واشنطن ترسم خريطة إمداد أوروبا بالغاز عبر بوابة اليونان

وسط عزمها على «طرد» روسيا واستبدال هيمنتها

رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يصافح رايت خلال اجتماع التعاون في مجال الطاقة عبر الأطلسي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يصافح رايت خلال اجتماع التعاون في مجال الطاقة عبر الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

واشنطن ترسم خريطة إمداد أوروبا بالغاز عبر بوابة اليونان

رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يصافح رايت خلال اجتماع التعاون في مجال الطاقة عبر الأطلسي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يصافح رايت خلال اجتماع التعاون في مجال الطاقة عبر الأطلسي (أ.ف.ب)

في خطوة تؤكد التزام الولايات المتحدة بوجود طاقي طويل الأمد في أوروبا وتحدي هيمنة الغاز الروسي، أكد وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، أن الولايات المتحدة ستحافظ على تعاون طويل الأمد في مجال الطاقة مع حلفائها الأوروبيين.

جاءت تصريحات رايت خلال محادثات استضافها «المجلس الأطلسي» في اليونان، هدفت إلى تسريع عملية تحول أوروبا بعيداً عن هيمنة موسكو على قطاع الطاقة.

ويُعدّ هذا الحراك، الذي تزامن مع مساعي الرئيس دونالد ترمب لربط إمدادات الطاقة بالعلاقات التجارية والجهود الدبلوماسية، دليلاً على عزم الولايات المتحدة - بصفتها أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم - على سد الفراغ الذي خلفه تراجع الإمدادات الروسية. وقد شدد وزير الداخلية الأميركي، دوغ بورغم، على هذه النية قائلاً: «الولايات المتحدة وحدها يمكنها أن تحل محل كل الغاز الروسي في أوروبا بما نبنيه حالياً».

كما تزامن ذلك مع تعهد الاتحاد الأوروبي في يوليو (تموز) الماضي، بشراء ما قيمته 250 مليار دولار سنوياً من النفط والغاز المسال والتقنية النووية الأميركية لمدة 3 سنوات.

وكان رايت وبورغوم انضما إلى أكثر من 80 مسؤولاً في واشنطن ووزراء طاقة في الاتحاد الأوروبي وكبار المسؤولين التنفيذيين في قطاع الغاز الطبيعي المسال، لإجراء محادثات في اليونان استضافها المجلس الأطلسي، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن.

وزير الداخلية الأميركي ووزير البيئة والطاقة اليوناني ستافروس باباستافرو ووزير الطاقة الأميركي خلال مؤتمر صحافي في اجتماع شراكة التعاون في مجال الطاقة عبر الأطلسي بأثينا (إ.ب.أ)

اليونان محور رئيسي

أشار رايت في حديثه لشبكة «يورونيوز»، إلى استعداد واشنطن للبقاء قوةً طاقية في القارة الأوروبية على المدى الطويل، مؤكداً الموقع الجيوسياسي الفريد لليونان بوصفه بوابة دخول رئيسية للغاز الطبيعي المسال الأميركي. وأكد رايت أن الدعم الأميركي مستدام بفضل الموارد الهائلة والرغبة القوية في تطوير التعاون الاقتصادي والأمني، وقال: «نعم، الولايات المتحدة ستكون هنا على المدى الطويل».

ومع كون أوروبا بالفعل أكبر سوق للغاز المسال الأميركي، يتحول التركيز حالياً نحو «الممر العمودي»، وهو مسار جديد للغاز يربط بين الشمال والجنوب، يصل اليونان بكل من بلغاريا، ورومانيا، وأوكرانيا، وستلعب محطات التصدير القريبة من أثينا وشمال اليونان دوراً حيوياً فيه. وقد أكد رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، أن اليونان «مباركة بموقع جغرافي فريد جداً، ونحن نقطة الدخول الطبيعية للغاز الطبيعي المسال الأميركي إلى أوروبا».

وكانت اليونان أعلنت في السابع من الشهر الحالي، موافقتها على استيراد 700 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال الأميركي سنوياً، بدءاً من عام 2030، في أول اتفاقية طويلة الأمد من نوعها مع واشنطن. وتهدف هذه الصفقة الممتدة لـ20 عاماً إلى تعزيز صادرات الغاز المسال الأميركي من اليونان إلى جيرانها الأوروبيين في الشمال، بما في ذلك أوكرانيا.

ويأتي توقيع هذا الاتفاق بعد أسابيع من مصادقة الاتحاد الأوروبي على حظر الغاز الطبيعي المسال الروسي بدءاً من عام 2027، رداً على الصراع في أوكرانيا. وذكرت شركة «ديبا»، أكبر مرفق للغاز في البلاد، أن الاتفاقية قد ترفع إجمالي مشتريات اليونان من الغاز المسال الأميركي إلى نحو ملياري متر مكعب سنوياً، وسيتم تسهيل الإمداد عبر مشروع مشترك بين «ديبا» وشركة الطاقة «أكتور»، بالشراكة مع شركة «فينتشر غلوبال» الأميركية.

وزير الطاقة الأميركي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في ختام اجتماع التعاون في مجال الطاقة عبر الأطلسي بأثينا (رويترز)

القدرة الإنتاجية الأميركية

قدم رايت أرقاماً تدعم القدرة الأميركية على الوفاء بالتزاماتها بوصفها «مُورداً على المدى الطويل»، مشيراً إلى أن «إنتاج الولايات المتحدة من الغاز يزيد على ضعف إنتاج روسيا من الغاز، وإنتاجنا ينمو بسرعة. وقدرتنا على التصدير تتوسع بوتيرة أسرع من إنتاجنا للغاز الطبيعي».

وشدد رايت على أن توفير إمدادات مستقرة من الطاقة يخلق فرصاً اقتصادية أكبر ورخاءً، ويؤدي إلى «علاقات متينة طويلة الأمد ويعزز السلام في العالم» بفضل هذه الشراكات العابرة للمحيطات.

وقد أشاد رايت باليونان بوصفها «شريكاً ممتازاً»، وسلط الضوء على تحول دورها الجيواستراتيجي؛ فبعد أن كانت اليونان «مجرد عقدة في نهاية نظام نقل الطاقة» عندما كانت روسيا هي المهيمنة، أصبحت اليوم هي «البوابة... للطاقة الأميركية وهي تتدفق إلى أوروبا». وأكد أن هذا التحول يحمل «فوائد اقتصادية ضخمة لليونان، ومن الرائع للولايات المتحدة أن يكون لها حليف وشريك قديم مثل اليونان يلعب هذا الدور بوصفه بوابة للطاقة الأميركية إلى أوروبا».

ملف المناخ وتغيب واشنطن

في سياق مختلف، أشار تقرير «يورونيوز» إلى أن إدارة ترمب لم ترسل أي مسؤولين رفيعي المستوى إلى قمة المناخ (كوب 30) المنعقدة في بيليم بالبرازيل، مما يثير قلقاً من تراجع الدور الأميركي في قضايا المناخ. وقد قدم رايت وجهة نظر إدارته حول دور الغاز الطبيعي، مؤكداً أنه «بفارق كبير» هو أكبر عامل أسهم في خفض انبعاثات الكربون، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة خفضت انبعاثات الغازات الدفيئة أكثر من الدول السبع التالية مجتمعة.

وختم رايت تصريحاته بالتشديد على أن الغاز الطبيعي أدى إلى «الإحلال الاقتصادي» للفحم، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن «تغير المناخ حقيقة واقعة»، فإنه «ببساطة مبالغ فيه بشكل كبير لأغراض سياسية، وهذا أمر مؤسف للغاية».


مقالات ذات صلة

عوائد السندات الأميركية تستأنف الصعود رغم دعم الخزانة للسيولة

الاقتصاد متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)

عوائد السندات الأميركية تستأنف الصعود رغم دعم الخزانة للسيولة

استأنفت عوائد سندات الخزانة الأميركية صعودها الخميس، متخلية عن جزء كبير من تراجعات الجلسة السابقة، رغم إعلان وزارة الخزانة عن إجراءات لدعم السيولة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص شاشة إلكترونية تعرض الدين القومي في واشنطن العاصمة بتاريخ 19 أغسطس (أ.ف.ب)

خاص دَين أميركي عند 40 تريليون دولار... ارتفاع العوائد يفتح فرصاً جديدة للخليج

تفتح عوائد السندات المرتفعة فرصاً جديدة أمام الصناديق السيادية الخليجية لإعادة توزيع استثماراتها وتحقيق عوائد أعلى على الأموال الجديدة.

عبير حمدي (الرياض)
تقرير إخباري 40 تريليون دولار... الدين الأميركي يدخل منطقة الخطر

تقرير إخباري 40 تريليون دولار... الدين الأميركي يدخل منطقة الخطر

لم يعد تجاوزُ الدين الأميركي حاجز 40 تريليون دولار مجردَ رقم قياسي جديد في دفاتر «الخزانة»، بل بات علامة على تحول أعمق في علاقة الولايات المتحدة بالاقتراض...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)

بيسنت يعزّز دوره بوصفه «متداول السندات الأول» لأميركا

أبدى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت استعداداً متزايداً للتدخل في أسواق السندات، في وقت تواجه فيه الإدارة الأميركية ارتفاعاً غير مريح في تكاليف الاقتراض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري شاشة إلكترونية تعرض الدين القومي في واشنطن العاصمة بتاريخ 19 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)

تحليل إخباري 40 تريليون دولار من الديون الأميركية... لماذا يهم الرقم العالم؟

ماذا يعني 40 تريليون دولار ديوناً أميركية؟ وهل يمثل الدين الأميركي خطراً فورياً، أم أن المشكلة تكمن في مساره المستقبلي؟

«الشرق الأوسط» (الرياض)

عوائد السندات الأميركية تستأنف الصعود رغم دعم الخزانة للسيولة

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

عوائد السندات الأميركية تستأنف الصعود رغم دعم الخزانة للسيولة

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)

استأنفت عوائد سندات الخزانة الأميركية صعودها الخميس، متخلية عن جزء كبير من تراجعات الجلسة السابقة، رغم إعلان وزارة الخزانة عن إجراءات لدعم السيولة في السندات والأوراق المالية الطويلة الأجل.

ويعكس ارتفاع العوائد استمرار الضغوط على تكاليف الاقتراض الطويلة الأجل في الولايات المتحدة، في وقت تجاوز فيه الدين السيادي الأميركي 40 تريليون دولار للمرة الأولى.

وكانت وزارة الخزانة أعلنت الأربعاء أنها ستضاعف «على الأقل» حجم عمليات إعادة شراء السندات الطويلة الأجل الهادفة إلى دعم السيولة، ما أدى في أعقاب الإعلان إلى انخفاض حاد في عوائد سندات الخزانة لأجل 10 و20 و30 عاماً، وساعد في تهدئة موجة بيع عالمية في أسواق السندات السيادية.

لكن العوائد عاودت الارتفاع الخميس؛ إذ صعد عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات 4.5 نقطة أساس إلى 4.698 في المائة، فيما ارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً 4.5 نقطة أساس إلى 5.239 في المائة. كما زاد عائد السندات لأجل عامين 1.5 نقطة أساس إلى 4.194 في المائة.

وقال روبرت تيب، كبير استراتيجيي الاستثمار ورئيس قسم السندات العالمية في «بي جي آي إم»، إن تحركات السوق الخميس تشير، في بعض جوانبها، إلى أن قرار الخزانة نجح في كبح وتيرة صعود العوائد الطويلة الأجل، حتى وإن لم يمنع ارتفاعها مجدداً.

وأضاف أن خفض العوائد الطويلة الأجل بصورة فعلية ليس هدفاً واقعياً في ظل أساسيات السوق، خصوصاً التضخم وتزايد الدين السيادي الأميركي.

وتأتي تحركات سوق السندات في وقت تواجه فيه الأسواق ضغوطاً إضافية من ارتفاع أسعار النفط والتوترات المرتبطة بالحرب مع إيران، وهو ما قد يزيد الضغوط التضخمية ويعقد مسار السياسة النقدية الأميركية.

وفي مؤشر على توقعات التضخم، استقر معدل التعادل لعائد سندات الخزانة المحمية من التضخم لأجل 10 سنوات عند 2.316 في المائة، بما يشير إلى أن الأسواق تتوقع تضخماً متوسطه نحو 2.3 في المائة سنوياً خلال العقد المقبل.


المركزي المصري يثبّت أسعار الفائدة عند 19 و20 %

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

المركزي المصري يثبّت أسعار الفائدة عند 19 و20 %

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أبقى البنك المركزي المصري أسعار الفائدة الرئيسية دون تغيير في اجتماعه يوم الخميس، إذ ثبت سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19 في المائة، وسعر الإقراض لليلة واحدة عند 20 في المائة.

وقال البنك في بيان إن لجنة السياسة النقدية قررت الإبقاء على أسعار العائد الرئيسية عند مستوياتها الحالية، في وقت تواصل فيه السياسة النقدية موازنة تطورات التضخم والنشاط الاقتصادي والأوضاع المالية.

ويأتي القرار بعد أن خفض البنك المركزي أسعار الفائدة في اجتماعات سابقة، مع تراجع الضغوط التضخمية مقارنة بالمستويات المرتفعة التي شهدها الاقتصاد المصري خلال السنوات الماضية.


طلبات إعانة البطالة الأميركية تتراجع بما يدعم استقرار سوق العمل

رجل يحمل شعار «وظائف أميركية» في مؤتمر سابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب بمقر شركة «جنرال موتورز» بولاية ميشيغان (رويترز)
رجل يحمل شعار «وظائف أميركية» في مؤتمر سابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب بمقر شركة «جنرال موتورز» بولاية ميشيغان (رويترز)
TT

طلبات إعانة البطالة الأميركية تتراجع بما يدعم استقرار سوق العمل

رجل يحمل شعار «وظائف أميركية» في مؤتمر سابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب بمقر شركة «جنرال موتورز» بولاية ميشيغان (رويترز)
رجل يحمل شعار «وظائف أميركية» في مؤتمر سابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب بمقر شركة «جنرال موتورز» بولاية ميشيغان (رويترز)

أظهرت أحدث بيانات سوق العمل الأميركية صورة أكبر تماسكاً مما أوحت به أرقام الوظائف الضعيفة في يوليو (تموز) الماضي، بعدما تراجع عدد المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانة البطالة خلال الأسبوع الماضي.

وتعزز الأرقام الاعتقاد بأن الشركات لا تزال مترددة في تسريح موظفيها، رغم أن رغبتها وقدرتها على إضافة وظائف جديدة تبدوان أكبر محدودية.

وقالت وزارة العمل الأميركية، الخميس، إن الطلبات الأولية للحصول على إعانات البطالة انخفضت بمقدار 6 آلاف طلب إلى 206 آلاف طلب بعد التعديل في ضوء العوامل الموسمية، خلال الأسبوع المنتهي في 15 أغسطس (آب) الحالي، مقارنة مع 212 ألفاً في الأسبوع السابق. وجاء الرقم أفضل من توقعات اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم عند 210 آلاف طلب.

وتكتسب البيانات أهمية خاصة بعد الانخفاض المفاجئ في الوظائف خلال يوليو الماضي، عندما خسر الاقتصاد الأميركي 23 ألف وظيفة. فرغم ضعف التوظيف، فإن طلبات الإعانة تشير إلى عدم حدوث موجة تسريح واسعة؛ إذ تتحرك منذ بداية العام قرب الطرف الأدنى من نطاق تراوح بين 189 ألفاً و230 ألف طلب أسبوعياً.

وتعكس هذه المفارقة ما يصفها اقتصاديون بأنها سوق عمل «لا توظّف ولا تسرّح»؛ فالشركات التي عانت نقص العمالة بعد جائحة «كوفيد19» تبدو أكبر حذراً من التخلي عن موظفيها الحاليين، لكنها في الوقت نفسه ليست مستعدة لتوسيع التوظيف بقوة في ظل أسعار الفائدة المرتفعة وعدم اليقين الاقتصادي.

وتدعم معدلات البطالة هذه القراءة، إذ تراجع المعدل إلى 4.1 في المائة خلال يوليو الماضي، وهو مستوى لا يزال منخفضاً تاريخياً. لكن انخفاض البطالة لا يعني بالضرورة أن سوق العمل قوية بالدرجة نفسها التي كانت عليها قبل سنوات، خصوصاً مع تقلص المعروض من العمالة... فقد خرج أكثر من 1.3 مليون شخص من قوة العمل الأميركية خلال العام الماضي، في ظل تقاعد أعداد متصاعدة من جيل طفرة المواليد، ووسط تشديد إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، سياسات الهجرة؛ مما يعني أن عدداً أقل من الأشخاص يتنافسون على الوظائف المتاحة.

وتبدو المشكلة أوضح بالنسبة إلى الباحثين عن وظيفة جديدة. فقد ارتفع عدد الأشخاص الذين استمروا في الحصول على إعانات البطالة بعد الأسبوع الأول بمقدار 18 ألفاً إلى 1.799 مليون شخص خلال الأسبوع المنتهي في 8 أغسطس الحالي. ويُنظر إلى هذا المؤشر على أنه مقياس لقدرة العاطلين على العثور على وظائف جديدة، وبالتالي؛ فإن ارتفاعه يشير إلى أن إعادة التوظيف أصبحت أصعب حتى مع بقاء عمليات التسريح محدودة.

كما تكشف الأرقام الأطول أجلاً عن تباطؤ واضح مقارنة بمرحلة ما بعد الجائحة. فقد أضاف أصحاب العمل نحو 61 ألف وظيفة شهرياً في المتوسط منذ بداية العام. ورغم أن ذلك يمثل تحسناً مقارنة بمتوسط 9.7 ألف وظيفة شهرياً خلال العام الماضي، فإنه يبقى أقل كثيراً من متوسط 166 ألف وظيفة شهرياً المسجل خلال عامي 2023 و2024، وبعيداً تماماً عن طفرة 2021 و2022 التي بلغ متوسط خلق الوظائف خلالها نحو 491 ألف وظيفة شهرياً.

ومن زاوية السياسة النقدية، قد تكون تركيبة البيانات الحالية مريحة نسبياً لـ«مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)». فغياب موجة تسريح واسعة يقلل الحاجة إلى خفض سريع للفائدة بهدف حماية سوق العمل، بينما تمنح مؤشرات اعتدال التضخم «البنك المركزي» مجالاً أكبر للانتظار ومراقبة البيانات.

وإذا استمر انخفاض طلبات الإعانة وبقي معدل البطالة قريباً من مستوياته الحالية، بالتزامن مع تضخم معتدل، فقد يتمكن «الاحتياطي الفيدرالي» من إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه خلال سبتمبر (أيلول) المقبل، بدلاً من التحرك استجابة إلى ضعف بيانات شهر واحد.

لكن التحدي يكمن في أن سوق العمل الأميركية تبدو مستقرة أكبر مما تبدو قوية. فالشركات تحتفظ بالعاملين لديها، لكنها لا تضيف أعداداً كبيرة من الموظفين، بينما يستغرق الباحثون عن العمل وقتاً أطول للعثور على وظائف جديدة. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن أي صدمة اقتصادية جديدة قد تُحوِّل حالة «لا توظيف ولا تسريح» إلى ضعف أشد وضوحاً.

وعليه؛ تمنح بيانات إعانات البطالة الأخيرة صناع السياسة النقدية بعض الاطمئنان، لكنها لا تلغي الإشارات التحذيرية الآتية من تباطؤ خلق الوظائف. وستكون بيانات التوظيف والتضخم المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الولايات المتحدة أمام استقرار هادئ في سوق العمل، أم مرحلة انتقالية تسبق تباطؤاً أعلى حدة.