«فالابوروا» بجنوب أفريقيا... سلاح واشنطن لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة

جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)
جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)
TT

«فالابوروا» بجنوب أفريقيا... سلاح واشنطن لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة

جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)
جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)

في قلب مدينة فالابوروا بجنوب أفريقيا، تبرز تلال رملية عملاقة لا تمثل مجرد مخلَّفات لمصنع كيماويات قديم، بل تتحول اليوم إلى ساحة معركة مفصلية في الحرب الباردة التكنولوجية بين واشنطن وبكين. ورغم سحب التوتر الدبلوماسي التي تخيم على العلاقات الثنائية، فإن إدارة ترمب اختارت مساراً براغماتياً حاسماً باستثمار 50 مليون دولار في مشروع استخراج العناصر الأرضية النادرة من النفايات الصناعية. ويعكس هذا التوجه إدراكاً أميركياً عميقاً بأن تحصين سلاسل التوريد للصناعات العسكرية والتقنية هو ضرورة استراتيجية تسمو فوق الخلافات السياسية العابرة، في محاولة جادة لكسر قبضة الصين الاحتكارية على هذه المعادن التي تمثل الشريان الحيوي للصناعات الدفاعية، الروبوتات، والسيارات الكهربائية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

استثمار «كنوز النفايات» بدل المناجم

يرتكز مشروع «فالابوروا» على رؤية تقنية مبتكرة تقلب موازين التعدين التقليدي؛ حيث يستهدف تلك «الكثبان الصناعية» التي تضم 35 مليون طن من مادة «الفوسفوجيبسوم» الناتجة عن معالجة الفوسفات والأسمدة. وتكمن الميزة التنافسية الكبرى في أن هذه المواد قد خضعت تاريخياً لعمليات سحق وتسخين، مما يوفر على المستثمرين المراحل الأكثر استهلاكاً للطاقة والتكلفة في التعدين التقليدي.

وبفضل هذا الإرث الصناعي، يطمح المشروع لإنتاج عناصر نادرة بتكلفة منخفضة تضاهي الأسعار الصينية، مع الالتزام بمعايير بيئية صارمة تعتمد على الطاقة المتجددة بنسبة 90 في المائة في عمليات الاستخراج كافة.

جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)

المعادن النادرة

لا تبحث واشنطن في رمال جنوب أفريقيا عن عوائد مالية فحسب، بل تسعى لتأمين خمسة عناصر أساسية، يتصدرها النيوديميوم، والديسبروسيوم، والتربيوم. فهذه العناصر هي حجر الزاوية في صناعة المغناطيسات فائقة الأداء التي تشغل محركات المستقبل؛ من توربينات الرياح والسيارات الكهربائية وصولاً إلى أنظمة الدفاع الصاروخي المتقدمة. ومع استهداف شركة «رينبو رير إيرثز» لبدء التشغيل الفعلي في عام 2028، ستضمن الولايات المتحدة تدفقاً مستداماً لهذه المواد بعيداً عن تقلبات القرار في بكين، وهو ما يدعم استراتيجية ترمب الشاملة التي خصصت 12 مليار دولار لبناء احتياطي استراتيجي من المعادن الحرجة.

الالتفاف الدبلوماسي لحماية الأمن القومي

يكشف الإصرار على دعم هذا المشروع، رغم الأوامر التنفيذية القاضية بوقف المساعدات المالية لجنوب أفريقيا، عن عمق القلق الأميركي من التبعية التقنية للصين. وبما أن حكومة جنوب أفريقيا لا تملك حصة مباشرة في المشروع، وجدت واشنطن مخرجاً دبلوماسياً عبر دعم شركة «تيكميت» الشريكة، لضمان وصول هذه الموارد إلى المصانع الأميركية. هذا التحرك يجعل من «فالابوروا» ركيزة أساسية في حماية الأمن القومي الأميركي ضد أي تقلبات في المشهد السياسي الدولي أو ضغوط جيوسياسية محتملة.

السباق الأفريقي الكبير

لا يمثل مشروع جنوب أفريقيا سوى قطعة واحدة في أحجية استراتيجية كبرى ترتبها واشنطن عبر القارة السمراء لمزاحمة النفوذ الصيني المتغلغل. فمن تمويل دراسات الجدوى في مناجم موزمبيق، إلى تطوير «ممر لوبيتو» للسكك الحديدية لربط مناجم الكونغو وزامبيا بالموانئ الأطلسية، تبدو الولايات المتحدة في حالة استنفار شامل لاستعادة المبادرة.

لن يكون نجاح «فالابوروا» المرتقب مجرد انتصار تقني، بل سيثبت للعالم أن الابتكار في استغلال النفايات الصناعية يمكن أن يعيد رسم خريطة القوة التكنولوجية العالمية، انطلاقاً من كثبان جنوب أفريقيا.


مقالات ذات صلة

إدارة ترمب تتراجع عن إلزام الساعين إلى «إقامة دائمة» تقديم طلباتهم في بلدانهم

الولايات المتحدة​ ركاب يقفون عند نقطة تفتيش في مطار بولاية جورجيا الأميركية (إ.ب.أ)

إدارة ترمب تتراجع عن إلزام الساعين إلى «إقامة دائمة» تقديم طلباتهم في بلدانهم

تراجعت الإدارة الأميركية عن قرارها المعلن في 22 مايو (أيار) الحالي القاضي بإلزام الساعين إلى الحصول على «إقامة دائمة» تقديم طلباتهم في بلدانهم...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً خلال اجتماع إدارته في البيت الأبيض (إ.ب.أ)

ترمب يدرس إلغاء حفلات ذكرى التأسيس في واشنطن بعد انسحاب فنانين

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، ​إنه يفكر في إلغاء سلسلة من الحفلات الموسيقية المقرر إقامتها بمناسبة الذكرى 250 لتأسيس الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يطلب الالتزام بدراسة توصي بخفض عدد لقاحات الأطفال

أعرب الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تأييده دراسة؛ أجرتها وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، توصي بخفض عدد اللقاحات الموصَى بها لكل طفل أميركي...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية إيرانية تسير بجوار جدارية مناهضة لإسرائيل بأحد شوارع طهران يوم 30 مايو 2026 (رويترز)

واشنطن تلوّح باستئناف الحرب... وتواصل حصار هرمز

أكدت الولايات المتحدة أن لديها الوسائل لاستئناف الحرب مع إيران، وأعلن البيت الأبيض أن الرئيس، دونالد ترمب، لن يبرم اتفاقاً مع طهران إلا إذا استوفى كل شروطه...

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية سيدة إيرانية تسير بجوار جدارية مناهضة لإسرائيل في أحد شوارع طهران (رويترز) p-circle

أميركا تؤكد أن لديها القدرة على استئناف الحرب مع إيران

أكدت الولايات المتحدة، السبت، أن لديها الوسائل لاستئناف الحرب مع إيران. وأعلن البيت الأبيض أن الرئيس ترمب لن يبرم اتفاقاً مع طهران إلا إذا استوفى كل شروطه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«سوفت بنك» تضخ 81 مليار دولار لبناء أكبر مجمع للذكاء الاصطناعي في فرنسا

شعار «سوفت بنك» بمتجر تابع للشركة في طوكيو (رويترز)
شعار «سوفت بنك» بمتجر تابع للشركة في طوكيو (رويترز)
TT

«سوفت بنك» تضخ 81 مليار دولار لبناء أكبر مجمع للذكاء الاصطناعي في فرنسا

شعار «سوفت بنك» بمتجر تابع للشركة في طوكيو (رويترز)
شعار «سوفت بنك» بمتجر تابع للشركة في طوكيو (رويترز)

أطلقت مجموعة «سوفت بنك» اليابانية العملاقة واحدةً من أضخم المبادرات الاستثمارية في تاريخ البنية التحتية التكنولوجية، بتعهُّدها بضخ نحو 75 مليار يورو (نحو 81 مليار دولار أميركي) لبناء شبكة هائلة من مجمعات حوسبة الذكاء الاصطناعي في فرنسا.

ويُعدُّ هذا المشروع الأضخم من نوعه لمراكز البيانات في أوروبا، في وقت تُسابق فيه القارة الزمنَ للحاق بالولايات المتحدة والصين في سباق تسلُّح البنية التحتية الفائقة المُخصَّصة للجيل المقبل من التكنولوجيا، وفق ما كشفته صحيفة «فاينانشال تايمز».

ويُعدُّ هذا الالتزام المالي الضخم أكبر استثمار للمجموعة التي يقودها ماسايوشي سون خارج الأراضي الأميركية، مما يمنح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دفعةً سياسيةً واقتصاديةً قويةً قبيل انطلاق فعاليات قمة «اختر فرنسا (Choose France)» السنوية الأسبوع المقبل، والتي تجمع أقطاب المال والأعمال والشركات الكبرى في قصر فرساي.

وجاء الاتفاق التاريخي بعد عشاء عمل سريع جمع ماكرون وسون في طوكيو مطلع أبريل (نيسان) الماضي؛ حيث استعرض الرئيس الفرنسي المزايا التنافسية لبلاده، مراهناً على وفرة الطاقة النووية، وآليات الموافقة السريعة الممنوحة لتأسيس منشآت الذكاء الاصطناعي.

5 محطات نووية لتوليد طاقة الحوسبة

وتتضمَّن المرحلة الأولى من استراتيجية «سوفت بنك» قيادة استثمارات بقيمة 45 مليار يورو لبناء قدرة طاقة حوسبية تصل إلى 3.1 غيغاواط في منطقة أو دو فرانس، شمال فرنسا، بحلول عام 2031، على أن تتبعها مرحلة ثانية لإضافة 2 غيغاواط أخرى.

وفي إحدى المنشآت الرئيسية التابعة للمشروع بمدينة دونكيرك، ستتحالف المجموعة اليابانية مع شركة «شنايدر إلكتريك» الفرنسية؛ لإنشاء مركز متكامل للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي وصناعة الروبوتات، في موقع استراتيجي مهيأ لخدمة أكبر أسواق القارة في لندن، وبروكسل، وأمستردام.

وفي حال اكتمال المجمع بكامل طاقته المستهدفة (5 غيغاواط)، فإنَّ حجم الطاقة المستهلكة سيعادل إنتاج 5 محطات طاقة نووية مجتمعة، أو ما يوازي ذروة الطلب على الكهرباء في مدينة نيويورك بالكامل. ونظراً لأن تكلفة بناء كل غيغاواط واحد من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي (بما يشمل الأراضي، والإنشاءات، ومعدات الحوسبة) تُقدَّر صناعياً بنحو 50 مليار دولار، فإنَّ «سوفت بنك» ستعتمد على هيكل تمويلي يقوم على ضخ حصة صغيرة من حقوق الملكية (الأسهم)، مع تأمين الجزء الأكبر من رأس المال عبر قروض وتمويلات مشروعات من شركاء دوليِّين لم تُعلَن أسماؤهم بعد.

الرئيس الفرنسي يتحدَّث خلال زيارة لمصنع لإنتاج أجهزة للمطبخ ضمن فعاليات قمة «اختر فرنسا» (رويترز)

تراجع الاستثمارات الأوروبية والمنافسة الدولية

وتأتي هذه الخطوة الجريئة في وقت تعاني فيه أوروبا من تخلف واضح عن الركب مقارنة بالولايات المتحدة، والصين، والشرق الأوسط، في تشييد مراكز البيانات العملاقة اللازمة لتلبية الطلب الطاغي على قدرات المعالجة الفائقة. وتفضل عادةً تدفقاتُ رؤوس الأموال التوجُّه نحو مناطق توفِّر تكاليف طاقة منخفضة، وربطاً أسرع بشبكات الكهرباء، وتشريعات أكثر مرونة في مجالات التخطيط وحماية البيانات والانبعاثات الكربونية.

ويأتي المشروع الفرنسي ليرسِّخ مكانة «سوفت بنك» في سوق البنية التحتية العالمية؛ إذ يضاف إلى مشروع مراكز بيانات آخر بقدرة 10 غيغاواط أعلنت عنه المجموعة في ولاية أوهايو الأميركية في مارس (آذار) الماضي بالتعاون مع مسؤولين في إدارة ترمب. وتتكامل هذه المشروعات مع خطة المجموعة في أبوظبي لبناء بنية تحتية بقدرة 5 غيغاواط ضمن تحالف يضم شركات «جي 42»، و«أوبن إيه آي»، و«أوراكل»، و«إنفيديا»، و«سيسكو».

طموحات سون

ويعكس هذا الحراك تحولاً جذرياً في فلسفة ماسايوشي سون؛ إذ حلت طموحات التوسُّع في مراكز البيانات، إلى حدٍّ ما، محل الخطط الأصلية للمشروع المشترك «ستارغيت» البالغة قيمته 500 مليار دولار، والذي كان مصمماً لتوفير قدرات حوسبة خارقة مخصَّصة حصرياً لشركة «أوبن إيه آي».

الرئيس التنفيذي لـ«سوفت بنك» ماسايوشي سون يلقي كلمةً بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فعالية «الاستثمار في أميركا» أبريل 2025 (رويترز)

وتضع المجموعة اليابانية ثقلها بالكامل في قلب ثورة الذكاء الاصطناعي، مستندة إلى التزامات استثمارية تخطت 60 مليار دولار في شركة «أوبن إيه آي» (مطورة «تشات جي بي تي»)، إلى جانب خطط لإدراج شركات الروبوتات والطاقة التابعة لها في البورصات الأميركية، وتوسيع القدرات الإنتاجية لأشباه الموصلات حول، جوهرتها الاستراتيجية، مصممة الرقائق البريطانية «آرم (Arm)».

ورغم ضخامة هذه الأرقام والتعهدات الشفهية، فإنَّ مراقبو السوق يلتزمون بنبرة من الحذر؛ إذ لم يتم تحديد العملاء النهائيين أو مزودي معدات الحوسبة لمشروع فرنسا بعد، وفق الصحيفة البريطانية. كما أن سوابق القطاع تشير إلى أن كثيراً من المشروعات التي يحتفي بها السياسيون لا ترى النور؛ فالمشروع الرائد لشركة «أوبن إيه آي» لبناء منشأة في شمال شرقي إنجلترا، والذي احتفت به حكومة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في سبتمبر (أيلول) الماضي، جرى تجميده إلى أجل غير مسمى.

لكن بالنسبة لماكرون، الذي صعد إلى السلطة عام 2017 ببرنامج داعم للأعمال، فإنَّ هذا الاتفاق يمثل جائزة كبرى لطموحاته بجعل فرنسا مركزاً أوروبياً للتكنولوجيا النظيفة مستغلاً الطاقة النووية منخفضة الكربون، وتأتي هذه الخطوة الحاسمة قبل أقل من عام من انتخابات رئاسية فرنسية تكتنفها حالة من عدم اليقين السياسي، مع صعود تيارات اليمين في استطلاعات الرأي.


الصين تهدد باتخاذ إجراءات تجارية انتقامية ضد الاتحاد الأوروبي

آلاف السيارات الكهربائية في طريقها للتصدير بميناء شنغهاي الصيني (رويترز)
آلاف السيارات الكهربائية في طريقها للتصدير بميناء شنغهاي الصيني (رويترز)
TT

الصين تهدد باتخاذ إجراءات تجارية انتقامية ضد الاتحاد الأوروبي

آلاف السيارات الكهربائية في طريقها للتصدير بميناء شنغهاي الصيني (رويترز)
آلاف السيارات الكهربائية في طريقها للتصدير بميناء شنغهاي الصيني (رويترز)

حذرت الصين، السبت، الاتحاد الأوروبي من فرض المزيد من القيود التجارية، وذلك عقب مناقشات داخلية في الاتحاد حول العلاقات مع بكين، وأكدت بكين أنها سترد بحزم على أي إجراءات جديدة تعتبرها تمييزية.

وأصدرت وزارة التجارة الصينية بياناً أكدت فيه ضرورة التزام الاتحاد الأوروبي بالتجارة الحرة والمنافسة العادلة، ورفض الإجراءات الحمائية والأحادية.

وأضافت الوزارة أنه في حال فرضت بروكسل «أدوات تجارية أحادية» أو قيوداً تمييزية، فإن الصين «سترد بقوة» وستتخذ «إجراءات فعالة» للدفاع عن مصالحها.

وجاء هذا التحذير بعد أن عقدت المفوضية الأوروبية مساء الجمعة محادثات داخلية حول السياسة التجارية المتعلقة بالعلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين.


الاتحاد الأوروبي يعتزم الحدّ من الاعتماد على شركات التكنولوجيا الأميركية

علم الولايات المتحدة وجواز سفر وهمي بالإضافة إلى شعارات كبرى شركات التكنولوجيا في أميركا (رويترز)
علم الولايات المتحدة وجواز سفر وهمي بالإضافة إلى شعارات كبرى شركات التكنولوجيا في أميركا (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يعتزم الحدّ من الاعتماد على شركات التكنولوجيا الأميركية

علم الولايات المتحدة وجواز سفر وهمي بالإضافة إلى شعارات كبرى شركات التكنولوجيا في أميركا (رويترز)
علم الولايات المتحدة وجواز سفر وهمي بالإضافة إلى شعارات كبرى شركات التكنولوجيا في أميركا (رويترز)

يستعد الاتحاد الأوروبي، الذي يبدي قلقاً إزاء ضعفه أمام القوى الأجنبية في المجال التكنولوجي، للإعلان عن تدابير غير مسبوقة تحدّ من اعتماده على الشركات التكنولوجية الأميركية الكبرى وموردي أشباه الموصلات الصينيين، مع تعزيز البدائل الأوروبية.

وتكشف المفوضية الأوروبية، الأربعاء المقبل، عن خطة كبرى لـ«السيادة التكنولوجية»، ما يُنذر بمواجهة جديدة مع الولايات المتحدة.

وتندرج هذه المقترحات في إطار سعي الاتحاد الأوروبي إلى «استعادة مكانته في السباق العالمي نحو النفوذ الجيو-اقتصادي»، على ما ورد في وثيقة تلخيصية نشرتها وكالة الصحافة الفرنسية، السبت.

ويُبدي الاتحاد الأوروبي قلقاً بالغاً إزاء اعتماده الكبير على خدمات الشركات الأميركية الكبرى للحوسبة السحابية: «أمازون» و«مايكروسوفت» و«غوغل»، التي تسيطر على 70 في المائة من السوق الأوروبية.

وتتزايد مخاوف الحكومات الأوروبية من إمكانية تعطيل الخدمات الرقمية التي تعتمد على مزوّدين أميركيين، لا سيما في قطاع الدفاع، عبر آلية الإيقاف الطارئ المعروفة بـ«كيل سويتش» (kill switch) في حال حدوث أزمة مفتوحة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وحرص المسؤولون الأوروبيون على عدم استهداف بشكل مباشر المزودين الأميركيين الذين يهيمنون على النظام الرقمي في أوروبا على جميع المستويات تقريباً، من خدمات تكنولوجيا المعلومات إلى الشبكات الاجتماعية والتجارة الإلكترونية.

وكانت تيريزا ريبيرا، وهي مسؤولة رفيعة المستوى في المفوضية الأوروبية، قالت هذا الشهر: «علينا تطوير قدراتنا الخاصة حتى لا تتأثر قراراتنا وقيمنا واقتصادنا بأي جهة أخرى».

درس قاس

لا يزال الأوروبيون يستحضرون تجربة صعبة، حين فرضت واشنطن العام الماضي عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية.

وأثار القاضي الفرنسي نيكولا غيو أصداء واسعة حين روى أنه وجد نفسه محروماً فجأة من استخدام بطاقته المصرفية، إذ تعتمد شبكات الدفع الفرنسية على الشركات الأميركية: «فيزا» و«ماستركارد» و«أميركان إكسبرس»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وسبق أن حذرت الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، من أي نزعة حمائية، في حين تؤكد شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة أن أوروبا ستخسر كثيراً إذا قررت الاستغناء عن خدماتها.

وفي مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، في أبريل، قال السفير الأميركي لدى الاتحاد الأوروبي أندرو بوزدر، إن عرقلة أنشطة الموردين الأميركيين في مجال الذكاء الاصطناعي أو الحوسبة السحابية ستحرم الأوروبيين من «الخبرات والابتكارات التي طُوّرت في الولايات المتحدة».

شعارات أمازون وأبل وفيسبوك وغوغل (رويترز)

وستتضمن المقترحات التي ستُطرح يوم الأربعاء نصاً بشأن «تطوير الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي»، يهدف إلى تسهيل إنشاء بنى تحتية أساسية مثل مراكز البيانات في الاتحاد الأوروبي.

وتتضمن المقترحات أيضاً «قانوناً حول الرقائق الإلكترونية»، يهدف إلى تأمين إمدادات أشباه الموصلات من خلال تقليل الاعتماد على الموردين الأجانب، بالإضافة إلى تدابير لتعزيز استخدام البرمجيات المفتوحة المصدر داخل الإدارات والخدمات العامة.

ويؤكد النائب الألماني في البرلمان الأوروبي أوليفر شينك، المؤيد لهذه الإجراءات، أن الهدف ليس «استهداف شركائنا التجاريين أو إغلاق سوقنا»، وأضاف: «ترغب أوروبا في تجنب الاعتماد الهيكلي على أي جهة خارجية».

«تقييمات للمخاطر على السيادة»

تنص الوثيقة، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، التي قد تُعدّل بحلول الأربعاء، على أنه سيتعين على دول الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرين إجراء «تقييمات للمخاطر على صعيد السيادة» في مجال الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، وذلك «لتحسين قدرتها على الصمود» وتحديد بدائل أوروبية للموردين الأجانب.

وفي ما يتعلق بالرقائق الإلكترونية، تسعى المفوضية إلى الحصول على صلاحية التدخل في سلاسل الإنتاج في حال وقوع أزمة.

ويمكنها تالياً إلزام المصنّعين بتعليق عقودهم «لإعطاء الأولوية لإنتاج المكونات الحيوية».

وتتضمن الوثيقة أيضاً نظاماً مشتركاً للمشتريات لمساعدة الدول الأعضاء التي تعاني من «نقص حاد» في تأمين الإمدادات.

من جانبها، تسعى شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة إلى إظهار حسن النية. ويؤكد آرون كوبر من «بيزنيس سوفتوير ألينس»، إحدى أبرز المنظمات المدافعة عن مصالح قطاع التكنولوجيا: «لا يوجد آلية إيقاف طارئ».

وتقول رئيسة عمليات شركة «آي بي إم» في أوروبا آنا باولا أسيس، إنّ «السيادة الرقمية لا تقتصر على الحدود فحسب»، مضيفة أن شركتها تساعد زبائنها «للحفاظ على السيطرة على كامل بنيتهم المعلوماتية».

ويرى بن برايك، مدير منظمة «دوت أوروبا» التي تضم في عضويتها شركات مثل «أمازون» و«أبل»، أن «الاستهداف المباشر للشركات الأميركية، لن يساعد أوروبا على النهوض من جديد في مجالي الابتكار والتنافسية».