تكاليف المعيشة تهدد ترمب سياسياً رغم توقعات «الفيدرالي» بتباطؤ التضخم

دونالد ترمب يتحدث خلال حفل تقديم ميدالية الدفاع على الحدود المكسيكية في المكتب البيضاوي يوم 15 ديسمبر 2025 (أ.ب)
دونالد ترمب يتحدث خلال حفل تقديم ميدالية الدفاع على الحدود المكسيكية في المكتب البيضاوي يوم 15 ديسمبر 2025 (أ.ب)
TT

تكاليف المعيشة تهدد ترمب سياسياً رغم توقعات «الفيدرالي» بتباطؤ التضخم

دونالد ترمب يتحدث خلال حفل تقديم ميدالية الدفاع على الحدود المكسيكية في المكتب البيضاوي يوم 15 ديسمبر 2025 (أ.ب)
دونالد ترمب يتحدث خلال حفل تقديم ميدالية الدفاع على الحدود المكسيكية في المكتب البيضاوي يوم 15 ديسمبر 2025 (أ.ب)

حتى في حال تباطؤ التضخم خلال العام المقبل كما يتوقّع «الاحتياطي الفيدرالي»، سيواجه الرئيس دونالد ترمب رياحاً سياسية معاكسة، بسبب أزمة القدرة على تحمُّل تكاليف المعيشة. فمعدلات الرهن العقاري مرشحة للبقاء مرتفعة نسبياً، والزيادات السعرية المرتبطة بالرسوم الجمركية تبدو مستمرة في الجزء الأول من العام، إلى جانب ارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية، مثل لحم البقر والكهرباء، وهي عناصر تترك أثراً كبيراً في نظرة المستهلكين.

انخفاض التضخم وتسارع النمو

وقد كشفت التوقعات الاقتصادية لـ«الاحتياطي الفيدرالي» الصادرة يوم الأربعاء الماضي عن مؤشرات إيجابية للإدارة الأميركية، مع توقع تراجع التضخم وتسارع النمو الاقتصادي خلال العام المقبل، وفق «رويترز».

وقال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، إن «مسار التباطؤ التضخمي لا يزال مستمراً» في معظم قطاعات الخدمات التي تشكل غالبية النشاط الاقتصادي، بينما يُتوقع أن تتراجع أسعار السلع في النصف الثاني من عام 2026 مع اكتمال عملية توزيع تكاليف الرسوم الجمركية بين المستهلكين والمورِّدين وهوامش الربحية. ولكن في عام انتخابي مهم، يواجه ترمب والجمهوريون التحدي القديم ذاته: فالمستهلكون -أي الناخبون- يولون اهتماماً أقل للمؤشرات الاقتصادية الكلية التي يراقبها الاقتصاديون، ويركِّزون أكثر على الأسعار اليومية في متجر البقالة، وفواتير الكهرباء، وتكاليف التأمين على المنازل.

ورغم ذلك، يمكن لترمب الإشارة إلى أن التضخم العام ظل معتدلاً منذ توليه منصبه. فمؤشر أسعار المستهلكين ارتفع من يوم تنصيبه وحتى سبتمبر (أيلول) بنحو 1.6 في المائة، أي ما يعادل وتيرة سنوية تقارب 2.4 في المائة، وهي ليست بعيدة عن هدف التضخم البالغ 2 في المائة، رغم اختلاف المنهجية. كما ارتفعت أسعار الغذاء المنزلي بنسبة 1.4 في المائة فقط.

غير أن الأسعار لم تنخفض كما وعد ترمب خلال حملته الانتخابية وفي بدايات ولايته، ولا يزال المستهلكون يكابدون موجات متتالية من «صدمة الأسعار» التي استمرت لما يقارب 5 سنوات.

وقد شهدت بعض مكونات مؤشر أسعار المستهلكين قفزات حادة في الأشهر الأخيرة، ما قد يحوِّل أسعار اللحوم إلى ورقة سياسية بيد الديمقراطيين، تماماً كما كانت أسعار البيض ضد ترمب العام الماضي.

يتجول المتسوقون في متجر «هوم ديبو» لمستلزمات البناء (أرشيفية- رويترز)

ففي سبتمبر، ارتفع سعر اللحم المفروم بنسبة 14 في المائة مقارنة ببداية فترة ترمب؛ وارتفعت أسعار الكهرباء بأكثر من 4 في المائة -أي بنحو 6 في المائة على أساس سنوي- مع توقع كثير من المحللين استمرار الصعود؛ بينما كانت أقساط التأمين على المنازل ترتفع بوتيرة تقارب 10 في المائة سنوياً.

سوق الإسكان تحت الضغط

قدَّم باول في تصريحاته عدداً من الإشارات التحذيرية التي تؤكد أن الجدل حول القدرة على تحمُّل تكاليف المعيشة سيستمر.

وأشار باول إلى أن سوق الإسكان يبقى أحد أكثر أجزاء الاقتصاد ضغطاً؛ حيث لا يبدو أن خفض الفائدة مؤخراً سيمنح قطاع الإسكان انفراجة كبيرة. ورغم تأثير سعر الفائدة القياسي على معدلات الرهن طويلة الأجل وسندات الخزينة والأوراق المالية الأخرى، أوضح باول أن الأزمة الحقيقية تكمن في نقص مزمن في معروض المساكن.

وبعد أن اقتربت معدلات الرهن العقاري من 8 في المائة قبل أكثر من عامين تراجعت؛ لكنها استقرت حول 6.2 في المائة منذ سبتمبر، في ظل تسعير المستثمرين لثلاث تخفيضات متتالية للفائدة في سبتمبر وأكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول). ومع توقف دورة الخفض حالياً، واستمرار الضغوط على معدلات الفائدة طويلة الأجل، قد تبقى هذه المعدلات مرتفعة خلال الفترة المقبلة.

وأفادت شركة «ريدفين» العقارية هذا الأسبوع بأن البائعين والمشترين يتراجعون معاً، رغم استمرار ارتفاع الأسعار، بينما يُرجَّح أن تظل معدلات الرهن «ثابتة إلى حد بعيد في المدى القريب».

ولا تزال معدلات الرهن أعلى بكثير من المستويات المنخفضة للغاية التي سادت لقرابة 15 عاماً عقب الأزمة المالية في 2007-2009، حين تبنى «الفيدرالي» سياسة خاصة لخفض تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وظائف البناء والصناعة تواجه ركوداً

ومن دون ركود حاد أو اضطراب مالي كبير، من غير المحتمل عودة معدلات الرهن إلى ما دون 3 في المائة. ولا تزال تبعات انهيار سوق الإسكان إبان تلك الأزمة تنعكس في شكل سنوات من نقص البناء.

وقال باول: «لم نُشيد ما يكفي من المساكن منذ فترة طويلة... يمكننا رفع وخفض أسعار الفائدة، ولكن ليست لدينا الأدوات لمعالجة نقص هيكلي في المعروض السكني».

وتظل القدرة على شراء المنازل قضية محورية للأسر الشابة والعاملين الذين أجَّل كثير منهم شراء منازلهم وبالتالي زيادة ثرواتهم.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول يعقد مؤتمراً صحافياً بعد خفض الفائدة في واشنطن يوم 10 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)

وتُظهر البيانات الأخيرة لمكتب الإحصاء -والمتأخرة بسبب إغلاق الحكومة — أنه في أغسطس (آب) كانت تصاريح البناء الجديدة أقل بنسبة 11 في المائة على أساس سنوي، بينما تراجع بدء البناء بنسبة 6 في المائة مقارنة بالعام السابق.

كما استقرت وظائف البناء التي بلغت ذروتها في منتصف 2022 خلال التعافي من الجائحة، عند نحو 8.3 مليون وظيفة منذ يناير (كانون الثاني).

وتراجعت كذلك الوظائف الصناعية التي تعهد ترمب بإحيائها؛ إذ فقد قطاع التصنيع نحو 50 ألف وظيفة بين يناير وسبتمبر، بينما خسر قطاع التعدين وقطع الأخشاب نحو 15 ألف وظيفة.

وعلى الجانب الإيجابي، ارتفعت الأجور بالساعة بوتيرة تفوق التضخم، كما تباطأ ارتفاع الإيجارات إلى مستويات أقرب للاتجاهات التاريخية السابقة للجائحة.

لكن هذه التطورات لم تُنعش معنويات الجمهور.

فبعد سنوات من الاستقرار أو التراجع بفعل العولمة، عادت أسعار السلع إلى الارتفاع بعد فرض الرسوم الجمركية، وحتى لو كان هذا الاتجاه مؤقتاً، فإنه فرض عبئاً مالياً على المستهلكين خلال موسم العطلات.

وانعكس هذا في استطلاعات الرأي. فقد أظهر أحدث استطلاع للأسر لدى بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك انخفاض نسبة من يشعرون بأن أوضاعهم أفضل من العام الماضي، أو يتوقعون تحسن أوضاعهم في العام المقبل، مع وصول المستويين إلى ما كانا عليه خلال رئاسة جو بايدن.

كما تراجع مؤشر ثقة المستهلك في جامعة ميشيغان بعد ارتفاعه عقب انتخاب ترمب. ورغم ارتفاع طفيف في ديسمبر، قالت مديرة الاستطلاع، جوان هسو، إن «النبرة العامة للمشاعر لا تزال قاتمة؛ إذ يواصل المستهلكون الإشارة إلى عبء الأسعار المرتفعة».


مقالات ذات صلة

ارتفاع طفيف في طلبات البطالة الأميركية رغم مخاطر الحرب على إيران

الاقتصاد تظهر لافتة لتوظيف الموظفين تتضمن رمز استجابة سريعة في نافذة أحد المتاجر في أرلينغتون - فرجينيا (رويترز)

ارتفاع طفيف في طلبات البطالة الأميركية رغم مخاطر الحرب على إيران

سجل عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة ارتفاعاً طفيفاً الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار استقرار سوق العمل خلال أبريل (نيسان).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مخزونات نفط في هيوستن (رويترز)

صادرات النفط الأميركية تسجل مستوى قياسياً... ومخزونات الخام ترتفع

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، يوم الأربعاء، ارتفاعاً في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

بعد قرار التمديد «غير المشروط»... العقود الآجلة الأميركية تكتسي بالأخضر

ارتفعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية في «وول ستريت» يوم الأربعاء، بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار مع إيران إلى أجل غير مسمى.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار واليورو والجنيه الإسترليني (رويترز)

الدولار يحوم حول أعلى مستوياته في أسبوع وسط شكوك بشأن الهدنة

استقر الدولار الأميركي ولامس لفترة وجيزة أعلى مستوى له في أسبوع خلال التداولات الآسيوية يوم الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

مرشح ترمب لرئاسة «الفيدرالي»: سأتخذ قراراتي بمعزل عن أي ضغوط من الرئيس

قطع كيفن وارش، مرشح الرئيس دونالد ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي، تعهداً حاسماً بالاستقلالية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الجدعان: انضمام الصكوك السعودية لمؤشرات عالمية يعكس قوة اقتصادنا

الجدعان خلال ترؤسه اجتماع اللجنة الدولية للشؤون المالية التابعة لصندوق النقد الدولي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجدعان خلال ترؤسه اجتماع اللجنة الدولية للشؤون المالية التابعة لصندوق النقد الدولي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجدعان: انضمام الصكوك السعودية لمؤشرات عالمية يعكس قوة اقتصادنا

الجدعان خلال ترؤسه اجتماع اللجنة الدولية للشؤون المالية التابعة لصندوق النقد الدولي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجدعان خلال ترؤسه اجتماع اللجنة الدولية للشؤون المالية التابعة لصندوق النقد الدولي (أرشيفية - أ.ف.ب)

رحب وزير المالية السعودي، رئيس برنامج تطوير القطاع المالي، رئيس مجلس إدارة المركز الوطني لإدارة الدين، محمد الجدعان، بإعلان «جي بي مورغان» إدراج الصكوك الحكومية المقومة بالريال ضمن مؤشر أدوات الدين الحكومية للأسواق الناشئة (GBI-EM) ابتداءً من يناير (كانون الثاني) 2027، مبيناً أن هذا الإدراج سيتم بشكل تدريجي بوزن متوقع يبلغ 2.52 في المائة. كما أشار إلى تزامن هذه الخطوة مع إعلان «بلومبرغ لخدمات المؤشرات» إدراج الصكوك السعودية ضمن مؤشرها للسندات الحكومية بالعملات المحلية للأسواق الناشئة، الذي يدخل حيز التنفيذ الفعلي بنهاية أبريل (نيسان) 2027، مؤكداً أن هذا الانضمام المزدوج يعزز مكانة المملكة بوصفها لاعباً محورياً في الأسواق المالية الدولية.

وأكد الجدعان أن هذا الإنجاز هو ثمرة الدعم المستمر من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والمتابعة الحثيثة من الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، مشدداً على أن الإدراج يعد دليلاً ملموساً على نجاح مستهدفات رؤية السعودية 2030 وبرنامج تطوير القطاع المالي في تعميق السوق المالية وتوسيع قاعدة المستثمرين.

وأضاف أن المملكة تمضي في مسار إصلاحي شامل رفع من مستويات الشفافية والسيولة، وطوّر البنية التنظيمية بما يتوافق مع أعلى المعايير العالمية، وهو ما عزز من جاذبية المملكة بوصفها وجهة استثمارية آمنة وموثوقة.

وفيما يخص الأثر الاقتصادي لهذه الخطوة، أوضح الجدعان أن إدراج الصكوك المقومة بالريال سيسهم بشكل مباشر في رفع مستوى التنافسية الدولية لسوق الدين المحلي، وزيادة حضور الأدوات السيادية السعودية داخل المحافظ الاستثمارية الكبرى حول العالم. وأبان أن هذه الخطوة ستنعكس إيجاباً على تعزيز السيولة في السوق الثانوية، ما يرسخ دور السوق المالية السعودية كإحدى الأسواق الرائدة في المنطقة، ويسهل من تدفق رؤوس الأموال الأجنبية نحو الأدوات المالية المحلية.

واستناداً إلى البيانات المعلنة، فمن المتوقع أن يشمل إدراج «جي بي مورغان» ثمانية إصدارات من الصكوك الحكومية بقيمة اسمية تقارب 69 مليار دولار، في حين حددت «بلومبرغ» الأوراق المالية المؤهلة بأنها الصكوك ذات العائد الثابت التي لا تقل مدة استحقاقها عن عام وبحد أدنى للمبلغ القائم يبلغ مليار ريال.

ويأتي هذا التطور النوعي تتويجاً لمبادرات تطويرية مهمة شملت توسيع برنامج المتعاملين الأوليين لتضم بنوكاً دولية، وتفعيل إطار التسوية خارج المنصة (OTC) في منتصف عام 2025، والربط مع مراكز الإيداع الدولية مثل «يوروكلير»، وهي التحسينات التي وصفتها المؤسسات الدولية بأنها الركيزة الأساسية لدعم قرار الإدراج.


اتفاقية سعودية - سويسرية لتشجيع الاستثمارات المتبادلة

جانب من مراسم توقيع الاتفاقية بين السعودية وسويسرا في جدة الخميس (واس)
جانب من مراسم توقيع الاتفاقية بين السعودية وسويسرا في جدة الخميس (واس)
TT

اتفاقية سعودية - سويسرية لتشجيع الاستثمارات المتبادلة

جانب من مراسم توقيع الاتفاقية بين السعودية وسويسرا في جدة الخميس (واس)
جانب من مراسم توقيع الاتفاقية بين السعودية وسويسرا في جدة الخميس (واس)

أبرمت السعودية وسويسرا، الخميس، اتفاقية بشأن التشجيع والحماية المتبادلة للاستثمارات؛ بهدف تعزيز واستقرار البيئة الاستثمارية، وحماية حقوق المستثمرين، ودعم تدفق الاستثمارات المتبادلة بين البلدين.

وجاءت مراسم الاتفاقية التي وقَّعها وزير الاستثمار السعودي المهندس فهد السيف، والرئيس السويسري غي بارملان، عقب اجتماع الطاولة المستديرة للاستثمار في جدة، الذي حضراه إلى جانب وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ووزيرة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية هيلين أرتيدا، وعدد كبير من المسؤولين وقادة الأعمال من كلا الجانبين.

اجتماع الطاولة المستديرة السعودي السويسري للاستثمار بحث سبل تعزيز التعاون الاقتصادي (واس)

واستعرض اجتماع الطاولة المستديرة الفرص الاستثمارية المشتركة، وبحث سبل تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، وتطوير الشراكات في القطاعات ذات الأولوية، بما يُسهم في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز العلاقات الثنائية.

ويأتي الاجتماع على هامش زيارة الرئيس السويسري الرسمية للسعودية، وفي ظل احتفاء البلدين بمرور 70 عاماً من العلاقات الدبلوماسية، التي أسهمت منذ البداية في ترسيخ أسس التعاون، وبناء شراكة قائمة على الاحترام المتبادل وتطوير المصالح المشتركة بينهما.


صندوق النقد الدولي: خيارات العراق الاقتصادية «محدودة» لمواجهة تداعيات الحرب

عامل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار داخل محل صرافة ببغداد (أ.ف.ب)
عامل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار داخل محل صرافة ببغداد (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: خيارات العراق الاقتصادية «محدودة» لمواجهة تداعيات الحرب

عامل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار داخل محل صرافة ببغداد (أ.ف.ب)
عامل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار داخل محل صرافة ببغداد (أ.ف.ب)

أكد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، أن العراق يواجه خيارات اقتصادية ضيقة للتعامل مع التداعيات الناجمة عن الصراع الحالي، مشدداً على أن «تقليص الإنفاق واللجوء المؤقت للاحتياطات الدولارية» هما المساران المتاحان حالياً، إلى حين تشكيل حكومة جديدة تمتلك الصلاحيات القانونية لطلب تمويل دولي.

وأوضح أزعور، في تصريحات، لـ«الشرق»، أن العراق يعاني قيوداً تشريعية تمنعه من الاقتراض أو طلب مساندة مالية رسمية، في ظل غياب حكومة كاملة الصلاحيات. تأتي هذه الأزمة في وقت يتوقع فيه الصندوق انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 6.8 في المائة، خلال العام الحالي، مدفوعاً بالاعتماد الكلي على صادرات النفط عبر مضيق هرمز الذي يشهد توترات عسكرية حادة.

بائع متجول يبيع قمصاناً في سوق بالمدينة القديمة بالنجف (أ.ف.ب)

وأدى إغلاق مضيق هرمز نتيجة التوترات الإقليمية إلى خفض إنتاج وصادرات النفط العراقية من الحقول الجنوبية بنسبة تقارب 80 في المائة، خلال مارس (آذار) 2026.

وبيّن المسؤول الدولي أن السلطات العراقية مطالَبة حالياً بإدارة النفقات عبر مَنح الارتباطات والاحتياجات الأساسية الأولوية القصوى، واستخدام الاحتياطات كحل اضطراري ومؤقت لمواجهة فجوة الإيرادات.

أزمة أعمق من «صدمة الحرب»

ووفق رؤية الصندوق، فإن أزمة العراق الحالية ليست وليدة الحرب فحسب، بل هي نتيجة سنوات من «التوسع المالي» المفرط. وأشار أزعور إلى أن بغداد كانت تواجه قيوداً تمويلية حادة، حتى قبل اندلاع الصراع؛ بسبب الإنفاق الزائد وضعف الإيرادات غير النفطية، حيث تشير التقديرات إلى انكماش طفيف بنسبة 0.4 في المائة سُجل بالفعل في عام 2025.

نزيف الصادرات النفطية

تعكس لغة الأرقام حجم المأزق؛ فقد هَوَت صادرات العراق من النفط الخام والمكثفات بنسبة تتجاوز 81 في المائة، خلال شهر مارس الماضي. ووفق البيانات الرسمية، بلغت صادرات الوسط والجنوب نحو 14.56 مليون برميل فقط، في حين أسهم إقليم كردستان بنحو 1.27 مليون برميل، عبر ميناء جيهان التركي. أما صادرات كركوك عبر جيهان فسجلت 2.77 مليون برميل، وهي المرة الأولى التي يجري فيها التصدير من هذا الخط منذ مطلع العام.

سباق مع الزمن السياسي

يأتي هذا التحذير الدولي مع اقتراب نهاية المهلة الدستورية (السبت المقبل) الممنوحة للأطراف السياسية لاختيار رئيس جديد للوزراء، وسط خلافات محتدمة حول الحقائب الوزارية.

وكان المستشار المالي لرئيس الوزراء، محمد مظهر صالح، قد أكد وجود تواصل مستمر مع المؤسسات الدولية لتقييم «صدمة هرمز»، إلا أن تفعيل أي برامج دعم مالي يبقى رهيناً بالاستقرار السياسي والقدرة على إقرار تشريعات مالية عاجلة.