لبنان يحمل إلى الخارج «التقدم المحقّق» بملفات اقتصادية شائكة

تيسير الاتفاق مع صندوق النقد الدولي والتزامات مكافحة الجرائم المالية

مقر مصرف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
مقر مصرف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

لبنان يحمل إلى الخارج «التقدم المحقّق» بملفات اقتصادية شائكة

مقر مصرف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
مقر مصرف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)

يخوض لبنان خلال الشهرين الحالي والمقبل مفاوضات محدثة مع إدارة صندوق النقد الدولي ومجموعتي العمل المالي الدولية والإقليمية، ضمن جهوده المستمرة لبلورة اتفاق أولي جديد مع الصندوق، وإثبات التزامه المتدرّج بالموجبات الشاملة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، توخياً لعدم الانزلاق من القائمة «الرمادية» إلى اللائحة السوداء وفق تصنيف مجموعتي «فاتف».

ومع الإقرار المسبق بواقعية عدم ترقّب تحقيق نتائج فورية ومثمرة على المسارين معاً في المرحلة الحاضرة، وفق مسؤول مالي رفيع المستوى تواصلت معه «الشرق الأوسط»، فإن التقدّم المحقّق الذي يمكن تصنيفه بأنه «غير كاف»، عبر حزمات الإصلاحات الإجرائية والقانونية، والمؤيد من قبل المؤسسات الدولية ذات الصلة، يمنح الفرق اللبنانية الرسمية قوة دفع للخروج من حال المراوحة السلبية إلى تحديد مشترك للثغرات المتبقية وسبل معالجتها لبلوغ محطة «الاستجابة» المنشودة.

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال مؤتمر صحافي في بعبدا (د.ب.أ)

ويتطلع الفريق الرسمي المشارك في الاجتماعات الخريفية لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن منتصف الشهر الحالي، الذي يضم وزيري المال ياسين جابر والاقتصاد عامر البساط وحاكم البنك المركزي كريم سعيد، إلى تحقيق اختراق إضافي، بهدف تكوين قناعة إيجابية لدى إدارة المؤسسة المالية الدولية بضرورة مراعاة الخصوصيات والتعقيدات المحلية في قياس موجبات وسرعة الالتزام المكتمل بشروط إبرام الاتفاق الثنائي.

وزير الاقتصاد عامر البساط مستقبلاً وفد صندوق النقد الدولي (إكس)

ويستند الفريق الاقتصادي إلى الإجماع الرئاسي والحكومي على الاستجابة بالحد الأقصى المتاح للمتطلبات والملاحظات الواردة، الذي لمسته بعثة الصندوق بنهاية جولة المفاوضات الأخيرة مع بعثة الصندوق في بيروت بنهاية الشهر الماضي، للاستحصال على تقييم إيجابي صريح للخطوات المحقّقة، والإمهال في الاستجابة لطلبات إدخال تعديلات جديدة على قوانين ناجزة، منها قانون إعادة تنظيم المصارف. إضافة إلى تفهّم التعقيدات التي تؤخر إنجاز مشروع قانون استرداد الودائع (الفجوة المالية)، الذي يشكّل النواة الصلبة والمحطة التشريعية الأخيرة ضمن الحزمة المطلوبة.

ويؤكد وزير المال على أهمية تحقيق تقدم في مجمل النقاط العالقة، و«لكن لم نصل بعد إلى مرحلة أن يكون هناك اتفاق نهائي على برنامج، وما زلنا بحاجة إلى بعض الوقت للوصول إلى ذلك. فقانون الفجوة المالية لم ينته العمل به بعد، ولديهم بعض الملاحظات على قانون إعادة تنظيم قطاع المصارف، وهذه الملاحظات من الممكن أن نعمل على تعديلها فلا مشكلة بذلك، وقد أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري لبعثة الصندوق أنه يمكن تعديل بعض الملاحظات والأخذ بها».

ديْن على الدولة

كما تبرز قضية قيد دين على الدولة بقيمة 16.5 مليار دولار لصالح البنك المركزي، ضمن البنود الشائكة التي تصطدم باعتراضات مزدوجة من قبل بعثة الصندوق ووزارة المال، بذريعة افتقار القيود الحسابية إلى مستند الاستدانة العامة المشروطة بقانون صادر عن مجلس النواب من جهة، وتأثير التزامها من قبل الحكومة على بلوغ هدف استدامة الدين العام، بصفته الشرط اللازم لضخ التمويل من قبل الصندوق حال إبرام اتفاق ناجز مع لبنان.

وثمة مخاوف غير خفيّة في أوساط القطاع المالي، من إقدام الحكومة على طلب شطب المبلغ كلياً أو جزئياً، ما سيفضي تلقائياً إلى تضخيم الفجوة بين الأصول والخصوم في ميزانية المركزي. في حين ينص قانون النقد والتسليف، ولا سيما المادة «113» منه، بما يخص الميزانية بأنه «إذا كانت نتيجة سنة من السنين عجزاً، فتُغطى الخسارة من الاحتياط العام، وعند عدم وجود هذا الاحتياط أو عدم كفايته تُغطى الخسارة بدفعة موازية من الخزينة».

جلسة لمجلس الوزراء اللبناني يترأسها الرئيس جوزيف عون (أ.ب)

ولا يقل ملف الاستجابة المتزامنة لكامل موجبات مكافحة غسل الأموال، أهمية عن متطلبات ملف الاتفاق مع صندوق النقد، حيث يتوجب على الفريق الرسمي، والممثل بحاكمية البنك المركزي وهيئة التحقيق الخاصة، رفع تقرير شامل إلى مجموعتي العمل المالي الدولية والإقليمية في اجتماعاتهم الخريفية المقبلة في باريس (فرنسا) والمنامة (البحرين) بنهاية الشهر الحالي وأوائل الشهر المقبل، يظهر التقدم المحقق في التزام الإجراءات القانونية والتنفيذية الآيلة إلى معالجة أوجه القصور المحددة في مكافحة الجرائم المالية.

ويندرج ضمن المهمة المنشودة، التدبير الصارم الذي اتخذه حاكم البنك المركزي منتصف شهر يوليو (تموز) الماضي، الذي يحظر على المصارف والمؤسسات المالية مع مؤسسات مالية غير مرخصة لديه، وفي مقدمها مؤسسة «القرض الحسن»، وشروع السلطة القضائية بفتح ملفات مالية مشبوهة وفساد وهدر مزمنة، وإرفاقها بتوقيفات وملاحقات. فضلاً عن تنامي جهود الأجهزة الأمنية بما يخص مكافحة الجرائم المالية، وتزخيم أنشطة هيئة التحقيق الخاصة وتعاونها مع القضاء.

وأصدر وزير العدل عادل نصار تعميماً موجهاً إلى كتّاب العدل، يتضمن منع كل من صدرت في حقه عقوبات دولية من أن يتعامل بأي عملية بيع أو شراء أو استئجار، مع ضرورة أن تتضمن كل معاملة يوقعها كاتب العدل تعهداً بأن هذا الطرف أو ذاك غير معني بأي عقوبة، ليؤكد لاحقاً أن «التعميم لا يقتصر نطاقه على الأسماء الواردة في لوائح العقوبات الأميركية، بل يشمل كل العقوبات الدولية التي تتضمنها اللوائح التي يصدرها مصرف لبنان».

وقد التزمت السلطات، ولا سيما بعد إدراج لبنان في القائمة «الرمادية» للبلدان التي تعاني قصوراً في مكافحة تبييض الأموال، بتنفيذ خطة العمل الخاصة به من خلال مجموعة من الإجراءات التي تشمل إجراء تقييمات للمخاطر المحددة المتعلقة بتمويل الإرهاب وغسل الأموال وفق المحددات الدولية، وضمان وجود سياسات وإجراءات لمعالجة هذه المخاطر.

كما التزمت بتعزيز الآليات لضمان تنفيذ فعال وسريع لطلبات المساعدة القانونية المتبادلة وتسليم المطلوبين واسترداد الأصول، ورفع مستوى فهم المخاطر لدى الجهات غير المالية المحددة وتطبيق عقوبات فعّالة ومتناسبة ورادعة عند خرق الالتزامات، وضمان أن تكون معلومات المستفيدين الحقيقيين محدثة، وتطبيق عقوبات وإجراءات مناسبة للحد من المخاطر على الأشخاص الاعتباريين. أيضاً، يتوجب على الجانب اللبناني أن يعمل على زيادة عدد التحقيقات والملاحقات القضائية والأحكام المتعلقة بجرائم غسل الأموال، بما يتناسب مع مستوى المخاطر المحددة، وتحسين نهج استرداد الأصول، والكشف عن ضبط التحركات غير المشروعة عبر الحدود للأموال والمعادن والأحجار الثمينة، ومواصلة التحقيقات في قضايا تمويل الإرهاب وتبادل المعلومات مع الشركاء الدوليين. فضلاً عن تعزيز تطبيق العقوبات المالية المستهدفة، خصوصاً لدى الجهات غير المالية المحددة وبعض المؤسسات المالية غير المصرفية، وتنفيذ مراقبة موجهة وقائمة على المخاطر للمنظمات غير الهادفة للربح ذات المخاطر العالية، مع عدم تعطيل الأنشطة المشروعة لهذه المنظمات.


مقالات ذات صلة

قصف وغارات وتفجيرات إسرائيلية تستهدف بلدات في جنوب لبنان

المشرق العربي دخان يتصاعد من الحقول المحيطة بقرية عيترون في جنوب لبنان... 14 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

قصف وغارات وتفجيرات إسرائيلية تستهدف بلدات في جنوب لبنان

واصل الجيش الإسرائيلي، اليوم الجمعة، تنفيذ غارات جوية وقصف مدفعي وعمليات تفجير في مناطق متفرقة من جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)

وزارة الخزانة الأميركية تفرض عقوبات على شبكة تنقل أموالاً إلى «حزب الله»

أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، التابع لوزارة الخزانة الأميركية، فرض عقوبات على 10 أفراد يشكلون جزءاً من شبكة مسؤولة عن تحويل الأموال إلى «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث إلى البابا ليو الرابع عشر خلال زيارته للفاتيكان (إ.ب.أ)

عون يطلب دعم الفاتيكان لتحقيق انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان

أعرب الفاتيكان، الخميس، عن قلقه حيال «صعوبات» تواجه تطبيق اتفاق الإطار بين إسرائيل ولبنان

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي نقطة تفتيش للجيش اللبناني على مدخل بلدة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية في جنوب لبنان (الشرق الأوسط)

إسرائيل تحاول قضم «علي الطاهر» تدريجياً بعد رفض «حزب الله» إخلاءها

تحاول إسرائيل تنفيذ قضم تدريجي لمرتفعات «علي الطاهر» بموازاة ضغوط دبلوماسية على الدولة اللبنانية و«حزب الله» الذي يرفض بالمطلق أي نقاش حول إخلاء المنشأة.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي نتنياهو وزوجته سارة يدليان بصوتيهما في انتخابات «الليكود» يوم 18 أغسطس (أ.ف.ب)

إعلام إسرائيلي: ضرب مطار أبو الظهور «حملة انتخابية لنتنياهو في إدلب»

نفذت إسرائيل خلال أسبوعين 27 غارة و36 عملية برية في سوريا، وما زالت تصعّد في غزة والضفة الغربية...

نظير مجلي (تل ابيب )

اقتصاد اليورو يتسارع رغم ضغوط الطاقة

الضاحية المالية في مدينة فرانكفورت الألمانية (إ.ب.أ)
الضاحية المالية في مدينة فرانكفورت الألمانية (إ.ب.أ)
TT

اقتصاد اليورو يتسارع رغم ضغوط الطاقة

الضاحية المالية في مدينة فرانكفورت الألمانية (إ.ب.أ)
الضاحية المالية في مدينة فرانكفورت الألمانية (إ.ب.أ)

سجل النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو خلال أغسطس (آب) أقوى وتيرة نمو منذ نوفمبر (تشرين الثاني)، مدفوعاً بتحسُّن واضح في الطلبات الجديدة وانتعاش قطاع التصنيع وعودة نمو الصادرات للمرة الأولى منذ أكثر من أربع سنوات. وتقدم البيانات دليلاً جديداً على قدرة اقتصاد المنطقة على الصمود أمام اضطرابات الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، لكنها في الوقت نفسه تعزز احتمالات استمرار البنك المركزي الأوروبي في تشديد السياسة النقدية.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز غلوبال» المركب لمديري المشتريات في منطقة اليورو إلى 52.1 نقطة في أغسطس، مقابل 52 نقطة في يوليو (تموز)، متجاوزاً توقعات اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم عند 51.7 نقطة. وتشير أي قراءة أعلى من 50 نقطة إلى نمو النشاط. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة بعدما نما اقتصاد منطقة اليورو 0.4 في المائة في الربع الثاني، إذ تشير إلى استمرار الزخم خلال الربع الثالث رغم الحرب في الشرق الأوسط والاضطرابات التي أصابت سلاسل الإمداد ودفعت أسعار الطاقة إلى الارتفاع. وكان التحول الأبرز في قطاع التصنيع، فقد قفز مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى 52.8 نقطة من 51.9 نقطة، مسجلاً أعلى مستوى في أكثر من أربع سنوات، ومتجاوزاً توقعات السوق البالغة 51.8 نقطة.

كما نما الإنتاج الصناعي بأسرع وتيرة في 54 شهراً. وقال كريس ويليامسون، كبير اقتصاديي الأعمال لدى «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، إن التصنيع أصبح مجدداً «النجم الأفضل أداء»، بينما لعب قطاع الخدمات دوراً داعماً بعد الضعف الذي شهده خلال الربع الثاني. ولا يعكس انتعاش المصانع عاملاً واحداً فقط، فقد دفعت اضطرابات سلاسل التوريد المرتبطة بالشرق الأوسط الشركات إلى بناء مخزونات احترازية؛ ما عزز الإنتاج والطلبات.

وفي الوقت نفسه، ظهرت مؤشرات على زيادة الطلب على المنتجات التكنولوجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والمعدات المستفيدة من ارتفاع الإنفاق الدفاعي، وهو اتجاه يقدم دعماً ملحوظاً للصناعة الألمانية.

والأكثر أهمية أن الطلب الأساسي نفسه أظهر تحسناً؛ فقد ارتفعت الطلبات الجديدة بأسرع وتيرة في 40 شهراً، فيما نمت طلبات التصدير، التي تشمل التجارة بين دول منطقة اليورو، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022. وتشكل عودة الصادرات للنمو إشارة مهمة لاقتصاد أوروبي عانى طويلاً من ضعف التجارة العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة وفقدان بعض قدرته التنافسية الصناعية.

أما قطاع الخدمات، فحافظ على زخمه بعد انتعاش يوليو، إذ استقر مؤشره عند 51.7 نقطة، مخالفاً توقعات كانت تشير إلى تباطؤ النشاط.

• تحسن سوق العمل

كما انتقل التحسن إلى سوق العمل، فقد زاد التوظيف الإجمالي للمرة الأولى هذا العام، واستأنفت شركات التصنيع التوظيف بعد أكثر من ثلاث سنوات من تقليص العمالة، بينما سجل قطاع الخدمات أسرع نمو للوظائف في ثمانية أشهر.

هذه المؤشرات الإيجابية تحمل، مع ذلك، جانباً أكثر تعقيداً بالنسبة إلى السياسة النقدية. فالاقتصاد الأقوى يقلل الحاجة إلى دعم نقدي، فيما يظل التضخم عند مستويات مرتفعة تاريخياً رغم ظهور إشارات على انحسار ضغوط الأسعار. وأظهر المسح تباطؤ نمو تكاليف المدخلات إلى أدنى مستوى في ستة أشهر، بينما تراجع تضخم أسعار البيع إلى أدنى مستوى في خمسة أشهر. لكن قوة النمو وعودة الشركات إلى التوظيف قد تمنح البنك المركزي الأوروبي مساحة للاستمرار في تشديد السياسة.

وترى الأسواق بالفعل احتمالاً يتجاوز 90 في المائة لرفع أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول)، كما تسعر رفعاً واحداً على الأقل قبل نهاية العام. وكان استطلاع سابق لـ«رويترز» قد أظهر توقعات بأن ينفذ البنك المركزي الأوروبي ثاني زيادة للفائدة هذا العام خلال الشهر المقبل. وانعكست هذه المعادلة على سوق السندات؛ فقد انخفض عائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات بشكل طفيف إلى 3.2445 في المائة يوم الجمعة، بعدما سجل في وقت سابق من الأسبوع أعلى مستوى في 15 عاماً.

ومع ذلك، يتجه العائد للارتفاع بنحو 5 نقاط أساس خلال الأسبوع، مسجلاً ثاني زيادة أسبوعية متتالية. وبلغ عائد السندات الألمانية لأجل 30 عاماً نحو 3.7572 في المائة، بينما تراجع عائد السندات لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، إلى 2.8233 في المائة.

وتبقى منطقة اليورو معرضة أيضاً لموجة ارتفاع العوائد العالمية، وإن كانت المخاوف المالية أقل حدة من الولايات المتحدة؛ فقد عادت عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى الارتفاع سريعاً بعد أن وفر تدخل وزارة الخزانة دعماً قصير الأجل فقط للأسواق؛ ما أعاد المخاوف المتعلقة بالدين والتضخم إلى الواجهة.

• مخاطر إضافية

ويشكل النفط خطراً إضافياً على السيناريو الأوروبي؛ فقد دفعت حالة الجمود بين الولايات المتحدة وإيران أسعار الخام إلى الارتفاع مجدداً، وتداول خام برنت قرب 93.32 دولار للبر، متجهاً إلى ثاني مكسب أسبوعي متتالٍ. وقد يؤدي استمرار النفط عند مستويات مرتفعة إلى إعادة تغذية التضخم الأوروبي من بوابة الطاقة والنقل والإنتاج، وهو ما قد يعقد مهمة البنك المركزي الأوروبي أكثر.

وتبدو منطقة اليورو لذلك أمام مفارقة اقتصادية لافتة؛ فقوة المصانع وتحسن الطلب والصادرات يمنحان الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الصدمات، لكن هذه المرونة نفسها، بالتزامن مع ارتفاع النفط، قد تدفع أسعار الفائدة إلى البقاء مرتفعة لفترة أطول. ورغم الأرقام الإيجابية، تراجعت ثقة الشركات بشأن الاثني عشر شهراً المقبلة، وظلَّت دون متوسطها التاريخي. ولذلك سيبقى الاختبار الحقيقي في الأشهر المقبلة هو ما إذا كان الانتعاش الصناعي قادراً على الاستمرار بعد زوال أثر بناء المخزونات، وما إذا كانت عودة الصادرات ستتحول إلى اتجاه مستدام. وفي حال تحقق ذلك، فقد يدخل اقتصاد منطقة اليورو مرحلة نمو أقوى، ولكن بثمن يتمثل في سياسة نقدية أكثر تشدداً وتكاليف اقتراض أعلى لفترة أطول.


الرقائق تقود أسهم كوريا للصعود

متداولون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (أ.ب)
متداولون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (أ.ب)
TT

الرقائق تقود أسهم كوريا للصعود

متداولون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (أ.ب)
متداولون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (أ.ب)

أنهت الأسهم الكورية الجنوبية تعاملات الجمعة على ارتفاع بدعم من شركات أشباه الموصلات، مستفيدة من تحسن نظيراتها الأميركية وقوة بيانات الصادرات. لكن هذه المكاسب لم تكن كافية لمنع السوق من تسجيل خسارة أسبوعية، في وقت تزداد فيه تقلبات الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بينما واصل المستثمرون الأجانب البيع وارتفعت عوائد السندات المحلية. وأغلق مؤشر «كوسبي» مرتفعاً 60.37 نقطة، أو 0.88 في المائة، عند 6912.95 نقطة، لكنه أنهى الأسبوع منخفضاً بنحو 0.9 في المائة. يأتي ذلك بعد قفزة أسبوعية بلغت 11.5 في المائة في الأسبوع السابق، كانت الأكبر منذ أوائل مايو (أيار)، وأنهت سبعة أسابيع متتالية من الخسائر. ويعكس التراجع الأسبوعي درجة الحساسية التي باتت تميز سوق سيول تجاه التحركات العالمية في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وظل مؤشر التقلبات عند مستوى مرتفع بلغ 58 نقطة يوم الجمعة، مقارنة بأدنى مستوى في شهرين عند 55 نقطة سجله الأسبوع الماضي.

وكانت شركات الرقائق المحرك الرئيسي لمكاسب الجلسة، إذ ارتفع سهم «سامسونغ إلكترونيكس» 3.87 في المائة، بينما صعد سهم «إس كيه هاينكس» 2.31 في المائة، بعد ارتفاع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات في الولايات المتحدة 0.5 في المائة. ويكتسب أداء الشركتين أهمية كبيرة للسوق الكورية بالنظر إلى وزنهما في المؤشر ودورهما المحوري في سلسلة توريد أشباه الموصلات العالمية.

كما أصبحت «إس كيه هاينكس» تحديداً من أبرز المستفيدين من الطلب على رقائق الذاكرة المتقدمة المستخدمة في أنظمة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. وحصل قطاع التكنولوجيا على دعم إضافي من بيانات التجارة. فقد أظهرت الأرقام ارتفاع صادرات كوريا الجنوبية بنسبة 56 في المائة خلال أول 20 يوماً من أغسطس (آب)؛ ما يقدم إشارة إيجابية بشأن الطلب الخارجي ويعزز أهمية دورة أشباه الموصلات بالنسبة إلى الاقتصاد الكوري المعتمد بدرجة كبيرة على الصادرات.

كما يترقب المستثمرون تحركات «سامسونغ إلكترونيكس»، التي تعتزم عقد اجتماع لمجلس إدارتها لمناقشة حزمة جديدة لعوائد المساهمين. وقد تصبح أي زيادة في توزيعات الأرباح أو عمليات إعادة شراء الأسهم عاملاً إضافياً لدعم السهم وجاذبية السوق أمام المستثمرين.

لكن الصورة الأوسع كانت أقل قوة مما يوحي به صعود المؤشر؛ فمن أصل 904 أسهم متداولة، ارتفع 193 سهماً فقط، مقابل تراجع 683 سهماً؛ ما يكشف أن المكاسب تركزت بدرجة كبيرة في عدد محدود من الشركات الكبرى.

وتراجعت «إل جي إنرجي سوليوشن» لصناعة البطاريات 4.05 في المائة، بينما انخفض سهم «هيونداي موتور» 0.60 في المائة، و«كيا» 0.15 في المائة. كما خسر سهم «بوسكو هولدينغز» 3.58 في المائة، وتراجعت «سامسونغ بيولوجيكس» 1.46 في المائة. واستمر المستثمرون الأجانب في اتخاذ موقف حذر؛ إذ سجلوا صافي مبيعات للأسهم بقيمة 175.9 مليار وون، ما يعادل نحو 126.9 مليون دولار.

ويشير ذلك إلى أن صعود الجلسة لم يكن مصحوباً بعودة قوية لرؤوس الأموال الخارجية. وفي سوق العملات، قدم ضعف الدولار دعماً للوون، الذي ارتفع 0.69 في المائة إلى 1386.5 وون للدولار، مقارنة مع إغلاق سابق عند 1396 وون. ويشكل ارتفاع العملة المحلية عاملاً إيجابياً من ناحية تقليص تكلفة الواردات، لكنه قد يحد جزئياً من المكاسب التي تحققها الشركات المصدرة عند تحويل إيراداتها الخارجية إلى العملة المحلية.

في المقابل، ارتفعت تكاليف الاقتراض. وصعد عائد سندات الخزانة الكورية لأجل ثلاث سنوات 3.3 نقطة أساس إلى 3.855 في المائة، بينما ارتفع عائد السندات لأجل عشر سنوات 3.8 نقطة أساس إلى 4.372 في المائة. وتأتي هذه التحركات في وقت تؤكد فيه السلطات الكورية مراقبتها للمخاطر في أسواق المال والعملات والسندات والعقارات. وقال وزير المالية إن السلطات ستقيّم عوامل الخطر بصورة استباقية وستتحرك سريعاً عند الحاجة، بينما أكد نائب محافظ بنك كوريا الجديد أن قرارات السياسة النقدية ستُتخذ «بحذر شديد» وبمرونة، مع مراعاة عوامل من بينها الآثار الجانبية لرفع أسعار الفائدة.


عجز مفاجئ يضيّق خيارات بريطانيا المالية

العاصمة البريطانية لندن حيث تظهر في الأفق ناطحات السحاب بالضاحية المالية (رويترز)
العاصمة البريطانية لندن حيث تظهر في الأفق ناطحات السحاب بالضاحية المالية (رويترز)
TT

عجز مفاجئ يضيّق خيارات بريطانيا المالية

العاصمة البريطانية لندن حيث تظهر في الأفق ناطحات السحاب بالضاحية المالية (رويترز)
العاصمة البريطانية لندن حيث تظهر في الأفق ناطحات السحاب بالضاحية المالية (رويترز)

سجَّلت المالية العامة البريطانية عجزاً مفاجئاً، في يوليو (تموز)، في تطور يعيد تسليط الضوء على ضيق المساحة المالية المتاحة أمام وزير المالية الجديد جون هيلي قبل ميزانية أكتوبر (تشرين الأول)، رغم التحسن الذي أظهرته بعض المؤشرات الاقتصادية في الآونة الأخيرة. وأظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية أن صافي اقتراض القطاع العام بلغ 1.8 مليار جنيه إسترليني، ما يعادل نحو 2.5 مليار دولار، خلال يوليو.

جاءت النتيجة أسوأ من توقعات اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم رجحوا ميزانية متوازنة، كما خالفت تقديرات مكتب مسؤولية الميزانية التي كانت تشير إلى فائض قدره 500 مليون جنيه.

وكان تحقيق هذا الفائض سيجعل يوليو أول شهر مماثل يسجل فائضاً منذ ما قبل جائحة «كوفيد - 19»، لكن ارتفاع الإنفاق الحكومي المرتبط بالتضخُّم بدد أثر إيرادات قياسية من ضريبة الدخل ذاتية التقييم. وتكشف تفاصيل البيانات أن المشكلة الأساسية لا تكمن في ضعف الإيرادات بقدر ما ترتبط باستمرار ارتفاع فاتورة الإنفاق؛ فقد زاد إنفاق الحكومة المركزية على المزايا الاجتماعية بمقدار ملياري جنيه مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما ارتفع الإنفاق على السلع والخدمات، بما يشمل تكاليف الموظفين، بنحو 1.2 مليار جنيه.

وتوفر مراجعة بيانات يونيو (حزيران) بعض الارتياح، بعدما خُفض تقدير العجز إلى 12.8 مليار جنيه من 16 ملياراً في القراءة السابقة. إلا أن الصورة منذ بداية السنة المالية لا تزال تشير إلى ضغوط واضحة؛ فخلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة المالية 2026 - 2027، بلغ الاقتراض الحكومي 56.7 مليار جنيه، متجاوزاً توقعات مكتب مسؤولية الميزانية البالغة 54.4 مليار جنيه بنحو 2.3 مليار.

ويرى اقتصاديون أن هذا التجاوز قد لا يكون مؤقتاً. وقال توماس بوغ، كبير الاقتصاديين لدى شركة الضرائب والاستشارات «آر إس إم»، إنه يتوقع أن يتجاوز الاقتراض توقعات مكتب مسؤولية الميزانية خلال بقية العام مع استمرار ارتفاع الإنفاق.

وأشار إلى ثلاثة عوامل رئيسية تضغط على المالية العامة البريطانية، هي ارتفاع عوائد السندات الحكومية، واستمرار التضخم، ورغبة الحكومة في زيادة الإنفاق. ووفق تقديراته، قد يبقى الاقتراض أعلى من 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، بدلاً من انخفاضه إلى 3.6 في المائة وفق التوقعات الرسمية.

وهنا تكمن إحدى أبرز المعضلات أمام الحكومة؛ فارتفاع التضخم لا يؤدي فقط إلى زيادة تكاليف البرامج والمزايا المرتبطة بالأسعار، وإنما يرفع أيضاً تكلفة خدمة جزء من الدين العام، في وقت تؤدي فيه عوائد السندات المرتفعة إلى زيادة تكلفة الاقتراض الجديد وإعادة تمويل الديون المستحقة. وارتفعت فاتورة فوائد الدين في يوليو بنحو 700 مليون جنيه مقارنة بالعام السابق. كما توقع مسؤول في مكتب الإحصاءات الوطنية ارتفاعاً حاداً في هذه التكلفة، عندما تصدر بيانات سبتمبر (أيلول)، نتيجة اتجاهات التضخم وتوقيت مدفوعات الفائدة على السندات. وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة قبل ميزانية أكتوبر؛ إذ إنها تقلص قدرة هيلي على الجمع بين زيادة الإنفاق والالتزام بالقواعد المالية، من دون اللجوء إلى إجراءات لتعزيز الإيرادات أو خفض بعض النفقات.

وتنص القواعد الحالية على ضرورة تحقيق التوازن في الميزانية الجارية، التي تقارن الإيرادات الضريبية بالإنفاق اليومي، بحلول السنة المالية 2029 - 2030. وفي هذا الجانب تحديداً، تبدو الصورة أفضل نسبياً؛ فقد بلغ عجز الميزانية الجارية 34.7 مليار جنيه خلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى يوليو، مقابل 36.7 مليار جنيه كان يتوقعها مكتب مسؤولية الميزانية. ويعني ذلك أن الحكومة لا تزال تحقق أداء أفضل من التوقعات في مقياس رئيسي تستخدمه قواعدها المالية، رغم تجاوز الاقتراض الإجمالي للتقديرات.

وأكد هيلي أن «الانضباط المالي هو حجر الأساس للاستقرار الاقتصادي والأمن القومي في المملكة المتحدة»، مشدداً على التزام الحكومة بقواعدها المالية والحفاظ على هامش لمواجهة حالة عدم اليقين العالمية. لكن الحفاظ على ذلك الهامش قد يصبح أكثر صعوبة، إذا ظلت عوائد السندات والتضخم مرتفعة؛ فكل زيادة مستدامة في تكلفة الاقتراض تستنزف موارد كان يمكن توجيهها إلى الخدمات العامة أو الاستثمار، بينما يؤدي ارتفاع الإنفاق الاجتماعي إلى جعل ضبط المصروفات أكثر تعقيداً سياسياً واقتصادياً.

وبالنسبة إلى الأسواق، ستكون ميزانية أكتوبر اختباراً لقدرة الحكومة على تقديم مزيج مقنع بين دعم الاقتصاد والحفاظ على مصداقيتها المالية. وإذا استمر الاقتراض في تجاوز التوقعات، فقد تجد الحكومة نفسها أمام خيارات أكثر صعوبة تشمل زيادة الإيرادات أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق.

وهكذا، فإن عجز يوليو البالغ 1.8 مليار جنيه قد يبدو محدوداً بمفرده، لكنه يحمل رسالة أكبر، وهي أن بريطانيا تدخل موسم إعداد الميزانية، في وقت أصبحت فيه تكلفة التضخم والفائدة والإنفاق العام عوامل تضيق هامش المناورة، وتجعل الحفاظ على ثقة سوق السندات جزءاً أساسياً من أي قرار مالي مقبل.