لماذا ارتفع التمويل السكني في السعودية بنسبة 15 % خلال النصف الأول؟

مواطنون ينظرون إلى نموذج لأحد نماذج المخططات السكنية في معرض سيتي سكيب العالمي بالرياض (واس)
مواطنون ينظرون إلى نموذج لأحد نماذج المخططات السكنية في معرض سيتي سكيب العالمي بالرياض (واس)
TT

لماذا ارتفع التمويل السكني في السعودية بنسبة 15 % خلال النصف الأول؟

مواطنون ينظرون إلى نموذج لأحد نماذج المخططات السكنية في معرض سيتي سكيب العالمي بالرياض (واس)
مواطنون ينظرون إلى نموذج لأحد نماذج المخططات السكنية في معرض سيتي سكيب العالمي بالرياض (واس)

أرجع خبراء ومختصون عقاريون ارتفاع حجم التمويل السكني للأفراد في السعودية بنسبة 15 في المائة خلال النصف الأول من 2025، إلى عوامل متعددة، أبرزها نجاح برامج الدعم الحكومي الموجهة لرفع تملك المواطنين للإسكان، والمحفزات المستمرة من قبل جهات التمويل، واستقرار أسعار الفائدة على القروض العقارية، وارتفاع أسعار الإيجارات في المدن الكبرى، مما أسهم في زيادة الإقبال على العروض التمويلية، وارتفاع الرغبة في تملك السكن. ولفتوا إلى أن السوق العقارية السعودية تمتلك فرصاً استثمارية، وجاذبية كبرى لرؤوس الأموال، وهي مرشحة للاستمرار في النمو خصوصاً مع دخول النظام المحدث لتملك غير السعوديين للعقار مرحلة التنفيذ خلال النصف الثاني من العام الحالي 2025.

وبحسب بيانات البنك المركزي السعودي (ساما)، ارتفعت أحجام التمويل السكني المقدمة للأفراد من المصارف وشركات التمويل، خلال النصف الأول من 2025، بنسبة 15 في المائة، لتصل إلى 12.8 مليار دولار (48 مليار ريال)، وبزيادة قدرها 900 مليون دولار (3.2 مليار ريال)، مقارنةً بـ11.1 مليار دولار (41.74 مليار ريال) خلال الفترة المماثلة من العام الماضي 2024.

تضافر جهود حكومية ومصرفية

أكد المستشار والخبير العقاري مطر الشمري في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن هذا النمو يعود بشكل أساسي إلى المحفزات الحكومية التي تقدمها وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقارية، وبرنامج «سكني»، وكذلك استقرار أسعار الفائدة والعروض التمويلية التي تقدمها جهات التمويل، وتنوع المنتجات السكنية المتوفرة في السوق، التي أسهمت في هذا النمو والإقبال الكبير على تملك السكن من قبل المواطنين، خصوصاً في مشاريع البناء على الخريطة.

ولفت إلى أن التنافس بين البنوك وشركات التمويل في تقديم عروض بأسعار فائدة تنافسية وإعفاءات من الرسوم الإدارية، شجع الأفراد على الإقبال على المشاريع السكنية، خصوصاً في المناطق ذات الطلب العالي، مثل الرياض والمنطقة الشرقية والغربية، بسبب الهجرة إليها وفرص العمل والرغبة في مواصلة التعليم فيها. بالإضافة إلى ازدياد الفرص الاستثمارية في هذه المناطق والنمو الاقتصادي السريع فيها. وشدّد على أن السوق العقارية السعودية تعد بيئة جاذبة لرؤوس الأموال، ومليئة بالفرص الاستثمارية للمستثمرين، خصوصاً مع دخول مطورين عقاريين دوليين إلى السوق المحلية.

مواطنون ينظرون إلى نموذج لأحد نماذج المخططات السكنية في معرض سيتي سكيب العالمي بالرياض (واس)

من جهته، أرجع الخبير والمقيّم العقاري المهندس أحمد الفقيه، في تصريح له لـ«الشرق الأوسط»، ارتفاع حجم التمويل السكني للأفراد إلى سببين جوهريين، وهما:

أولاً: انخفاض أسعار الفائدة على التمويل العقاري، وتراكم الطلبات السباقة لتملك العقار للأفراد مع الطلبات الجديدة في السوق، مما نتج عنه ارتفاع منطقي في الإقبال على التمويل العقاري.

ثانياً: ارتفاع أسعار الإيجارات بشكل كبير في المدن الكبيرة، مما جعل قرار تملك السكن هو الأفضل والأنسب لسكان هذه المدن، والأكثر توفيراً مادياً من البقاء في عقار مستأجر.

وأضاف الفقيه قائلاً إن تركيز برامج الدعم الحكومي ووزارة الإسكان من خلال الشركة الوطنية للإسكان، على منتجات البيع على الخريطة، ومنح المستفيدين ميزات ونسب فائدة تفضيلية وجاذبة مقارنةً بالشراء الجاهز من السوق، زاد من إقبال المواطنين على المشاريع السكنية المدعومة. وبالتبعية لذلك، نمت الصفقات العقارية ومعها الاستفادة من التمويل العقاري من المصارف وشركات التمويل.

نموذج لمشروع ضاحية خزام السكنية بالرياض التابعة للشركة الوطنية للإسكان (الشركة)

قوة السوق العقارية وجاذبيتها

من جانبه، يرى المستشار والخبير العقاري العبودي بن عبد الله، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن ارتفاع حجم التمويل السكني للأفراد، يعكس استمرار قوة الطلب على المساكن والمشاريع السكنية في المدن الكبرى، مدفوعاً ببرامج الدعم الحكومي المتنوعة وعروض التمويل العقاري المقدمة من البنوك، وكذلك رغبة المستهلكين في شراء المساكن والتحول لملكية السكن بدلاً من البقاء في منزل مستأجر، خصوصاً مع ارتفاع بعض الإيجارات السكنية في المدن الكبرى.

وأضاف أن تقرير البنك المركزي يظهر أن غالبية التمويل السكني للأفراد جاءت من قبل البنوك بنسبة تفوق 97 في المائة، كما أن أكثر العقارات تمويلاً هي الفلل بقيمة إجمالية وصلت إلى نحو 29.6 مليار ريال، تليها الشقق بقيمة 14.5 مليار ريال، ثم الأراضي بإجمالي وصل إلى نحو 2.65 مليار ريال.

وتشير هذه الأرقام إلى استمرار جاذبية السوق السكنية واستمرار قدرتها على النمو واستيعاب مشاريع سكنية جديدة، التي يقابلها ثقة عالية ورغبة كبيرة من المشترين والمستثمرين، مما يمنح المطورين حافزاً للاستثمار، بحسب بن عبد الله.

ويرى أن استمرار برامج الدعم الحكومي السكنية، واستقرار أسعار الفائدة، سيسهمان في نمو السوق العقارية وأحجام التمويل السكني، خصوصاً مع قرب تطبيق النظام المحدث لتملك غير السعوديين للعقار، مما سيحفز السوق العقارية بشكل أكبر، خصوصاً خلال فترة النصف الثاني من العام الحالي.


مقالات ذات صلة

هدوء الأسعار السكنية يعيد توازن العقارات في السعودية

خاص مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)

هدوء الأسعار السكنية يعيد توازن العقارات في السعودية

يعكس هدوء الأسعار في القطاع السكني بالسوق العقارية السعودية تحوّلاً لافتاً نحو مرحلة أكثر توازناً واستدامة، بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

تراجع القطاع السكني يُهبط بأسعار العقار في السعودية في الربع الأول

تراجع الرقم القياسي لأسعار العقارات في السعودية بنسبة 1.6 في المائة خلال الربع الأول من هذا العام.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)

«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

أشعل مشروع «ذا سباين» جدلاً حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر، مجدداً التساؤلات بشأن النمو اللافت لاستثمارات قطاع العقارات في مصر، خصوصاً الفارهة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد هشام طلعت مصطفى خلال إطلاقه المشروع الجديد في مجلس الوزراء المصري (الشرق الأوسط)

مصر: إطلاق مدينة جديدة بتكلفة 27 مليار دولار شرق القاهرة

أعلنت «مجموعة طلعت مصطفى» المصرية أنها ستبني مدينة جديدة متعددة الاستخدامات شرق القاهرة بتكلفة 1.4 تريليون جنيه (27 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد زياد الشعار الرئيس التنفيذي لـ«دارغلوبال» وأحمد القاسم رئيس الخدمات المصرفية للأعمال في «الإمارات دبي الوطني» بعد توقيع الاتفاقية (الشرق الأوسط)

«دار غلوبال» تحصل على قرض مشترك بـ250 مليون دولار من «الإمارات دبي الوطني»

أعلنت شركة «دار غلوبال» عن حصولها على تسهيلات قرض مشترك لأجل بقيمة 250 مليون دولار مقدمة من بنك الإمارات دبي الوطني، في خطوة تهدف إلى دعم خططها للنمو.

«الشرق الأوسط» (دبي)

ارتفاع طفيف في طلبات البطالة الأميركية رغم مخاطر الحرب على إيران

تظهر لافتة لتوظيف الموظفين تتضمن رمز استجابة سريعة في نافذة أحد المتاجر في أرلينغتون - فرجينيا (رويترز)
تظهر لافتة لتوظيف الموظفين تتضمن رمز استجابة سريعة في نافذة أحد المتاجر في أرلينغتون - فرجينيا (رويترز)
TT

ارتفاع طفيف في طلبات البطالة الأميركية رغم مخاطر الحرب على إيران

تظهر لافتة لتوظيف الموظفين تتضمن رمز استجابة سريعة في نافذة أحد المتاجر في أرلينغتون - فرجينيا (رويترز)
تظهر لافتة لتوظيف الموظفين تتضمن رمز استجابة سريعة في نافذة أحد المتاجر في أرلينغتون - فرجينيا (رويترز)

سجل عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة ارتفاعاً طفيفاً الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار استقرار سوق العمل خلال أبريل (نيسان)، رغم المخاطر الناجمة عن حالة عدم اليقين الاقتصادي، وارتفاع الأسعار المرتبطين بالحرب على إيران.

وقالت وزارة العمل الأميركية، يوم الخميس، إن الطلبات الأولية لإعانات البطالة الحكومية ارتفعت بمقدار 6 آلاف طلب لتصل إلى 214 ألف طلب، بعد التعديل الموسمي للأسبوع المنتهي في 18 أبريل. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا تسجيل 210 آلاف طلب.

ولا توجد حتى الآن مؤشرات على عمليات تسريح واسعة للعمال نتيجة الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، والتي أدت إلى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط، والسلع الأساسية، بما في ذلك الأسمدة، والبتروكيماويات، والألمنيوم.

وأفادت التقارير بأن طهران أغلقت فعلياً المضيق منذ اندلاع النزاع في 28 فبراير (شباط)، ما أثار مخاوف من تداعيات أوسع على سوق العمل العالمية الهشة. كما أُشير إلى أن الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات، وتشديد سياسات الهجرة قد ساهما سابقاً في تباطؤ سوق العمل.

وكان ترمب قد أعلن يوم الثلاثاء تمديد وقف إطلاق النار مع إيران إلى أجل غير مسمى، رغم استمرار القيود البحرية الأميركية على الموانئ الإيرانية.

وتغطي بيانات طلبات إعانة البطالة الفترة التي أُجري خلالها المسح الحكومي للشركات ضمن تقرير الوظائف لشهر أبريل. وقد ارتفعت الوظائف غير الزراعية بمقدار 178 ألف وظيفة في مارس (آذار)، بعد تراجعها بمقدار 133 ألف وظيفة في فبراير.

وشهدت سوق العمل قدراً من الاستقرار مدعومة بانخفاض معدلات التسريح، رغم تردد الشركات في التوسع بالتوظيف. كما ارتفع عدد المتلقين المستمرين لإعانات البطالة، وهو مؤشر على التوظيف، بمقدار 12 ألفاً ليصل إلى 1.821 مليون شخص في الأسبوع المنتهي في 11 أبريل.

ورغم تراجع الطلبات المستمرة مقارنة بالعام الماضي، يُرجح أن ذلك يعود جزئياً إلى انتهاء فترة الاستحقاق في بعض الولايات، إضافة إلى استبعاد فئات من الشباب غير ذوي الخبرة العملية من البيانات الرسمية.


«السعودي الأول» يسجل 556.3 مليون دولار أرباحاً في الربع الأول

مقر البنك السعودي الأول بالسعودية (البنك)
مقر البنك السعودي الأول بالسعودية (البنك)
TT

«السعودي الأول» يسجل 556.3 مليون دولار أرباحاً في الربع الأول

مقر البنك السعودي الأول بالسعودية (البنك)
مقر البنك السعودي الأول بالسعودية (البنك)

أعلن البنك السعودي الأول (الأول) نتائجه المالية الأولية للربع الأول من عام 2026، محققاً صافي ربح بلغ 2.08 مليار ريال (نحو 556.3 مليون دولار)، مقارنةً بنحو 2.13 مليار ريال للفترة المماثلة من العام السابق، بنسبة انخفاض طفيفة بلغت 2.3 في المائة. وتعكس هذه النتائج قدرة البنك على النمو في حجم الإقراض والودائع، رغم التحديات الناتجة عن تراجع أسعار الفائدة وزيادة التحوط المالي لمواجهة التوترات الجيوسياسية.

الأداء التشغيلي

رغم التحديات الاقتصادية، نجح البنك في توسيع ميزانيته العمومية بشكل ملحوظ، حيث جاءت الأرقام كالتالي:

  • الموجودات: ارتفع إجمالي الموجودات بنسبة 7.7 في المائة لتصل إلى 459.7 مليار ريال (122.6 مليار دولار).
  • محفظة القروض والسلف: سجلت نمواً قوياً بنسبة 10 في المائة لتصل إلى 306.9 مليار ريال (81.8 مليار دولار)، مدفوعةً بزيادة الإقراض للأفراد والبنوك.
  • ودائع العملاء: قفزت الودائع بنسبة 14.1 في المائة لتصل إلى 331.4 مليار ريال (88.4 مليار دولار)، مما يعكس ثقة المودعين العالية في البنك.

دخل العمولات والفائدة

أوضح البنك أن إجمالي دخل العمولات الخاصة من التمويل والاستثمارات نما بنحو 3 في المائة ليصل إلى 5.48 مليار ريال (1.46 مليار دولار). ومع ذلك، انخفض صافي دخل العمولات بنسبة ضئيلة، نتيجة تراجع متوسط العائد على محفظة القروض ذات العائد المتغير بسبب انخفاض أسعار الفائدة، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة الودائع لأجل.

المخصصات والضغوط الجيوسياسية

انتهج البنك سياسة احترازية تجاه المخاطر؛ حيث رفع صافي مخصص خسائر الائتمان المتوقعة بنسبة 16.9 في المائة ليصل إلى 166 مليون ريال (44.3 مليون دولار). وعزا البنك هذه الزيادة إلى ارتفاع مستويات «عدم اليقين» المرتبطة بالأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، مما استوجب رفع التقديرات النموذجية للخسائر الائتمانية والتعرضات خارج الميزانية.

تحسن مقارنةً بالربع السابق

وعلى صعيد المقارنة مع الربع الأخير من العام الماضي (الربع الرابع 2025)، فقد سجل صافي الربح ارتفاعاً بنسبة 1.9 في المائة. ويعود هذا النمو المتسلسل بشكل رئيسي إلى:

  • انخفاض مصاريف التشغيل: نتيجة تراجع الرواتب والمصاريف الإدارية.
  • أرباح الشركات الزميلة: ارتفاع حصة البنك من أرباح الشركات الزميلة نتيجة انخفاض تكاليفها التشغيلية.
  • عكس المخصصات: انخفاض مخصص خسائر الائتمان مقارنةً بالربع السابق بنسبة 37 في المائة نتيجة تحسن صافي التحصيلات بعد الشطب.

مؤشرات الملاءة وربحية السهم

بلغت ربحية السهم للربع الأول من عام 2026 نحو 0.94 ريال (0.25 دولار)، في حين سجل إجمالي حقوق الملكية (بعد استبعاد الحصص غير المسيطرة) نمواً قوياً بنسبة 11.1 في المائة ليصل إلى 81 مليار ريال (21.6 مليار دولار)، مما يعزز القاعدة الرأسمالية للبنك وقدرته على مواصلة التوسع في تمويل المشاريع الكبرى ضمن «رؤية 2030».


تداعيات الحرب الإيرانية تتسلل بشكل أعمق إلى مفاصل الاقتصاد العالمي

لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)
لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)
TT

تداعيات الحرب الإيرانية تتسلل بشكل أعمق إلى مفاصل الاقتصاد العالمي

لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)
لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

أظهرت استطلاعات رأي رئيسة نُشرت يوم الخميس أن الاقتصاد العالمي يواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة الصدمة الطاقية الناجمة عن الحرب الإيرانية، مع ارتفاع تكاليف الإنتاج في المصانع، وتراجع النشاط حتى في قطاع الخدمات.

ورغم إظهار جزء من الاقتصاد العالمي قدراً من المرونة في مواجهة أحد أكبر اضطرابات إمدادات الطاقة في العصر الحديث، بدأت التداعيات غير المباشرة للصراع المستمر منذ نحو شهرين في دفع معدلات التضخم للارتفاع، مع تصاعد المخاوف بشأن الإمدادات الغذائية، وتراجع توقعات النمو لدى الشركات، وفق «رويترز».

وشهد هذا الأسبوع صدور سلسلة من المؤشرات السلبية في ثقة الشركات، والمستهلكين، إلى جانب توقعات حذرة من كبرى الشركات المدرجة. وأشارت مجموعة استطلاعات مديري المشتريات الصادرة عن «ستاندرد آند بورز غلوبال» يوم الخميس إلى أن الضغوط مرشحة للتفاقم.

منطقة اليورو في صدارة المتضررين

أظهرت البيانات أن منطقة اليورو كانت من بين الأكثر تضرراً، إذ تراجع المؤشر الرئيس من 50.7 في مارس (آذار) إلى 48.6 في أبريل (نيسان)، وهو مستوى يشير إلى انكماش النشاط الاقتصادي.

في المقابل، ارتفع مؤشر أسعار المدخلات إلى 76.9 من 68.9، ما يعكس تصاعد تكاليف الإنتاج في المصانع. كما تراجع مؤشر قطاع الخدمات إلى 47.4 من 50.2، دون توقعات «رويترز» البالغة 49.8.

وقال كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال»، كريس ويليامسون: «تواجه منطقة اليورو ضغوطاً اقتصادية متصاعدة بفعل الحرب في الشرق الأوسط، فيما يهدد نقص الإمدادات بإبطاء النمو أكثر، وزيادة الضغوط التضخمية في الأسابيع المقبلة».

في المقابل، سجلت اليابان والهند وبريطانيا وفرنسا نمواً في الإنتاج، وهو ما عُزي جزئياً إلى قيام الشركات بتسريع الإنتاج تحسباً لاضطرابات أعمق في سلاسل الإمداد.

وسجلت اليابان أقوى توسع في إنتاج المصانع منذ فبراير (شباط) 2014، رغم تسارع تكاليف المدخلات بأسرع وتيرة منذ أوائل 2023، ما يعكس حالة من «التسريع الوقائي» في الإنتاج.

وتتماشى هذه القراءات مع تحذيرات الشركات بشأن نتائج الربع الأول، حيث أشارت مؤسسات مثل «دانون» الفرنسية و«أوتيس» إلى اضطرابات في الشحن مرتبطة بالصراع.

قطاعا التكنولوجيا والتمويل يبرزان كاستثناء

في المقابل، برز قطاعا التكنولوجيا والتمويل كاستثناءات نسبية، مدعومين بالطلب القوي على الذكاء الاصطناعي، وتقلبات الأسواق العالمية التي عززت نشاط التداول.

وسجلت كوريا الجنوبية أقوى نمو اقتصادي لها منذ نحو ست سنوات بفضل طفرة في صادرات الرقائق، فيما يُتوقع أن يقود قطاع التكنولوجيا أرباح الشركات الأميركية في الربع الأول.

وقالت مجموعة بورصة لندن إنها تتوقع نمواً سنوياً في الإيرادات عند الحد الأعلى لتوقعاتها، بعد تحقيق إيرادات قياسية في الربع الأول مدعومة بنشاط تداول مرتفع.

ومع غياب وضوح بشأن مسار الصراع الذي بدأ بالضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، يبقى تأثيره على الاقتصاد العالمي مرتبطاً بمدى استمراره في تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز.

تحذيرات من آثار طويلة الأمد

كان صندوق النقد الدولي قد خفّض توقعاته للنمو العالمي إلى 3.1 في المائة هذا العام، محذراً من سيناريوهات أكثر سلبية قد تصل إلى ركود عالمي إذا استمرت الاضطرابات.

وقال جيمي طومسون من «أكسفورد إيكونوميكس» إن مراجعة الصدمات التاريخية في أسواق الطاقة تُظهر أن آثارها على التضخم والاستثمار والإنتاج قد تستمر لسنوات.

وأضاف أن نحو ربع الشركات المشاركة في الاستطلاع تتوقع استمرار تداعيات الأزمة لما بعد نهاية العام، محذراً من «خطر تحوّل مفاجئ في معنويات الأسواق».