الدبلوماسية البيئية السعودية: مقاربة شاملة تتجاوز المناخ

الفقيها حذّر في حوار مع «الشرق الأوسط» من سرعة تدهور الأراضي واستعرض استراتيجية مستحدثة لمكافحة الجفاف

المساحة الخضراء في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
المساحة الخضراء في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
TT

الدبلوماسية البيئية السعودية: مقاربة شاملة تتجاوز المناخ

المساحة الخضراء في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
المساحة الخضراء في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

«تقود السعودية دبلوماسية بيئية شاملة على الساحة الدولية، لا تقتصر على ملف المناخ وحده»؛ هكذا وصف وكيل وزارة البيئة والمياه والزراعة، أسامة فقيها، جهود الرياض البيئية حول العالم.

وقال فقيها، في حديث مع «الشرق الأوسط»، على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، إن «هناك ميلاً عالمياً إلى اختزال مفهوم البيئة في المناخ، في حين أن المناخ ليس سوى عنصر واحد ضمن منظومة بيئية أوسع».

ويؤكد فقيها أن الحياة على كوكب الأرض تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية مترابطة: المناخ، والمحيط، واليابسة (الأراضي)، وأن أي مقاربة بيئية فاعلة يجب أن تتعامل مع هذه العناصر بوصفها وحدة متكاملة. ويشير إلى أن المملكة شاركت في صياغة معظم المعاهدات البيئية الدولية، من «بروتوكول مونتريال» إلى «اتفاقية باريس»، مروراً باتفاقيات «مكافحة التصحر» و«التنوع الإحيائي»، مؤكداً التزام السعودية بجميع الاتفاقيات التي وقّعت عليها، ومشاركتها الفاعلة في صياغتها والالتزام بها.

وكيل وزارة البيئة والمياه والزراعة لشؤون البيئة الدكتور أسامة فقيها (تصوير: تركي العقيلي)

رئاسة اتفاقية مكافحة التصحر

يوضح فقيها أن المملكة تترأس حالياً اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، وهي إحدى الاتفاقيات الثلاث التي انبثقت عن «قمة الأرض» في ريو دي جانيرو عام 1992، إلى جانب الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ واتفاقية التنوع الإحيائي. وتركّز هذه الاتفاقية على حماية الأراضي بوصفها أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها الحياة على الأرض.

ويبيّن أن الاتفاقية تُعنى بالحد من تدهور الأراضي والجفاف، ومقاومة العوامل التي تؤدي إلى فقدان الأراضي لقدرتها على أداء وظائفها البيئية الحيوية وتحولها إلى صحارٍ، لافتاً إلى أن الأراضي تمثّل أساس الأمنَيْن المائي والغذائي، وتحتضن الغابات والتجمعات السكانية ومصادر المياه العذبة.

حسب فقيها، يُسهم تدهور الأراضي بنحو 24 في المائة من انبعاثات غازات الدفيئة عالمياً، وهي نسبة قريبة من إسهامات قطاع الطاقة البالغة 25 في المائة، وأعلى من إسهامات قطاع النقل التي تبلغ 14 في المائة. كما يشير إلى أن نحو 60 في المائة من فقدان التنوع الإحيائي عالمياً مرتبط بفقدان الموائل نتيجة تدهور الأراضي، في حين لا تتجاوز إسهامات تغير المناخ وحده في هذا الفقدان نحو 10 في المائة.

وضعت السعودية كثيراً من المبادرات لمكافحة التصحر (برنامج الأمم المتحدة للبيئة)

تدهور الأراضي: تأثير يتجاوز الحدود

يؤكد فقيها أن العالم يشهد تدهوراً متسارعاً في الأراضي، حيث يُقدَّر حجم الأراضي المتدهورة حالياً بنحو مليارَي هكتار، تشمل الغابات والمزارع والمراعي وغيرها، نتيجة أنشطة بشرية متعددة.

ويُقدَّر عدد المتأثرين بتدهور الأراضي عالمياً بنحو 3.2 مليار شخص، موضحاً أن هذا التأثير لا يقتصر على المجتمعات التي تعيش مباشرة على الأراضي المتدهورة، بل يمتد إلى الأمن الغذائي وجودة الغذاء، حتى في الدول البعيدة جغرافياً عن مناطق التدهور.

القطاع الخاص شريك محوري

يوضح فقيها أن قطاع الأعمال يُعدّ عنصراً محورياً في قضية تدهور الأراضي، مؤكداً أن المملكة تعمل على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية لإشراك القطاع الخاص في العمل البيئي.

وعلى المستوى الوطني، يشير إلى أن مبادرة السعودية الخضراء لإعادة تأهيل الأراضي أُطلقت مدعومة بمنظومة تشريعية وتنظيمية تشمل جميع أنشطة القطاع الخاص، مضيفاً أن القطاع الخاص أسهم بأكثر من 50 في المائة من عمليات إعادة تأهيل الأراضي وزراعة الأشجار في المملكة، أي نحو 150 مليون شجرة حتى الآن.

حملات للمتطوعين لزراعة أشجار المانغروف على سواحل 5 مناطق في السعودية (واس)

من الاستجابة بعد الكارثة إلى الاستعداد المسبق

يعدّ فقيها الجفاف من أكبر التحديات العالمية، إذ يتعرض له اليوم نحو 1.8 مليار شخص، أي ما يقارب ربع سكان العالم، مرجّحاً أن يتضاعف هذا الرقم خلال السنوات المقبلة، خصوصاً في الدول النامية.

وفي هذا السياق، يشير إلى إطلاق «شراكة الرياض العالمية لمقاومة الجفاف»، التي تهدف إلى الانتقال من الاستجابة بعد وقوع الجفاف إلى الاستعداد الاستباقي له، لافتاً إلى أن نحو 80 في المائة من آثار الجفاف تطول المجتمعات الزراعية، وترتبط به بشكل مباشر أو غير مباشر قضايا النزاعات والهجرة والمعاناة الإنسانية.

وتشير التقديرات -حسب فقيها- إلى أنه بحلول نهاية القرن قد يضطر نحو 200 مليون شخص حول العالم إلى النزوح بسبب الجفاف. وفي عام 2035 وحده، يُتوقع أن يُجبر نحو 35 مليون شخص على الهجرة، حيث إن 98 في المائة من حالات النزوح عالمياً ترتبط إما بالجفاف وإما بالفيضانات.

مبادرة عالمية لمقاومة الجفاف

نظّمت السعودية في ديسمبر (كانون الأول) 2024 المؤتمر التأسيسي للمبادرة العالمية لمقاومة الجفاف بمشاركة 64 دولة. كما عقدت الاجتماع الأول للجنة التوجيهية التي تضم الدول المانحة والدول المتلقية للدعم.

وتستهدف المبادرة تعزيز مقاومة الجفاف في نحو 74 دولة من الدول النامية ذات الدخل المنخفض، من خلال أنظمة الإنذار المبكر، وبناء القدرات، واستخدام محاصيل مقاومة للجفاف، وتوفير حلول عملية للمزارعين، مثل التأمين ضد الجفاف.

سياسات وطنية لإدارة المياه

على المستوى الداخلي، يشير فقيها إلى أن المملكة، بصفتها دولة تقع في منطقة جافة، اعتمدت الاستراتيجية الوطنية للبيئة لتعزيز الاستفادة من مصادر المياه المتجددة وتقليل الاعتماد على المياه غير المتجددة.

كما أُنشئ المركز الوطني لترشيد المياه لخفض معدلات الاستهلاك، إلى جانب تبنّي تقنيات حديثة في تحلية المياه، أسهمت في خفض البصمة الكربونية والطاقة المستخدمة في إنتاج المتر المكعب من المياه المحلاة بنحو 70 في المائة.

ويضيف أن المملكة عملت أيضاً على تبنّي تقنيات مبتكرة في الزراعة، وتقليل الفاقد في شبكات المياه، وتطوير شبكات التوزيع، وتشجيع استخدام الأدوات المرشدة لاستهلاك المياه.


مقالات ذات صلة

«ستاندرد آند بورز»: البنوك السعودية تدخل 2026 بزخم إقراض قوي

الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

«ستاندرد آند بورز»: البنوك السعودية تدخل 2026 بزخم إقراض قوي

ترى وكالة «إس آند بي غلوبال» للتصنيف الائتماني أن البنوك السعودية مقبلة على عام 2026 بزخم قوي في الإقراض بدعم من الاحتياجات التمويلية المتنامية

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد نائب الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة «سابك» خلال الجلسة الحوارية في المنتدى الاقتصادي العالمي (الشرق الأوسط)

«سابك»: الدين السعودي يستحوذ على 45 % من أسواق المنطقة

كشف صالح الحريقي، نائب الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة «سابك»، عن القفزة النوعية التي حققها سوق الدين السعودي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد السدحان يتحدث للحضور في الجلسة الحوارية على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي (الشرق الأوسط)

«البنك الأهلي»: سوق أدوات الدين أصبحت ضرورة للاقتصاد السعودي

كشف طارق السدحان، الرئيس التنفيذي لـ«البنك الأهلي السعودي»، عن دخول القطاع المالي في السعودية مرحلة جديدة تتطلب وجود سوق فاعلة لأدوات الدين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير السياحة متحدثاً للحضور في الجلسة الحوارية ضمن أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس السويسرية (الشرق الأوسط)

الخطيب من «دافوس»: حجم الإنفاق السياحي في السعودية 80 مليار دولار في 2025

أكد أحمد الخطيب، وزير السياحة، أن السعودية تمضي قدماً في تحويل القطاع إلى ركيزة استراتيجية للاقتصاد الوطني.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أحد المصانع التابعة لشركة «معادن» في السعودية (الشرق الأوسط)

«معادن» السعودية تبدأ طرح صكوك مقوّمة بالدولار

بدأت شركة التعدين العربية السعودية «معادن» طرح صكوك مقومة بالدولار، بموجب برنامجها الدولي لإصدار الصكوك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

وزير الطاقة الأميركي من «دافوس»: العالم بحاجة لمضاعفة إنتاج النفط

وزير الطاقة الأميركي يتحدث خلال الاجتماع السادس للتعاون عبر الأطلسي في مجال الطاقة بأثينا (أرشيفية - رويترز)
وزير الطاقة الأميركي يتحدث خلال الاجتماع السادس للتعاون عبر الأطلسي في مجال الطاقة بأثينا (أرشيفية - رويترز)
TT

وزير الطاقة الأميركي من «دافوس»: العالم بحاجة لمضاعفة إنتاج النفط

وزير الطاقة الأميركي يتحدث خلال الاجتماع السادس للتعاون عبر الأطلسي في مجال الطاقة بأثينا (أرشيفية - رويترز)
وزير الطاقة الأميركي يتحدث خلال الاجتماع السادس للتعاون عبر الأطلسي في مجال الطاقة بأثينا (أرشيفية - رويترز)

قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، يوم الخميس، إن العالم بحاجة إلى أكثر من مضاعفة إنتاج النفط، منتقداً الاتحاد الأوروبي وولاية كاليفورنيا الأميركية لإهدارهما الأموال على ما وصفها بـ«الطاقة النظيفة غير الفعالة».

في السنوات الأخيرة، تركزت مناقشات المنتدى الاقتصادي العالمي حول الطاقة، على سبل تعزيز سياسات خفض الانبعاثات الكربونية. لكن خلال نقاش رايت مع الرئيسة التنفيذية لشركة «أوكسيدنتال للطاقة»، فيكي هولوب، في دافوس، أكدا أن العالم سيعتمد على النفط لعقود مقبلة. وقال رايت إن اللوائح البيئية للشركات في الاتحاد الأوروبي تُشكِّل مخاطر على التعاون في مجال الطاقة مع الولايات المتحدة.

وأضاف: «قد تُعرّضكم هذه اللوائح (أيها المنتجون الأميركيون) للمساءلة القانونية فيما يتعلق بتصدير الغاز إلى أوروبا. ونحن نعمل مع زملائنا هنا في أوروبا لإزالة هذه العوائق».

يُلزم الاتحاد الأوروبي مستوردي النفط والغاز إلى أوروبا برصد انبعاثات غاز الميثان المرتبطة بهذه الواردات والإبلاغ عنها، في محاولة للحد من انبعاثات هذا الغاز المُسبّب للاحتباس الحراري. وبعد أشهر من الضغوط من الشركات والحكومات، وافق الاتحاد الأوروبي، الشهر الماضي، على تقليص نطاق قانونَين رئيسيَّين بشكل كبير، وهما توجيه الإبلاغ عن استدامة الشركات، وتوجيه العناية الواجبة في مجال استدامة الشركات.

سياسة طاقة خاطئة

قال رايت إن زيادة إنتاج الغاز الطبيعي، والاستثمار في محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال قد مكَّنا الولايات المتحدة من استبدال واردات أوروبا من الغاز الروسي التي انخفضت بشكل حاد بعد بدء الصراع في أوكرانيا عام 2022.

وانتقد سياسات الطاقة في كاليفورنيا، التي قال إنها تشبه سياسات أوروبا.

وتساءل رايت: «لو لم تنتهج كاليفورنيا سياسة طاقة خاطئة... كيف كانت ستصبح حال سكانها، وكيف كانت ستصبح جودة حياتهم؟».

ووفقاً لأحدث بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغ إنتاج كاليفورنيا من النفط الخام 300 ألف برميل يومياً عام 2024، أي نحو النصف مقارنةً بالعقد السابق. وبلغ إنتاجها ذروته عند 1.1 مليون برميل يومياً عام 1985، وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة التي تعود إلى أوائل ثمانينات القرن الماضي.

وقالت هولوب إن شركة «أوكسيدنتال» انسحبت من كاليفورنيا؛ بسبب لوائح الولاية. في عام 2014، فصلت «أوكسيدنتال» أصولها النفطية والغازية في الولاية في شركة مستقلة مدرجة في البورصة، ونقلت مقرها الرئيسي من لوس أنجيس إلى هيوستن. وتُعد كاليفورنيا معزولة عن مراكز التكرير على طول ساحل خليج المكسيك الأميركي وفي الغرب الأوسط، ما يجعلها عرضةً لتقلبات أسعار الطاقة.

وبلغت إمدادات النفط العالمية 107.4 مليون برميل يومياً الشهر الماضي، وفقاً لـ«وكالة الطاقة الدولية».


«ستاندرد آند بورز»: البنوك السعودية تدخل 2026 بزخم إقراض قوي

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

«ستاندرد آند بورز»: البنوك السعودية تدخل 2026 بزخم إقراض قوي

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

ترى وكالة «إس آند بي غلوبال» للتصنيف الائتماني أن البنوك السعودية مقبلة على عام 2026 بزخم قوي في الإقراض، بدعم من الاحتياجات التمويلية المتنامية المرتبطة بمشاريع «رؤية 2030»، مع استمرار اعتمادها على مصادر التمويل الخارجية لسد فجوة السيولة ومواكبة التوسع الائتماني.

وتتوقع الوكالة أن يستفيد إقراض الشركات بشكل خاص من الفرص التي تتيحها المشاريع الكبرى للرؤية، مرجحة أن تتراوح القروض الجديدة للشركات بين 65 و75 مليار دولار خلال 2026، مدفوعة باستثمارات مرتفعة، لا سيما في قطاعات العقارات والمرافق.

وكانت قروض الشركات الجديدة قد بلغت نحو 70 مليار دولار بين نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2024 ونهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وفي موازاة ذلك، تبرز قروض الأفراد، وخصوصاً الرهن العقاري، كمسار نمو إضافي للبنوك، مستفيدة من بيئة أسعار الفائدة المنخفضة. فقد ارتفع الإقراض للأفراد بنسبة 5 في المائة خلال الاثني عشر شهراً حتى نهاية نوفمبر 2025، وتشكل الرهون العقارية قرابة نصف هذه القروض. وتتوقع الوكالة أن يزداد هذا النوع من الإقراض بنحو 20 مليار دولار في 2026، مقارنة بـ18 مليار دولار خلال الفترة السابقة.

تمويل التوسع الكامل

ورغم قوة النشاط الائتماني، تشير التقديرات إلى احتمال تراجع طفيف في ربحية البنوك نتيجة انخفاض أسعار الفائدة، بالتوازي مع عودة مؤشرات جودة الأصول إلى مستويات أكثر طبيعية مع تقليص عمليات الشطب. وتظل المخاطر الرئيسية مرتبطة باحتمال انخفاض حاد ومطول في أسعار النفط، أو تصاعد مفاجئ في التوترات الجيوسياسية.

وتتوقع الوكالة أن تواصل الحكومة السعودية والكيانات المرتبطة بها ضخ الودائع في الجهاز المصرفي لدعم نمو الائتمان. فقد بلغت حصة ودائع الحكومة والجهات الحكومية نحو 32 في المائة من إجمالي الودائع بحلول نوفمبر 2025، مقارنة بنحو 20 في المائة عام 2020، متجاوزة نمو ودائع القطاع الخاص. ومع ذلك، لم تكن هذه الودائع كافية لتمويل التوسع الكامل في الإقراض، ما يرجح استمرار ارتفاع نسبة القروض إلى الودائع، التي بلغت 113 في المائة في نهاية نوفمبر 2025.

وفي هذا السياق، تتوقع الوكالة أن تواصل البنوك اللجوء إلى الديون الخارجية لسد الفجوة التمويلية، ما سيؤدي إلى ارتفاع صافي الديون الخارجية إلى نحو 6 في المائة من إجمالي القروض، وهي نسبة تراها قابلة للإدارة. كما يسهم تحسن السيولة في الأسواق المالية الدولية، وانخفاض أسعار الفائدة في تسهيل هذا التوجه، وقد يشجعان البنوك على تسييل الرهون العقارية لصالح «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، أو إصدار سندات مدعومة برهون عقارية سكنية.

وعلى صعيد جودة الأصول، تتوقع الوكالة أن تظل المؤشرات قوية مقارنة بالمستوى الإقليمي، مع ارتفاع نسبة القروض غير المنتظمة إلى ما بين 1.6 و1.7 في المائة في 2026، مقابل 1.1 في المائة في سبتمبر (أيلول) 2025. كما يُتوقع أن ترتفع تكلفة المخاطر إلى ما بين 55 و60 نقطة أساس، مقارنة بنحو 25 نقطة أساس في الفترة السابقة، في ظل عودة الأوضاع إلى مستوياتها الطبيعية بعد سنوات من التعافي القوي.

وترى الوكالة أن تعرض البنوك لقطاعات أعلى مخاطر، مثل الشركات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب انخفاض الشطب، قد يرفع نسبة القروض المتعثرة. ومع ذلك، فإن مخاطر التجزئة تظل محدودة نسبياً، نظراً لاعتماد البنوك على رواتب المقترضين كضمان، وانخفاض مخاطر فقدان الوظائف، خصوصاً في القطاعين الحكومي والعام.

نمو مستدام

وفيما يتعلق بإقراض الشركات، تشير الوكالة إلى أن البنوك حققت نمواً مستداماً خلال السنوات الأخيرة دون تخفيف معايير الائتمان أو شهية المخاطر، رغم منحها قروضاً جديدة بقيمة 379 مليار دولار خلال السنوات الخمس الماضية. لكنها تحذر من أن أي تدهور غير متوقع في البيئة الاقتصادية قد يختبر جودة هذه القروض.

وفي جانب الربحية، تتوقع الوكالة أن تبقى قوية عموماً، مع تراجع طفيف نتيجة انخفاض أسعار الفائدة، وارتفاع تكلفة المخاطر. وترجح أن ينخفض العائد على متوسط الأصول إلى نحو 2.2 في المائة خلال 2026، في حين يسهم النمو القوي في الإقراض جزئياً في تخفيف الضغط على هوامش صافي الفائدة. كما تتوقع استمرار استثمارات البنوك في الرقمنة لتعزيز الكفاءة التشغيلية.

وتظل رسملة البنوك السعودية قوية، إذ بلغت نسبة كفاية رأس المال من الفئة الأولى 18.4 في المائة في سبتمبر 2025، بينما بلغ متوسط نسبة رأس المال المعدل للمخاطر 13.1 في المائة بنهاية 2024.

غير أن الوكالة تلاحظ ارتفاع مساهمة الأدوات الهجينة في هيكل رأس المال، لتصل إلى 19 في المائة من حقوق الملكية العادية في المتوسط، مع تسجيل نسب أعلى لدى بنك «الإنماء» و«البنك السعودي للاستثمار»، مقابل نسب أقل لدى «البنك الأهلي السعودي» و«البنك العربي الوطني». وترى الوكالة أن الارتفاع الكبير في هذه الأدوات قد يضعف جودة رأس المال، في حين من المتوقع أن تحافظ البنوك على سياسات توزيع أرباح محافظة بمتوسط 50 في المائة.

رأس المال الخاص

وفيما يخص تمويل رأس المال الخاص، تشير الوكالة إلى أنه لا يزال يشكل نحو 2 في المائة فقط من إجمالي ديون السعودية، لكنه شهد نمواً لافتاً منذ 2020، ليصل إلى 3.7 مليار دولار في 2024، مدفوعاً باحتياجات التمويل المرتبطة بـ«رؤية 2030» ونمو قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة.

أما التعرض المباشر لقطاعات الانتقال الطاقي فيمثل 14 في المائة من إجمالي الإقراض، مع تعرض غير مباشر أعلى بسبب الدور المستمر، وإن كان متراجعاً، للهيدروكربونات في الاقتصاد. وتتوقع الوكالة أن تواصل البنوك دمج معايير الاستدامة في قرارات الإقراض والاستثمار.

وتخلص الوكالة إلى أن جميع تصنيفات البنوك السعودية تحمل نظرة مستقرة، مع توقع بقاء التصنيفات دون تغيير في 2026، في ظل آفاق نمو اقتصادي داعمة يقودها النشاط غير النفطي، وارتفاع استهلاك الأسر، وزيادة إنتاج النفط بعد تخفيف حصص «أوبك+»، إلى جانب استثمارات صندوق الاستثمارات العامة التي تتجاوز 40 مليار دولار سنوياً. ومع ذلك، يبقى الانخفاض الكبير والمطول في أسعار النفط أو تصاعد المخاطر الجيوسياسية التحدي الأبرز.


«سابك»: الدين السعودي يستحوذ على 45 % من أسواق المنطقة

نائب الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة «سابك» خلال الجلسة الحوارية في المنتدى الاقتصادي العالمي (الشرق الأوسط)
نائب الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة «سابك» خلال الجلسة الحوارية في المنتدى الاقتصادي العالمي (الشرق الأوسط)
TT

«سابك»: الدين السعودي يستحوذ على 45 % من أسواق المنطقة

نائب الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة «سابك» خلال الجلسة الحوارية في المنتدى الاقتصادي العالمي (الشرق الأوسط)
نائب الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة «سابك» خلال الجلسة الحوارية في المنتدى الاقتصادي العالمي (الشرق الأوسط)

كشف صالح الحريقي، نائب الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة «سابك»، عن القفزة النوعية التي حققها سوق الدين السعودي، حيث بات يمثل حالياً ما بين 40 و45 في المائة من إجمالي سوق أدوات الدين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مؤكداً أن حجم السوق تضاعف منذ عام 2020.

وأوضح الحريقي، خلال جلسة حوارية ضمن أعمال منتدى الاقتصاد العالمي 2026، الأربعاء، في مدينة دافوس السويسرية، أن التطورات التنظيمية والربط مع أنظمة الإيداع العالمية أسهما بشكل مباشر في جذب السيولة الدولية وتعزيز مرونة الشركات الكبرى، مثل «سابك»، في إدارة ميزانياتها العمومية، قائلاً: «من المهم لشركات بحجم سابك البحث عن خيارات تمويل خارج الميزانية العمومية لتحسين الأداء المالي، واستخدامها أداةً لتحقيق كفاءة الميزانية».

وعلى صعيد الاستدامة، أكد الحريقي التزام «سابك» بالوصول إلى الحياد الصفري بحلول عام 2050، مشيراً إلى أن معايير التمويل المستدام في السعودية باتت تضاهي المعايير الدولية، وتوفر حماية قوية للمستثمرين ضد مخاطر «الغسل الأخضر».

واختتم حديثه بالتأكيد أن المرحلة المقبلة ستشهد تعميقاً أكبر للسوق، من خلال تعزيز السيولة في السوق الثانوية، وزيادة مشاركة الأفراد في أدوات الدين.