صندوق النقد الدولي يرفع توقعات النمو العالمي لعام 2026 إلى 3.3 %

حذَّر من أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع المخاطر التضخمية إذا استمر بوتيرة سريعة

شعار صندوق النقد الدولي بمقره الرئيسي في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي بمقره الرئيسي في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي يرفع توقعات النمو العالمي لعام 2026 إلى 3.3 %

شعار صندوق النقد الدولي بمقره الرئيسي في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي بمقره الرئيسي في واشنطن (رويترز)

رفع صندوق النقد الدولي مجدداً توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي لعام 2026، يوم الاثنين، في الوقت الذي تتكيف فيه الشركات والاقتصادات مع التعريفات الجمركية الأميركية التي خفَّت في الأشهر الأخيرة، ومع استمرار طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي التي دفعت ثروات الأصول وتوقعات مكاسب الإنتاجية.

وتوقَّع صندوق النقد الدولي في تحديثه لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي أن يصل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 3.3 في المائة في 2026، بزيادة 0.2 نقطة مئوية عن تقديره الأخير في أكتوبر (تشرين الأول). ويأتي هذا النمو رغم أن الاقتصاد العالمي من المتوقع أن ينمو أيضاً بنسبة 3.3 في المائة في 2025، وهو ما يفوق تقديرات أكتوبر بمقدار 0.1 نقطة مئوية، حسب صندوق النقد الدولي.

وتوقع المقرض الدولي للأزمات أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.2 في المائة في 2027، دون تغيير عن التوقع السابق. وقد قام الصندوق برفع توقعات النمو العالمي منذ يوليو (تموز) الماضي استجابة للاتفاقيات التجارية التي خفَّضت معدلات التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي بلغت ذروتها في أبريل (نيسان) 2025.

وقال كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، بيير أوليفييه غورينشاس، للصحافيين: «نجد أن النمو العالمي لا يزال مرناً إلى حد بعيد»، مضيفاً أن توقعات الصندوق لعامي 2025 و2026 تتجاوز الآن التوقعات التي أُصدرت في أكتوبر 2024، قبل انتخاب ترمب لفترة ثانية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل أمراً تنفيذياً موقعاً بشأن الرسوم الجمركية في واشنطن يوم 2 أبريل 2025 (رويترز)

وأضاف: «بمعنى ما، فإن الاقتصاد العالمي يتجاوز اضطرابات التجارة والتعريفات الجمركية لعام 2025، ويحقق أداءً أفضل مما توقعناه قبل أن تبدأ كل هذه الأحداث».

وأشار إلى أن الشركات تمكنت من التكيف مع ارتفاع التعريفات الجمركية الأميركية عن طريق إعادة توجيه سلاسل التوريد، في حين خفضت الاتفاقيات التجارية بعض الرسوم، وقامت الصين بتحويل صادراتها إلى الأسواق غير الأميركية. وتفترض أحدث توقعات صندوق النقد الدولي معدل تعريفات فعَّالاً في الولايات المتحدة يبلغ 18.5 في المائة، انخفاضاً من نحو 25 في المائة في توقعات الصندوق لأبريل 2025.

النمو الأميركي مدفوع بالذكاء الاصطناعي

قدَّر الصندوق نمو الولايات المتحدة لعام 2026 بنسبة 2.4 في المائة، بزيادة 0.3 نقطة مئوية عن تقديرات أكتوبر، ويرجع ذلك جزئياً إلى ضخ استثمارات ضخمة في بنية تحتية للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مراكز البيانات، ومعالجات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والطاقة اللازمة لها. كما خفَّض الصندوق توقع نمو الولايات المتحدة لعام 2027 بمقدار 0.1 نقطة مئوية إلى 2 في المائة.

وأشار الصندوق إلى أن الاستثمار في التكنولوجيا عزز النشاط الاقتصادي في إسبانيا التي ارتفعت توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026 فيها بمقدار 0.3 نقطة مئوية، لتصل إلى 2.3 في المائة، وفي المملكة المتحدة؛ حيث أبقى الصندوق توقعاته دون تغيير عند 1.3 في المائة لعام 2026.

وحذر غورينشاس من أن طفرة الذكاء الاصطناعي قد تزيد المخاطر التضخمية إذا استمرت بمعدل سريع، مضيفاً أنه إذا لم تتحقق التوقعات بشأن مكاسب الإنتاجية والأرباح الناتجة عن الذكاء الاصطناعي، فقد يؤدي ذلك إلى تصحيح في التقييمات السوقية المرتفعة ويقلل الطلب.

شعار الذكاء الاصطناعي بمؤتمره العالمي في شنغهاي (أرشيفية- رويترز)

وأدرج تقرير صندوق النقد الدولي الذكاء الاصطناعي بين المخاطر المائلة نحو الانخفاض، إلى جانب اضطرابات سلاسل التوريد والأسواق الناجمة عن التوترات الجيوسياسية، بالإضافة إلى احتمال تجدد التوترات التجارية.

وحذر غورينشاس من أن قرار المحكمة العليا الأميركية ضد الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها ترمب بموجب قانون الطوارئ قد «يضيف جرعة أخرى من حالة عدم اليقين في السياسة التجارية للاقتصاد العالمي»، إذا أعاد ترمب فرض تعريفات جديدة بموجب قوانين تجارية أخرى.

ومع ذلك، أشار الصندوق إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة كبيرة للاقتصاد العالمي إذا أدى ارتفاع الاستثمار إلى تبنٍّ سريع، وتم تحقيق مكاسب إنتاجية تعزز ديناميكية الأعمال والابتكار.

وقال: «نتيجة لذلك، قد يرتفع النمو العالمي بما يصل إلى 0.3 نقطة مئوية في 2026، وبين 0.1 و0.8 نقطة مئوية سنوياً على المدى المتوسط، اعتماداً على سرعة التبني والتحسن في جاهزية الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم».

توقعات النمو لدول رئيسية أخرى

توقع صندوق النقد الدولي أن يصل نمو الصين لعام 2026 إلى 4.5 في المائة، انخفاضاً من أداء قوي قدره 5 في المائة في 2025، ولكنه أعلى بمقدار 0.3 نقطة مئوية عن تقديرات أكتوبر. ويرجع هذا التعديل إلى انخفاض معدل الرسوم الجمركية الأميركية على السلع الصينية لمدة عام بمقدار 10 نقاط مئوية، واستمرار تحويل الصادرات إلى أسواق أخرى مثل جنوب شرقي آسيا وأوروبا.

وحذر غورينشاس من أن الصين قد تواجه سياسات تجارية أكثر حماية، إذا لم تطور نموذج نمو أكثر توازناً، يعتمد أقل على الصادرات وأكثر على الطلب الداخلي.

أشخاص يسيرون على طريق المشاة في نانجينغ في شنغهاي بالصين (رويترز)

وتوقع الصندوق نمو منطقة اليورو بنسبة 1.3 في المائة لعام 2026، بزيادة 0.1 نقطة مئوية عن تقديرات أكتوبر، مدفوعاً بزيادة الإنفاق العام في ألمانيا وأداء أقوى في إسبانيا وآيرلندا. وحافظ الصندوق على توقعاته لنمو منطقة اليورو لعام 2027 عند 1.4 في المائة؛ مشيراً إلى أن الزيادات المخطط لها في الإنفاق الدفاعي الأوروبي ستتحقق في السنوات اللاحقة.

وشهدت اليابان أيضاً تعديلاً طفيفاً لصعود توقعات النمو لعام 2026، نتيجة لحزمة التحفيز المالي من الحكومة الجديدة، بينما كانت البرازيل استثناءً من اتجاه التحسن، مع تخفيض توقعات نموها لعام 2026 بمقدار 0.3 نقطة مئوية، لتصل إلى 1.6 في المائة منذ أكتوبر. وأرجع مسؤولو الصندوق هذا التراجع بشكل رئيسي إلى تشديد السياسة النقدية لمواجهة ارتفاع التضخم في العام الماضي.

كما رفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد الهندي في السنة المالية 2026 بمقدار 0.7 نقطة مئوية، لتصل إلى 7.3 في المائة، مستنداً إلى الزخم القوي في الاقتصاد، ولكنه أشار إلى أن النمو من المرجح أن يتباطأ إلى 6.4 في المائة في السنتين الماليتين التاليتين مع تلاشي العوامل الدورية. وبالنسبة للسنتين الماليتين 2026 و2027، توقَّع نمواً بنسبة 6.3 و6.5 في المائة على التوالي.

التضخم والسياسة النقدية

كما توقع صندوق النقد الدولي انخفاض التضخم العالمي من 4.1 في المائة في 2025 إلى 3.8 في المائة في 2026، ومن ثم إلى 3.4 في المائة في 2027، مما يتيح مجالاً لمزيد من السياسات النقدية التيسيرية لدعم النمو.


مقالات ذات صلة

صندوق النقد يرحب بتعديلات قانون المصارف في لبنان ويعدّها «خطوة كبيرة»

الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

صندوق النقد يرحب بتعديلات قانون المصارف في لبنان ويعدّها «خطوة كبيرة»

رحب صندوق النقد الدولي بإقرار مجلس النواب اللبناني تعديلات على قانون معالجة أوضاع المصارف، واصفاً الخطوة بأنها «كبيرة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا من جلسة سابقة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

مخاوف بمصر بشأن تداعيات ارتفاع الدين العام وسط تصاعد التوترات الإقليمية

على عكس خطط الحكومة المصرية التي تستهدف خفض الدين العام إلى 78 في المائة من الناتج الإجمالي، توقَّع"«صندوق النقد» بلوغ هذه النسبة 82.2 في المائة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام يتوسط وزير المال ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط خلال الجلسة التشريعية بمجلس النواب (إعلام البرلمان)

لبنان يعدّل قانون المصارف المعلّق على تشريعات معالجة «الفجوة»

قضت التسوية التي اعتُمدت في إقرار «التعديلات»، وفق مسؤول مالي معني، بضرورة «مسايرة» تعليمات «صندوق النقد»، وحفظ الاستجابة لهواجس السلطة النقدية...

علي زين الدين (بيروت)
الاقتصاد مركبات في أحد ميادين دمشق (رويترز)

صندوق النقد الدولي يوافق على برنامج مساعدات فنية لسوريا

أعلن صندوق النقد الدولي، الثلاثاء، عن موافقته على برنامج مساعدات فنية واسع النطاق لسوريا التي مزقتها الحرب، حيث تعمل الحكومة الجديدة على إعادة بناء الاقتصاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا تعتبر الحكومة تقرير «الصندوق» شهادة على الأداء الاقتصادي (رويترز)

تمويل جديد من «صندوق النقد» يحصّن الاقتصاد المصري من الاضطرابات المتصاعدة

تعول مصر على صرف التمويل الجديد من «صندوق النقد الدولي» لتحصين الاقتصاد من الاضطرابات المتصاعدة في المنطقة.

أحمد عدلي (القاهرة)

الدولار يتراجع مع تصاعد قلق الديون الأميركية

رجل يعد أوراق نقدية من فئة 20 دولاراً (أ ب)
رجل يعد أوراق نقدية من فئة 20 دولاراً (أ ب)
TT

الدولار يتراجع مع تصاعد قلق الديون الأميركية

رجل يعد أوراق نقدية من فئة 20 دولاراً (أ ب)
رجل يعد أوراق نقدية من فئة 20 دولاراً (أ ب)

تراجع الدولار الأميركي، يوم الجمعة، متجهاً نحو تسجيل خسارة أسبوعية، بعدما خلص المستثمرون إلى أن خطة وزارة الخزانة الأميركية لتوسيع عمليات إعادة شراء السندات قد توفر تهدئة مؤقتة للأسواق، لكنها لا تعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في تضخم الدين والعجز المالي. وأعاد ذلك المخاوف بشأن جاذبية الأصول الأميركية، ودفع بعض المستثمرين نحو العملات الأخرى والذهب وبتكوين. وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد أعلن أن الحكومة قد تزيد مشترياتها من سندات الخزانة أكثر، بعد يوم من إعلان الوزارة مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء الأوراق المالية طويلة الأجل خلال الربع المقبل، في محاولة لاحتواء الارتفاع الحاد في العوائد.

كما قال بيسنت إنه ومدير مكتب الإدارة والميزانية في البيت الأبيض راسل فوغت سيبدآن جهوداً جديدة لضبط المالية العامة بتوجيه من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلا أن هذه التصريحات لم تكن كافية لإزالة القلق من الأسواق، خصوصاً مع تجاوز الدين الحكومي الأميركي مستوى 40 تريليون دولار.

وبدلاً من ترسيخ الهدوء، عادت سندات الخزانة إلى التراجع بعد انحسار الارتياح الأولي لخطة إعادة الشراء. وارتفع عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً بنحو 1.4 نقطة أساس إلى 5.2508 في المائة، بينما استقر عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات عند 4.7041 في المائة، بعدما ارتفع 4.5 نقطة أساس في الجلسة السابقة.

وتشير هذه التحركات إلى أن الأسواق بدأت تنظر إلى ارتفاع العوائد باعتباره مشكلة مالية أكثر منه اضطراباً فنياً في سيولة سوق السندات؛ فإعادة شراء الحكومة للسندات يمكن أن تخفف ضغوط العرض وتحسن السيولة، لكنها لا تقلص وحدها حجم العجز أو احتياجات الاقتراض المستقبلية. وقال فيتالي ميشولام، الاستراتيجي لدى «غولدمان ساكس»، إن الشكوك لا تتعلق بقدرة صناع السياسة على التأثير في العوائد طويلة الأجل؛ إذ يظهر التاريخ إمكانية تحقيق ذلك مؤقتاً، لكن المشكلة الحالية تبدو بصورة متزايدة مالية وليست فنية.

وأضاف أن تجارب الأسواق المتقدمة تظهر إمكانية خفض علاوة الأجل، لكن تجارب الأسواق الناشئة تشير إلى أنه عندما يبدأ المستثمرون التركيز على ديناميكيات تمويل الدين السيادي، تصبح محاولات كبح العوائد أقل فاعلية تدريجياً. وتضرر الدولار من هذه المخاوف. وانخفض مؤشر العملة الأميركية، الذي يقيس أداءها أمام سلة من ست عملات رئيسية، إلى 98.76 نقطة، بالقرب من أدنى مستوياته في ثلاثة أشهر، متجهاً إلى خسارة أسبوعية تقارب 0.9 في المائة.

وفي المقابل، استقر اليورو بالقرب من أعلى مستوى له في ثلاثة أشهر عند 1.1693 دولار، متجهاً لتحقيق مكاسب أسبوعية تبلغ نحو 1 في المائة. وارتفع الجنيه الإسترليني إلى 1.3643 دولار مقترباً من أعلى مستوياته في ستة أشهر، لتصل مكاسبه الأسبوعية إلى نحو 0.8 في المائة.

كما صعد الدولار الأسترالي إلى أعلى مستوى في شهرين ونصف الشهر عند 0.71445 دولار، ووصل الدولار النيوزيلندي إلى 0.59735 دولار، وهو أعلى مستوى له منذ الأول من يونيو (حزيران).

وقالت كارول كونغ، استراتيجية العملات لدى «كومنولث بنك أوف أستراليا»، إن عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل تمثل مثالاً آخر على استخدام الحكومة الأميركية أدوات غير تقليدية لإدارة تكاليف الاقتراض، في وقت تعاني فيه البلاد ارتفاع الدين والعجز وعدم اليقين بشأن السياسات.

وترى كونغ أن هذه الإجراءات قد تصبح عاملاً إضافياً يضغط على معنويات المستثمرين تجاه الأصول المقوَّمة بالدولار، وقد تشجع على زيادة التحوط من العملة الأميركية وتنويع المحافظ بعيداً عنها. وفي آسيا، استقر الين عند 159.01 مقابل الدولار. جاء ذلك بعدما أظهرت بيانات تسارع التضخم الأساسي في اليابان خلال يوليو (تموز)؛ ما عزَّز مبررات رفع بنك اليابان أسعار الفائدة، وهو عامل قد يوفر دعماً إضافياً للعملة اليابانية إذا استمرت توقعات التشديد النقدي. وكان أبرز المستفيدين من القلق بشأن الأصول الأميركية الذهب والبتكوين؛ فقد ارتفعت العملة المشفرة 3.65 في المائة إلى 75. 306.50 دولار، بعدما سجلت أعلى مستوى في أكثر من شهرين، وتتجه إلى مكسب أسبوعي يبلغ نحو 19 في المائة، سيكون الأكبر في عامين ونصف العام.

كما يتجه الذهب الفوري إلى الارتفاع بأكثر من 3 في المائة خلال الأسبوع. وتكشف تحركات الأسواق أن القضية لم تعد تقتصر على قدرة الخزانة الأميركية على تهدئة سوق السندات في الأجل القصير، بل على مدى قدرة واشنطن على تقديم مسار مالي مقنع يحد من نمو الدين والعجز. وحتى تظهر نتائج ملموسة لجهود ضبط المالية العامة، قد يظل الدولار وعوائد السندات عرضة للتقلب، فيما يستمر المستثمرون في البحث عن أدوات للتحوط وتنويع أصولهم بعيداً عن المخاطر الأميركية.


الأسهم الأوروبية تحت ضغط النفط والعوائد

قاعة التداول في البورصة الألمانية بمدينة فرانكفورت (رويترز)
قاعة التداول في البورصة الألمانية بمدينة فرانكفورت (رويترز)
TT

الأسهم الأوروبية تحت ضغط النفط والعوائد

قاعة التداول في البورصة الألمانية بمدينة فرانكفورت (رويترز)
قاعة التداول في البورصة الألمانية بمدينة فرانكفورت (رويترز)

استقرت الأسهم الأوروبية إلى حد كبير يوم الجمعة، لكنها اتجهت نحو تسجيل خسارة أسبوعية ثانية على التوالي، مع استمرار ارتفاع عوائد السندات العالمية وصعود أسعار النفط بفعل تعثر المساعي الدبلوماسية في التوتر الأميركي الإيراني.

وتضع هذه التطورات المستثمرين أمام معادلة أكثر تعقيداً تجمع بين ارتفاع تكاليف التمويل وتجدد مخاطر التضخم واحتمال استمرار الضغوط على أرباح الشركات.

وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة محدودة بلغت 0.06 في المائة إلى 650.79 نقطة بحلول الساعة 07:05 بتوقيت غرينتش، لكنه ظل في طريقه لإنهاء الأسبوع على انخفاض للمرة الثانية توالياً.

وتأتي الضغوط الأساسية من أسواق الدخل الثابت، بعدما عادت عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى الارتفاع، ما أضعف الارتياح الذي أحدثته إجراءات وزارة الخزانة الأميركية في وقت سابق من الأسبوع.

وكانت «الخزانة» قد أعلنت مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل في محاولة لدعم السيولة وتهدئة الارتفاع في تكاليف الاقتراض. كما قال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن الحكومة قد تزيد عمليات إعادة الشراء مستقبلاً، بالتزامن مع طرح إمكانية إطلاق جهود جديدة لضبط المالية العامة.

لكن الأسواق تعاملت مع هذه التدابير باعتبارها علاجاً قصير الأجل أكثر من كونها حلاً للمشكلة الأساسية المتعلقة بارتفاع الدين والعجز الأميركيين. ويكتسب ذلك أهمية مباشرة بالنسبة إلى أوروبا، لأن ارتفاع العوائد الأميركية يميل إلى دفع تكاليف الاقتراض عالمياً إلى الأعلى، ويزيد الضغوط على تقييمات الأسهم، خصوصاً الشركات ذات النمو المرتفع والقطاعات الحساسة لأسعار الفائدة.

وفي الوقت نفسه، عاد النفط ليشكل مصدراً رئيسياً للقلق بالنسبة إلى المستثمرين الأوروبيين. فقد وسع بيسنت نطاق التهديدات الاقتصادية التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد إيران، قائلاً إن واشنطن ستفرض «أقسى عقوبات في التاريخ» على طهران. وأدت هذه التصريحات إلى تقليص الآمال في التوصل إلى انفراجة تسمح بإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

وصعد خام برنت إلى 94.71 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى له في شهر، قبل أن يتراجع جزئياً بفعل عمليات جني الأرباح. ويمثل استمرار النفط قرب هذه المستويات تحدياً مهماً للاقتصاد الأوروبي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة. فارتفاع الخام لا يرفع فقط فاتورة الطاقة، بل يمكن أن ينتقل تدريجياً إلى تكاليف النقل والتصنيع والسلع الاستهلاكية، ما يهدد بإبقاء التضخم أعلى لفترة أطول.

وهذا السيناريو قد يحد بدوره من قدرة البنوك المركزية على تخفيف السياسة النقدية، ويُبقي عوائد السندات مرتفعة. ومن ثم تواجه الأسهم الأوروبية ضغطاً مزدوجاً بين ارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج من جهة، وارتفاع معدل الخصم المستخدم في تقييم الشركات من جهة أخرى. ولا تتوزع التداعيات بالتساوي على القطاعات. فقد تصدر قطاع الموارد الأساسية المكاسب بارتفاع 1.3 في المائة، مستفيداً من ضعف الدولار وصعود أسعار الذهب.

وتستفيد شركات التعدين والموارد عادة من ارتفاع أسعار السلع الأولية، ما يوفر للمؤشرات الأوروبية بعض الحماية أمام تراجع القطاعات الأكثر تعرضاً لارتفاع تكاليف الطاقة والفائدة.

في المقابل، تصبح قطاعات مثل الصناعة والنقل والكيماويات والشركات كثيفة الاستهلاك للطاقة أكثر عرضة لضغوط الهوامش إذا استمر النفط عند مستويات مرتفعة. كما أن الشركات المثقلة بالديون قد تواجه زيادة في تكاليف إعادة التمويل إذا استمرت موجة ارتفاع عوائد السندات العالمية.

وتتجاوز أهمية أزمة الطاقة أرباح الشركات لتصل إلى توقعات النمو الأوروبي. فإذا استمرت أسعار النفط مرتفعة بالتزامن مع تشديد الأوضاع المالية، فقد يتعرض إنفاق المستهلكين والاستثمارات لضغوط إضافية، وهو ما يضع المستثمرين أمام خطر عودة مزيج غير مريح من تباطؤ النمو وارتفاع التضخم.


الذهب يقترب من قمم تاريخية جديدة

مشغولات في متجر للذهب بمدينة بومباي الهندية (رويترز)
مشغولات في متجر للذهب بمدينة بومباي الهندية (رويترز)
TT

الذهب يقترب من قمم تاريخية جديدة

مشغولات في متجر للذهب بمدينة بومباي الهندية (رويترز)
مشغولات في متجر للذهب بمدينة بومباي الهندية (رويترز)

واصل الذهب مكاسبه يوم الجمعة، متجهاً نحو تسجيل ارتفاع أسبوعي للمرة الثالثة على التوالي، في ظل مزيج من ضعف الدولار، وتراجع الثقة في سوق الدين الأميركية، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بإيران.

تأتي هذه التحركات في وقت يعيد فيه المستثمرون تقييم مستقبل أسعار الفائدة الأميركية وقدرة واشنطن على احتواء الضغوط المتزايدة في سوق سندات الخزانة. وارتفع الذهب في المعاملات الفورية 0.4 في المائة إلى 4537.41 دولار للأوقية بحلول الساعة 05:04 بتوقيت غرينتش، بعدما سجَّل في الجلسة السابقة أعلى مستوياته منذ أوائل يونيو (حزيران).

وبذلك تصل مكاسبه منذ بداية الأسبوع إلى نحو 3.6 في المائة. كما صعدت العقود الأميركية الآجلة للذهب 0.5 في المائة إلى 4593.90 دولار.

يأتي صعود المعدن الأصفر بالتزامن مع تراجع الدولار، الذي اتجه نحو تسجيل خسارة أسبوعية، ما يجعل الذهب المقوم بالعملة الأميركية أقل تكلفة بالنسبة إلى المشترين من حائزي العملات الأخرى.

وقال برايان لان، المدير الإداري في «غولد سيلفر سنترال»، إن ضعف الدولار دعم ليس الذهب وحده، بل المعادن النفيسة عموماً، بالتزامن مع تغيرات كبيرة في عوائد السندات. لكن المحرك الأكثر أهمية للأسواق خلال الأيام الأخيرة كان تدخل وزارة الخزانة الأميركية في سوق الدين. وقال وزير الخزانة، سكوت بيسنت، إنه قد يرفع حجم عمليات إعادة شراء سندات الخزانة أكثر، بعدما أعلنت الوزارة، الأربعاء، مضاعفة عمليات إعادة شراء الأوراق المالية طويلة الأجل خلال الربع المقبل إلى ما لا يقل عن 4 مليارات دولار لكل عملية.

وتستهدف هذه الخطوة تحسين السيولة واحتواء الارتفاع في تكاليف الاقتراض طويلة الأجل، لكنها في الوقت نفسه أثارت نقاشاً أوسع حول أوضاع المالية العامة الأميركية، خصوصاً بعدما تجاوز الدين الحكومي 40 تريليون دولار. ومن منظور الذهب، تحمل هذه التطورات تأثيرات متعارضة؛ فانخفاض عوائد السندات وضعف الدولار يصبّان عادة في مصلحة المعدن الذي لا يدر عائداً، لكن أي اعتقاد بأن تدخل الخزانة سيؤدي إلى استقرار مستدام في سوق الدين قد يقلل الطلب على الملاذات الآمنة. وتزداد المعادلة تعقيداً بسبب موقف مجلس الاحتياطي الفيدرالي؛ فقد أبدى مسؤولان في البنك المركزي الأميركي حذراً عند سؤالهما عن تأثير التغييرات التي تجريها وزارة الخزانة في إدارة الدين على السياسة النقدية.

ويرى لان أن الاتجاه المقبل للذهب سيتوقف بدرجة كبيرة على قرارات الاحتياطي الفيدرالي وتأثيرها في توقعات السوق بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات سوق العمل الأميركية أن طلبات إعانة البطالة الجديدة انخفضت بمقدار 6 آلاف طلب إلى 206 آلاف خلال الأسبوع المنتهي في 15 أغسطس (آب)، في إشارة إلى أن عمليات تسريح العمال لا تزال محدودة، رغم الضعف الذي ظهر في بيانات التوظيف خلال يوليو (تموز).

وتمنح متانة سوق العمل الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للاستمرار في التركيز على التضخم بدلاً من الإسراع نحو تخفيف السياسة النقدية. وتشير تسعيرات الأسواق إلى احتمال يبلغ نحو 63 في المائة للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير الشهر المقبل، مقابل احتمال بنحو 37 في المائة لرفعها. وهنا تظهر إحدى أهم المخاطر أمام استمرار ارتفاع الذهب؛ فعلى الرغم من أن المعدن يُستخدم تقليدياً للتحوط من التضخم والاضطرابات المالية، فإن ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية يزيد تكلفة الفرصة البديلة لحيازته مقارنة بالسندات والأصول المدرة للعائد.

في المقابل، توفر التطورات الجيوسياسية دعماً إضافياً للأسعار؛ فقد قال بيسنت إن الولايات المتحدة ستفرض «أقسى عقوبات في التاريخ» على إيران؛ ما يعزز حالة عدم اليقين المحيطة بالشرق الأوسط وأسواق الطاقة.

وأي تصعيد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط قد يزيد توقعات التضخم ويعزز الطلب على الذهب بوصفه أداة للتحوط. وامتدت موجة الصعود إلى بقية المعادن النفيسة، إذ ارتفعت الفضة 1.3 في المائة إلى 68.93 دولار للأوقية، وصعد البلاتين 2 في المائة إلى 1865.29 دولار، بينما زاد البلاديوم 0.8 في المائة إلى 1344.44 دولار، وتتجه المعادن الثلاثة أيضاً إلى تحقيق مكاسب أسبوعية. وبالنسبة إلى المستثمرين، تبدو حركة الذهب المقبلة مرتبطة بثلاثة متغيرات رئيسية؛ هي اتجاه الدولار، ومستويات عوائد سندات الخزانة، وقرار الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر (أيلول).

وإذا استمرت المخاوف بشأن الدين الأميركي بالتزامن مع ضعف الدولار والتوترات الجيوسياسية، فقد يحتفظ الذهب بزخمه الصعودي. أما عودة العوائد للارتفاع بقوة، خصوصاً إذا ازدادت احتمالات تشديد السياسة النقدية، فقد تشكل الاختبار الأكبر للمعدن، بعد ثلاثة أسابيع متتالية من المكاسب.