كيف تخطط الصين للهيمنة على التجارة العالمية بعد مرحلة ترمب؟

بكين تسعى لعقد 20 اتفاقية تجارة حرة وسط الرسوم الجمركية الأميركية

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ووزير الأعمال والتجارة بيتر كايل خلال زيارة شنغهاي بالصين في يناير الماضي (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ووزير الأعمال والتجارة بيتر كايل خلال زيارة شنغهاي بالصين في يناير الماضي (رويترز)
TT

كيف تخطط الصين للهيمنة على التجارة العالمية بعد مرحلة ترمب؟

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ووزير الأعمال والتجارة بيتر كايل خلال زيارة شنغهاي بالصين في يناير الماضي (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ووزير الأعمال والتجارة بيتر كايل خلال زيارة شنغهاي بالصين في يناير الماضي (رويترز)

ترى الصين فرصة سانحة لتحويل الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، من مسألة ضدها إلى فائدة لمصلحتها، وذلك عبر إعادة تشكيل التجارة العالمية بطرق تحمي اقتصادها؛ البالغ 19 تريليون دولار، من الضغوط الأميركية على المدى البعيد.

ووجدت «رويترز» أن بكين تستغل حالة عدم اليقين التي أحدثها ترمب، في محاولة لدمج قاعدة الصين الصناعية الضخمة في أكبر التكتلات الاقتصادية بالعالم، بما في ذلك «الاتحاد الأوروبي» ودول الخليج، و«اتفاقية التجارة عبر المحيط الهادئ». تتضمن هذه الجهود تسريع وتيرة إبرام نحو 20 اتفاقية تجارية، استغرقت سنوات كثيرة من الإعداد، على الرغم من المخاوف الواسعة النطاق بشأن فائض الإنتاج الصيني، وعدم تكافؤ فرص الوصول إلى الأسواق، وضعف الطلب المحلي.

ويكشف تحليل أجرته «رويترز» لمائة مقال باللغة الصينية، كتبها باحثون تجاريون مدعومون من الدولة منذ عام 2017، عن مسعى ممنهج من قبل مستشاري السياسة الصينيين إلى محاكاة السياسة التجارية الأميركية وتحييد استراتيجية الاحتواء التي تنتهجها واشنطن. وتطبق الصين الآن هذه الخطة.

وكانت الاتفاقية التي جرى التوصل إليها مع كندا خلال زيارة رئيس الوزراء، مارك كارني، بكين في يناير (كانون الثاني) الماضي، والتي تخفض الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية، أولى الاتفاقيات الكثيرة التي تهدف إلى كسر النفوذ الأميركي، وفقاً لمقابلات مع 10 أشخاص، من بينهم مسؤولون صينيون ودبلوماسيون تجاريون.

* هدف يستحق الثمن

وقال مسؤول صيني معلقاً على أجندة ترمب التجارية: «لا تقاطع خصمك عندما يرتكب خطأً». ويُظهر التقرير، المُستند إلى أكثر من ألفي ورقة بحثية بشأن استراتيجيات التجارة، التي حظيت بموافقة «الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية» وجامعة بكين، وهما الجهتان الاستشاريتان لكبار القادة، أن خبراء السياسة العامة يُقرّون عموماً بأن التغيير الهيكلي المؤلم ثمنٌ يستحق الدفع مقابل هيمنة الصين طويلة الأمد على التجارة العالمية. وقال دبلوماسيان غربيان إن بكين، في حال نجاحها، يُمكنها قلب سياسة التجارة الأميركية، التي استمرت أكثر من عقد من الزمن، رأساً على عقب، وذلك بوضع نفسها في قلب نظامٍ متعدد الأطراف جديدٍ تُشكّله الصين.

وقالت أليسيا غارسيا هيريرو، الباحثة في «مركز بروجيل للأبحاث»: «أمام الصينيين فرصة ذهبية الآن».

وعند سؤاله عن نهج الصين، قال مسؤول أميركي لوكالة «رويترز» إنه ليس من المُستغرب أن تسعى الدول ذات الفوائض التجارية الكبيرة إلى الحفاظ على العولمة. وأضاف: «يعمل الرئيس ترمب على إصلاح المشكلات التي سببتها العولمة للولايات المتحدة، بينما تسعى دول أخرى إلى تعزيزها مع تراجع حرية الوصول إلى أسواقها».

* الركائز الأساسية

ويعكس هذا التحولُ في لهجة الصين حساباتِها. فقبل عام، كانت بكين تستحضر ماو تسي تونغ وقدرته على صد الغرب في الحرب الكورية بالدعاية العسكرية. والآن، بينما تستعد الصين لاستقبال ترمب في أبريل (نيسان) المقبل، يُجري دبلوماسيوها جولات حول العالم لحث الشركاء التجاريين على الانضمام إليها في الدفاع عن التعددية والتجارة الحرة. وفي يناير الماضي، أوفدت الصين كبير دبلوماسييها إلى ليسوتو، التي فرض عليها ترمب في البداية تعريفة جمركية بنسبة 50 في المائة، للتعهد بالتعاون التنموي. ويوم السبت، ذكرت وسائل الإعلام الرسمية أن الصين ستطبّق «صفر» تعريفات جمركية على الواردات من 53 دولة أفريقية. وفي الوقت نفسه، تروج الصين لأنظمة جمركية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لجيرانها، وتعمل على تطوير البنية التحتية الرقمية التي تدعم التجارة... وتؤكد هذه التحركات هدفاً محدداً في وثائق السياسة؛ هو ترسيخ مكانة الصين في التجارة العالمية لدرجة لا تسمح للشركاء بالانفصال تحت ضغط الولايات المتحدة.

وكتب ني فينغ، الباحث في «معهد الدراسات الأميركية» التابع لـ«الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية»، عام 2024: «في مواجهة المنافسة الاستراتيجية الأميركية مع الصين، ينبغي أن يصبح (منع الانفصال) محور تركيز الصين الرئيسي». ويعمل المسؤولون الصينيون حالياً على تسريع وتيرة المحادثات التجارية المتوقفة. ومنذ عام 2017، تتفاوض الصين مع دول كثيرة من بينها هندوراس وبنما وبيرو وكوريا الجنوبية وسويسرا.

وصرح المتحدث باسم وزارة التجارة، هي يونغ تشيان، لوكالة «رويترز»، خلال زيارة كارني، دون الخوض في التفاصيل: «نحن على استعداد للتفاوض بشأن اتفاقيات تجارية واستثمارية ثنائية وإقليمية مع الدول والمناطق المهتمة». وفاجأ وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، المفاوضين الأوروبيين في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بطرحه احتمالية إبرام اتفاقية تجارة حرة مع «بروكسل» خلال محادثات مع نظيره الإستوني. وفي يناير الماضي، اتفق رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، مع الرئيس الصيني، شي جينبينغ، على إطلاق دراسة جدوى لـ«اتفاقية تجارة الخدمات» التي من شأنها تخفيف الحواجز أمام الشركات البريطانية. وصرح المستشار الألماني فريدريش ميرتس بأنه سيسعى إلى إقامة «شراكات استراتيجية» مع الصين خلال رحلة الأسبوع المقبل.

* فائض ضخم

من جهة أخرى، جعل وزير التجارة الصيني، وانغ وينتاو، الانضمام إلى «الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ» أولويةً قصوى. وتعود جذور هذه الاتفاقية إلى «اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ» المدعومة من الولايات المتحدة، التي طُوّرت جزئياً لمواجهة الصين قبل انسحاب واشنطن منها عام 2017. لكن الفائض التجاري الصيني الضخم يُعقّد الأمور؛ إذ يخشى بعض الدول الأعضاء أن يستغلّ المصنّعون الصينيون تحسّن وصولهم إلى الأسواق لتهريب فائض السلع منخفضة التكلفة إلى الخارج، في حين لا يزال الطلب المحلي في الصين ضعيفاً.

وأقرّت ويندي كاتلر، كبيرة المفاوضين في إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، بشأن «اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ»، بوجود فرصة سانحة أمام بكين لدعم التجارة والتعددية، لكنها قالت إن الصين بحاجة إلى تجاوز مجرد الكلام. وقالت كاتلر لوكالة «رويترز»: «مع اختلالاتها التجارية الهائلة، فضلاً عن بعض الإجراءات القسرية التي تتخذها الآن ضد دول مثل اليابان، يصعب تصوّر كيف ستُطبّق هذه الاتفاقية على أرض الواقع».

ورفض دبلوماسي تجاري أوروبي رفيع المستوى مبادرات بكين، ووصفها بأنها «دعاية صينية بحتة»، مؤكداً أن «بروكسل» لا تنوي إبرام أي اتفاقية تجارية. إلا إن المستشارين الصينيين لم يتراجعوا. وفي حديثه لوكالة «رويترز»، أشار أحدهم إلى أن «الاتحاد الأوروبي» والصين تفاوضا على اتفاقية استثمار تاريخية عام 2020 خلال الولاية الأولى لترمب. إلا إن الاتفاقية جُمّدت عام 2021 قبل دخولها حيز التنفيذ وسط خلاف بشأن عقوبات حقوق الإنسان.


مقالات ذات صلة

الأسهم الآسيوية تتذبذب مع ترقب موسم الأرباح وبيانات التضخم الأميركية

الاقتصاد سمسار يتحدث عبر هاتفه أثناء تداوله على جهاز الكمبيوتر الخاص به داخل شركة وساطة مالية في مومباي (رويترز)

الأسهم الآسيوية تتذبذب مع ترقب موسم الأرباح وبيانات التضخم الأميركية

بدأت أسواق الأسهم الآسيوية تداولات الأسبوع على تباين، الاثنين، مع ترقب انطلاق موسم إعلان نتائج الشركات.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني ريوسي أكازاوا أثناء كلمته في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (الشرق الأوسط)

وزير الاقتصاد الياباني: التعاون مع السعودية ضرورة لضمان أمن الطاقة العالمي

أكد وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني، ريوسي أكازاوا، أن السعودية شريك موثوق لا غنى عنه لضمان أمن الطاقة العالمي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث في افتتاح منتدى الطاقة الدولي في الرياض (تركي العقيلي)

عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة

أكد وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، أن الرياض تمثل عاصمة أمن الطاقة، مشيراً إلى أن هذه المكانة تعكس جهود المملكة والعاملين والعاملات في القطاع.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري متسوقون في مركز تجاري بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)

تحليل إخباري لماذا يشعر الناس بأنهم أفقر بينما الاقتصاد ينمو؟

الأرقام تقول إن الاقتصادات تنمو، والإنتاج يرتفع، والتكنولوجيا تحقق قفزات غير مسبوقة، والثروات الخاصة تبلغ مستويات قياسية، ولكن...

أنطوان الحاج
شمال افريقيا العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)

العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

دعا العاهل المغربي، الملك محمد السادس، إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً حقيقياً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)

مؤشر الفقر العالمي يرتفع للمرة الأولى منذ 2010 إلى 1.2 مليار شخص

شخص بلا مأوى ينام على الرصيف بينما يمرّ المارة في حي ريكوليتا بمدينة بوينس آيرس (رويترز)
شخص بلا مأوى ينام على الرصيف بينما يمرّ المارة في حي ريكوليتا بمدينة بوينس آيرس (رويترز)
TT

مؤشر الفقر العالمي يرتفع للمرة الأولى منذ 2010 إلى 1.2 مليار شخص

شخص بلا مأوى ينام على الرصيف بينما يمرّ المارة في حي ريكوليتا بمدينة بوينس آيرس (رويترز)
شخص بلا مأوى ينام على الرصيف بينما يمرّ المارة في حي ريكوليتا بمدينة بوينس آيرس (رويترز)

ارتفع مؤشر الفقر متعدد الأبعاد العالمي للمرة الأولى منذ إطلاقه عام 2010، ليصل عدد الأشخاص الذين يعانون الفقر الحاد إلى نحو 1.2 مليار شخص، وفقاً لتقرير سنوي صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، الاثنين.

وأظهر إصدار عام 2026 من التقرير زيادة قدرها 51.5 مليون شخص يعيشون في فقر حاد مقارنة بالعام السابق، في تطور وصفه مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ألكسندر دي كرو، بأنه «جرس إنذار للعالم».

وقال دي كرو إن وراء هذه الأرقام 1.2 مليار شخص يواجهون صعوبات متداخلة تشمل الجوع، والحرمان من التعليم، ونقص المياه النظيفة والكهرباء، مضيفاً أن هذا الوضع غير مقبول.

ويشكل الأطفال أكثر من نصف الأشخاص الذين يعانون الفقر الحاد، ما يسلط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والإنسانية للأزمة، ولا سيما في المجتمعات الأكثر هشاشة.

النمو السكاني يفسر جانباً من الزيادة

وأوضح البرنامج أن النمو السكاني يمثل عاملاً رئيسياً في ارتفاع العدد الإجمالي للأشخاص الذين يعيشون في الفقر، مشيراً إلى أن البيانات الجديدة لم تتوافر إلا لـ13 دولة من أصل 108 دول نامية يشملها التقرير.

وعلى الرغم من ارتفاع العدد الإجمالي للفقراء، أظهرت النتائج تقدماً في عدد من الدول؛ إذ تمكنت 33 دولة من خفض نسبة سكانها الذين يعانون الفقر، وفقاً لمعايير المؤشر، إلى النصف خلال السنوات الـ15 الماضية.

وشملت هذه الدول ست دول في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فيما سجلت دول آسيوية، من بينها الصين وفيتنام، تقدماً سريعاً في الحد من الفقر، بحسب التقرير.

أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا الأكثر تأثراً

وكما في التقرير السابق، تركزت غالبية الفئات الأشد فقراً في منطقتي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا، ولا سيما شبه القارة الهندية، التي تُعد من أكثر مناطق العالم كثافة سكانية.

وأشار التقرير إلى انخفاض ملحوظ في معدلات الفقر وأعداد الأشخاص الذين يعانون الفقر متعدد الأبعاد في مصر ونيبال وطاجيكستان.

وفي المقابل، تراجعت معدلات الفقر في أنغولا وزامبيا، لكن النمو السكاني تجاوز أثر هذا التحسن، ما أدى إلى زيادة العدد الإجمالي للأشخاص الذين يعيشون في الفقر في البلدين.

الفقر يتجاوز الدخل إلى الخدمات الأساسية

ولا يقيس مؤشر الفقر متعدد الأبعاد الفقر من خلال الدخل وحده، بل يعتمد على مجموعة من المؤشرات التي ترصد الحرمان من الاحتياجات والخدمات الأساسية، بما في ذلك السكن الملائم، والصرف الصحي، والكهرباء، ووقود الطهي، والغذاء، والتعليم.

ويعكس المؤشر بذلك تداخل أوجه الحرمان التي قد تواجهها الأسر، حتى عندما لا تكفي مؤشرات الدخل وحدها لتصوير ظروفها المعيشية.


صندوق النقد الدولي: الذكاء الاصطناعي يدعم النمو العالمي عند 3 % رغم صدمة الطاقة

غورغييفا تتحدث خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أ.ب)
غورغييفا تتحدث خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أ.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: الذكاء الاصطناعي يدعم النمو العالمي عند 3 % رغم صدمة الطاقة

غورغييفا تتحدث خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أ.ب)
غورغييفا تتحدث خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أ.ب)

تضع الطفرة العالمية في استثمارات الذكاء الاصطناعي الاقتصاد العالمي أمام معادلة متناقضة؛ إذ تدعم النمو وتفتح آفاقاً استثمارية جديدة، لكنها تثير في الوقت نفسه مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الوظائف، خصوصاً أمام الخريجين الجدد. وفيما يقدّر صندوق النقد الدولي أن هذه الاستثمارات تسهم في إبقاء النمو العالمي عند نحو 3 في المائة، تضغط صدمة إمدادات الطاقة وارتفاع أعباء الديون على الاقتصادات، ولا سيما الدول النامية، لتتصدر هذه التحديات مناقشات الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي في بانكوك.

وحذّر رئيس سنغافورة، ثارمان شانموغاراتنام، خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، الاثنين، من تراجع الطلب على الوظائف المخصصة للخريجين الجدد مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، داعياً الحكومات إلى التعامل سريعاً مع هذه القضية.

وقال شانموغاراتنام، إن المشكلة تبرز في أولى درجات السلم الوظيفي، حيث تتراجع الحاجة إلى الموظفين الذين يدخلون سوق العمل للمرة الأولى بعد التخرج.

وأضاف أن الأدلة على هذا التحول باتت واضحة، ولا سيما في القطاعات الأكثر تعرضاً لتأثير الذكاء الاصطناعي، محذراً كذلك من نشوء فجوة جديدة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية نتيجة الاضطرابات التي قد تحدثها التقنية.

وتضع هذه المخاوف صانعي السياسات أمام تحدي الموازنة بين الاستفادة من مكاسب الإنتاجية التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، والحفاظ على فرص العمل، خصوصاً أمام الشباب الذين يعتمد دخولهم إلى سوق العمل على الوظائف المبتدئة.

استثمارات الذكاء الاصطناعي تدعم النمو العالمي

في المقابل، قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، إن قوة الاستثمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تسهم في إبقاء النمو الاقتصادي العالمي عند نحو 3 في المائة، رغم الضغوط الناجمة عن صدمة إمدادات الطاقة.

وأوضحت أن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تمثل صدمة إيجابية للطلب والاستثمار، من شأنها تعزيز النمو في الاقتصادات الآسيوية المتقدمة بنحو 0.5 إلى نقطة مئوية كاملة، وفي الاقتصادات الآسيوية الناشئة بنحو 0.2 إلى 0.8 نقطة مئوية.

وتستفيد اقتصادات آسيوية عدة من الطلب المتزايد على المعدات والأجهزة اللازمة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك سلاسل إمداد الرقائق الإلكترونية والبنية التحتية التقنية.

لكن هذه المكاسب لا تتوزع بالتساوي بين الدول، إذ قد تستفيد الاقتصادات المرتبطة بسلاسل إمداد التقنية العالمية أكثر من الدول التي تفتقر إلى البنية التحتية والاستثمارات اللازمة للمشاركة في هذا التوسع.

وقالت غورغييفا إن الذكاء الاصطناعي أصبح محركاً رئيسياً متزايد الأهمية في تحديد المواقع النسبية للدول ضمن الاقتصاد العالمي، في إشارة إلى الدور الذي قد تؤديه التقنية في إعادة تشكيل خريطة النمو والتنافسية الدولية.

صدمة الطاقة تضاعف الضغوط على الاقتصادات

وتنعقد الاجتماعات في ظل تداعيات الحرب الأميركية الإيرانية، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب إمدادات النفط والغاز العالمية، مع امتداد آثارها إلى تكاليف المعيشة والتضخم والنشاط الاقتصادي.

ويرى صندوق النقد الدولي أن الاقتصادات النامية المعتمدة على استيراد الطاقة تواجه العبء الأكبر من هذه الصدمة، في وقت لا تزال فيه آثار الأزمات السابقة، بما فيها جائحة كوفيد-19، تضغط على أوضاعها المالية.

ودعا الصندوق الحكومات إلى ضبط الإنفاق وإعادة بناء الاحتياطيات المالية اللازمة لمواجهة الصدمات المستقبلية، بما في ذلك الحد من الاعتماد على الدعم الحكومي واسع النطاق لأسعار الطاقة.

غير أن هذا التوجه يثير تساؤلات بشأن قدرة الدول منخفضة الدخل على تقليص الإنفاق في وقت تتزايد فيه احتياجات الأسر الأكثر هشاشة، وترتفع فيه تكاليف الغذاء والطاقة، وتتفاقم المخاطر المناخية.

وقال كيفن غالاغر، مدير مركز سياسات التنمية العالمية في جامعة بوسطن، إن الدول الأشد فقراً تواجه ضغوطاً متزامنة ناجمة عن تداعيات الحرب الإيرانية، وارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات الغربية، وأزمة المناخ التي تتفاقم بفعل ظاهرة «إل نينيو».

ودعا المؤسسات المالية الدولية إلى تقديم استجابة أكثر طموحاً، تشمل توفير السيولة الطارئة على المدى القصير والتمويل طويل الأجل، بما يجعل مسارات النمو في الدول النامية أقل عرضة للصدمات.

من جانبه، حذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن تزامن الأزمات قد يدفع ملايين إضافية إلى دائرة الفقر، في ظل صعوبة استمرار الحكومات في توفير الدعم للأسر مع ارتفاع أسعار النفط والغذاء.

وقال مدير البرنامج ألكسندر دي كرو إن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة والمواد الغذائية يحرم ملايين الأسر من أي هامش مالي لامتصاص الصدمات، محذراً من احتمال عودة عشرات الملايين، وربما مئات الملايين، إلى الفقر.

التضخم والديون في صدارة جدول الأعمال

ولا تقتصر الضغوط على الاقتصادات النامية، إذ تواجه الاقتصادات المتقدمة أيضاً ارتفاعاً في التضخم نتيجة زيادة تكاليف الطاقة وانتقال آثارها إلى أسعار السلع الأخرى.

وقد دفعت الضغوط التضخمية البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية أو إبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، ما يزيد تكلفة الاقتراض ويحد من النشاط الاقتصادي.

وفي الوقت نفسه، أسهمت طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في دعم أسواق الأسهم والنمو في الاقتصادات المتقدمة، لكنها ترافقت مع زيادة كبيرة في احتياجات التمويل، وسط مخاوف بشأن ارتفاع تكاليف الاقتراض وإعادة تمويل الديون.

وتشمل الملفات المطروحة خلال الاجتماعات أيضاً ارتفاع عوائد السندات، فيما يُنتظر أن تنشر المديرة العامة لصندوق النقد الدولي التوقعات الاقتصادية العالمية، الثلاثاء، إلى جانب توقعات إقليمية تفصيلية خلال الأسبوع.

كما تتضمن الاجتماعات لقاءات لوزراء مالية مجموعة العشرين، يُتوقع أن يكون ارتفاع عوائد السندات من أبرز الملفات المطروحة خلالها.

وتعكس المناقشات تحدياً عالمياً مزدوجاً: الاستفادة من الفرص الاقتصادية التي تتيحها طفرة الذكاء الاصطناعي، مع احتواء تداعيات صدمة الطاقة وتزايد الديون، وضمان ألا تؤدي التحولات التقنية والاقتصادية إلى تعميق التفاوت بين الدول أو تقليص فرص الأجيال الجديدة في سوق العمل.


الأسهم الكورية الجنوبية تتراجع 1.7% وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط

شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا تظهر انخفاض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (إ.ب.أ)
شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا تظهر انخفاض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (إ.ب.أ)
TT

الأسهم الكورية الجنوبية تتراجع 1.7% وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط

شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا تظهر انخفاض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (إ.ب.أ)
شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا تظهر انخفاض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (إ.ب.أ)

تراجعت الأسهم الكورية الجنوبية، الاثنين، مع عودة المستثمرين إلى التداول بعد عطلة نهاية أسبوع طويلة، وسط تقييمهم لتجدد الهجمات في الشرق الأوسط، وما قد تسببه من اضطرابات إضافية في إمدادات الطاقة العالمية.

وتعرضت معنويات المستثمرين لضغوط عقب إعلان السعودية مقتل شخص وإصابة نحو 12 آخرين في هجوم جديد استهدف مطار الرياض الدولي، الأحد، بعد يوم من هجوم أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنه وأسفر عن مقتل 13 شخصاً وإصابة أكثر من 300.

وفي المقابل، ارتفعت قيمة الوون الكوري إلى أقوى مستوى له أمام الدولار منذ 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، فيما تراجعت عوائد السندات الحكومية القياسية.

وانخفض مؤشر «كوسبي» الرئيسي للأسهم الكورية الجنوبية بمقدار 114.80 نقطة، بما يعادل 1.73 في المائة، إلى 6511.13 نقطة بحلول الساعة 01:57 بتوقيت غرينتش.

وتراجعت أسهم شركة «سامسونغ إلكترونيكس» بنسبة 1.43 في المائة، فيما هبطت أسهم منافستها «إس كيه هاينكس» بنسبة 2.44 في المائة.

وخالفت أسهم شركة «إل جي إنرجي سوليوشن» المتخصصة في صناعة البطاريات الاتجاه العام، مرتفعة بنسبة 0.25 في المائة. واستقرت أسهم «هيونداي موتور» دون تغيير، بينما صعدت أسهم «كيا» بنسبة 1.69 في المائة.

كما انخفضت أسهم شركة «بوسكو هولدينغز» لصناعة الصلب بنسبة 1.31 في المائة، وتراجعت أسهم «سامسونغ بايولوجيكس» للأدوية بنسبة 1.97 في المائة.

وسجل المستثمرون الأجانب صافي مبيعات للأسهم بقيمة 604.8 مليار وون كوري.

الوون يعزز مكاسبه أمام الدولار

وفي سوق العملات، بلغ سعر الوون 1336.1 مقابل الدولار على منصة التسوية المحلية، مرتفعاً بنسبة 0.44 في المائة مقارنة بالإغلاق السابق عند 1342 ووناً للدولار.

وفي التداولات الخارجية، ارتفع الوون بنسبة 0.3 في المائة إلى 1335.6 مقابل الدولار، فيما سجل العقد الآجل غير القابل للتسليم لأجل شهر واحد 1334.6 وون للدولار.

وعلى أساس الأداء منذ بداية العام، ارتفع مؤشر «كوسبي» بنسبة 54.51 في المائة، فيما سجل الوون مكاسب بلغت 7.7 في المائة أمام الدولار.

تراجع عوائد السندات الحكومية

وفي أسواق الدين، ارتفعت العقود الآجلة لسندات الخزانة الكورية لأجل ثلاث سنوات، تسليم ديسمبر (كانون الأول)، بمقدار 0.18 نقطة إلى 102.68 نقطة.

في المقابل، انخفض عائد السندات الحكومية الكورية لأجل ثلاث سنوات، الأكثر نشاطاً في التداول، بمقدار 4.8 نقطة أساس إلى 3.946 في المائة، كما تراجع عائد السندات لأجل عشر سنوات بمقدار 6.6 نقطة أساس إلى 4.328 في المائة.