رئيسة وزراء اليابان الجديدة تعد حزمة تحفيز تتجاوز 92 مليار دولار

لمواجهة التضخم ودعم النمو... والأسواق تتفاعل بإيجابية

رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي ترد على أسئلة الصحافيين (أ.ف.ب)
رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي ترد على أسئلة الصحافيين (أ.ف.ب)
TT

رئيسة وزراء اليابان الجديدة تعد حزمة تحفيز تتجاوز 92 مليار دولار

رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي ترد على أسئلة الصحافيين (أ.ف.ب)
رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي ترد على أسئلة الصحافيين (أ.ف.ب)

أفادت مصادر حكومية مطلعة، يوم الأربعاء، بأن رئيسة الوزراء اليابانية الجديدة، ساناي تاكايتشي، تعمل على إعداد حزمة تحفيز اقتصادي يُرجّح أن تتجاوز قيمتها الحزمة البالغة 92 مليار دولار التي خُصصت العام الماضي، بهدف مساعدة الأسر في مواجهة ضغوط التضخم. وتمثّل هذه الحزمة التي تُقدّر بنحو 13.9 تريليون ين (92.19 مليار دولار)، أول مبادرة اقتصادية رئيسية لتاكايتشي منذ توليها منصبها يوم الثلاثاء، وتُعرف بدعمها القوي للإنفاق المالي الواسع، مما يعكس التزامها بما تصفه بـ«السياسة المالية الاستباقية المسؤولة». وأوضحت المصادر أن الحزمة ستستند إلى ثلاثة محاور رئيسية تشمل مكافحة التضخم، وتعزيز الاستثمار في قطاعات النمو، ودعم الأمن القومي.

ردود فعل الأسواق اليابانية

ارتدّ مؤشر «نيكي» الياباني عن خسائره، ليصعد بعد ظهر الأربعاء عقب تقرير «رويترز» حول الحزمة، فيما قلّص الين مكاسبه الصباحية ليستقر دون تغير يُذكر. ويتابع المستثمرون من كثب تفاصيل خطة الإنفاق التي تطرحها تاكايتشي، خصوصاً أن اليابان تُعدّ من أكثر الاقتصادات مديونية في العالم. وفي إطار الإجراءات الرامية إلى كبح التضخم، تعتزم حكومة تاكايتشي إلغاء ضريبة البنزين المؤقتة في أسرع وقت ممكن، مع توسيع نطاق المنح المخصصة للحكومات المحلية لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة غير المستفيدة من الحوافز الضريبية الحالية لرفع الأجور. كما تتضمن الحزمة استثمارات واسعة في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، في إطار توجه الحكومة نحو تعزيز التنمية الاقتصادية الاستراتيجية. وأكدت المصادر أن القيمة النهائية للحزمة لا تزال قيد النقاش، ومن المرجح إعلانها في وقت مبكر من الشهر المقبل.

تمويل الحزمة والتحفظات المالية

لتمويل هذه التدابير، تعمل الحكومة على إعداد موازنة تكميلية للسنة المالية الحالية التي تنتهي في مارس (آذار)، على أن تُقرّ خلال الدورة البرلمانية الاستثنائية المقبلة. وفي حال تجاوز الإنفاق الإضافي التوقعات الأولية فإن الحكومة قد تضطر إلى إصدار سندات جديدة لتغطية العجز، مما يثير تساؤلات حول كيفية الموازنة بين دعم النمو والحفاظ على الانضباط المالي. وقال رئيس قسم الاقتصاد الياباني في «أكسفورد إيكونوميكس»، شيغيتو ناغاي، إن الخطة «تتماشى مع برنامج تاكايتشي الذي أعلنته خلال حملتها لقيادة الحزب الحاكم»، مشيراً إلى أن نهجها لا يختلف كثيراً عن الإدارات السابقة التي استخدمت الإيرادات الضريبية الإضافية الناتجة عن التضخم لتمويل ميزانيات تكميلية تهدف إلى دعم الأسر بدلاً من تحقيق الفائض المالي الأولي.

وانتُخبت تاكايتشي، يوم الثلاثاء، بوصفها أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في تاريخ اليابان، مما أدى إلى تراجع قيمة الين وعوائد السندات، وسط توقعات بأن نهجها المالي قد يؤدي إلى تأجيل أي رفع جديد لأسعار الفائدة من قِبل «بنك اليابان». وتُعد تاكايتشي من أبرز المؤيدين لسياسات التحفيز الاقتصادي التي تبنّاها رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي؛ إذ تدعو إلى زيادة الإنفاق وخفض الضرائب. كما تعهدت بإعادة تعزيز الدور الحكومي في توجيه السياسة النقدية، في وقت يدرس فيه البنك المركزي إمكانية رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقبل المقرر في 29 و30 أكتوبر (تشرين الأول). وأكدت تاكايتشي، في مؤتمر صحافي، أن السياسة النقدية تشكّل جزءاً من الإطار الاقتصادي العام الذي تتحمّل الحكومة مسؤوليته، لكنها أشارت إلى أن التفاصيل والإجراءات المحددة تظل من صلاحيات «بنك اليابان».

لوحة إلكترونية تعرض مؤشر «نيكي» الياباني في إحدى شركات الأوراق المالية بطوكيو (أ.ب)

تأثر الأسواق المالية وانتعاش الأسهم والسندات

وفي الأسواق، ارتفعت الأسهم اليابانية إلى مستويات قياسية؛ إذ تفاعل المستثمرون إيجاباً مع وعود دعم الأسر ومواجهة التضخم. واختتم مؤشر «توبكس» التداول مرتفعاً بنسبة 0.5 في المائة عند مستوى إغلاق قياسي بلغ 3.266.43 نقطة، بعد أن سجل خلال الجلسة أعلى مستوى يومي على الإطلاق عند 3.274.94 نقطة، فيما أغلق مؤشر «نيكي» منخفضاً بشكل طفيف عند 49.307.79 نقطة، بعد أن تراجع بما يصل إلى 1.4 في المائة في وقت سابق من الجلسة، قبل أن يقلّص خسائره ويرتفع بنسبة 0.3 في المائة عقب التقرير. وبدأ المستثمرون، يوم الأربعاء، جني الأرباح بعد مكاسب قوية حققها مؤشر «نيكي» بلغت 3.6 في المائة خلال الجلستَيْن السابقتَيْن، وصل خلالها إلى مستوى قياسي يوم الثلاثاء عند 49.945.95 نقطة.

دعم سياسي واهتمام عالمي

جاء صعود السوق بعد أن حصلت تاكايتشي على دعم حاسم من حزب الابتكار الياباني (إيشين) الذي مكّنها من الفوز في تصويت البرلمان. وعاد مديرو الصناديق العالميون إلى الاستثمار في الأسهم والسندات اليابانية، مدفوعين بآمال حدوث انتعاش اقتصادي في ظل سياسات تاكايتشي التحفيزية، ورغبتهم في تنويع استثماراتهم بعيداً عن الأسواق الأميركية والأوروبية ذات التقييمات المرتفعة. وذكر محللو «مورغان ستانلي إم يو في جي»، في مذكرة للعملاء، أن تعيين تاكايتشي «يرمز إلى بداية إصلاح هيكلي محتمل»، مشيرين إلى أنه إذا نجحت الحكومة في تنفيذ استراتيجيتها للنمو وتعزيز حوكمة الشركات، فقد ترتفع نسبة السعر إلى الأرباح المتوقعة لمؤشري «نيكي» و«توبكس» بنحو الضعف.

وفي الوقت نفسه، تراجعت مخاوف المستثمرين في سوق السندات بشأن احتمال توسع الإنفاق المالي المفرط في ظل حكومة تاكايتشي، بعد تأكيدها التمسك بسياسة مالية استباقية تراعي استدامة الدين العام.

وارتفعت أسعار سندات الحكومة اليابانية قليلاً يوم الأربعاء، مما أدى إلى انخفاض العوائد بشكل طفيف؛ إذ تراجع عائد السندات لأجل عشر سنوات بنصف نقطة أساس إلى 1.65 في المائة، فيما انخفض عائد السندات لأجل ثلاثين عاماً بمقدار نقطة أساس واحدة إلى 3.115 في المائة، بعد أن بلغ ذروة 3.345 في المائة في وقت سابق من الشهر. كما تراجع عائد السندات لأجل عشرين عاماً بنصف نقطة أساس إلى 2.63 في المائة، وانخفضت عوائد السندات القصيرة لأجل عامين وخمس سنوات بنقطة أساس واحدة إلى 0.925 في المائة و1.215 في المائة على التوالي.

انتعاش العقود الآجلة طويلة الأجل

انتعشت عقود سندات الحكومة اليابانية الآجلة (JGB) في إشارة إلى تصاعد المخاوف من تزايد التقلبات وانهيار الارتباطات التاريخية في ثالث أكبر سوق للديون في العالم. أصبحت العقود الآجلة المرتبطة بسندات الحكومة اليابانية لأجل 20 عاماً أدوات تداول نشطة لأول مرة على الإطلاق في يوليو (تموز)، بعدما قفزت عوائد السندات طويلة الأجل للغاية إلى أعلى مستوياتها منذ عقود. حتى وقت قريب، كانت العقود الآجلة المرتبطة بسندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات هي الأكثر تداولاً في البلاد؛ إذ كانت كافية للتحوط من مخاطر أسعار الفائدة عبر مختلف الآجال، غير أن هذه العلاقة انهارت مؤخراً، حسب كبير الاستراتيجيين في شركة «سوميتومو ميتسوي ترست» لإدارة الأصول، كاتسوتوشي إينادومي، الذي أشار إلى صعوبة التحوط من السندات طويلة الأجل باستخدام العقود الآجلة لأجل 10 سنوات بسبب تحرك عوائدها غالباً في اتجاهات متعاكسة.

وقد شهد منحنى العائد في اليابان تقلبات حادة على نحو غير معتاد هذا العام، وسط مخاوف بشأن الوضع المالي للبلاد وتكهنات حول مسار رفع أسعار الفائدة من جانب «بنك اليابان». وارتفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 30 عاماً إلى مستويات قياسية هذا الشهر. وأدى هذا التقلب إلى إحياء سوق العقود الآجلة لسندات الحكومة اليابانية لأجل 20 عاماً التي أُنشئت من قِبل بورصة أوساكا عام 1988، لكنها ظلّت مهملة لفترة طويلة، بل توقفت لأكثر من عقد في عام 2002 بسبب ضعف الطلب.

وارتفع متوسط حجم التداول اليومي للعقود الآجلة لأجل 20 عاماً من مستويات شبه معدومة خلال السنوات الماضية إلى نحو 14.4 مليار ين (95.5 مليون دولار) خلال الربع الممتد من يوليو إلى سبتمبر (أيلول)، أي ما يعادل سبعة أضعاف الذروة السابقة المسجلة في عام 2014. وفي سبتمبر، شكّلت المعاملات الخاصة بالمؤسسات المالية اليابانية والأجنبية نحو 90 في المائة من حجم تداول العقود الآجلة لأجل 20 عاماً، في حين استحوذت صناديق التحوط ومديرو الأصول على النسبة المتبقية، حسب بيانات البورصة. ورغم ذلك، لا يزال حجم التداول في هذه العقود ضئيلاً مقارنةً بالعقود الآجلة لأجل 10 سنوات التي تشهد تداولات يومية تزيد بنحو 300 مرة، لكن مع تزايد الاهتمام بالعقود الأطول، تلقت بورصة أوساكا دعوات إلى إطلاق عقود آجلة جديدة لآجال استحقاق أخرى، حسب كي أوهاشي، المدير الأول في قسم تطوير المشتقات بالبورصة.


مقالات ذات صلة

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

الاقتصاد لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

تستضيف فرنسا، يوم الاثنين، اجتماعاً طارئاً «افتراضياً» يجمع وزراء المالية والطاقة ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة السبع.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)

الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

لم تعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة مجرد تهديد لخطوط الملاحة، بل انتقلت لتضرب قلب البنية التحتية الصناعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

بعد عام من قرارات ولي العهد لتنظيم السوق العقارية بالرياض، انخفضت قيمة الصفقات 64 في المائة مقارنة بالفترة نفسها قبل صدور القرارات.

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)

«فيتش» تؤكد تصنيف إسرائيل عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية، الجمعة، التصنيف الائتماني طويل الأجل لإسرائيل بالعملة الأجنبية عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية.

«الشرق الأوسط» (القدس)

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
TT

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)

تستضيف فرنسا، يوم الاثنين، اجتماعاً طارئاً «افتراضياً» يجمع وزراء المالية والطاقة ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة السبع، في محاولة رابعة منذ اندلاع الحرب في إيران لاحتواء التداعيات الكارثية على الأسواق العالمية. ورغم كثافة هذه اللقاءات، فإن «فقدان الثقة» بدأ يتسلل إلى الأسواق؛ حيث وُصفت الاجتماعات السابقة بأنها مجرد «بيانات للمراقبة» تفتقر للأفعال المباشرة، مما أدى لقفزات جنونية في مؤشرات الخوف العالمي (VIX) التي سجَّلت ارتفاعاً بنسبة 13 في المائة بنهاية الأسبوع الماضي.

كشف وزير التجارة الفرنسي، سيرغ بابين، عن أن المحور الرئيسي لاجتماع الاثنين سيكون مناقشة «الإطلاق المنسق» لاحتياطات النفط الاستراتيجية.

وتأتي هذه الخطوة محاولةً لتهدئة الأسعار التي سجَّلت تقلبات هي الأعنف منذ بدء حرب أوكرانيا عام 2022. ورغم اتفاق وكالة الطاقة الدولية المبدئي في 11 مارس (آذار) على استخدام المخزونات، فإنَّ الأسواق لا تزال تُشكِّك في القدرة على الصمود طويل الأمد إذا لم يتم التوصُّل إلى حل دبلوماسي ينهي حصار الممرات المائية.

وكان الحراك الدبلوماسي لمجموعة السبع بدأ في 9 مارس باجتماع افتراضي لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية، وهو اللقاء الذي واجه انتقادات حادة بسبب بيانه الختامي الذي اكتفى بوعود «المراقبة اللصيقة» دون إجراءات ملموسة. وفي اليوم التالي، انتقل الثقل إلى وزراء الطاقة الذين قرَّروا بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية التدخل في «مخزونات الطاقة» لتهدئة الأسواق، وهي خطوة حقَّقت استقراراً مؤقتاً سرعان ما تبخَّر أمام تقلبات أسعار النفط العنيفة التي أعادت للأذهان صدمة عام 2022.

كما اجتمع وزراء خارجية مجموعة السبع في الأجواء الهادئة لدير «فو دي سيرناي» التاريخي بفرنسا.

وزراء خارجية مجموعة السبع خلال اجتماع للمجموعة في باريس يوم 27 مارس (إكس)

دبلوماسية «الغرف المغلقة»

خلف الأرقام الاقتصادية، تدور معركة دبلوماسية صامتة؛ حيث اشتكى وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديبول، من «نقص التواصل» بين الحلفاء، كاشفاً عن ترتيبات لاجتماع مباشر «وشيك» بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان؛ بحثاً عن مَخرَج للأزمة، وفق شبكة «سي إن بي سي».

كذلك، أثار استبعاد جنوب أفريقيا من قمة القادة المُقرَّرة في يونيو (حزيران) بمدينة إيفيان الفرنسية توتراً دبلوماسياً كبيراً. وتُشير التقارير إلى ضغوط من إدارة ترمب حالت دون دعوة الرئيس سيريل رامافوزا؛ مما يعزِّز الانطباع بأن نهج «أميركا أولاً» بات يهدِّد فاعلية مجموعة السبع بوصفها أداة للحل الدبلوماسي الدولي.


الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
TT

الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)

لم تعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة مجرد تهديد لخطوط الملاحة، بل انتقلت لتضرب قلب البنية التحتية الصناعية. فقد أعلنت إيران، يوم الأحد، مسؤوليتها عن هجمات استهدفت مصنعين رئيسيَّين للألمنيوم في الخليج؛ مما زاد من حدة التوترات الاقتصادية في حرب الشرق الأوسط بعد انضمام الحوثيين، المدعومين من إيران، إلى الصراع في اليمن.

إذ أعلنت شركة «الإمارات العالمية للألمنيوم (EGA)» - أكبر شركة صناعية غير نفطية في الإمارات - تعرُّض موقعها الحيوي في «الطويلة» بأبوظبي لأضرار جسيمة نتيجة حطام صواريخ باليستية. ويُعد موقع «الطويلة»، الواقع في منطقة خليفة الاقتصادية، ركيزةً عالميةً أنتجت وحدها 1.6 مليون طن من المعدن في عام 2025، بينما يقع المصهر الثاني للشركة في منطقة جبل علي بدبي. وبالتزامن مع ذلك، بدأت شركة «ألمنيوم البحرين» (ألبا) تقييم حجم الأضرار في مرافقها، مما يضع كبار المنتجين في المنطقة أمام تحدٍ وجودي لضمان استمرارية العمليات تحت وطأة التهديد العسكري المباشر.

رغم خطورة الهجمات، فإن شركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» كشفت عن تحرك استباقي يتمثَّل في امتلاكها مخزونات ضخمة من المعدن في مواقع «أوفشور» ومستودعات خارجية خارج منطقة النزاع منذ اندلاع الحرب في الشهر الماضي. وتستخدم الشركة هذا المنتج الخارجي حالياً للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء الدوليِّين، وتخفيف حدة الانقطاع الناتج عن استهداف مرافقها المحلية.

سحابة من الدخان تتصاعد عقب غارة إيرانية على خزانات وقود في المحرق بالبحرين (أ.ف.ب)

معضلة «الألومينا»

تكمن الخطورة الحقيقية للهجمات الأخيرة في الأرقام التي أوردها «المعهد الدولي للألمنيوم»؛ فمن أصل 29.6 مليون طن مثّلت إجمالي الإنتاج العالمي خارج الصين في عام 2025، أسهمت منطقة الخليج وحدها بنحو 23 في المائة من هذه الكمية (أي ما يعادل 9 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي الكلي البالغ 73.8 مليون طن). هذا التركز الإنتاجي الضخم يعتمد بشكل كلي على مضيق هرمز في حركة استيراد وتصدير مزدوجة. وهنا تبرز مادة «الألومينا» (أكسيد الألمنيوم)، وهي المسحوق الخام الأساسي الذي تستورده المصاهر الخليجية لتحويله إلى معدن صلب.

ويحذر محللو «آي إن جي» من أن المصاهر في المنطقة تمتلك مخزونات من هذه المادة الخام تكفي عادة لـ3 إلى 4 أسابيع فقط. وبما أن المضيق هو الممر الوحيد لدخول سفن «الألومينا»، فإنَّ استمرار إغلاقه سيعني نفاد المادة الخام وتوقف أفران الصهر كلياً، وهو ما يفسِّر حالة «الانكشاف الخطير» للأسواق الغربية التي تعتمد على الألمنيوم الخليجي إمداداً حيوياً لا يمكن تعويضه بسهولة.

«علاوات الحرب» وأزمة الطاقة الأوروبية

وفقاً للتحليلات الفنية، يرفع التصعيد الحالي من «العلاوات السعرية المادية»؛ نتيجة تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب وتأخير السفن. وتعد أسواق أوروبا والولايات المتحدة الأكثر عرضة لهذا الانكشاف، نظراً لاعتمادهما الكبير على معدن الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي يبحث فيه العالم عن بدائل، تبرز عقبات كبرى في أوروبا؛ حيث قفزت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 60 في المائة لتصل إلى 50.545 يورو/ميغاواط/ ساعة، مما يجعل إعادة تشغيل المصاهر في آيسلندا وسلوفاكيا غير مجدٍ اقتصادياً للمنتجين الذين لا يملكون مصادر طاقة مستقلة.

عامل يثني قطعة من الألمنيوم باستخدام آلة في قسم الإنتاج بمبنى شركة «جنرال ستامبينغ آند ميتالوركس» في ساوث بيند بإنديانا (رويترز)

السوق الأميركية تحت مقصلة الـ«7 آلاف دولار»

أما في الولايات المتحدة، فقد أدى تقاطع الهجمات الإقليمية مع سياسات دونالد ترمب الجمركية، التي رفعت الرسوم إلى 50 في المائة في يونيو (حزيران) 2025، إلى وضع السوق في حالة اختناق. ومع توجُّه الصادرات الكندية نحو أوروبا، يواجه المستهلك الأميركي سيناريو مرعباً؛ حيث تشير تقديرات «سيكو بنك» إلى أنَّ وصول سعر المعدن في لندن إلى 4 آلاف دولار قد يدفع السعر النهائي في أميركا - شاملاً الرسوم والعلاوات - إلى مستويات قياسية تقترب من 7 آلاف دولار للطن، وهو ما قد يؤدي إلى صدمة في الطلب، ويهدِّد الصناعات المعتمدة على الألمنيوم بالشلل.

ترقب افتتاح الاثنين

تجمع التقارير الصادرة عن «سيتي بنك» و«ستاندرد آند بورز» على أن تعافي السوق لن يكون سريعاً؛ فديناميكيات الشحن والتأمين ستستغرق وقتاً طويلاً للعودة إلى طبيعتها. ومع اقتراب جرس الافتتاح في بورصات المعادن العالمية يوم الاثنين، يسود القلق أوساط المتداولين؛ حيث يتوقع الخبراء قفزةً فوريةً في هذه العلاوات مع بدء التعاملات، مدفوعةً ببيانات الهجمات المباشرة. ويرى المحللون أنَّه حتى دون إغلاق كامل للمضيق، فإنَّ ارتفاع تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب وتأخير السفن سيجعل أسواق أوروبا والولايات المتحدة الأكثر عرضةً للضرر، نظراً لاعتمادهما الكبير على معدن الشرق الأوسط لسد العجز في الأسواق المحلية.


خط أنابيب شرق ــ غرب السعودي يعمل بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط أنابيب شرق ــ غرب السعودي يعمل بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

ذكرت وكالة «بلومبرغ»، أمس، نقلاً عن مصدر مطلع، أن خط أنابيب النفط السعودي شرق - غرب الذي يوفر للمملكة مخرَجاً في ظل إغلاق مضيق هرمز يضخ النفط بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وأضافت أن صادرات النفط الخام من ميناء ينبع السعودي المطل على البحر الأحمر بلغت 5 ملايين برميل يومياً، مشيرة إلى أن المملكة تصدّر أيضاً ما بين 700 ألف و900 ألف برميل يومياً من منتجات النفط.

وقال أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» لصحافيين في وقت سابق من الشهر الحالي خلال اتصال هاتفي بشأن نتائج الأعمال، إنه من المتوقع أن يصل خط أنابيب النفط شرق - غرب إلى طاقته الاستيعابية الكاملة البالغة 7 ملايين برميل يومياً خلال أيام بالتزامن مع تحويل العملاء مساراتهم.

وأغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز، مما حال دون عبور نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم وتسبب في ارتفاع سعر النفط الخام إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل.