اختتام اجتماعات واشنطن: العالم يواجه «التحول العميق» وسط تحدي الديون وتباطؤ النمو

«غمامة عدم اليقين» تخيّم على الاقتصاد الدولي... والجدعان يتحدث عن تحديات وفرص في آن معاً

غورغييفا والجدعان في مؤتمر صحافي مشترك بختام اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية (أ.ب)
غورغييفا والجدعان في مؤتمر صحافي مشترك بختام اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية (أ.ب)
TT

اختتام اجتماعات واشنطن: العالم يواجه «التحول العميق» وسط تحدي الديون وتباطؤ النمو

غورغييفا والجدعان في مؤتمر صحافي مشترك بختام اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية (أ.ب)
غورغييفا والجدعان في مؤتمر صحافي مشترك بختام اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية (أ.ب)

أسدلت الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن الستار على أسبوع من النقاشات العميقة، مؤكدة أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة جديدة من التحديات والفرص. في قلب هذه الرؤية، يأتي توصيف وزير المالية السعودي ورئيس اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية (IMFC)، محمد الجدعان، للمرحلة الراهنة بأنها «تحول عميق» لا يمكن مواجهتها إلا بـ«العمل معاً» و«شجاعة القيادة».

وجاءت اجتماعات واشنطن لتؤكد استنتاجاً مركزياً عبّرت عنه المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا؛ وهو أن الاقتصاد العالمي «أبلى بلاءً حسناً مقارنة بمخاوفنا قبل ستة أشهر، لكنه أسوأ مما نحتاج إليه»، وأن «عدم اليقين هو الوضع الطبيعي الجديد».

غورغييفا تصافح رئيس البنك الدولي أجاي بانغا خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين بواشنطن (رويترز)

النمو: مرونة ولكن...

رغم إظهار الاقتصاد العالمي «مرونة» في النمو، فإن التوقعات تشير إلى تباطؤ مستمر، حيث يتوقع أن ينخفض النمو العالمي من 3.3 في المائة خلال 2024 إلى 3.2 في المائة خلال 2025، و3.1 في المائة خلال 2026. ومن المتوقع أن يتباطأ الاقتصاد العالمي، هذا العام والعام المقبل، مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن السياسة التجارية وانقطاعات سلاسل التوريد في التأثير على الناتج العالمي.

ويبدو أن الاقتصاد العالمي أقوى قليلاً مما توقَّعه خبراء الاقتصاد في صندوق النقد الدولي، في وقت سابق من هذا العام. ويعود ذلك إلى أن الولايات المتحدة خفّضت أو أجّلت عدداً من الرسوم الجمركية التي هدد بها الرئيس ترمب بعد تولِّيه منصبه، ولأن الشركات سارعت إلى تخزين السلع قبل سَرَيان الرسوم. وقد أحجم عدد من الشركات، في الوقت الحالي، عن تحميل عملائها تكاليف إضافية.

لكن لا يزال هناك قدر كبير من عدم اليقين، فقد دخلت رسوم جمركية جديدة حيز التنفيذ، كما اشتعلت التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين مجدداً، الأسبوع الماضي، بعد أن هدَّد ترمب بزيادة الرسوم الجمركية على الواردات الصينية بنسبة 100 في المائة إضافية؛ رداً على ضوابط التصدير الصينية الجديدة.

ويرى صندوق النقد الدولي مخاطر كبيرة على النمو العالمي نتيجة تجدّد التوترات بين الولايات المتحدة والصين. وإذا تحققت هذه المخاطر في صورة رسوم جمركية أعلى واضطرابات بسلاسل الإمداد، فإن النمو قد يتراجع بمقدار 0.3 نقطة مئوية. وإذا حدث مزيد من التوترات، فذلك سيعني أيضاً مخاطر سلبية للصين.

الجدعان يتحدث في مؤتمر صحافي بختام اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية (أ.ب)

أزمة الديون

القلق الأبرز الذي تصدَّر جدول الأعمال كان ملف الديون السيادية، وهو تحدٍّ وصفه الجدعان بأنه «مُقلق» ويهدد «الأرواح وسُبل العيش» في الدول الهشة، خاصة في أفريقيا. الدين الحكومي العالمي، وفقاً لتقديرات الصندوق، في طريقه للوصول إلى 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بحلول عام 2029.

ولمواجهة هذا «التحول العميق» في المالية العامة، شدد الجدعان على ضرورة أن يتسم التعامل مع أزمة الديون بـ«الشجاعة» والقيادة القوية، مؤكداً أهمية الالتزام بإعادة هيكلة الديون بطريقة «منظمة»، بدعم من «الإطار المشترك لمجموعة العشرين».

ولمواجهة هذا التحدي الذي يتطلب «رؤية قوية، وقيادة، وتصميماً، وبالتأكيد، الكثير من الشجاعة»، وفق الجدعان، اتفقت لجنة الشؤون النقدية والمالية بصندوق النقد الدولي على مجموعة من المحاور الأساسية:

  • دعم أفريقيا وتحقيق الاكتفاء: لمواجهة ضغوط الديون، وجهت غورغييفا نصيحة عملية للدول الأفريقية للتركيز على تعزيز الإيرادات المحلية لتصل نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 15 في المائة على الأقل، والأهم هو ضرورة تفعيل التجارة البينية الأفريقية كمحرك للنمو.
  • التنسيق والإصلاحات: شدد الجدعان على أهمية التزام الدول بالاستثمار المنتج وسداد الديون في الوقت المناسب، وعند الضرورة، إعادة هيكلة الديون بطريقة «منظمة»، بدعم من «الإطار المشترك لمجموعة العشرين».

الذكاء الاصطناعي... قوة محركة

بات الذكاء الاصطناعي قوة محركة للاقتصاد العالمي، حيث إن طفرة الاستثمار في هذه التكنولوجيا تجلب «تفاؤلاً لا يُصدَّق» يتركز، بشكل كبير، في الولايات المتحدة، التي «تتصدر بفارق كبير» في توزيع هذه الاستثمارات. ووفق تقديرات الصندوق، من المتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز النمو العالمي بما يتراوح بين 0.1 في المائة و 0.8 في المائة، وهي «دفعة كبيرة جداً» للعالم، رغم أن الصندوق يُحذر من أن الذكاء الاصطناعي يمثل أيضاً «مصدر انقسام وتفاوت» بين الدول وداخلها. فمؤشر الاستعداد للذكاء الاصطناعي» الذي طوّره الصندوق (ويصنف 174 دولة بناءً على أربعة معايير: البنية التحتية الرقمية، مهارات سوق العمل، الابتكار، واللوائح والأخلاقيات) يكشف عن «توزيع كبير جداً بين الأفضل والمتأخرين». وتتركز الدول المتقدمة وبعض الأسواق الناشئة (مثل الصين ومعظم دول الخليج) في الثلث الأعلى، بينما تقع الدول منخفضة الدخل في القاع.

لقد قال الجدعان إن العالم يمر بتحول عميق، وإن هناك تحديات وفرصاً. وفي سياق الفرص الهائلة، التي تحدّث عنها الجدعان، ظهر ملف الذكاء الاصطناعي كساحة جديدة للمنافسة، مع تعزيز مراقبة المخاطر النظامية الناجمة عن تطورات هذا الملف. وقدَّم الجدعان رؤية متفائلة تقوم على رأس المال البشري كأصل فريد للدول النامية، فقد أكد أن الفجوة التكنولوجية يمكن تضييقها، مشيراً إلى أن الدول الأفريقية تمتلك «أداة لا يملكها كثير من الدول المتقدمة، وهي رأس المال البشري»، مشترطاً أن يجري التركيز على إعادة معايرة النظام التعليمي للاستثمار في هذه الميزة التنافسية.

دعم متجدد لمؤسسة الصندوق

في ختام الاجتماعات، تُرجم الإجماع على مواجهة التحديات إلى دعم قوي وموحد لمؤسسة الصندوق، إذ جرى تأكيد التزام الأعضاء بـ«صندوق نقد قوي، قائم على الحصص، ومزوّد بموارد كافية»، مع الدعوة إلى إنهاء الموافقات على زيادة الحصص، ضمن «المراجعة العامة السادسة عشرة للحصص» دون تأخير. كما تضمَّن الدعم إقراراً بضرورة العمل على إصلاح حوكمة الصندوق لتعكس، بشكل أفضل، المراكز النسبية للدول في الاقتصاد العالمي، مع حماية حصص الأعضاء الأكثر فقراً. إن هذا التوافق الدولي، الذي يقوم على أولويات «تعزيز الأساسيات وبناء المرونة»، يؤكد أن الحل يكمن في العمل المشترك والشجاعة السياسية لتجاوز مخاطر مرحلة «التحول العميق».


مقالات ذات صلة

مليارات الذكاء الاصطناعي... هل هي فرصة تاريخية أم فخ الفقاعة؟

الاقتصاد روبوتات تعمل في غرفة أخبار أُنشئت باستخدام تطبيق «Midjourney» المدعوم بالذكاء الاصطناعي (إكس)

مليارات الذكاء الاصطناعي... هل هي فرصة تاريخية أم فخ الفقاعة؟

في وقت تتدفق فيه مئات المليارات نحو صناعة الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة، ما زال السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل نحن أمام ثورة رقمية أم فقاعة مالية كبيرة؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار «أوبك» داخل مقرها في فيينا (رويترز)

«أوبك»: نمو الطلب على النفط مستقر للعامين الحالي والمقبل

أبقت منظمة البلدان المصدِّرة للنفط (أوبك) على رؤيتها المستقرة لسوق النفط العالمية، لتظل توقعاتها لنمو الطلب خلال العامين الجاري والمقبل دون تغيير.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
الاقتصاد صائغ ذهب يُدخل حجراً كريماً داخل تاج فضي في ورشة لصناعة المجوهرات في مومباي بالهند (رويترز)

الفضة تلامس قمة تاريخية جديدة عند 63.59 دولار للأونصة

سجل سعر الفضة الفوري ارتفاعاً قياسياً جديداً، حيث وصلت الأسعار في التداولات الأخيرة إلى نحو 63.59 دولار للأونصة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد صورة مأخوذة من فيديو نُشر على حساب المدعية العامة بام بوندي تظهر ناقلة نفط تستولي عليها القوات الأميركية قبالة سواحل فنزويلا (أ.ب)

النفط يواصل مكاسبه بعد احتجاز أميركا ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا

ارتفعت أسعار النفط للجلسة الثانية على التوالي، يوم الخميس، بعد أن احتجزت الولايات المتحدة ناقلة نفط خاضعة للعقوبات قبالة سواحل فنزويلا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد خواتم ذهبية معروضة للبيع في محل ذهب بالسوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

الذهب يرتفع مع انقسام آراء مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن خفض الفائدة

ارتفعت أسعار الذهب، يوم الخميس، بعد أن خفّض مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بواقع 25 نقطة أساس.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«موبايلي» تتعاون مع المنتدى الاقتصادي العالمي لتطوير الرقمنة بالسعودية

جانب من اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين «موبايلي» والمنتدى الاقتصادي العالمي (الشرق الأوسط)
جانب من اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين «موبايلي» والمنتدى الاقتصادي العالمي (الشرق الأوسط)
TT

«موبايلي» تتعاون مع المنتدى الاقتصادي العالمي لتطوير الرقمنة بالسعودية

جانب من اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين «موبايلي» والمنتدى الاقتصادي العالمي (الشرق الأوسط)
جانب من اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين «موبايلي» والمنتدى الاقتصادي العالمي (الشرق الأوسط)

وقَّعت «موبايلي» اتفاقية تعاون استراتيجي مع المنتدى الاقتصادي العالمي، بهدف تطوير البنية التحتية الرقمية والمساهمة في تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات.

وأوضح الرئيس التنفيذي لشركة «موبايلي»، نزار بانبيله، أن الشراكة مع المنتدى الاقتصادي العالمي ستسهم في تطوير البنية التحتية الرقمية، مما يعزز مكانة السعودية مركزاً إقليمياً للتقنية والابتكار.

من جانبه، أكد رئيس تطوير الشراكات الدولية والاستراتيجيات الإقليمية، ألكسندر رافول، أن هذه الشراكة تهدف إلى دعم الابتكار وتعزيز التحول الرقمي في المملكة، لتحقيق مستقبل رقمي أكثر شمولية واستدامة.

وتُعد الاتفاقية خطوة نوعية تعكس التزام «موبايلي» بتعزيز التحول الرقمي في السعودية، وتشمل المشاركة في ورش عمل متخصصة لمناقشة سبل توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين الكفاءة التشغيلية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتطوير الحلول السحابية.


سوريا تتوقع أن يصل إنتاجها من الغاز إلى 15 مليون متر مكعب بنهاية 2026

وزراء الطاقة الأعضاء في منظمة «أوابك» (أوابك)
وزراء الطاقة الأعضاء في منظمة «أوابك» (أوابك)
TT

سوريا تتوقع أن يصل إنتاجها من الغاز إلى 15 مليون متر مكعب بنهاية 2026

وزراء الطاقة الأعضاء في منظمة «أوابك» (أوابك)
وزراء الطاقة الأعضاء في منظمة «أوابك» (أوابك)

قال وزير الطاقة السوري محمد البشير، الأحد، إن سوريا تتوقع ارتفاع إنتاجها من الغاز الطبيعي إلى 15 مليون متر مكعب بحلول نهاية عام 2026، مقارنة بنحو 7 ملايين متر مكعب حالياً.

يأتي ذلك في إطار جهود البلاد التي مزّقتها الحرب لتعزيز إمداداتها المحلية من الطاقة.

وتعاني سوريا نقصاً شديداً في الطاقة والوقود، في أعقاب حرب أهلية استمرت 14 عاماً، وألحقت أضراراً بالغة بالبنية التحتية للطاقة، وقلّصت الإنتاج.

ويُشارك البشير في اجتماع وزاري لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك)، المنعقد في الكويت.

وقال الوزير إن بلاده تنتج نحو 100 ألف برميل يومياً من النفط، وتهدف إلى زيادة الإنتاج إذا تم حل مشكلات شرق نهر الفرات.


خبراء ومختصون من 25 دولة يلتقون في مؤتمر للشبكات الذكية بالسعودية

النسخة السابقة من المؤتمر السعودي للشبكات الذكية (الشرق الأوسط)
النسخة السابقة من المؤتمر السعودي للشبكات الذكية (الشرق الأوسط)
TT

خبراء ومختصون من 25 دولة يلتقون في مؤتمر للشبكات الذكية بالسعودية

النسخة السابقة من المؤتمر السعودي للشبكات الذكية (الشرق الأوسط)
النسخة السابقة من المؤتمر السعودي للشبكات الذكية (الشرق الأوسط)

يبحث مختصون وخبراء ومسؤولون في قطاع الكهرباء التحولات التي يشهدها القطاع، وتجدد مصادر الطاقة، وكفاءة الشبكات، وذلك في النسخة الثالثة عشرة من المؤتمر السعودي للشبكات الذكية 2025، الذي يُعقد في العاصمة السعودية الرياض خلال الفترة من 15 إلى 17 ديسمبر (كانون الأول) الحالي.

ويُعقد المؤتمر برعاية وزارة الطاقة السعودية، التي تؤكد أن رعايتها تأتي ضمن جهودها المستمرة لدعم التطوير وتبادل الخبرات في المجالات ذات العلاقة بالمنظومة، في وقت يشهد فيه قطاع الكهرباء تحولاً جذرياً تماشياً مع مستهدفات «رؤية 2030»، عبر تنويع مصادر إنتاج الطاقة الكهربائية، ورفع موثوقية وكفاءة الشبكة الكهربائية، وتحقيق المزيج الأمثل لإنتاج الكهرباء.

ويُعد المؤتمر منصة دولية لتبادل المعرفة والخبرات، وبناء شراكات استراتيجية في مجالات الشبكات الذكية والاقتصاد الرقمي، كما يناقش التحديات والفرص والرؤى المستقبلية في قطاعي الكهرباء والطاقة المتجددة.

ويتطرق المؤتمر أيضاً إلى تكامل مصادر الطاقة المتجددة، وآليات الدمج الآمن للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وحلول تخزين الطاقة، وأنظمة التحكم الذكي بالأحمال، إضافةً إلى دور الأمن السيبراني في حماية البنية التحتية للطاقة وتعزيز موثوقية الشبكة الكهربائية.