الصراع بالشرق الأوسط يضع التضخم الأميركي في مهب رياح الطاقة

توقعات بارتفاع البنزين في مارس تربك حسابات الفائدة

امرأة تدفع ثمن البنزين في محطة «شل» بواشنطن العاصمة (رويترز)
امرأة تدفع ثمن البنزين في محطة «شل» بواشنطن العاصمة (رويترز)
TT

الصراع بالشرق الأوسط يضع التضخم الأميركي في مهب رياح الطاقة

امرأة تدفع ثمن البنزين في محطة «شل» بواشنطن العاصمة (رويترز)
امرأة تدفع ثمن البنزين في محطة «شل» بواشنطن العاصمة (رويترز)

يواجه الاقتصاد الأميركي «فجوة توقيت» حرجة تضع صناع السياسة النقدية في مأزق؛ إذ تترقب الأسواق هذا الأسبوع تقارير اقتصادية تعكس مشهداً يعود إلى ما قبل اندلاع الحرب في إيران، في وقت تشتعل فيه أسعار الطاقة على أرض الواقع. وتتجلى حدة هذه الأزمة في التباين الصارخ بين بيانات يناير (كانون الثاني) التي تشير إلى تضخم عنيد، وبيانات فبراير (شباط) التي توحي بتباطؤ مرتقب، مما يخلق ارتباكاً حول أي من هذه القراءات يعبر فعلياً عن صحة الاقتصاد. وتتضاعف هذه الحيرة مع اندلاع الصراع الجيوسياسي الذي جعل أرقام فبراير - رغم أنها الأحدث - تبدو وكأنها تنتمي لزمن مختلف، بينما تهدد صدمة إمدادات النفط الحالية بإعادة إشعال التضخم في مارس (آذار) قبل أن يتمكَّن «الاحتياطي الفيدرالي» من استيعاب البيانات السابقة.

ويأتي هذا الترقب في أعقاب تقرير وظائف «مخيب للآمال» لشهر فبراير، حيث فقد الاقتصاد الأميركي بشكل مفاجئ 92 ألف وظيفة، وارتفع معدل البطالة إلى 4.4 في المائة. هذا التدهور في سوق العمل يضرب التصورات السابقة باستقرار التوظيف، ويضع صنّاع القرار في حيرة بين معالجة الركود المحتمل وبين كبح جماح التضخم الذي دخل مرحلة جديدة من عدم اليقين المطلق نتيجة العمليات العسكرية الجارية وتوقف الإنتاج في عدد من مصافي النفط الإقليمية.

شخص يقود دراجة نارية صغيرة بينما يتصاعد الدخان في منطقة صناعة النفط بالفجيرة (رويترز)

فجوة البيانات

ومن المنتظر أن يكشف تقرير مؤشر أسعار المستهلكين، المقرر صدوره يوم الأربعاء، عن صورة «مخادعة» للاستقرار؛ حيث تشير التوقعات إلى ارتفاع التضخم الأساسي بنسبة 0.2 في المائة فقط لشهر فبراير، وهو ما قد يوحي بانحسار ضغوط الأسعار قبل اندلاع الشرارة الأولى للحرب. ومع ذلك، تشير التحليلات العميقة لـ«بلومبرغ» و«المصرف الملكي الكندي» إلى وجود فجوة نادرة بين مؤشرات التضخم؛ فبينما يظهر مؤشر أسعار المستهلكين هدوءاً، يتوقع أن يظهر مؤشر إنفاق الاستهلاك الشخصي (PCE) -المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي- يوم الجمعة، «عناداً» واضحاً في قراءات يناير بنسبة ارتفاع تصل إلى 0.4 في المائة، ليظل المعدل السنوي ثابتاً عند 3 في المائة. ويعزو المحللون هذا التباين إلى ثغرات إحصائية وتوقعات ببيانات مفقودة تتعلق بقطاع الإسكان، مما يجعل الأسواق في حالة ارتباك حول أي المؤشرين يعكس الحقيقة الاقتصادية الراهنة.

وفي هذا السياق، يرى خبراء «بلومبرغ» أن تقرير مؤشر أسعار المستهلكين لشهر فبراير سيكون المحفز المقبل لرهانات السوق على معدل الفائدة الفيدرالية، خصوصاً بعد أرقام الرواتب الكارثية للشهر نفسه. ويشيرون إلى مفارقة فنية؛ فبينما يُتوقع أن يأتي مؤشر إنفاق الاستهلاك الشخصي الأساسي «ساخناً» لشهر يناير، فإن الأسواق قد تعمد إلى تجاهل أو استبعاد هذه القراءة المرتفعة لصالح بيانات التضخم في فبراير الأكثر حداثة، إذا ما جاءت الأخيرة فاترة وباهتة كما هو متوقع، مما يعزز التكهنات بأن التضخم كان يسير فعلياً نحو الهبوط قبل حدوث الصدمة الجيوسياسية.

عامل يُشغّل صمامات في حقل الرميلة النفطي بالعراق (رويترز)

صدمة الوقود... وتقليص القدرة الشرائية

وعلى صعيد قطاع الطاقة، فإنَّ صدمة الحرب بدأت بالفعل في رسم خريطة تضخمية مغايرة لشهر مارس. فبينما بقيت بيانات فبراير بمنأى عن آثار النزاع، تسببت العمليات العسكرية في قفزة هائلة في أسعار وقود السيارات، حيث سجلت أسعار التجزئة واحدة من أكبر الزيادات الأسبوعية منذ إعصار «كاترينا» عام 2005. ويحذر المصرف الملكي الكندي في تقرير له من أن بقاء أسعار النفط عند مستويات 100 دولار للبرميل سيبقي التضخم فوق مستوى 3 في المائة طوال عام 2026. هذه القفزة ستؤدي حتماً إلى تقلص القوة الشرائية للمستهلكين، حيث يجد الأميركيون أنفسهم مضطرين لدفع مبالغ أكبر في محطات الوقود، مما يقلل من قدرتهم على الإنفاق الاختياري ويضغط بشكل مباشر على مبيعات التجزئة الحقيقية، رغم أن القيم الاسمية للمبيعات قد تبدو مرتفعة بسبب زيادة الأسعار.

من جهته، يرى بنك «باركليز» أن وصول سعر النفط إلى عتبة 100 دولار للبرميل سيكون «تضخمياً بلا شك» على المستوى العام. ويوضح البنك أن كل زيادة مستدامة بنسبة 10 في المائة في أسعار الخام تضيف نحو 0.2 نقطة مئوية إلى مؤشر أسعار المستهلكين خلال شهرين، مدفوعة بشكل أساسي بأسعار البنزين. ويحذر من أن بقاء النفط قرب 100 دولار لفترة طويلة قد يدفع التضخم الإجمالي للاقتراب من 3 في المائة بحلول نهاية 2026، وهو ما قد يؤدي إلى تأخير التخفيضات المتوقعة في أسعار الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي» إذا بدأت توقعات التضخم في الارتفاع.

ضخة بنزين تُركّب داخل سيارة في محطة وقود «موبيل» بشارع بيفرلي بوليفارد في ويست هوليوود (رويترز)

ضغوط هيكلية... وعدوى الأسعار

وفي الوقت ذاته، تبرز ضغوط هيكلية مقلقة في مؤشر أسعار المنتجين، حيث سجَّلت القراءات الأخيرة قفزات متتالية بلغت 0.6 في المائة و0.8 في المائة في شهرَي ديسمبر (كانون الأول) ويناير. وتعكس هذه الأرقام محاولات تجار الجملة لتمرير تكاليف التعريفات الجمركية المرتفعة إلى بائعي التجزئة للحفاظ على هوامش أرباحهم. ورغم صدور أمر قضائي مؤخراً يتطلب من الإدارة الأميركية رد أكثر من 130 مليار دولار من التعريفات الجمركية العالمية للمستوردين، فإن الخبراء يستبعدون أن يترجم ذلك إلى تخفيف تضخمي فوري؛ فالشركات التي طبَّقت زيادات سعرية بالفعل من غير المرجح أن تتراجع عنها في ظلِّ حالة عدم اليقين الجيوسياسي، مما يعني أن عدوى الأسعار ستستمر في الانتقال إلى المستهلك النهائي ببطء ولكن بثبات.

واجهة مبنى مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن العاصمة (رويترز)

مأزق «الاحتياطي الفيدرالي»

أما بالنسبة للسياسة النقدية، فيجد «الاحتياطي الفيدرالي» نفسه في مأزق «فترة التعتيم الإعلامي» قبيل اجتماع 17 - 18 مارس. ومع بقاء التضخم السنوي فوق مستهدفه بنسبة 2 في المائة في المائة، يتوقَّع المحللون إبقاء معدلات الفائدة دون تغيير في نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة. فمن جهة، يضغط ضعف سوق العمل والتباطؤ في خلق الوظائف نحو خفض الفائدة، ومن جهة أخرى، تجبر صدمة الطاقة والارتفاع المرتقب في تضخم مارس البنك المركزي على التمسك بموقفه المتشدد. كما يراقب «الاحتياطي الفيدرالي» بيانات الدخل المتاح للإنفاق، حيث إن نمو الأجور بنسبة 0.6 في المائة المتوقع في يناير قد يوفِّر بعض الدعم للمستهلكين، لكنه قد يغذي أيضاً دوامة الأجور والأسعار التي يسعى البنك لتجنبها.

وبعيداً عن أرقام التضخم، تتجه الأنظار يوم الجمعة إلى بيانات فرص العمل لشهر يناير، والتي ستكشف عن مستوى الطلب الحقيقي على العمالة ومدى صمود الشركات. وفي اليوم نفسه، سيقدم استطلاع جامعة ميشيغان الأولي لشهر مارس نظرةً طازجةً ومباشرةً حول كيفية رؤية الأميركيين لأثر الصراع في إيران على ميزانياتهم الخاصة. وسيكون هذا الاستطلاع بمثابة «مقياس حرارة» لمشاعر المستهلكين تجاه تضخم مارس المتصاعد، وتحديثاً مهماً لمواقفهم بشأن سوق العمل وتوقعات التضخم في ظل الحرب الجارية.

وعلى الصعيد العالمي، تمتد تداعيات الصراع في إيران لتشمل الاقتصادات الكبرى المعتمدة على الطاقة؛ ففي أوروبا، تراقب ألمانيا وفرنسا أثر الأزمة على قطاعاتهما الصناعية، خصوصاً بعد تحسن طفيف شهدته ألمانيا في نهاية 2025 بفضل الإنفاق الدفاعي والبنية التحتية.

وفي آسيا، تواجه دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند تهديداً مزدوجاً، حيث يؤدي ارتفاع أسعار المستوردات النفطية إلى الضغط على النمو وتعقيد مهمة البنوك المركزية هناك. إن البيانات الاقتصادية التي ستصدر هذا الأسبوع، من الناتج المحلي لليابان إلى التضخم في الهند، ستكون جميعها تحت مجهر الصراع في الشرق الأوسط، مما يؤكد أن الاقتصاد العالمي لعام 2026 بات اليوم محكوماً بالميدان أكثر من لغة الأرقام الصرفة.


مقالات ذات صلة

باول يُسلم الراية لوارش ويتحول إلى حارس لاستقلالية «الفيدرالي»

تحليل إخباري باول يغادر آخر مؤتمر صحافي عقده قبل انتهاء ولايته (أ.ب)

باول يُسلم الراية لوارش ويتحول إلى حارس لاستقلالية «الفيدرالي»

بعد 8 سنوات صاخبة قضاها على رأس أقوى بنك مركزي في العالم، يصل جيروم باول يوم الجمعة إلى محطة النهاية بوصفه رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي».

هلا صغبيني (الرياض)
الاقتصاد حساب الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصة «تروث سوشيال»

«مجموعة ترمب للإعلام والتكنولوجيا» تسجّل خسائر بأكثر من 400 مليون دولار

أعلنت الشركة الأم لمنصة التواصل الاجتماعي «تروث سوشيال» الخاصة بترمب، الجمعة، عن تسجيل خسائر صافية تجاوزت 400 مليون دولار في الربع الأول من العام.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد ستيفن ميران عضو مجلس محافظي «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي خلال محاضرة في منتدى دلفي الاقتصادي بأثينا... 14 يناير 2026 (رويترز)

ميران: بقاء باول في «الفيدرالي» يجب أن يكون «انتقالياً» فقط

قال ستيفن ميران، عضو مجلس محافظي «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الجمعة، إنه يأمل ألا يستمر رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الحالي، جيروم باول، في المجلس فترة طويلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أشخاص يشاركون في تجمع داعم للموظفين الفيدراليين خارج مبنى «26 فيدرال بلازا» الحكومي في نيويورك 25 مارس 2025 (رويترز)

نمو التوظيف الأميركي يتجاوز التوقعات في أبريل مع استقرار البطالة عند 4.3 %

سجل التوظيف في الولايات المتحدة ارتفاعاً يفوق التوقعات خلال أبريل، في حين استقر معدل البطالة عند 4.3 في المائة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

العقود الآجلة الأميركية ترتفع بدعم قطاع الرقائق... وتترقب بيانات الوظائف

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الجمعة، مدعومة بتعافي أسهم شركات أشباه الموصلات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

ارتفاع صادرات الصين في أبريل 14 % رغم حرب إيران

حاويات في ميناء يانغشان بشنغهاي (رويترز)
حاويات في ميناء يانغشان بشنغهاي (رويترز)
TT

ارتفاع صادرات الصين في أبريل 14 % رغم حرب إيران

حاويات في ميناء يانغشان بشنغهاي (رويترز)
حاويات في ميناء يانغشان بشنغهاي (رويترز)

واصلت الصين تسجيل تجارة نشطة في أبريل (نيسان)، على الرغم من الوضع الناجم عن الحرب في الشرق الأوسط، محققة زيادة في صادراتها إلى الولايات المتحدة، وفق بيانات رسمية نشرت السبت، قبل أيام من زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المنتظرة بترقب كبير.

وسجلت ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم زيادة في صادراتها في أبريل بنسبة 14.1 في المائة على أساس سنوي، تقابلها زيادة في الواردات بنسبة 25.3 في المائة خلال الفترة ذاتها، بحسب بيانات إدارة الجمارك.

وهذه الأرقام أعلى من توقعات مجموعة من الخبراء الاقتصاديين أوردتها وكالة «بلومبرغ»، حيث ترقبوا زيادة بنسبة 8.4 في المائة للصادرات، و20 في المائة للواردات.

كما أنها تتخطى بيانات مارس (آذار) التي شهدت زيادة في الصادرات بنسبة سنوية لم تتجاوز 2.5 في المائة، وكانت أدنى من توقعات الخبراء.

وارتفعت صادرات الصين إلى الولايات المتحدة وحدها بنسبة 11.3 في المائة في أبريل على أساس سنوي، في تباين كبير مع أرقام الأشهر السابقة، حين تراجعت هذه الصادرات بمعدل سنوي قدره 11 في المائة في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) و26.5 في المائة في مارس، تحت وطأة الرسوم الجمركية الأميركية المشددة.

تمديد الهدنة التجارية

يزور ترمب بكين الأسبوع المقبل، وعلى رأس جدول أعمال قمته مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، التجارة والخلل في الميزان التجاري لصالح الصين والرسوم الجمركية.

ومع عودة ترمب إلى البيت الأبيض، شهد عام 2025 حرباً تجارياً ضارية بين الولايات المتحدة والصين، على وقع رسوم جمركية مشددة وقيود متبادلة.

وتوصّل الرئيسان في أكتوبر (تشرين الأول)، إلى هدنة تجارية مؤقتة من المتوقع أن يبحثا تمديدها خلال اجتماعهما.

وألغت المحكمة العليا الأميركية في فبراير، جزءاً كبيراً من الرسوم الجمركية العالمية الشاملة التي فرضها ترمب في فبراير، لكن الإدارة تبقي على رسوم محددة مفروضة على الصين، وقد تفرض رسوماً جمركية جديدة.

وكانت الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة تراجعت بنسبة 20 في المائة عام 2025، في وقت سجلت فيه الصين فائضاً قياسياً في ميزانها التجاري قارب 1200 مليار دولار.

وبلغ حجم الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بالإجمال 36.8 مليار دولار في أبريل 2026، بالمقارنة مع 22 مليار عام 2025.

عدم يقين

لا تزال الصادرات هي المحرك الأساسي للاقتصاد الصيني، على الرغم من ضغوط شركاء بكين من أجل تبني نموذج يحفّز الاستهلاك الداخلي، وجهود الحكومة في هذا الاتجاه.

ويبقى الاعتماد على التجارة الدولية عاملاً يبعث على عدم اليقين في ظل ضعف الطلب الداخلي واستمرار الأزمة العقارية ومديونية الإدارات المحلية، فضلاً عن فائض الإنتاج والضغوط الانكماشية وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب.

ويشير الخبراء إلى أن النشاط التجاري الصيني لا يزال إلى الآن، صامداً في وجه الأزمة بالشرق الأوسط، متوقّعين إبقاء الصادرات على زخمها في المستقبل القريب، مدعومة من الطلب على أشباه الموصلات والتقنيات الخضراء.

وما يحصّن الصين أكثر من سواها ضد صدمة الحرب الآنية هو تنوّع إنتاجها ومصادر إمداداتها من الطاقة، لكن الخبراء يحذرون من مخاطر أزمة طويلة الأمد وتباطؤ في النشاط الاقتصادي العالمي، بالنسبة لاقتصاد يعتمد إلى هذا الحد على المبادلات التجارية الدولية.


باول يُسلم الراية لوارش ويتحول إلى حارس لاستقلالية «الفيدرالي»

باول يغادر آخر مؤتمر صحافي عقده قبل انتهاء ولايته (أ.ب)
باول يغادر آخر مؤتمر صحافي عقده قبل انتهاء ولايته (أ.ب)
TT

باول يُسلم الراية لوارش ويتحول إلى حارس لاستقلالية «الفيدرالي»

باول يغادر آخر مؤتمر صحافي عقده قبل انتهاء ولايته (أ.ب)
باول يغادر آخر مؤتمر صحافي عقده قبل انتهاء ولايته (أ.ب)

بعد 8 سنوات صاخبة قضاها على رأس أقوى بنك مركزي في العالم، يصل جيروم باول يوم الجمعة في 15 مايو (أيار)، إلى محطة النهاية بوصفه رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي». باول، الذي عيّنه ترمب في ولايته الأولى، ثم تحوّل إلى «خصمه اللدود»، قاد الاقتصاد الأميركي عبر نفق الجائحة المظلم، قبل أن يجد نفسه في مواجهة شرسة مع أسوأ موجة تضخم منذ 4 عقود. واليوم، بينما يستعد لتسليم «مطرقة الرئاسة»، يرفض باول مغادرة المشهد بالكامل، معلناً بقاءه في مجلس المحافظين حتى عام 2028، في مناورة تاريخية تهدف لحماية استقلالية المؤسسة أمام ضغوط البيت الأبيض والبيانات الاقتصادية المتفجرة.

من «رئيس» إلى «حارس»

في قرار كسر به تقليداً لم يشهده «الاحتياطي الفيدرالي» منذ عهد مارينر إيكلز عام 1948 (الذي أنهى رئاسته لـ«الاحتياطي الفيدرالي» لكنه استمر في العمل داخل مجلس المحافظين حتى عام 1951)، قرر باول استغلال حقه القانوني بالبقاء عضواً في مجلس المحافظين. ولم يتردد في تحويل ملف تحقيقات تجديد مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» من عبء إداري إلى ساتر سياسي وقانوني، مؤكداً بلهجة حاسمة: «لن أغادر المجلس حتى يُغلق هذا الملف بشفافية تامة ونهاية حاسمة».

إلا أن الدوافع الحقيقية تتجاوز الإجراءات الإدارية؛ فبتمترسه داخل المجلس، يحرم باول الرئيس دونالد ترمب من فرصة ترشيح عضو جديد موالٍ له فوراً، مما يحد من قدرة الإدارة على إعادة تشكيل هوية المجلس وتوجيهه نحو خفض الفائدة بضغوط سياسية.

وقد جاء الرد من الإدارة على قرار باول لاذعاً؛ حيث وصف وزير الخزانة، سكوت بيسنت، الخطوة بأنها «انتهاك صارخ لجميع أعراف (الاحتياطي الفيدرالي)»، بينما سخر ترمب من باول، قائلاً إنه بقي لأنه «لا يستطيع العثور على وظيفة في مكان آخر».

إلا أن هذا الهجوم يبرز قلق الإدارة من وجود باول بوصفه «عقبة» أمام تنفيذ أجندة اقتصادية قد تضحي باستقلالية القرار النقدي، مقابل مكاسب سياسية سريعة.

باول يغادر آخر مؤتمر صحافي عقده قبل انتهاء ولايته (أ.ب)

«الخطر الوجودي» والمعركة القانونية

يرى خبراء القانون الدستوري أن بقاء باول يمنحه «حصانة إجرائية» و«هالة مؤسسية» تجعل من محاولات إقالته «لسبب»، معركة قانونية خاسرة أو شديدة التكلفة على الإدارة. وتكتسب هذه الحماية أهمية قصوى في وقت تترقب فيه الأوساط القانونية حكم المحكمة العليا في قضية المحافظة ليزا كوك، التي ستحدد مدى قدرة الرئيس على تقويض استقلالية أعضاء المجلس.

وبعبارة أخرى، اختار باول أن يقاتل من داخل «الحصن» لا من خارجه، لمواجهة ما يصفه بـ«الخطر الوجودي» الذي يهدد استقلالية القرار النقدي.

ثنائية وارش - باول

ومع اقتراب 11 مايو، الموعد المرتقب لتثبيت كيفن وارش رئيساً جديداً لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، يسود اعتقاد لدى المحللين بأن السياسة النقدية لن تشهد انقلاباً فورياً؛ إذ يبرز وجود باول في مقعد «المحافظين» بوصفه صمام أمان يضمن انتقالاً سلساً للسلطة.

وفي اجتماع يونيو (حزيران) المقبل، سنكون أمام مشهد فريد: وارش يمسك بمطرقة الرئاسة، ويضع الأجندة، ويدير دفة النقاش، بينما يحتفظ باول بحقه في التصويت، مما يخلق توازناً نادراً بين طموح القيادة الجديدة وإرث الحقبة السابقة.

هذه «القيادة المزدوجة» تبعث برسالة استقرار حاسمة إلى الأسواق المالية؛ فبقاء باول يمنح المستثمرين ثقة في أن النهج المؤسسي للبنك تجاه مخاطر التضخم، سيظل قائماً على مبدأ «الاستمرارية».

وارش يدلي بشهادته أمام جلسة استماع للجنة المصرفية بمجلس الشيوخ (أرشيفية - رويترز)

وفي محاولة لتبديد الشكوك حول إمكانية خضوعه للضغوط السياسية، حرص وارش خلال كلمته أمام اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ في 21 أبريل (نيسان)، على رسم خطوط فاصلة واضحة، مؤكداً التزامه بكونه «فاعلاً مستقلاً»، حيث صرح بحزم: «أنا ملتزم بضمان بقاء مسار السياسة النقدية مستقلاً تماماً عن أي ضغوط أو إملاءات خارجية».

إلا أن نجاح هذه الثنائية في تحقيق استقرار المستهلكين والأسواق، سيعتمد بالدرجة الأولى على قدرة وارش على ترجمة هذا الالتزام إلى واقع ملموس، خصوصاً في ظل وجود باول الذي سيراقب من كثب مدى اتساق القرارات مع البيانات الاقتصادية الجافة، بعيداً عن ضجيج السياسة الذي يحيط بمبنى «الاحتياطي الفيدرالي».

تحدي التضخم... حقل الألغام الأول

كذلك، يكتسب بقاء باول أهمية استراتيجية مع ترقب بيانات التضخم لشهر أبريل؛ حيث تشير التوقعات إلى ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.6 في المائة على أساس شهري، بينما تُظهر أداة التتبع في «فيدرالي كليفلاند»، أن المعدل السنوي يسير باتجاه 3.56 في المائة. وتأتي هذه الأرقام بعد تقرير مارس (آذار) «الساخن»، الذي وصل فيه التضخم إلى 3.3 في المائة، مدفوعاً بقفزة بنسبة 21.2 في المائة في أسعار البنزين.

ويعدّ وجود باول في هذه المرحلة بمثابة «صمام أمان» ضد أي رضوخ للضغوط السياسية المطالبة بخفض الفائدة، خصوصاً أن «الاحتياطي الفيدرالي» عدّل نبرته بوصف التضخم بأنه «مرتفع» بدلاً من «مرتفع نوعاً ما»، في إشارة واضحة إلى الميل نحو التشدد، في وقت يتوقع فيه بنك «باركليز» أن تتلقى البيانات دفعة إضافية بنحو 10 نقاط أساس نتيجة تعديلات مؤشرات الإيجار.

هذا الواقع الرقمي سيجعل الأسواق تراقب بحذر؛ فالمستثمرون يفضلون السياسات التي تقودها «البيانات الجافة» لا «الإملاءات الخارجية».

رحيل «الحارس»... نهاية الأزمة أم بداية التسييس؟

يضع بقاء باول الأسواق أمام مفارقة شائكة؛ فمن جهة، يمثل رحيله المستقبلي «مخاطرة مؤسسية»، لأنه سيمنح البيت الأبيض مقعداً شاغراً يعيد رسم الخريطة الفكرية للمجلس. ومن جهة أخرى، يرى المحللون أن لحظة تقاعد باول ستكون هي المقياس الحقيقي لقياس سلامة المؤسسة؛ فباول لن يترجل عن صهوة «الاحتياطي الفيدرالي» إلا إذا اطمأن إلى أن عاصفة التسييس قد انقشعت، وأن القيادة الجديدة أصبحت قادرة على الصمود وحدها دون الحاجة لـ«درعه» القانونية والمؤسسية.

وحتى تلك اللحظة، يبقى «الاحتياطي الفيدرالي» في حالة «استقرار مع وقف التنفيذ»، بانتظار ما ستسفر عنه مواجهة الإرادات بين الحصن والبيت الأبيض.


«بوينغ»: نبني شراكة استراتيجية لترسيخ مكانة السعودية مركزاً عالمياً للطيران والسياحة

طائرة «بوينغ 878-9 دريملاينر» التابعة لـ«طيران الرياض» في مطار الملك خالد الدولي (أرشيفية - الرياض)
طائرة «بوينغ 878-9 دريملاينر» التابعة لـ«طيران الرياض» في مطار الملك خالد الدولي (أرشيفية - الرياض)
TT

«بوينغ»: نبني شراكة استراتيجية لترسيخ مكانة السعودية مركزاً عالمياً للطيران والسياحة

طائرة «بوينغ 878-9 دريملاينر» التابعة لـ«طيران الرياض» في مطار الملك خالد الدولي (أرشيفية - الرياض)
طائرة «بوينغ 878-9 دريملاينر» التابعة لـ«طيران الرياض» في مطار الملك خالد الدولي (أرشيفية - الرياض)

تتطلع شركة «بوينغ» الأميركية إلى تعزيز حضورها في السعودية، انطلاقاً من إيمانها بوجود فرص كبيرة تدعم توسعها في المنطقة، مؤكدة أن التعاون مع المملكة لم يعد يقتصر على توريد الطائرات؛ بل تطور ليشمل بناء شراكة طويلة الأمد تستهدف دعم تحول السعودية إلى مركز عالمي للطيران والسياحة.

وقال نائب الرئيس للمبيعات والتسويق التجاري لمنطقة الشرق الأوسط في «بوينغ»، عمر عريقات، إن السوق السعودية تُعدّ من أهم أسواق الشركة خارج الولايات المتحدة، في ظل الطلب المتزايد على تحديث الأساطيل وتوسيع شبكات النقل الجوي.

دعم التحول

وأكد، في حديث مع «الشرق الأوسط»، دور الشركة في دعم التحول الذي يشهده قطاع الطيران في السعودية، مشيراً إلى أن الشراكة الممتدة لأكثر من 80 عاماً، دخلت مرحلة جديدة أكثر عمقاً واستراتيجية مع تسارع مستهدفات «رؤية 2030».

وأضاف أن من أبرز مظاهر هذا التعاون طلبات شراء تتجاوز 140 طائرة من طرازات مختلفة، من بينها «787 دريملاينر» و«737-8»، ما يعكس حجم التوسع الذي يشهده قطاع الطيران في المملكة، ودوره في تعزيز الربط العالمي ودعم الاستدامة عبر طائرات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود وخفض الانبعاثات.

وأشار إلى أن «رؤية 2030» أعادت تشكيل قطاع الطيران ليصبح منظومة استراتيجية متكاملة، مدفوعة بأهداف تنويع الاقتصاد وزيادة المحتوى المحلي، وهو ما أدى إلى نمو الطلب على خدمات الصيانة والإصلاح، وفتح المجال أمام تطوير سلاسل إمداد وصناعات محلية مرتبطة بالطيران.

نائب الرئيس للمبيعات والتسويق التجاري لمنطقة الشرق الأوسط في «بوينغ» (الشركة)

توطين الصيانة

وبيّن أن «بوينغ» وسعت شراكاتها المحلية في هذا السياق، بما يشمل توطين عمليات الصيانة وإصلاح المحركات، إلى جانب استكشاف فرص التصنيع الأولي للمواد المستخدمة في القطاع؛ مثل الألمنيوم والتيتانيوم، بالتعاون مع شركات وطنية، في خطوة تعزز الاكتفاء الصناعي وتدعم بناء قدرات محلية مستدامة.

وفيما يتعلق بتسليم طائرات «دريملاينر» إلى طيران الرياض، وصف عريقات هذه الخطوة بأنها محطة مفصلية في بناء شبكة الطيران المستقبلية للمملكة، موضحاً أن هذه الطائرات توفر مدى طويلاً وكفاءة تشغيلية عالية، ما يدعم إطلاق رحلات مباشرة تربط الرياض بمختلف القارات، ويعزز موقعها مركزاً عالمياً لحركة السفر.

وأكد أن التوسع في الربط الجوي يمثل رافعة اقتصادية مهمة؛ إذ يسهم في تنشيط السياحة وجذب الاستثمارات وتسهيل التجارة، إلى جانب خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة مع تزايد تدفق المسافرين والأعمال إلى المملكة.

طائرة «بوينغ» من طراز «737» (الشركة)

مركز عالمي

في سياق متصل، أشار إلى أن الشراكة مع «طيران الرياض» تمثل عنصراً محورياً في تسريع تحقيق مستهدفات المملكة للتحول إلى مركز طيران عالمي، رغم التحديات المرتبطة بالبنية التحتية وتوفير الكفاءات البشرية وتطوير الأطر التنظيمية، لافتاً إلى أن هذه التحديات تمثل فرصاً لتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات الأكاديمية.

وحول تأثير الأوضاع الجيوسياسية، أكد عريقات أن الطلب على السفر الجوي في السعودية والمنطقة يواصل نموه بوتيرة قوية، مدفوعاً بالاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية واستراتيجيات التنمية طويلة الأمد، مشيراً إلى أن الأسس الاقتصادية للقطاع لا تزال متينة رغم التقلبات العالمية.

وأضاف أن هذا الزخم يدفع «بوينغ» إلى توسيع حضورها في السوق السعودية، عبر دعم نمو الطاقة الاستيعابية وتعزيز القدرات المحلية، بما يتماشى مع مستهدفات «رؤية 2030» لبناء قطاع طيران أكثر مرونة وتنوعاً.

مشاركة شركة «بوينغ» في معرض الدفاع العالمي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

العنصر البشري

وفي جانب تنمية الكفاءات، شدد عريقات على أن الاستثمار في العنصر البشري يمثل ركيزة أساسية في استراتيجية الشركة، لافتاً إلى مساهمة «بوينغ» في دعم التعليم والبحث العلمي من خلال شراكات أكاديمية وبرامج تدريب محلية وصلت فيها نسبة السعودة إلى 100 في المائة، إضافة إلى استثمارات تجاوزت 60 مليون ريال منذ عام 2012 في المبادرات المجتمعية.

وأكد أن الشراكات مع الناقلات السعودية تمثل عاملاً حاسماً في تعزيز موقع المملكة ضمن سلاسل الإمداد العالمية، من خلال توظيف الحلول الرقمية وتحليلات البيانات والخبرات التشغيلية، بما يسهم في رفع الكفاءة وتحسين تجربة المسافرين، وترسيخ دور السعودية مركزاً إقليمياً لخدمات وصناعات الطيران.