«أمّ الصفقات» ترى النور... الهند والاتحاد الأوروبي يُدشنان أكبر سوق عالمية بملياري نسمة

شراكة تجارية ودفاعية عابرة للقارات تؤسس لقطب عالمي جديد

TT

«أمّ الصفقات» ترى النور... الهند والاتحاد الأوروبي يُدشنان أكبر سوق عالمية بملياري نسمة

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو لويس سانتوس دا كوستا يلتقطان صوراً مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (إ.ب.أ)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو لويس سانتوس دا كوستا يلتقطان صوراً مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (إ.ب.أ)

في مشهدٍ حبس أنفاس الأوساط الاقتصادية العالمية، أسدلت نيودلهي وبروكسل الستار على مفاوضات تجارية استمرت نحو عقدين من الزمن، بإعلان «أمّ الصفقات»؛ وهو اتفاق تجاري ضخم يهدف إلى إنشاء منطقة تجارة حرة تضم نحو ملياري نسمة. هذا التحالف، الذي وُلد من رحم الضغوط الجمركية الأميركية والمنافسة الصينية الشرسة، لا يمثل مجرد اتفاق لتبادل السلع، بل هو إعادة صياغة للموازين الجيوسياسية والاقتصادية لربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي. كما تجاوزه لبناء «شراكة دفاعية وأمنية» استراتيجية تهدف إلى تأمين المحيط الهندي وتحقيق الاستقلال التكنولوجي العسكري.

جاء الإعلان التاريخي خلال لقاء رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في العاصمة نيودلهي. وأكد القادة أن الاتفاق يمثل «درعاً واقية» في مواجهة التحديات القادمة من أكبر اقتصادين في العالم: الولايات المتحدة والصين.

وقالت دير لاين في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: «لقد أبرمنا أهم اتفاقية على الإطلاق». وأضافت رئيسة الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي، التي كانت في نيودلهي للاحتفال بهذه المناسبة مع رئيس المجلس الأوروبي، أن الاتفاقية «أنشأت منطقة تجارة حرة تضم ملياري نسمة، سيستفيد منها الطرفان».

فيما أشاد مودي بالاتفاقية، معتبراً إياها وسيلة لتعزيز قطاعي التصنيع والخدمات في الهند، ودعم ثقة المستثمرين في ثالث أكبر اقتصاد في آسيا. وقال في مؤتمر صحافي مشترك في نيودلهي: «أبرمت الهند أكبر اتفاقية تجارة حرة في تاريخها وأكثرها أهمية. ستسهل هذه الاتفاقية التاريخية على مزارعينا وشركاتنا الصغيرة الوصول إلى الأسواق الأوروبية».

ومن المتوقع توقيع الاتفاقية رسمياً بعد التدقيق القانوني، والذي من المرجح أن يستغرق نحو 6 أشهر. كما سيتعين على البرلمان الأوروبي المصادقة عليها.

يعكس اختتام المفاوضات التحول السريع في التحالفات العالمية في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فالاتحاد الأوروبي، رغم خلافاته الطويلة مع المسؤولين الهنود بشأن السياسة التجارية، يركز على تقليص اعتماده الاقتصادي على الولايات المتحدة والصين.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو لويس سانتوس دا كوستا يلتقطان صوراً مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (إ.ب.أ)

وتشير التقارير إلى أن شرارة الاتفاق الحقيقية اشتعلت بعد وصول العلاقات الهندية - الأميركية إلى أدنى مستوياتها في أغسطس (آب) الماضي، حين فرض ترمب رسوماً بنسبة 50 في المائة على السلع الهندية رداً على مشتريات نيودلهي من النفط الروسي. هذا الضغط، إلى جانب تهديدات واشنطن بفرض رسوم مماثلة على الحلفاء الأوروبيين، دفع «العمالقة» إلى اختيار الشراكة الاستراتيجية بديلاً عن الارتهان لتقلبات البيت الأبيض.

ثورة جمركية

من المتوقع أن تُضاعف هذه الاتفاقية صادرات الاتحاد الأوروبي من السلع إلى الهند بحلول عام 2032، بعد موافقة نيودلهي على إلغاء أو خفض الرسوم الجمركية على 96.6 في المائة من الشحنات، وفقاً لبيان صحافي صادر عن المفوضية الأوروبية. وفي المقابل، سيلغي الاتحاد الأوروبي أو يخفض الرسوم الجمركية على 99.5 في المائة من السلع المستوردة من الهند على مدى سبع سنوات، حسبما أفادت به وزارة التجارة والصناعة الهندية.

وتُعدّ هذه الاتفاقية التجارية الأكثر طموحاً للهند حتى الآن. فقد وافقت نيودلهي على السماح بدخول ما يصل إلى 250 ألف سيارة أوروبية الصنع إلى البلاد برسوم جمركية تفضيلية، وهو ما يزيد على ستة أضعاف الحصة المسموح بها في الاتفاقيات الأخيرة.

وستُعطي هذه الاتفاقية الهند ميزة تنافسية في تصدير السلع كثيفة العمالة التي تضررت بشدة من رسوم ترمب الجمركية، بما في ذلك الملابس والأحجار الكريمة والمجوهرات والأحذية. كما قدمت بروكسل التزامات ملزمة بشأن تنقل الطلاب وتأشيرات ما بعد الدراسة، إلى جانب تنازلات في 144 قطاعاً من قطاعات الخدمات. وقد استبعدت الهند قطاع الألبان، الذي يُعدّ قطاعاً حساساً سياسياً، من هذه الاتفاقية.

وانتزعت الهند مكاسب حيوية لصناعاتها الثقيلة. فقد تركزت المفاوضات في لحظاتها الأخيرة على حماية صادرات الصلب الهندية من «ضريبة الكربون» الأوروبية والرسوم الحمائية. ووافقت بروكسل على منح الهند حصة الأسد من كوتا الصلب المعفاة من الرسوم (ضمن 18.3 مليون طن متري مسموح بها)، مع الالتزام بتقديم دعم فني وتقني للشركات الهندية لتبني معايير «الاستدامة الخضراء»، مما يجعل الهند «شريكاً تفضيلياً» في قلب السوق الأوروبية.

رئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ورئيس المفوضية الأوروبية أنطونيو كوستا يصلون إلى احتفالات يوم الجمهورية الهندية (د.ب.أ)

المحور الدفاعي

لم يكن هذا الاتفاق مجرد صفقة لتبادل السلع، بل تضمن شقاً أمنياً ودفاعياً هو الأهم في تاريخ علاقة الطرفين. واتفق الجانبان على التحول من منطق «البائع والمشتري» إلى «الشراكة الصناعية العسكرية»، من خلال توطين التكنولوجيا: عبر إرساء إطار عمل يسمح للشركات الهندية بالشراكة مع عمالقة الدفاع في فرنسا وألمانيا لتطوير وإنتاج الأسلحة والمعدات العسكرية المتقدمة داخل الأراضي الهندية؛ وتكثيف التنسيق البحري لمراقبة الممرات المائية الحيوية، في خطوة تهدف بوضوح إلى كبح التمدد العسكري الصيني في المنطقة وتأمين سلاسل الإمداد العالمية، وإنشاء آلية رسمية لتبادل المعلومات الاستخباراتية والمصنفة، وتعزيز التعاون في مجالات الأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب، مما يقلل من ارتهان الهند للتقنيات العسكرية الروسية والأميركية.

اتفاقية «ميركوسور»

يأتي هذا الإعلان بعد أيام من إبرام الاتحاد الأوروبي اتفاقية تجارية طال انتظارها مع تجمع «ميركوسور» لدول أميركا الجنوبية، وهي اتفاقية أخرى تهدف إلى مساعدة الاتحاد الأوروبي على الابتعاد عن الولايات المتحدة والصين. إلا أن المشرّعين الأوروبيين لم يصدّقوا على هذه الاتفاقية بعد.

ويسعى مودي بالمثل إلى إيجاد أسواق جديدة لبلد وصفه ترمب ذات مرة بـ«ملك التعريفات الجمركية». وتُعد اتفاقية الثلاثاء رابع اتفاقية تجارية لمودي منذ مايو (أيار) الماضي، بعد اتفاقيات مع المملكة المتحدة وعُمان ونيوزيلندا.

وتسعى الدولة الواقعة في جنوب آسيا أيضاً إلى إقامة شراكات مع تجمع «ميركوسور» وتشيلي وبيرو ومجلس التعاون الخليجي، على أمل تأمين موارد استراتيجية وتوسيع نطاق نفوذ الهند العالمي.

التعاون في مجال المقاصة

توازياً، وقّع البنك المركزي الهندي وهيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية مذكرة تفاهم، منهيةً بذلك جموداً استمر عامين بشأن الإشراف على هيئات المقاصة المركزية الهندية. وأوضحت الهيئة في بيان أن الاتفاق سيسهّل التعاون وتبادل المعلومات، مما يمهد الطريق للاعتراف بالجهات المركزية المقابلة التي تتخذ من الهند مقراً لها وتخضع لتنظيم بنك الاحتياطي الهندي.

كانت الهيئة الأوروبية قد سحبت اعترافها بستة من بيوت المقاصة الهندية بعد استمرار الخلافات التنظيمية. ومنحت المؤسسات المالية الأوروبية وصولاً محدوداً إلى هذه الكيانات لضمان استمرارية العمل ريثما تستمر المفاوضات مع بنك الاحتياطي الهندي.

وأضافت الهيئة في بيانها أن مذكرة التفاهم تسمح لشركة المقاصة الهندية بإعادة التقدم بطلب للاعتراف بها بموجب لائحة البنية التحتية للسوق الأوروبية.

التبادل التجاري

وبلغ حجم التبادل التجاري الثنائي بين الاتحاد الأوروبي والهند 136.5 مليار دولار في السنة المالية الهندية المنتهية في مارس (آذار) 2025، حيث يمثل الاتحاد الأوروبي أكثر من 17 في المائة من إجمالي صادرات الهند، وفقاً لبيانات رسمية. وتُعد الهند تاسع أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي.

وتشير التوقعات إلى أن هذا الاتفاق سيؤدي إلى تضاعف حجم التجارة البينية ليصل إلى 200 مليار دولار بحلول عام 2030، مقارنةً بـ136.5 مليار دولار حالياً. ومع انتظار المصادقة القانونية النهائية خلال الأشهر الستة المقبلة، بعثت نيودلهي وبروكسل برسالة صريحة إلى واشنطن وبكين: «لقد اخترنا الشراكة الاستراتيجية درعاً في عالم منقسم»، معلنين بذلك ولادة قطب اقتصادي ودفاعي جديد يعيد رسم موازين القوى الدولية.


مقالات ذات صلة

البرلمان الأوروبي يقر زيادة «تاريخية» في موازنة 2028 - 2034 لتعزيز الدفاع والتنافسية

الاقتصاد العلم الأوروبي محاطاً بأعلام دول الاتحاد وهي ترفرف أمام مبنى «لويس فايس» بمقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ (أ.ف.ب)

البرلمان الأوروبي يقر زيادة «تاريخية» في موازنة 2028 - 2034 لتعزيز الدفاع والتنافسية

صوّت البرلمان الأوروبي، الثلاثاء، لصالح زيادة حجم موازنة الاتحاد الأوروبي للفترة 2028 - 2034، في خطوة تستهدف تعزيز الإنفاق على الدفاع والقدرة التنافسية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد ناقلة الغاز الطبيعي المُسال «ميرشانت» في مضيق ملقا (إ.ب.أ)

إندونيسيا تنهي الجدل: لا رسوم على «مضيق ملقا»

أكد وزير المالية الإندونيسي بوربايا يودهي ساديوا، يوم الجمعة، أنه لا توجد أي نية لدى بلاده لفرض رسوم عبور على السفن المارة عبر مضيق ملقا.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

إدارة ترمب تعيد 127 ملياراً من الرسوم الجمركية غير المشروعة

فتحت إدارة ترمب بوابة إلكترونية جديدة لتمكين الشركات من المطالبة باسترداد الرسوم الجمركية التي دفعتها بسبب سياسات أبطلتها المحكمة العليا الأميركية

علي بردى (واشنطن)
الاقتصاد مجسّم لدونالد ترمب مع علمي أميركا والاتحاد الأوروبي وعبارة «رسوم 15 %» في رسم توضيحي (رويترز)

الرسوم الأميركية تضرب صادرات الاتحاد الأوروبي وتهبط بفائضه التجاري

انكمش الفائض التجاري للاتحاد الأوروبي مع بقية دول العالم بنسبة 60 في المائة خلال فبراير (شباط)، مدفوعاً بتراجع حاد في الصادرات إلى الولايات المتحدة تجاوز الربع.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
الاقتصاد جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

باكستان: دعم السعودية «محوري» في سداد 3.5 مليار دولار


ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)
TT

باكستان: دعم السعودية «محوري» في سداد 3.5 مليار دولار


ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)

أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف نجاح بلاده في سداد 3.5 مليار دولار من الديون الثنائية الإلزامية، مؤكداً أن هذا العبور المالي الآمن لم يكن ممكناً لولا الدعم «المحوري» من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وأوضح شريف أن هذا السداد الضخم تم من دون المساس باستقرار احتياطيات النقد الأجنبي، التي بلغت مستويات عند 20.6 مليار دولار، وهي الخطوة التي تعدّ وقوداً فعلياً لتقوية موقف المفاوض الباكستاني أمام صندوق النقد الدولي، الذي يشترط عادةً وجود تمويل خارجي مؤكد واستقرار في الاحتياطيات للموافقة على برامج التمويل.

وكان البنك المركزي الباكستاني أعلن يوم الجمعة أن باكستان سددت جميع ديونها للإمارات بقيمة 3.45 مليار دولار، وذلك بعدما منحت السعودية إسلام آباد تمويلاً جديداً بقيمة 3 مليارات دولار مع تمديد أجل وديعة سابقة بقيمة 5 مليارات دولار.


لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.