافورة، إلى جانب توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الكفاءة التشغيلية وخفض التكاليف، مع بقاء النفط المحرك الرئيسي للأرباح والتدفقات النقدية للشركة خلال السنوات المقبلة.


