«بصمة» شنغهاي... كيف أطاحت المضاربات الصينية أسطورة استقرار الذهب؟

صورة لسعر الذهب في جهاز «متجر الذهب الذكي» الموجود بمركز تجاري في شنغهاي (أ.ف.ب)
صورة لسعر الذهب في جهاز «متجر الذهب الذكي» الموجود بمركز تجاري في شنغهاي (أ.ف.ب)
TT

«بصمة» شنغهاي... كيف أطاحت المضاربات الصينية أسطورة استقرار الذهب؟

صورة لسعر الذهب في جهاز «متجر الذهب الذكي» الموجود بمركز تجاري في شنغهاي (أ.ف.ب)
صورة لسعر الذهب في جهاز «متجر الذهب الذكي» الموجود بمركز تجاري في شنغهاي (أ.ف.ب)

عاش متداولو المعادن النفيسة في عطلة نهاية أسبوع وُصفت بأنها «الأكثر وحشية» في تاريخ الأسواق الحديث؛ فبينما كان الذهب يُنظر إليه دائماً بوصفه رمزاً للاستقرار، تحول في لحظات ساحةً لمضاربات حطمت الأرقام القياسية صعوداً وهبوطاً. وبينما كانت شرارة الانفجار تقنية من بورصات نيويورك وشيكاغو، فإن الوقود كان صينياً بامتياز، حيث رسمت «الأموال الساخنة» القادمة من الشرق مشهداً وصفه المحللون بأنه «خروج كامل عن السيطرة».

ساعة «آسيا» تكسر قواعد الجاذبية

لم يعد المحللون في لندن ونيويورك ينامون؛ فخلال الأسابيع الماضية، كانت «ساعة التداول الآسيوية» هي المحرك الوحيد للعالم. جيوش من المستثمرين الأفراد وصناديق التحوط الصينية اندفعت نحو المعادن، لا كتحوط فحسب، بل كرهان تصاعدي حاد (Parabolic) أدى إلى فك ارتباط الأسعار بأساسيات العرض والطلب، وفق «بلومبرغ».

ويوم الاثنين، تجسد «الانهيار العظيم» في أرقام تاريخية؛ فقد تراجعت الفضة بنسبة 26 في المائة في أكبر سقوط يومي في تاريخها، بينما سجل الذهب أسوأ أداء يومي له منذ أكثر من عقد بهبوطه 9 في المائة. هذا النزيف لم يكن سوى «تصحيح مؤلم» لسوق تشبعت بالمضاربات حتى فقدت توازنها.

ينتظر الزبائن لبيع مجوهراتهم الذهبية في جهاز «متجر الذهب الذكي» المُثبّت بمركز تجاري في شنغهاي (أ.ف.ب)

لعبة شنغهاي

لم يعد سرّاً في أروقة المال العالمية أن مركز ثقل المعادن النفيسة قد غادر «وول ستريت» و«حي لندن المالي» ليستقر في بورصة شنغهاي للذهب (SGE). فخلال العام الأخير، تحولت الصين من مجرد مستهلك ضخم إلى «صانع للسعر» (Price Maker)، يقود الاتجاهات العالمية ويفرض إيقاعه على الشاشات الحمراء والخضراء من الشرق إلى الغرب:

1. «علاوة شنغهاي»: المحرك الخفي

تجلت القوة الصينية في ظاهرة «العلاوة السعرية»؛ حيث استمر تداول الذهب والفضة في شنغهاي بأسعار تزيد بـ40 دولاراً إلى 100 دولار للأوقية على الأسعار العالمية في لندن. هذه الفجوة لم تكن مجرد رقم، بل كانت مغناطيساً جذب الذهب المادي من مخازن الغرب نحو الشرق؛ ما جفف السيولة في الأسواق التقليدية وجعل الأسعار العالمية رهينة لمزاج المستثمر الصيني.

2. «جيوش الأفراد» والرافعة المالية

على عكس الغرب، حيث يسيطر «كبار اللاعبين»، اندفعت في الصين جيوش من صغار المستثمرين عبر تطبيقات التداول بهوس غير مسبوق. هؤلاء استخدموا حسابات «الرافعة المالية» بمستويات خطيرة؛ ما خلق طلباً اصطناعياً ضخّم الأسعار بعيداً عن منطق العرض والطلب. وعندما لاحت بوادر التصحيح، تحولت هذه الجيوش «قوة بيع قسرية» لتغطية خسائرها؛ ما حوّل التراجع إلى انهيار شامل.

3. «مركز شويبي»: النبض الحقيقي

وفي منطقة «شويبي» (Shuibei) بمدينة شنتشن، القلب النابض لتجارة السبائك، كانت الطوابير البشرية الطويلة هي «ميزان الحرارة» الحقيقي للسوق. الانهيار الأخير بدأ فعلياً عندما قررت «الأموال الساخنة» - وهي صناديق أسهم صينية دخلت سوق المعادن مؤخراً - الخروج الجماعي لجني الأرباح قبل عطلة رأس السنة الصينية؛ ما أطلق شرارة «تأثير الدومينو» التي وصلت أصداؤها إلى نيويورك.

4. تدخل المصارف

ومع خروج الأمور عن السيطرة، تدخلت السلطات الصينية عبر كبار المقرضين مثل بنك التعمير الصيني (CCB) والبنك الصناعي والتجاري (ICBC)، بفرض قيود صارمة على حصص الشراء ورفع حدود الإيداع. كان هذا التدخل بمثابة «اعتراف رسمي» بأن الفقاعة الصينية بلغت حد الانفجار؛ ما زاد من ذعر المتداولين العالميين الذين أدركوا أن «التنين» قد توقف عن النفخ في نار الأسعار.

تأثير وورش وكمّاشة الهوامش

تزامن هذا الانفجار مع قرار بورصة شيكاغو التجارية (CME) برفع «متطلبات الهامش»؛ وهو ما أطلق عملية «تصفية قسرية» للمراكز المفتوحة. لكن الضربة القاضية جاءت من واشنطن؛ حيث أدى اختيار دونالد ترمب كيفن وورش مرشحاً لرئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» إلى قفزة في الدولار؛ ما جعل الذهب يبدو فجأة أقل جاذبية للمتداولين بالعملات الأجنبية.

ينتظر الزبائن لبيع مجوهراتهم الذهبية في جهاز «متجر الذهب الذكي» المُثبّت بمركز تجاري في شنغهاي (أ.ف.ب)

طوابير في ألمانيا وعلاوة في «شويبي»

رغم الانهيار، كشفت التقارير من ألمانيا (أكبر سوق للعملات المعدنية) عن أن المستهلكين لا يزالون يصطفون في طوابير لساعات لشراء السبائك، مع نفاد بعض الأحجام من الأسواق تماماً.

وفي الصين، وتحديداً في مركز «شويبي» التجاري، لا يزال الذهب يُباع بـ«علاوة» فوق السعر العالمي؛ ما يشير إلى أن الطلب المادي لا يزال صامداً رغم ذعر المضاربين. وحسب دومينيك سبيرزل، رئيس التداول في «هيريوس»، فإن الشركة تعمل بأقصى طاقتها لتلبية الطلب المادي الذي لم يتأثر بانهيار «عقود الورق»، وفق «بلومبرغ».

بانتظار «تنين» شنغهاي... هل انتهت الرحلة؟

تترقب الأسواق الآن رد فعل بورصة شنغهاي؛ فهل سيعود «التنين الصيني» لإنقاذ الموقف مع اقتراب السنة الصينية الجديدة، أم أن المصارف الصينية التي بدأت بفرض قيود على حصص الشراء ستضع حداً لهذه الرحلة الجامحة؟

في الخلاصة، ما شهده مطلع 2026 سيُسجل في التاريخ كأكثر الشهور تقلباً في تاريخ المعادن الثمينة. لقد استيقظ العالم ليكتشف أن «الملاذ الآمن» يمكن أن يهتز بعنف عندما يقرر المضاربون في الشرق جني أرباحهم دفعة واحدة، تاركين الأسواق الغربية في مواجهة آثار الإعصار.


مقالات ذات صلة

النفط يقفز مع دخول الحوثيين خط المواجهة... وبرنت يقترب من 117 دولاراً

الاقتصاد ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)

النفط يقفز مع دخول الحوثيين خط المواجهة... وبرنت يقترب من 117 دولاراً

سجلت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً، يوم الاثنين، مع دخول المتمردين الحوثيين في اليمن خط المواجهة المباشرة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد  أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)

الدولار يتماسك مع ترقب الأسواق لحرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط

استقر الدولار الأميركي بشكل عام يوم الاثنين، متجهاً نحو تحقيق أقوى مكاسبه الشهرية منذ يوليو (تموز).

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)

الذهب يسجل أكبر انخفاض شهري منذ 2008 نتيجة قوة الدولار وتضخم الطاقة

تراجعت أسعار الذهب، يوم الاثنين، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى تأجيج المخاوف من التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أسعار الوقود معروضة بمحطة وقود في سيول (إ.ب.أ)

الاقتصاد العالمي تحت مجهر البيانات في ظل «علاوات الحرب»

يدخل الاقتصاد العالمي أسبوعاً حاسماً؛ حيث تترقب الأسواق صدور بيانات اقتصادية ستكشف حجم الضرر الحقيقي الذي ألحقته الحرب في إيران على القطاعات.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

صناديق الأسهم العالمية تسجل أكبر تدفقات أسبوعية منذ شهرين ونصف

شهدت صناديق الأسهم العالمية أكبر تدفقات أسبوعية لها منذ نحو شهرين ونصف الشهر خلال الأسبوع المنتهي في 25 مارس.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )

مصر وقبرص توقِّعان اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز

جانب من معرض ومؤتمر «إيجبس 2026» المنعقد في القاهرة (إكس)
جانب من معرض ومؤتمر «إيجبس 2026» المنعقد في القاهرة (إكس)
TT

مصر وقبرص توقِّعان اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز

جانب من معرض ومؤتمر «إيجبس 2026» المنعقد في القاهرة (إكس)
جانب من معرض ومؤتمر «إيجبس 2026» المنعقد في القاهرة (إكس)

وقَّعت مصر وقبرص اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز، يوم الاثنين، خلال معرض «إيجبس 2026» المنعقد في القاهرة.

وقال متحدث باسم الرئاسة القبرصية، إن الاتفاقية غير الملزمة ستكون أساساً يمكن للبلدين من خلاله التفاوض على مزيد من الاتفاقيات لاستغلال احتياطيات قبرص، وفقاً لـ«رويترز».

وأضاف مسؤول حكومي قبرصي آخر، أن الاتفاقية ستتيح للبلدين التفاوض على بيع الغاز الطبيعي إلى مصر أو الشركات المصرية المملوكة للدولة، من حقلَي «كرونوس» و«أفروديت» البحريين في قبرص.

ويقول مسؤولون في قبرص، إنهم قد يكونون قادرين على بدء استخراج الغاز من حقل «كرونوس» عام 2027 أو 2028.

وفي العام الماضي، وقَّعت مصر وقبرص اتفاقيات تسمح بتصدير الغاز من الحقول البحرية القبرصية إلى مصر، لتسييله وإعادة تصديره إلى أوروبا، في إطار سعي البلدين لتعزيز دور شرق المتوسط ​​كمركز للطاقة.

وتعاني مصر من تداعيات حرب إيران، ولا سيما في قطاع الطاقة، لاعتمادها على الوقود المستورد. وقد ارتفعت التكاليف بشكل حاد نتيجة تعطل إنتاج وتجارة النفط والغاز في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

وقد رفعت الحكومة المصرية بالفعل أسعار الوقود وأسعار المواصلات العامة، وأعلنت عن سياسة العمل من المنزل، وأمرت معظم مراكز التسوق والمتاجر والمطاعم بالإغلاق بحلول الساعة التاسعة مساء، خمسة أيام في الأسبوع.


ناقلة نفط روسية تصل إلى كوبا

من المتوقع أن تُفرغ سفينة النفط الروسية حمولتها بميناء «ماتانزاس» في كوبا (رويترز)
من المتوقع أن تُفرغ سفينة النفط الروسية حمولتها بميناء «ماتانزاس» في كوبا (رويترز)
TT

ناقلة نفط روسية تصل إلى كوبا

من المتوقع أن تُفرغ سفينة النفط الروسية حمولتها بميناء «ماتانزاس» في كوبا (رويترز)
من المتوقع أن تُفرغ سفينة النفط الروسية حمولتها بميناء «ماتانزاس» في كوبا (رويترز)

أفادت وكالة «إنترفاكس» للأنباء، نقلاً عن وزارة النقل الروسية، بوصول ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين»، التي تحمل شحنة إنسانية من النفط الخام تزن 100 ألف طن متري، إلى كوبا.

وأضافت «الوكالة» أنه من المتوقع أن تُفرغ السفينة حمولتها في ميناء ماتانزاس.

وأظهرت بيانات تتبّع السفن، من «مجموعة بورصة لندن»، أن السفينة تتحرك على طول الساحل الشمالي لكوبا بعد أن أشار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأحد، إلى أنه سيتراجع عن قراره حظر شحنات النفط إلى كوبا، قائلاً إنه «لا يمانع» في أن ترسل أي دولة النفط الخام إلى كوبا.

وتحتاج كوبا إلى زيت الوقود والديزل المستوردَين؛ لتوليد الطاقة وتجنب مزيد من الانقطاعات في ظل استمرار تقنين مبيعات البنزين بشكل صارم.

وقطعت الولايات المتحدة صادرات النفط الفنزويلية إلى كوبا بعد إطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 يناير (كانون الثاني) الماضي، وكان ترمب قد هدد بفرض رسوم جمركية باهظة على أي دولة أخرى تصدر النفط الخام إلى كوبا. وعليه؛ فقد أوقفت المكسيك، أكبر مورد للنفط إلى كوبا إلى جانب فنزويلا، شحناتها.

ونتيجة ذلك؛ لم تتسلم كوبا أي ناقلة نفط منذ 3 أشهر، وفقاً للرئيس ميغيل دياز كانيل؛ مما فاقم أزمة الطاقة التي أدت إلى سلسلة من انقطاعات التيار الكهربائي في جميع أنحاء البلاد التي يبلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة. ويقول مسؤولون صحيون كوبيون إن الأزمة زادت من خطر وفاة مرضى السرطان الكوبيين، خصوصاً الأطفال.


حكومة الأردن تبدأ إجراءات تقشفية

منظر عام لأفق مدينة عمان (رويترز)
منظر عام لأفق مدينة عمان (رويترز)
TT

حكومة الأردن تبدأ إجراءات تقشفية

منظر عام لأفق مدينة عمان (رويترز)
منظر عام لأفق مدينة عمان (رويترز)

أصدر رئيس الوزراء الأردني الدكتور جعفر حسَّان، اليوم الاثنين، إعلاناً عاماً يقضي بترشيد الاستهلاك وضبط الإنفاق في جميع المؤسسات الحكومية والدَّوائر الرسميَّة والهيئات العامَّة، وذلك في ظل الظُّروف الرَّاهنة.

وتأثرت الأردن نتيجة حرب إيران، التي تسببت في ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية مع استمرار تعطل مضيق هرمز، وسط مخاوف من إطالة زمن الحرب.

وبموجب الإعلان، قرَّر رئيس الوزراء «منع استخدام المركبات الحكوميَّة إلا للأغراض الرَّسمية، ومنع استخدامها خارج أوقات الدوام الرَّسمي، وإلغاء جميع الموافقات والاستثناءات السابقة بهذا الخصوص».

كما تضمَّن الإعلان «إيقاف سفر الوفود واللِّجان الرَّسميَّة إلى الخارج لمدة شهرين، ابتداءً من تاريخه، إلا للضرورة القصوى، وأن يكون لأسباب مبرَّرة وبموافقة مسبقة من رئيس الوزراء. وكذلك إيقاف استضافة الوفود الرَّسميَّة والحد من نفقات المآدب الرسمية لمدة شهرين، ابتداءً من تاريخه».

وأشار الإعلان إلى منع استخدام المكيِّفات وأيَّ وسائل تدفئة أخرى في الوزارات والمؤسَّسات العامَّة والدَّوائر الحكوميَّة.

وكلَّف رئيس الوزراء، بموجب الإعلان، ديوان المحاسبة ووحدات الرَّقابة الداخليَّة بمراقبة تنفيذ هذه الإجراءات، ورفع تقارير بأيِّ تجاوزات أو مخالفات. كما أكَّد الاستمرار في الإجراءات المتعلقة بترشيد الإنفاق وضبطه، وفقاً لقرارات مجلس الوزراء السَّابقة بهذا الخصوص.