«أمّ الصفقات» ترى النور... الهند والاتحاد الأوروبي يُدشنان أكبر سوق عالمية بملياري نسمة

شراكة تجارية ودفاعية عابرة للقارات تؤسس لقطب عالمي جديد

TT

«أمّ الصفقات» ترى النور... الهند والاتحاد الأوروبي يُدشنان أكبر سوق عالمية بملياري نسمة

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو لويس سانتوس دا كوستا يلتقطان صوراً مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (إ.ب.أ)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو لويس سانتوس دا كوستا يلتقطان صوراً مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (إ.ب.أ)

في مشهدٍ حبس أنفاس الأوساط الاقتصادية العالمية، أسدلت نيودلهي وبروكسل الستار على مفاوضات تجارية استمرت نحو عقدين من الزمن، بإعلان «أمّ الصفقات»؛ وهو اتفاق تجاري ضخم يهدف إلى إنشاء منطقة تجارة حرة تضم نحو ملياري نسمة. هذا التحالف، الذي وُلد من رحم الضغوط الجمركية الأميركية والمنافسة الصينية الشرسة، لا يمثل مجرد اتفاق لتبادل السلع، بل هو إعادة صياغة للموازين الجيوسياسية والاقتصادية لربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي. كما تجاوزه لبناء «شراكة دفاعية وأمنية» استراتيجية تهدف إلى تأمين المحيط الهندي وتحقيق الاستقلال التكنولوجي العسكري.

جاء الإعلان التاريخي خلال لقاء رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في العاصمة نيودلهي. وأكد القادة أن الاتفاق يمثل «درعاً واقية» في مواجهة التحديات القادمة من أكبر اقتصادين في العالم: الولايات المتحدة والصين.

وقالت دير لاين في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: «لقد أبرمنا أهم اتفاقية على الإطلاق». وأضافت رئيسة الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي، التي كانت في نيودلهي للاحتفال بهذه المناسبة مع رئيس المجلس الأوروبي، أن الاتفاقية «أنشأت منطقة تجارة حرة تضم ملياري نسمة، سيستفيد منها الطرفان».

فيما أشاد مودي بالاتفاقية، معتبراً إياها وسيلة لتعزيز قطاعي التصنيع والخدمات في الهند، ودعم ثقة المستثمرين في ثالث أكبر اقتصاد في آسيا. وقال في مؤتمر صحافي مشترك في نيودلهي: «أبرمت الهند أكبر اتفاقية تجارة حرة في تاريخها وأكثرها أهمية. ستسهل هذه الاتفاقية التاريخية على مزارعينا وشركاتنا الصغيرة الوصول إلى الأسواق الأوروبية».

ومن المتوقع توقيع الاتفاقية رسمياً بعد التدقيق القانوني، والذي من المرجح أن يستغرق نحو 6 أشهر. كما سيتعين على البرلمان الأوروبي المصادقة عليها.

يعكس اختتام المفاوضات التحول السريع في التحالفات العالمية في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فالاتحاد الأوروبي، رغم خلافاته الطويلة مع المسؤولين الهنود بشأن السياسة التجارية، يركز على تقليص اعتماده الاقتصادي على الولايات المتحدة والصين.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو لويس سانتوس دا كوستا يلتقطان صوراً مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (إ.ب.أ)

وتشير التقارير إلى أن شرارة الاتفاق الحقيقية اشتعلت بعد وصول العلاقات الهندية - الأميركية إلى أدنى مستوياتها في أغسطس (آب) الماضي، حين فرض ترمب رسوماً بنسبة 50 في المائة على السلع الهندية رداً على مشتريات نيودلهي من النفط الروسي. هذا الضغط، إلى جانب تهديدات واشنطن بفرض رسوم مماثلة على الحلفاء الأوروبيين، دفع «العمالقة» إلى اختيار الشراكة الاستراتيجية بديلاً عن الارتهان لتقلبات البيت الأبيض.

ثورة جمركية

من المتوقع أن تُضاعف هذه الاتفاقية صادرات الاتحاد الأوروبي من السلع إلى الهند بحلول عام 2032، بعد موافقة نيودلهي على إلغاء أو خفض الرسوم الجمركية على 96.6 في المائة من الشحنات، وفقاً لبيان صحافي صادر عن المفوضية الأوروبية. وفي المقابل، سيلغي الاتحاد الأوروبي أو يخفض الرسوم الجمركية على 99.5 في المائة من السلع المستوردة من الهند على مدى سبع سنوات، حسبما أفادت به وزارة التجارة والصناعة الهندية.

وتُعدّ هذه الاتفاقية التجارية الأكثر طموحاً للهند حتى الآن. فقد وافقت نيودلهي على السماح بدخول ما يصل إلى 250 ألف سيارة أوروبية الصنع إلى البلاد برسوم جمركية تفضيلية، وهو ما يزيد على ستة أضعاف الحصة المسموح بها في الاتفاقيات الأخيرة.

وستُعطي هذه الاتفاقية الهند ميزة تنافسية في تصدير السلع كثيفة العمالة التي تضررت بشدة من رسوم ترمب الجمركية، بما في ذلك الملابس والأحجار الكريمة والمجوهرات والأحذية. كما قدمت بروكسل التزامات ملزمة بشأن تنقل الطلاب وتأشيرات ما بعد الدراسة، إلى جانب تنازلات في 144 قطاعاً من قطاعات الخدمات. وقد استبعدت الهند قطاع الألبان، الذي يُعدّ قطاعاً حساساً سياسياً، من هذه الاتفاقية.

وانتزعت الهند مكاسب حيوية لصناعاتها الثقيلة. فقد تركزت المفاوضات في لحظاتها الأخيرة على حماية صادرات الصلب الهندية من «ضريبة الكربون» الأوروبية والرسوم الحمائية. ووافقت بروكسل على منح الهند حصة الأسد من كوتا الصلب المعفاة من الرسوم (ضمن 18.3 مليون طن متري مسموح بها)، مع الالتزام بتقديم دعم فني وتقني للشركات الهندية لتبني معايير «الاستدامة الخضراء»، مما يجعل الهند «شريكاً تفضيلياً» في قلب السوق الأوروبية.

رئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ورئيس المفوضية الأوروبية أنطونيو كوستا يصلون إلى احتفالات يوم الجمهورية الهندية (د.ب.أ)

المحور الدفاعي

لم يكن هذا الاتفاق مجرد صفقة لتبادل السلع، بل تضمن شقاً أمنياً ودفاعياً هو الأهم في تاريخ علاقة الطرفين. واتفق الجانبان على التحول من منطق «البائع والمشتري» إلى «الشراكة الصناعية العسكرية»، من خلال توطين التكنولوجيا: عبر إرساء إطار عمل يسمح للشركات الهندية بالشراكة مع عمالقة الدفاع في فرنسا وألمانيا لتطوير وإنتاج الأسلحة والمعدات العسكرية المتقدمة داخل الأراضي الهندية؛ وتكثيف التنسيق البحري لمراقبة الممرات المائية الحيوية، في خطوة تهدف بوضوح إلى كبح التمدد العسكري الصيني في المنطقة وتأمين سلاسل الإمداد العالمية، وإنشاء آلية رسمية لتبادل المعلومات الاستخباراتية والمصنفة، وتعزيز التعاون في مجالات الأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب، مما يقلل من ارتهان الهند للتقنيات العسكرية الروسية والأميركية.

اتفاقية «ميركوسور»

يأتي هذا الإعلان بعد أيام من إبرام الاتحاد الأوروبي اتفاقية تجارية طال انتظارها مع تجمع «ميركوسور» لدول أميركا الجنوبية، وهي اتفاقية أخرى تهدف إلى مساعدة الاتحاد الأوروبي على الابتعاد عن الولايات المتحدة والصين. إلا أن المشرّعين الأوروبيين لم يصدّقوا على هذه الاتفاقية بعد.

ويسعى مودي بالمثل إلى إيجاد أسواق جديدة لبلد وصفه ترمب ذات مرة بـ«ملك التعريفات الجمركية». وتُعد اتفاقية الثلاثاء رابع اتفاقية تجارية لمودي منذ مايو (أيار) الماضي، بعد اتفاقيات مع المملكة المتحدة وعُمان ونيوزيلندا.

وتسعى الدولة الواقعة في جنوب آسيا أيضاً إلى إقامة شراكات مع تجمع «ميركوسور» وتشيلي وبيرو ومجلس التعاون الخليجي، على أمل تأمين موارد استراتيجية وتوسيع نطاق نفوذ الهند العالمي.

التعاون في مجال المقاصة

توازياً، وقّع البنك المركزي الهندي وهيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية مذكرة تفاهم، منهيةً بذلك جموداً استمر عامين بشأن الإشراف على هيئات المقاصة المركزية الهندية. وأوضحت الهيئة في بيان أن الاتفاق سيسهّل التعاون وتبادل المعلومات، مما يمهد الطريق للاعتراف بالجهات المركزية المقابلة التي تتخذ من الهند مقراً لها وتخضع لتنظيم بنك الاحتياطي الهندي.

كانت الهيئة الأوروبية قد سحبت اعترافها بستة من بيوت المقاصة الهندية بعد استمرار الخلافات التنظيمية. ومنحت المؤسسات المالية الأوروبية وصولاً محدوداً إلى هذه الكيانات لضمان استمرارية العمل ريثما تستمر المفاوضات مع بنك الاحتياطي الهندي.

وأضافت الهيئة في بيانها أن مذكرة التفاهم تسمح لشركة المقاصة الهندية بإعادة التقدم بطلب للاعتراف بها بموجب لائحة البنية التحتية للسوق الأوروبية.

التبادل التجاري

وبلغ حجم التبادل التجاري الثنائي بين الاتحاد الأوروبي والهند 136.5 مليار دولار في السنة المالية الهندية المنتهية في مارس (آذار) 2025، حيث يمثل الاتحاد الأوروبي أكثر من 17 في المائة من إجمالي صادرات الهند، وفقاً لبيانات رسمية. وتُعد الهند تاسع أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي.

وتشير التوقعات إلى أن هذا الاتفاق سيؤدي إلى تضاعف حجم التجارة البينية ليصل إلى 200 مليار دولار بحلول عام 2030، مقارنةً بـ136.5 مليار دولار حالياً. ومع انتظار المصادقة القانونية النهائية خلال الأشهر الستة المقبلة، بعثت نيودلهي وبروكسل برسالة صريحة إلى واشنطن وبكين: «لقد اخترنا الشراكة الاستراتيجية درعاً في عالم منقسم»، معلنين بذلك ولادة قطب اقتصادي ودفاعي جديد يعيد رسم موازين القوى الدولية.


مقالات ذات صلة

إندونيسيا تنهي الجدل: لا رسوم على «مضيق ملقا»

الاقتصاد ناقلة الغاز الطبيعي المُسال «ميرشانت» في مضيق ملقا (إ.ب.أ)

إندونيسيا تنهي الجدل: لا رسوم على «مضيق ملقا»

أكد وزير المالية الإندونيسي بوربايا يودهي ساديوا، يوم الجمعة، أنه لا توجد أي نية لدى بلاده لفرض رسوم عبور على السفن المارة عبر مضيق ملقا.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

إدارة ترمب تعيد 127 ملياراً من الرسوم الجمركية غير المشروعة

فتحت إدارة ترمب بوابة إلكترونية جديدة لتمكين الشركات من المطالبة باسترداد الرسوم الجمركية التي دفعتها بسبب سياسات أبطلتها المحكمة العليا الأميركية

علي بردى (واشنطن)
الاقتصاد مجسّم لدونالد ترمب مع علمي أميركا والاتحاد الأوروبي وعبارة «رسوم 15 %» في رسم توضيحي (رويترز)

الرسوم الأميركية تضرب صادرات الاتحاد الأوروبي وتهبط بفائضه التجاري

انكمش الفائض التجاري للاتحاد الأوروبي مع بقية دول العالم بنسبة 60 في المائة خلال فبراير (شباط)، مدفوعاً بتراجع حاد في الصادرات إلى الولايات المتحدة تجاوز الربع.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
الاقتصاد جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

الضوء الأخضر لمرشح ترمب... تيليس ينهي «حصار» وارش بعد إغلاق ملف باول

تيليس يتحدث إلى وسائل الإعلام في يوم جلسة استماع لجنة الخدمات المصرفية لتثبيت وارش (رويترز)
تيليس يتحدث إلى وسائل الإعلام في يوم جلسة استماع لجنة الخدمات المصرفية لتثبيت وارش (رويترز)
TT

الضوء الأخضر لمرشح ترمب... تيليس ينهي «حصار» وارش بعد إغلاق ملف باول

تيليس يتحدث إلى وسائل الإعلام في يوم جلسة استماع لجنة الخدمات المصرفية لتثبيت وارش (رويترز)
تيليس يتحدث إلى وسائل الإعلام في يوم جلسة استماع لجنة الخدمات المصرفية لتثبيت وارش (رويترز)

أعلن توم تيليس، السيناتور الجمهوري، الذي كان قد عرقل فعلياً تثبيت مرشح الرئيس دونالد ترمب لرئاسة مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، الأحد، أنه سيتخلّى عن معارضته بعد أن أنهت وزارة العدل تحقيقها مع رئيس البنك المركزي الحالي.

ويزيل هذا الإعلان الصادر عن تيليس (من ولاية كارولاينا الشمالية) عقبة كبرى أمام مساعي ترمب لتعيين كيفين وارش، المسؤول السابق رفيع المستوى في «الفيدرالي»، في المنصب بدلاً من جيروم باول، الذي ظل لفترة طويلة تحت ضغوط البيت الأبيض لخفض أسعار الفائدة. وكانت معارضة تيليس كافية لتعطيل الترشيح في لجنة الخدمات المصرفية بمجلس الشيوخ التي يُسيطر عليها الجمهوريون، مع اقتراب نهاية ولاية باول المقررة في 15 مايو (أيار).

وقال تيليس لبرنامج لقناة «إن بي سي»: «أنا مستعد للمضي قدماً في تثبيت السيد وارش، وأعتقد أنه سيكون رئيساً رائعاً لـ(الفيدرالي)».

وجاء تصريحه بعد يومين من إعلان المدعية العامة لمنطقة كولومبيا انتهاء تحقيق مكتبها في تجديدات مقر «الفيدرالي» التي تكلفت مليارات الدولارات، والتي شملت مراجعة شهادة باول المقتضبة أمام الكونغرس الصيف الماضي.

وارش يدلي بشهادته أمام جلسة استماع للجنة المصرفية بمجلس الشيوخ (رويترز)

مخالفات أم «استخدام سياسي»؟

يدقق المفتش الداخلي لـ«الفيدرالي» في المشروع الذي وصلت تكلفته الآن إلى 2.5 مليار دولار، بعد تقديرات سابقة كانت تضعه عند 1.9 مليار دولار، وهو المشروع الذي انتقده الرئيس الجمهوري بسبب تجاوز التكاليف. وكان باول نفسه قد طلب مراجعة المفتش العام في يوليو (تموز).

وعلّق تيليس قائلاً: «لا أعتقد أنه سيكون هناك أي ارتكاب لمخالفات جنائية... مشكلتي منذ البداية كانت شعوري بأن هناك مدعين عامين في واشنطن اعتقدوا أن هذا الملف سيكون وسيلة ضغط لإجبار السيد باول على الرحيل مبكراً». وأضاف أنه تلقّى تأكيدات من وزارة العدل بأن «القضية سُوّيت تماماً وبالكامل».

لجنة الشيوخ تُحدد موعد التصويت

وأعلنت اللجنة، يوم السبت، أنها تُخطط للتصويت يوم الأربعاء على ترشيح وارش. وردّت السيناتورة الديمقراطية البارزة إليزابيث وارين ببيان قالت فيه: «لا ينبغي لأي جمهوري يدعي الاهتمام باستقلالية (الفيدرالي) أن يدعم المضي قدماً في ترشيح كيفين وارش، الذي أثبت في جلسة استماعه أنه ليس أكثر من دمية في يد الرئيس ترمب».

وكان وارش قد أخبر أعضاء مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي أنه لم يعد البيت الأبيض مطلقاً بخفض أسعار الفائدة، وتعهد بأن يكون «لاعباً مستقلاً» إذا جرى تثبيته. وقبل ساعات من ذلك، سُئل ترمب في مقابلة مع «سي إن بي سي» عما إذا كان سيُصاب بخيبة أمل إذا لم يقم وارش بخفض الفائدة فوراً، فأجاب الرئيس: «نعم، سأصاب بخيبة أمل».

خلفية الصراع: ترمب وباول

وسعى ترمب لشهور إلى الضغط على البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة، ووصل الأمر إلى حد إهانة باول وتهديده بالإقالة. وفي يوليو (تموز) الماضي، زار ترمب مبنى «الفيدرالي»، وصرح أمام الكاميرات بأن التجديدات ستُكلف 3.1 مليار دولار، وهو ما صححه باول فوراً، مشيراً إلى أن أرقام الرئيس غير دقيقة.

وتُعد التحقيقات مع باول واحدة من عدة تحقيقات أجرتها وزارة العدل ضد من يُعدّون خصوماً لترمب، بمن في ذلك مدعية عام نيويورك ليتيشا جيمس، ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي، وهي تحقيقات لم تنجح في إثبات سلوك إجرامي حتى الآن.

المسار المقبل

حتى بعد تعيين رئيس جديد لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، يمكن لباول اختيار البقاء في مجلس المحافظين لإنهاء فترته التي تستمر حتى يناير (كانون الثاني) 2028، وهو قرار صرح باول بأنه لم يتخذه بعد.

يُذكر أن كيفين وارش هو ممول وعضو سابق في مجلس محافظي «الاحتياطي الفيدرالي»، وقد رشحه ترمب للمنصب في يناير الماضي.


العراق يدرس مشروعاً لتأمين نقل النفط عبر موانئ تركية وسورية وأردنية

خط أنابيب بين العراق وتركيا داخل محافظة دهوك بإقليم كردستان العراق (رويترز)
خط أنابيب بين العراق وتركيا داخل محافظة دهوك بإقليم كردستان العراق (رويترز)
TT

العراق يدرس مشروعاً لتأمين نقل النفط عبر موانئ تركية وسورية وأردنية

خط أنابيب بين العراق وتركيا داخل محافظة دهوك بإقليم كردستان العراق (رويترز)
خط أنابيب بين العراق وتركيا داخل محافظة دهوك بإقليم كردستان العراق (رويترز)

صرح رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، الأحد، بأن مشروع خط أنابيب النفط «بصرة - حديثة - متعدد الاتجاهات» سيضمن المرونة في نقل النفط الخام باتجاه موانئ جيهان التركي وبانياس السوري والعقبة الأردني، وتوفير المرونة لتغذية مصافي الوسط والشمال ورفع قدراتها الإنتاجية في مختلف الظروف.

وأكد السوداني، خلال اجتماع كبار مساعديه في وزارتي النفط والصناعة لمتابعة مشروع خط أنابيب النفط «بصرة - حديثة - متعدد الاتجاهات»، أن المشروع حين جرى طرحه مثل «استشرافاً استباقياً للظروف الحالية الإقليمية وتداركاً لاحتمالية تعرقل مسارات التصدير الحالية، فضلاً عن أهميته في استدامة ثروة العراق النفطية والحفاظ على مصادر الطاقة وزخم عجلة التنمية الاقتصادية الوطنية».

ووجه السوداني بتشكيل «هيئة خاصة لتنفيذ المشروع برئاسة وكيل وزارة النفط وعضوية مستشاري رئيس الوزراء المختصين والمديرين العامين المعنيين في وزارتي النفط، والصناعة والمعادن».

وحسب بيان للحكومة العراقية، قدم وزيرا النفط والصناعة والمعادن شرحاً مفصلاً عن المشروع والتحديات التي واجهته خلال المرحلة الماضية، وآليات المعالجة وتسريع وتيرة العمل، فضلا عن عرض لإجراءات متابعة عقدي التنفيذ، الأول الموقع في 11 أغسطس (آب) 2024 بين شركة نفط البصرة وشركة المشاريع النفطية في وزارة النفط، والثاني الموقع في السابع من يناير (كانون الثاني) 2025 بين شركة المشاريع النفطية والشركة العامة للحديد والصلب في وزارة الصناعة والمعادن.

كما شهد الاجتماع بحث التفاصيل الفنية للمشروع الاستراتيجي المهم، حيث جرى إقرار تمويل المشروع بتخصيص مبلغ مليار و500 مليون دولار خلال العام الحالي تمول بموجب الاتفاق العراقي الصيني، علماً أن التكلفة الإجمالية التخمينية للمشروع تصل إلى خمسة مليارات دولار.

يشار إلى أن إغلاق مضيق هرمز، ولو بشكل جزئي، أدى إلى تعطل تدفقات النفط من منطقة الخليج، ما انعكس بشكل مباشر على صادرات دول المنطقة والعراق الذي يعتمد بصورة كبيرة على الموانئ الجنوبية المرتبطة بهذا الممر الحيوي.


بين ضغط الأسواق وقلق الطاقة... هل يرفع بنك إنجلترا الفائدة الخميس؟

بنك إنجلترا في مدينة لندن (د.ب.أ)
بنك إنجلترا في مدينة لندن (د.ب.أ)
TT

بين ضغط الأسواق وقلق الطاقة... هل يرفع بنك إنجلترا الفائدة الخميس؟

بنك إنجلترا في مدينة لندن (د.ب.أ)
بنك إنجلترا في مدينة لندن (د.ب.أ)

يجد بنك إنجلترا نفسه في موقف لا يحسد عليه مع اقتراب اجتماع لجنة السياسة النقدية المقرر في 30 أبريل (نيسان) الحالي. فبينما بدأت الأسواق المالية في تسعير زيادتين محتملتين لأسعار الفائدة قبل نهاية العام، يواجه محافظ البنك، أندرو بايلي، معضلة الموازنة بين كبح توقعات التضخم التي أججتها حرب الشرق الأوسط، وبين تجنب الانجرار وراء اندفاع الأسواق الذي قد لا يعكس الحقائق الاقتصادية على الأرض.

الأسواق ترفع سقف توقعاتها

عادت الأسواق المالية لترفع سقف توقعاتها، حيث تُسعّر حالياً زيادتين لأسعار الفائدة في المملكة المتحدة هذا العام. ورغم أن المحافظ بايلي كان قد صرّح سابقاً بأن المستثمرين «يسبقون أنفسهم»، فإن البنك يبدو متردداً في توجيه رسالة صد قوية ضد هذه التوقعات في الوقت الراهن. ويعود هذا التردد إلى حالة «عدم اليقين المطلق» التي تفرضها الأزمة المستمرة في مضيق هرمز، حيث يدرك صانعو السياسة أن طول أمد الاضطرابات في سلاسل التوريد سيؤدي حتماً إلى تداعيات تضخمية غير متوقعة.

معضلة الغاز والنفط

على عكس الأزمات السابقة، يراقب بنك إنجلترا أسعار الغاز الطبيعي باهتمام يفوق مراقبته لأسعار النفط؛ إذ يمثل الغاز نقطة الضعف الأكبر للاقتصاد البريطاني كونه المحرك الرئيسي لفواتير التدفئة والكهرباء. ورغم بقاء أسعار الغاز في مستويات مريحة وقريبة من مستويات ما قبل الحرب، فإن القلق يتركز حول السلوك السعري للشركات. فبينما ارتفعت توقعات التضخم لدى المستهلكين، لا تزال توقعات نمو الأجور، المحرك الحقيقي للتضخم المستدام، مستقرة، مما يمنح البنك فرصة لالتقاط الأنفاس قبل اتخاذ أي خطوة تصعيدية.

انقسام مرتقب

من المتوقع أن يشهد اجتماع الخميس المقبل عودة الانقسامات التقليدية داخل لجنة السياسة النقدية. وبعد حالة الوحدة النادرة في الاجتماعات السابقة، يرجح المحللون تصويتاً بنسبة 8 إلى 1 لصالح تثبيت الفائدة عند 3.75 في المائة. ومن المتوقع أن يخرج كبير الاقتصاديين، هيو بيل، عن الإجماع ليصوت لصالح رفع الفائدة، في حين قد تنضم إليه أصوات متشددة أخرى مثل ميغان غرين أو كاثرين مان في المطالبة بلهجة أكثر صرامة للحفاظ على استقرار الأسعار، خصوصاً مع ترقب بيانات التضخم لشهر أبريل التي ستصدر في مايو (أيار) المقبل.

شبح «داونينغ ستريت»

لا تقتصر تحديات البنك على الأرقام الاقتصادية فحسب، بل تمتد إلى المشهد السياسي المتقلب في وستمينستر. ومع تزايد الحديث عن احتمالات تغيير القيادة في الحكومة البريطانية، تخشى الأسواق من أي تدخلات مالية مفاجئة أو تغيير في قواعد الاقتراض قد تضطر البنك المركزي إلى تشديد سياسته النقدية بشكل قسري. ويمثل التحذير المبطن الذي وجهه البنك للمشرعين في مارس (آذار) الماضي إشارة واضحة بأن أي توسع مالي غير مدروس سيقابله رفع في تكاليف الإقراض.

في نهاية المطاف، يبدو أن بنك إنجلترا سيفضل الإبقاء على خياراته مفتوحة في اجتماع الأسبوع المقبل. سيعمل البنك على تجنب القيام بأي خطوة تزيد من رهان الأسواق على رفع الفائدة، وفي الوقت ذاته، لن يحاول بجدية إقناع الأسواق بخفض تلك الرهانات، بانتظار اتضاح الرؤية الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

ورغم ضجيج التوقعات، تظل الرؤية التحليلية الأرجح هي بقاء الفائدة عند مستواها الحالي البالغ 3.75 في المائة طوال عام 2026، ما لم تحدث قفزات مفاجئة وغير منضبطة في أسعار الطاقة.