«السيادي» السعودي يضع بصمته في الاقتصاد الأميركي باستثمارات تفوق 170 مليار دولار

مختص في شؤون الخليج لـ«الشرق الأوسط»: العلاقة تتجه لأقوى نمو بفضل بيئة الأعمال في المملكة

محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» ياسر الرميان خلال جلسة حوارية في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض (رويترز)
محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» ياسر الرميان خلال جلسة حوارية في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض (رويترز)
TT

«السيادي» السعودي يضع بصمته في الاقتصاد الأميركي باستثمارات تفوق 170 مليار دولار

محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» ياسر الرميان خلال جلسة حوارية في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض (رويترز)
محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» ياسر الرميان خلال جلسة حوارية في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض (رويترز)

في وقتٍ تتجاوز فيه استثمارات «صندوق الاستثمارات العامة» السعودي في الولايات المتحدة حاجز 170 مليار دولار، تترسخ ملامح شراكة استراتيجية تُعد الأكبر من نوعها بين الرياض وواشنطن.

ومع استعداد العاصمة الأميركية لاستقبال ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الأمير محمد بن سلمان، في الثامن عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، يزداد الاهتمام بالدور المحوري الذي يلعبه الصندوق، بوصفه قوة دافعة في الاقتصاد العالمي، وأحد الأعمدة الرئيسية في التحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة في إطار «رؤية 2030».

فالصندوق الذي يتوقع أن تصل أصوله تحت الإدارة إلى تريليون دولار بنهاية العام الجاري، يسعى إلى تقديم عوائد مالية مستدامة، بالتوازي مع قيادة التحول الاقتصادي للمملكة، والمساهمة في رسم ملامح المستقبل الاقتصادي العالمي.

ووفق ما يؤكد الصندوق على موقعه الرسمي، فإن الغرض الأوسع لـ«السيادي» السعودي يدعم نموه السريع ووجوده العالمي؛ إذ أطلق أكثر من 100 شركة جديدة، وخلق ما يزيد على 1.1 مليون وظيفة داخل المملكة وخارجها، خلال السنوات السبع الماضية.

وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، التقى الأسبوع الماضي، محافظ «صندوق الاستثمارات العامة»، ياسر الرميان، في العاصمة الأميركية؛ حيث جرى بحث سبل تعزيز استثمارات الصندوق في الولايات المتحدة.

وكتب بيسنت في منشور على حسابه في منصة «إكس»: «سعدتُ باستقبال معالي ياسر الرميان وفريقه في وزارة الخزانة الأميركية. ناقشنا فرص صندوق الاستثمارات العامة السعودي لزيادة استثماراته بشكل كبير في الولايات المتحدة، مما يعزز النمو الاقتصادي، ويبني علاقات طويلة الأمد بين بلدينا».

ويؤكد هذا اللقاء متانة العلاقة بين الرياض وواشنطن رغم تقليص الصندوق انكشافه على الأسهم الأميركية في الربع الثالث من العام الحالي، وذلك بسبب تخارجه من 9 شركات مدرجة وفق ما نشرته «بلومبرغ» نقلاً عن بيانات هيئة الأوراق المالية والبورصات في الولايات المتحدة.

نمو مستقبلي قوي

قال الزميل الزائر في «معهد دول الخليج العربية» بواشنطن، تيم كالين، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والسعودية تشهد مؤشرات على عودة تعزيزها، موضحاً أن الصادرات الأميركية إلى المملكة تنمو، وأن هناك عدداً من الصفقات الاستثمارية والتجارية قيد التنفيذ.

وأضاف كالين أن الشراكة بين البلدين ستتعزز خلال السنوات الخمس المقبلة، مدفوعة بتوافق المصالح الاقتصادية الاستراتيجية، والعلاقة الجيدة بين الرئيس الأميركي وولي العهد السعودي. وأشار إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى توسيع صادراتها، وزيادة الاستثمارات السعودية في الشركات الأميركية، في حين تعمل المملكة على تعزيز فرص الوصول إلى التكنولوجيا والابتكار الأميركيين، لدعم إصلاحاتها الطموحة ضمن «رؤية 2030».

وأكد أن الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة ومشترياتها من المنتجات الأميركية مرشحة للزيادة، لافتاً في المقابل إلى أن الاستثمارات الأميركية في المملكة قد تشهد أقوى نمو لها في السنوات المقبلة، بفضل تحسن مناخ الاستثمار السعودي، وتنوع الفرص التي تتيحها «رؤية 2030»، وتوفر الطاقة المنخفضة التكلفة، ووفرة الأراضي الداعمة لتوسع قطاعات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.

الشريك الاستثماري الأكبر

تُعد الولايات المتحدة أكبر شريك استثماري لـ«صندوق الاستثمارات العامة» خارج المملكة. فمنذ عام 2017، ضخ الصندوق نحو 170 مليار دولار في الاقتصاد الأميركي، عبر استثمارات مباشرة وغير مباشرة، شملت شراء السلع والخدمات، وأسهمت في خلق أكثر من 172 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة في مختلف القطاعات الأميركية.

ويظهر هذا التأثير في صناعات أميركية رئيسية، أبرزها قطاع الطيران؛ حيث قدمت شركة «طيران الرياض» المملوكة للصندوق، طلبية شراء تصل إلى 72 طائرة من طراز «بوينغ»، ما دعم صناعة الطيران الأميركية.

كما يمتد التعاون إلى قطاع التكنولوجيا السحابية، عبر شراكات مع شركات كبرى، مثل: «أمازون لخدمات الويب»، و«مايكروسوفت»، و«أوراكل»، و«غوغل كلاود»، لتعزيز الروابط التكنولوجية، وبناء بنى تحتية رقمية متقدمة.

ويمضي الصندوق في تأسيس شراكات مالية عميقة مع كبرى شركات إدارة الأصول والمؤسسات المالية الأميركية، من بينها: «غولدمان ساكس»، و«بروكفيلد»، و«بلاك روك».

وفي عام 2024، أعلن الصندوق عن شراكة بقيمة 5 مليارات دولار كاستثمار أولي مع «بلاك روك»، لإطلاق شركة «بلاك روك الرياض لإدارة الاستثمارات»، بهدف جذب رؤوس أموال جديدة إلى المملكة، وفتح فرص استثمارية فريدة أمام الشركات الأميركية الراغبة في التوسع بالمنطقة.

خلال توقيع مذكرة التفاهم لتأسيس «منصة بلاك روك الرياض لإدارة الاستثمارات» (صندوق الاستثمارات العامة)

وكان العضو المنتدب في «بلاك روك» بمنطقة الشرق الأوسط، ومدير منصة «بلاك روك الرياض لإدارة الاستثمارات»، كاشف رياض، قد قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن الهدف من تأسيس المنصة هو إتاحة الفرصة للمستثمرين في المملكة وحول العالم للوصول إلى الاقتصاد السعودي، مضيفاً أن السوق المحلية تشهد تحولاً واضحاً مع دخول مكاتب العائلات والمنصات الرقمية كمحركات جديدة في سوق المال.

قيادة الابتكار في الاستدامة والرياضة العالمية

لا يقتصر تأثير «صندوق الاستثمارات العامة» على التمويل التقليدي؛ بل يمتد إلى تشكيل مستقبل الابتكار في قطاعات حيوية، مثل الرياضة والتكنولوجيا والاستدامة. ففي مجال الرياضة، يدعم الصندوق فعاليات بطولة ميامي المفتوحة، و«إنديان ويلز» في الولايات المتحدة، بالشراكة مع رابطة محترفي ومحترفات التنس، كما أطلق برنامجاً هو الأول من نوعه في العالم، يمنح إجازة أمومة مدفوعة الأجر للاعبات التنس المحترفات.

وفي قطاع الألعاب الإلكترونية، قاد الصندوق تحالفاً استثمارياً بقيمة 55 مليار دولار للاستحواذ على شركة «إلكترونيك آرتس» في صفقة وُصفت بأنها أكبر عملية استحواذ بالديون على الإطلاق في هذا القطاع.

كما يواصل التزامه بقطاع النقل المستدام عبر شراكته مع «فورمولا إي»، بما في ذلك سباق «ميامي إي بري» مسلطاً الضوء على التطورات في السيارات الكهربائية وسباقات الطاقة النظيفة.

وفي إطار دعم الابتكار العلمي، أطلق الصندوق تحت مظلة برنامج «إي 360» والشراكة الأميركية مبادرة «درايفنغ فورس ستيم» التي تستقطب حالياً 54 ألف طالب في الولايات المتحدة وعدة دول أخرى، بهدف تعزيز الخبرات العملية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وإلهام المبتكرين في المستقبل.

وفي كلمته خلال «منتدى الأعمال الأميركي» في ميامي منذ أيام، أوضح رئيس الإدارة العامة لاستراتيجية الاستثمار والدراسات الاقتصادية، ورئيس الإدارة العامة للتمويل الاستثماري العالمي في السيادي السعودي، فهد السيف، أن صناديق الثروة السيادية لم تعد تقتصر على إدارة الأصول فحسب؛ بل أصبحت منظمات فاعلة في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.

وقال: «لقد تطور دور صناديق الثروة السيادية من كونها صناديق أجيال ذاتية الإدارة إلى استثمارات موضوعية أكثر نشاطاً؛ خصوصاً في قطاعات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية».

وأشار السيف إلى أن إطلاق «رؤية 2030» غيَّر مهمة صندوق الاستثمارات العامة جذرياً، ليؤدي ثلاثة أدوار رئيسية: بناء الاقتصاد الوطني، وتعظيم الأصول، والمحافظة على ثروة الأجيال القادمة. وقال إن الصندوق يختتم الشهر المقبل استراتيجيته الخمسية الممتدة من 2021 إلى 2025، لينتقل إلى مرحلة جديدة للسنوات الخمس المقبلة، مؤكداً تفاؤله بمستقبل الاستثمار طويل الأجل.

وأوضح أن الصندوق ركَّز خلال السنوات الماضية على 13 قطاعاً رئيسياً، ويعمل حالياً على دمجها في ستة أنظمة بيئية، تشمل: السياحة والسفر والترفيه، والتصنيع المتقدم، والصناعة والخدمات اللوجستية، والطاقة المستدامة، والبنية التحتية، وصولاً إلى مشروع «نيوم» الذي يشكل مظلة لهذه المنظومات.

وأكد السيف أن بلاده تمكنت من رفع مساهمة الناتج المحلي غير النفطي إلى أكثر من 55 في المائة، بينما نما الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 37 في المائة على أساس سنوي، وبلغت الإيرادات غير النفطية من إجمالي الإيرادات 49.7 في المائة حتى الربع الثاني من العام الجاري.

في الختام، تؤكد الأرقام المعلنة -ولا سيما ضخ 170 مليار دولار في شرايين الاقتصاد الأميركي- أن «صندوق الاستثمارات العامة» لم يعد مجرد مستثمر؛ بل هو شريك استراتيجي فعَّال يُعيد تشكيل الروابط الاقتصادية العالمية.


مقالات ذات صلة

إدارة ترمب تعتزم إعادة العمل بقاعدة «العبء العام» مع المهاجرين

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 14 يوليو 2026 (رويترز)

إدارة ترمب تعتزم إعادة العمل بقاعدة «العبء العام» مع المهاجرين

تعتزم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعادة العمل بقاعدة قد تحرم المهاجرين الذين يستفيدون من منافع عامة تشمل قسائم الطعام

«الشرق الأوسط» (ميامي)
الولايات المتحدة​ ترمب يلقي كلمة خلال مراسم أداء اليمين الدستورية لوارش في البيت الأبيض (رويترز)

فصل مشغّل جهاز ترمب للتلقين الإلكتروني

قال البيت الأبيض إنه تم فصل مشغّل جهاز التلقين الإلكتروني الخاص بدونالد ترمب إثر اتهامه بالمراهنة عبر منصة لتوقعات مضمون خطابات الرئيس الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً في افتتاح اجتماع وزاري حول العنف السياسي في واشنطن يوم 16 يوليو (رويترز)

إدارة ترمب تطلق جهداً عالمياً لمكافحة «سرطان اليسار الإرهابي»

أطلقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جهداً دولياً لمواجهة ما تسميه «التهديد المتزايد للإرهاب السياسي اليساري المتطرف»، معتبرة أنه «سرطان» يجب اجتثاثه.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مظاهرة داعمة للفلسطينيين في واشنطن في 4 يوليو 2026 (رويترز)

هل فقدت إسرائيل حصانتها السياسية في واشنطن؟

الانقسامات الحزبية أمر ليس جديداً في المشهد السياسي الأميركي، لكن الجديد هذه المرة هو سبب الانقسام: دعم إسرائيل.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 14 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

ترمب يتأخر في إقرار مساعدات الكوارث... ويوافق عليها بدرجة أكبر للولايات الجمهورية

يتأخر ترمب في إقرار مساعدات الكوارث، ويوافق على طلبات الولايات الجمهورية أكثر من الديمقراطية، في حين يُثير إصلاح وكالة الطوارئ مخاوف من تقليص الدعم الفيدرالي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الجاسر لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمثل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية

إحدى مذكرات التفاهم التي أبرمت خلال حفل عدد من الاتفاقيات في ميناء جدة الإسلامي (الشرق الأوسط)
إحدى مذكرات التفاهم التي أبرمت خلال حفل عدد من الاتفاقيات في ميناء جدة الإسلامي (الشرق الأوسط)
TT

الجاسر لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمثل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية

إحدى مذكرات التفاهم التي أبرمت خلال حفل عدد من الاتفاقيات في ميناء جدة الإسلامي (الشرق الأوسط)
إحدى مذكرات التفاهم التي أبرمت خلال حفل عدد من الاتفاقيات في ميناء جدة الإسلامي (الشرق الأوسط)

أكد وزير النقل والخدمات اللوجستية المهندس صالح الجاسر لـ«الشرق الأوسط»، أن الأزمة المتمثلة في مضيق «هرمز» أثبتت امتلاك البلاد بنية تحتية قوية واستثمارات ضخمة، ينفذ جانب كبير منها بالشراكة مع القطاع الخاص، كما برهنت على مرونة المنظومة اللوجستية وقدرتها على التفاعل مع المتغيرات وإعادة توجيه حركة التجارة وفق المستجدات، مؤكداً أن المملكة تمثل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية.

جاء ذلك خلال توقيع عدد من الاتفاقيات في ميناء جدة الإسلامي ومنها تدشين منطقة البحري للإيداع التابعة للبحري للخدمات اللوجستية، إحدى قطاعات الشركة الوطنية السعودية للنقل البحري (البحري) بحضور وزير النقل والخدمات اللوجستية المهندس صالح الجاسر وبالتعاون مع هيئة الزكاة والضريبة والجمارك والهيئة العامة للموانئ.

وقال الجاسر، إن المملكة تعيش نهضة لوجستية متسارعة منذ إطلاق الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، مشيراً إلى أن الأزمة الحالية تمثل فرصة حقيقية لقياس حجم الإنجاز الذي تحقق منذ إطلاق الاستراتيجية، التي أثبتت نجاحها في تعزيز جاهزية القطاع.

السواحل الغربية

وأكمل أن حركة التجارة قبل عام 2023 كانت تتركز في السواحل الغربية، بينما كان ثلثاها عبر السواحل الشرقية، إلا أن أحداث البحر الأحمر في عام 2023 دفعت إلى نقل جزء كبير من تجارة المملكة إلى السواحل الشرقية، مضيفاً أنه مع الأزمة الجديدة تم إعادة نقل التجارة بالكامل إلى السواحل الغربية، مبيناً في الوقت ذاته أن هذه الحركة لا تخدم تجارة بلاده فحسب، بل تمتد إلى تجارة الدول المجاورة، والإصلاحات التي شهدها القطاع بدأت تؤتي ثمارها.

وعن منطقة الشاحنات، أبان الجاسر أنها تجسد سرعة الاستجابة والعمل التكاملي بين منظومة النقل والجمارك والقطاع الخاص، موضحاً أن الزيادة الكبيرة في أعداد السفن والشاحنات استدعت إنشاء هذه المنطقة التي تستهدف رفع كفاءة العمل اللوجستي، خصوصاً مع تضاعف الطاقة التشغيلية.

وأضاف أن المنطقة تسهم في تنظيم دخول الشاحنات وخروجها بصورة أكثر كفاءة، إلى جانب توفير بيئة آمنة ومنظمة لسائقي الشاحنات، فضلاً عن دورها في تنظيم الحركة المرورية والحد من تأثير دخول عشرات الآلاف من الشاحنات يومياً إلى ميناء جدة الإسلامي.

وأشار الجاسر إلى توقيع 7 عقود لمناطق لوجستية جديدة في ميناء جدة الإسلامي، من بينها توقيع شركة «جي دي لوجستك» الصينية أكبر استثمار لها خارج الصين داخل الميناء، إضافة إلى عقد آخر في منطقة الخُمرة جنوب مدينة جدة، إلى جانب توقيع 5 شركات وطنية رائدة لإطلاق مناطق لوجستية جديدة، لافتاً إلى أن عدد المناطق اللوجستية في الموانئ السعودية ارتفع إلى 34 منطقة، باستثمارات تقدر بنحو 15 مليار ريال من القطاع الخاص.

استقطاب المزيد من الاستثمارات

من ناحيته، كشف لـ«الشرق الأوسط» رئيس الهيئة العامة للموانئ المهندس سليمان المزروع، عن استثمارات جديدة مرتقبة في منطقة الخُمرة جنوب مدينة جدة، ضمن مشروع منطقة اقتصادية كبرى تستهدف استقطاب المزيد من الاستثمارات، مؤكداً أن هناك فرصًا استثمارية واعدة في عدد من المواقع.

وبين رئيس الهيئة العامة للموانئ، أن القيمة الحقيقية للمراكز اللوجستية لا تكمن في دورها التقليدي كمحطات لعبور البضائع، بل في منظومة الخدمات المتكاملة التي توفرها الموانئ السعودية والتي تجعلها منصات لإضافة القيمة وتعزيز تنافسية سلاسل الإمداد، مبيناً أن أي سفينة تفضل الوقوف بميناء جدة للقيمة المضافة التي تقدمها المراكز اللوجستية والتي هي الهدف الأكبر.

وتابع المزروعي أن ميناء جدة الإسلامي لم يعد مجرد نقطة وصول ومغادرة للسفن، بل أصبح وجهة مفضلة لشركات الشحن العالمية بفضل ما يحتضنه من مراكز لوجستية متقدمة، مشيرا إلى أن المملكة تضم 34 مركزاً لوجستياً، منها 17 مركزاً داخل الميناء نفسه، في تأكيد على المكانة المحورية التي يحتلها الميناء في منظومة النقل والخدمات اللوجستية الوطنية.

وتُعد المنطقة أول منشأة لوجستية متكاملة من نوعها في تاريخ البحري، وتقدم مجموعة من الحلول والمزايا اللوجستية التي تتواكب مع توجه المملكة نحو ترسيخ مكانتها مركزاً لوجستياً عالمياً مهيأً لاستقطاب البضائع وتسهيل حركة التجارة وسلاسل الإمداد.


شراكة بين «سابك» و«رونغشنغ» الصينية لإنتاج الكيماويات المتقدمة

مبنى «سابك» في الجبيل (موقع الشركة الإلكتروني)
مبنى «سابك» في الجبيل (موقع الشركة الإلكتروني)
TT

شراكة بين «سابك» و«رونغشنغ» الصينية لإنتاج الكيماويات المتقدمة

مبنى «سابك» في الجبيل (موقع الشركة الإلكتروني)
مبنى «سابك» في الجبيل (موقع الشركة الإلكتروني)

أعلنت الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) توقيع اتفاقية لتطوير مشروع (PDA) مع شركة «رونغشنغ بتروكيميكال» وشريكتها التابعة المملوكة لها بالكامل «رونغشنغ نيو ماتيريالز (تشوشان)»، بهدف العمل المشترك على تطوير «مشروع جينتانغ نيو ماتيريال» للمواد المتقدمة في منطقة تشوشان بمقاطعة تشجيانغ الصينية.

بموجب الاتفاقية، ستعمل «سابك» و«رونغشنغ بتروكيميكال» على تقييم جدوى استثمار رأسمالي محتمل. وقد تمنح هذه الشراكة الاستراتيجية شركة «سابك» حصة تصل إلى 50 في المائة في مشروع «رونغشنغ نيو ماتيريالز».

كما أن الاتفاقية تؤسس إطار عمل واضحاً للأنشطة التطويرية للمشروع تمهيداً للوصول إلى قرار الاستثمار النهائي المحتمل من قِبل الطرفين.

أهداف المشروع

يهدف مشروع «جينتانغ نيو ماتيريالز» إلى:

تلبية الطلب المتنامي: تعزيز القدرات الإنتاجية للمواد الكيميائية المتقدمة لتلبية الاحتياجات المتزايدة للصناعات التحويلية الرئيسية في الصين ومنطقة آسيا عموماً.

تكامل التقنيات: الاستفادة من التقنيات العالمية المتميزة، وقدرات التصنيع المتكاملة، والتميز التشغيلي لتعزيز التنافسية ودعم الابتكار لتحقيق قيمة طويلة الأجل لجميع الأطراف.

تعليقاً على توقيع الاتفاقية، قال الرئيس التنفيذي وعضو مجلس إدارة «سابك» الدكتور فيصل بن محمد الفقير: «تعكس هذه الاتفاقية رؤية (سابك) للنمو وتوسيع حضورها العالمي عبر الشراكات الاستراتيجية. نواصل إعطاء الأولوية للابتكار وتطوير باقة أعمالنا لخلق قيمة مستدامة لعملائنا عالمياً، ونحن نتطلع إلى العمل عن كثب مع رونغشنغ لتقييم هذه الفرصة والاستفادة من نقاط القوة والخبرات التي تتمتع بها الشركتان».

من جهته، قال الرئيس التنفيذي لشركة «رونغشنغ بتروكيميكال»، شيانغ جيونغجيونغ: «تمثل هذه الشراكة نموذجاً بارزاً للتعاون المتبادل وتكامل القدرات في مجالات البحث والتطوير والمواد الكيميائية المتقدمة. في ظل ظروف السوق المعقدة الراهنة، يشكل هذا التعاون ركيزة للاستقرار في قطاع الكيماويات ويمكّننا من تقديم حلول ذات قيمة وشمولية لعملائنا».


حالات التخلف عن السداد تقوِّض جهود بكين لزيادة الإنفاق

مشاة في الضاحية المالية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
مشاة في الضاحية المالية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
TT

حالات التخلف عن السداد تقوِّض جهود بكين لزيادة الإنفاق

مشاة في الضاحية المالية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
مشاة في الضاحية المالية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

لم يتخلف جاك تشين عن سداد أي قرض منذ أن بدأ الاقتراض لتغطية نفقاته خلال فترة تدريبه، لكن تقريره الائتماني يحمل الآن علامة تحذير بسبب ازدياد ديونه، ويتم رفض طلبات القروض الجديدة.

هذا الأمر يترك عامل صيانة الاتصالات، البالغ من العمر 27 عاماً، من مقاطعة جيانغسو، أمام خطر التخلف عن سداد نحو 140 ألف يوان (20685 دولاراً أميركياً)؛ أي ما يعادل أجر عام تقريباً، موزعة على بطاقات الائتمان والاقتراض عبر الإنترنت وقرض سيارة، بعد أن خفض صاحب العمل راتبه وألغى بدل الوقود هذا العام.

وعلى الرغم من تقليصه الإنفاق على الطعام والإيجار والوقود فقط، قال: «استمر الدين في التراكم والتضخم». أصبحت قصة تشين شائعة بشكل متزايد في الصين وسط سوق عمل قاتمة وتراجع مطوّل في سوق العقارات. وقد ارتفعت حالات التخلف عن سداد قروض المستهلكين إلى مستويات قياسية، ويتوقع المحللون أن يتفاقم الوضع مع غرق ذوي الدخل المنخفض، على وجه الخصوص، في مزيد من الديون.

ويأتي هذا في الوقت الذي تشجع فيه بكين المستهلكين بنشاط على الاقتراض والإنفاق كجزء من جهد مستمر منذ سنوات لتوجيه الانتعاش الاقتصادي المتعثر والمتفاوت نحو الطلب المحلي. وأظهرت بيانات رسمية صدرت يوم الأربعاء أن الاقتصاد نما بأبطأ وتيرة له منذ أكثر من ثلاث سنوات في الربع الثاني، حيث أدى ضعف الإنفاق الاستهلاكي إلى تقويض قطاعي التصنيع والصادرات القويين.

وقد حث بنك الشعب الصيني مراراً وتكراراً البنوك التجارية على زيادة الإقراض، لكن البنوك ترددت، بل شددت معايير الإقراض لحماية نفسها من مزيد من الديون المعدومة.

وأظهرت بيانات صدرت يوم الأربعاء، أن قروض الأسر قصيرة الأجل انخفضت بنسبة 7 في المائة على أساس سنوي الشهر الماضي، في أحدث دليل على ضعف السوق.

وتكمن المعضلة في أن معظم من يسعون للاقتراض هم من ذوي التصنيف الائتماني المنخفض.

ويقول نيكولاس تشو، محلل مصرفي في وكالة «موديز»: «يُقلل العملاء ذوو الجدارة الائتمانية العالية من استخدام بطاقات الائتمان... ويظل المستهلكون ذوو الجدارة الائتمانية المنخفضة مقترضين نشطين، مما يؤدي إلى زيادة مخاطر الأصول بالنسبة للمقرضين».

وارتفع إجمالي رصيد القروض المتعثرة للأسر بأكثر من الخُمس العام الماضي ليصل إلى مستوى غير مسبوق بلغ 2.22 تريليون يوان (324.50 مليار دولار أميركي)، وفقاً لشركة «جافيكال دراغونوميكس». ويعني هذا الإجمالي، الذي يعادل نحو 1.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أن واحداً من كل عشرة بالغين صينيين سيتخلف عن سداد ديونه بحلول عام 2025، حسب الباحث.

ويعود الارتفاع الحاد في الديون المعدومة بشكل رئيسي إلى تخفيف شروط منح الائتمان العام الماضي لتلبية أهداف الحكومة المتعلقة بالاستهلاك، وفقاً لما ذكره مصرفيون مطلعون على الأمر.

وقال مسؤول قروض في بنك صيني متوسط الحجم إن نموذج تقييم مخاطر قروض المستهلكين قد عُدّل هذا العام لإعطاء وزن أكبر لدخل الراتب عند مراجعة الطلبات، وذلك في أعقاب ارتفاع معدلات التخلف عن سداد القروض التي كانت تُقيّم المقترضين بناءً على ملكية العقارات والأصول الثابتة.

وأفادت مصادر بأن البنوك تُدير أيضاً حالات التخلف المتزايدة عن السداد من خلال تجنب تصنيف القروض على أنها متعثرة فوراً، وتقديم خيارات إعادة هيكلة القروض، أو تمديد فترات السداد، أو منح المقترضين مهلة لبيع العقارات.

وقال موظف في بنك مساهم: «نتواصل مع العملاء أولاً. إذا لم يتمكنوا من سداد أصل القرض، نسألهم عما إذا كان بإمكانهم دفع الفائدة، أو حتى جزء منها. إذا وافقوا، فلن يُصنّف القرض على أنه متعثر... حالياً، يُعدّ وضع قروض التجزئة المتأخرة خطيراً للغاية». ويقول المحللون إن المقرضين الذين لديهم تركيزات كبيرة من قروض المستهلكين غير المضمونة هم الأكثر عرضة للخطر مع ارتفاع حالات التخلف عن السداد.

وأبلغت البنوك الحكومية الخمسة الكبرى في الصين عن ارتفاع نسب القروض الشخصية المتعثرة العام الماضي، حيث سجل بنك الاتصالات أكبر زيادة بينها، إذ ارتفعت بنسبة 0.5 نقطة مئوية لتصل إلى 1.58 في المائة.

وأبلغ بنك تشاينا ميرشانتس، الذي يُعد على نطاق واسع المقرض الرائد في البلاد للأفراد، عن نسبة قروض شخصية متعثرة بلغت 1.14 في المائة في الربع الأول من هذا العام، بزيادة قدرها 0.13 نقطة مئوية على أساس سنوي. وبلغت نسبة التخلف عن سداد بطاقات الائتمان لديه 1.90 في المائة في الربع الأول، بزيادة قدرها 0.15 نقطة مئوية.

ورغم أن الأرقام لا تزال متواضعة نسبياً، فإن المحللين يعتقدون عموماً أن نسب القروض المتعثرة الفعلية أعلى مما تُعلنه البنوك. وتواصل بكين تقديم حوافز للاقتراض، وفي وقت سابق من هذا العام، رفعت السلطات سقف الدعم لكل مقترض إلى 3000 يوان، ووسّعت نطاق الأهلية ليشمل خطط التقسيط عبر بطاقات الائتمان.

ومع ذلك، قالت سوزان وو، وهي موظفة تبلغ من العمر 28 عاماً في قوانغتشو، إنها رفضت مراراً وتكراراً عروضاً تسويقية عبر الهاتف من بنك تشاينا ميرشانتس في الأسابيع الأخيرة للاستفادة من الدعم عن طريق تحويل مدفوعات بطاقتها. وأضافت أنها لم تدفع بالتقسيط من قبل، ولا ترغب في ذلك.

وقال مينكسيونغ لياو، الخبير الاقتصادي في شركة «تي إس لومبارد»، إنّ العائق الرئيسي أمام تعزيز الاستهلاك ليس الحصول على الائتمان، بل نمو الدخل، وتوزيعه، وشبكة أمان اجتماعي قوية من شأنها أن تقلل الحاجة إلى الادخار الاحترازي. وأضاف: «إنّ تقديم قروض استهلاكية أرخص للأسر التي لا ينمو دخلها يُنذر بتفاقم مشكلة التخلف عن السداد».