ما سبب الخلاف غير المسبوق بين الولايات المتحدة والبرازيل؟

ترمب فرض رسوماً جمركية مرتفعة... ولولا استنجد بـ«بريكس»

سفينة وحاويات في ميناء سانتوس بالبرازيل (رويترز)
سفينة وحاويات في ميناء سانتوس بالبرازيل (رويترز)
TT

ما سبب الخلاف غير المسبوق بين الولايات المتحدة والبرازيل؟

سفينة وحاويات في ميناء سانتوس بالبرازيل (رويترز)
سفينة وحاويات في ميناء سانتوس بالبرازيل (رويترز)

دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة والبرازيل منعطفاً حاداً وخطراً، بعد أن فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب رسوماً جمركية قياسية على السلع البرازيلية، ووجه مطالب مباشرةً إلى المحكمة العليا في برازيليا بوقف محاكمة حليفه السابق، الرئيس اليميني المتطرف جايير بولسونارو. في المقابل، يرفض الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا الانصياع لما يعده «تدخلاً أميركياً غير مقبول»، ويسعى لحشد دعم دولي من خلال الاتصال بقادة «بريكس».

هذه المواجهة غير التقليدية، التي يصفها الخبراء بأنها «الأسوأ منذ 200 عام»، لا تُظهر أي بوادر للحل السريع، وتكشف عن تعقيدات سياسية تتجاوز النزاعات التجارية المعتادة. كما تأتي في وقت حساس من الناحية الجيوسياسية، حيث تدفع الرسوم؛ ليس فقط البرازيل ولكن الهند أيضاً التي من المقرر أن تواجه ضريبة منفصلة بنسبة 50 في المائة في وقت لاحق من هذا الشهر، إلى الاقتراب من الصين وروسيا.

آلاف من أنصار الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو يحتشدون على شاطئ كوباكابانا في ريو دي جانيرو (د.ب.أ)

محاكمة بولسونارو... شرارة الأزمة

تتأثر الأزمة الحالية بشكل كبير بمصير رجل واحد: الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، الذي يُحاكَم بتهم خطيرة تتعلق بالتخطيط لانقلاب عسكري للبقاء في السلطة بعد خسارته انتخابات 2022. من بين التهم الموجهة إليه، والتي ينفيها جميعاً، التورط في خطة لاغتيال لولا، وتدبير هجوم واسع النطاق على مؤسسات الدولة في برازيليا، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».

ومع اقتراب المحكمة من إصدار حكمها، تدخل ترمب شخصياً في 7 يوليو (تموز)، واصفاً المحاكمة بأنها «حملة اضطهاد» وطالب بـ«وقفها فوراً». وعندما تجاهلت المحكمة العليا البرازيلية المستقلة طلبه، أعلن الرئيس الأميركي أن البرازيل تمثل «تهديداً غير عادي واستثنائياً» للأمن القومي الأميركي، وفرض رسوماً جمركية بنسبة 50 في المائة على سلعها.

جاء في الأمر التنفيذي للبيت الأبيض أن «سياسات وممارسات وإجراءات حكومة البرازيل بغيضة للقيم الأخلاقية والسياسية للمجتمعات الديمقراطية والحرة».

قاضي المحكمة العليا البرازيلية ألكسندر دي مورايس يحضر جلسة للمحكمة العليا في برازيليا (رويترز)

لولا يتحدّى... وواشنطن تزيد الضغط

رداً على الإجراءات الأميركية التي وصفها لولا بأنها «ابتزاز غير مقبول» مقدماً شكوى إلى منظمة التجارة العالمية، لم يقم الرئيس البرازيلي بالاتصال بترمب، بل سعى إلى حشد حلفائه. ففي 7 أغسطس (آب)، اتصل برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، طالباً التضامن بين دول مجموعة «بريكس». وبعد يومين، اتصل بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يتسلم وسام الصليب الجنوبي الوطني من لولا في 25 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وتُظهر هذه الاستجابة تمسك لولا بموقفه. وتقول برونا سانتوس، الخبيرة في شؤون البرازيل بمركز «إنتر-أميركان ديالوغ» في واشنطن للصحيفة البريطانية، إن ترمب «هدّد بفرض رسوم جمركية، لكن مع طلب سياسي لا يمكن تحقيقه»، مضيفةً: «من المستحيل مؤسسياً أن يقدم لولا التنازل المطلوب، وهذا يجعله دون أي استراتيجية للخروج من الأزمة».

وقد تصاعدت المواجهة بعد فرض الرسوم، حيث فرضت واشنطن حظراً على سفر ثمانية من قضاة المحكمة العليا البرازيلية، متهمةً إياهم بـ«إقامة نظام اضطهاد ورقابة». وعندما أمر القاضي ألكسندر دي مورايس، بولسونارو بارتداء سوار إلكتروني خشية فراره، استخدمت واشنطن تشريعاً مخصصاً لمرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة لفرض عقوبات مالية شاملة على القاضي.

لكنَّ القاضي دي مورايس لم يبالِ، وظهر في مباراة كرة قدم بعد ساعات، ووجه إشارة تحدٍّ، وبعد أيام قليلة، وُضع بولسونارو قيد الإقامة الجبرية.

ونقلت «ياهو فاينانس» عن شخص مطّلع على تفكير البيت الأبيض، إن البيت الأبيض كان لديه هدف ثلاثي من الرسوم الجمركية على البرازيل: استهداف قاضي المحكمة العليا المتورط في قضية بولسونارو، لقمعه حقوق الأميركيين في حرية التعبير؛ والحد من نفوذ دول «بريكس»، والمساعدة في تعزيز حلفاء الولايات المتحدة في البرازيل. وأضاف هذا الشخص أن تحول الرسوم الجمركية إلى بولسونارو قد أضر بهذه الأهداف، لافتاً إلى أن «المشكلة لا تكمن في أننا نفضل شخصية سياسية برازيلية على أخرى. إذا تحول الأمر إلى بولسونارو، فسيصبح كل شيء مشوهاً».

البرازيل: دفاع عن الديمقراطية أم انتقام سياسي؟

يُشير روبنز ريكوبيرو، السفير البرازيلي السابق لدى واشنطن، إلى أن البرازيل «تمتلك عيوباً كثيرة، لكن في هذه الحالة بالتحديد، تمكنت من الدفاع عن الديمقراطية بشكل أفضل من المؤسسات الأميركية». ويؤكد أن المحكمة مصمِّمة على إثبات قدرة المؤسسات الديمقراطية على تحقيق العدالة، حتى في أصعب الظروف.

في المقابل، يرى المحافظون البرازيليون المحكمة على أنها «مؤامرة يسارية خارجة عن السيطرة»، ويشيرون إلى أن سبعة من القضاة الأحد عشر عيَّنهم لولا أو خلفه. وقد أثار تدخل ترمب حماس أنصار بولسونارو الذين خرجوا في مظاهرات مطالبين بإقالة القاضي دي مورايس والعفو عن المتورطين في أحداث 8 يناير (كانون الثاني) 2023.

وقد استغل لولا الخلاف لتقديم نفسه على أنه «وطني» يدافع عن السيادة الوطنية في وجه التدخل الأميركي، حيث ظهر وهو يرتدي قبعة كُتب عليها «البرازيل ملك للبرازيليين».

متظاهرون من الاتحاد الوطني للطلاب يحرقون تمثالاً لترمب خلال احتجاج على رسومه الجمركية أمام القنصلية الأميركية في ريو دي جانيرو (د.ب.أ)

تأثير محدود على الاقتصاد البرازيلي

على الرغم من الرسوم الجمركية القاسية، فإن الضرر الاقتصادي على البرازيل قد يكون محدوداً. فالأمر التنفيذي لترمب استثنى 694 منتجاً، بما في ذلك سلع لا يمكن للولايات المتحدة الاستغناء عنها بسهولة مثل عصير البرتقال وخام الحديد والطائرات. وتشير غرفة التجارة الأميركية في البرازيل إلى أن هذه الاستثناءات تغطي نحو 43 في المائة من إجمالي الصادرات البرازيلية إلى الولايات المتحدة.

وحسب ماتياس سبيكتور، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة «فونداساو جيتوليو فارغاس»، فإن البرازيل في «وضع جيد نسبياً لمواجهة ترمب»، لأن الصادرات الأميركية تمثل أقل من 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبرازيل، على عكس المكسيك.

ومع ذلك، ستتأثر بعض القطاعات بشكل مباشر، مثل صادرات البن واللحوم، وهو ما قد يضر بالقاعدة الشعبية لبولسونارو من قطاع الأعمال الزراعية.

هل هناك مخرج من الأزمة؟

يشير سلزو أموريم، مستشار لولا للسياسة الخارجية، إلى أنه «لا يرى مخرجاً» من الأزمة مع الولايات المتحدة، ويدعو البرازيل إلى تنويع شركائها التجاريين والتوجه نحو الخليج والهند وجنوب شرق آسيا.

في المقابل، يرى روبنز منين، رئيس شركة الإنشاءات «إم آر في»، أن على لولا أن يتواصل مع ترمب عاجلاً أم آجلاً، قائلاً: «هذا الأمر سينتهي عندما يتحدث أحدهما مع الآخر».

ومع أن لولا أشار إلى إمكانية فصل الخلاف السياسي عن الخلاف التجاري، فإن اجتماعاً كان مقرراً بين وزير المالية البرازيلي ووزير الخزانة الأميركي قد تم إلغاؤه في اللحظة الأخيرة، مما يشير إلى أن التوترات لا تزال قائمة.

وبينما يرى البعض أن ترمب قد يتراجع إذا تمكن من إيجاد حل يحفظ ماء الوجه، فإن الأزمة لا تزال معلقة، وجميع الأنظار تتجه نحو المحكمة العليا البرازيلية لمعرفة حكمها في قضية بولسونارو، الذي سيحدد على الأرجح مسار العلاقات بين البلدين في المستقبل القريب.


مقالات ذات صلة

تعثر مفاوضات منظمة التجارة العالمية وسط جمود بين أميركا والهند

الاقتصاد مندوبون يحضرون الاجتماع الوزاري الـ14 لمنظمة التجارة العالمية في ياوندي بالكاميرون يوم 28 مارس 2026 (رويترز)

تعثر مفاوضات منظمة التجارة العالمية وسط جمود بين أميركا والهند

قال دبلوماسيون إنَّ محادثات إصلاح منظمة التجارة العالمية وتمديد فترة الوقف المؤقت لفرض رسوم جمركية على المعاملات الإلكترونية دخلت يومها الأخير دون أي انفراجة.

«الشرق الأوسط» (ياوندي )
الاقتصاد أعضاء البرلمان الأوروبي يحضرون جلسة للتصويت على تشريع يهدف إلى خفض الرسوم على المنتجات الأميركية في بروكسل (رويترز)

البرلمان الأوروبي يُصادق على اتفاقية ترمب الجمركية… مع إدراج ضمانات مشددة

وافق مشرِّعو الاتحاد الأوروبي، يوم الخميس، بشروط، على اتفاقية الرسوم الجمركية التي أبرمها الاتحاد مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في البرلمان الأسترالي (إ.ب.أ)

بعد 8 سنوات من المفاوضات... أستراليا والاتحاد الأوروبي يبرمان اتفاقية تجارة حرة شاملة

أبرم الاتحاد الأوروبي وأستراليا، يوم الثلاثاء، اتفاقية تجارة حرة شاملة طال انتظارها، بعد مفاوضات استمرت 8 سنوات.

«الشرق الأوسط» (كانبرا )
الاقتصاد مقر البنك المركزي السويدي في استوكهولم (رويترز)

«المركزي السويدي» يُثبّت الفائدة... ويتحصّن بـ«الانتظار» لمواجهة ضبابية الحرب

أبقى البنك المركزي السويدي سعر الفائدة الرئيسي عند 1.75 في المائة يوم الخميس، كما كان متوقعاً على نطاق واسع.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم )
الاقتصاد خزانات ووحدات تبريد الغاز في «فري بورت» ثاني أكبر مصدر أميركي للغاز الطبيعي المسال بتكساس (رويترز)

اتفاق «المعادن والطاقة»: إندونيسيا تمنح واشنطن موطئ قدم بوجه الصين

وافقت إندونيسيا على توسيع نطاق الوصول أمام المستثمرين الأميركيين في قطاع المعادن الحيوية، وزيادة مشترياتها من النفط الخام وغاز البترول المسال الأميركي.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا )

مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
TT

مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

قفزة جديدة سجّلها سعر صرف الدولار في مصر، حيث تخطى حاجز 53 جنيهاً تزامناً مع «إجراءات تقشفية» تتخذها الحكومة، خصوصاً على مستوى الطاقة لتجاوز تداعيات حرب إيران.

ذلك الارتفاع غير المسبوق في قيمة الدولار أمام الجنيه، يراه خبير اقتصادي مصري تحدث لـ«الشرق الأوسط»، نتيجة للضغوط الكثيرة على الاقتصاد، في ظل تراجع للإيرادات الدولارية، ولا سيما قناة السويس، كما أن «ارتفاع الدولار يزيد المخاوف من تفاقم الغلاء في البلاد».

وشهد سعر صرف الدولار أمام الجنيه ارتفاعاً ملحوظاً خلال بداية تعاملات الأحد، متجاوزاً حاجز 53 جنيهاً للمرة الأولى في عدد من البنوك.

وحسب بيانات «البنك المركزي المصري»، سجّل سعر صرف الجنيه أمام الدولار حتى ظهر الأحد 53.53 جنيه للشراء و53.63 جنيه للبيع.

الخبير الاقتصادي، عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، علي الإدريسي، يرى أن «الارتفاع الحالي كان متوقعاً في ظل الضغوط على الاقتصاد»، موضحاً أن «سعر الصرف يتحدد بناء على قوى العرض والطلب، بينما يواجه الاقتصاد تحديات في تدفقات النقد الأجنبي المتمثلة في السياحة، وإيرادات قناة السويس، والصادرات، والاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب تداعيات حرب إيران».

في المقابل، تلتزم الدولة بسداد التزامات وديون مستحقة، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في تكلفة الاستيراد، ولا سيما قطاع الطاقة، حيث ارتفع برميل البترول من 77 دولاراً إلى مستويات تتراوح بين 100 و105 دولارات مع توقعات بوصوله إلى 150 دولاراً، بحسب تقرير «وكالة فيتش» منذ أيام، وهذا يخلق مشكلتين تتمثلان في زيادة سعر المنتج عالمياً وتراجع قيمة العملة محلياً، بحسب الإدريسي.

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن «قطاع الصناعة يتصدر قائمة القطاعات الأكثر تضرراً جراء التقلبات الراهنة في أسعار الصرف، لأن معظم مدخلات الإنتاج مستوردة من الخارج». وأشار إلى أن «المواطن هو من يتحمل التكلفة النهائية لهذه الضغوط، مروراً بالزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، وما تلاها من ارتفاع في تذاكر مترو أنفاق القاهرة والقطارات، فضلاً عن الزيادات المتوقعة في أسعار الكهرباء».

يأتي ذلك وسط تحركات حكومية للتخفيف من تداعيات الحرب الإيرانية. وأكّد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي، الخميس، مع نظيره الأميركي، ماركو روبيو، «أهمية تقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي على مصر»، لافتاً إلى تداعيات التصعيد العسكري على الاقتصاد المصري مع «تأثر أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس».

وقبل نحو أسبوعين، اتخذت الحكومة المصرية قرارات «استثنائية» تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وسط إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، مع استعداد رسمي لتقديم حزمة حماية تشمل دعم الأجور والمعاشات والسلع.

وطالب علي الإدريسي الحكومة بـ«وضع ضوابط لحماية محدودي الدخل والطبقات الفقيرة»، لافتاً إلى «أهمية انتقال التعامل الحكومي الحالي الناعم إلى ما أهو أشد، بما يتناسب مع حجم الضغوط التي يواجهها المواطن، وذلك بإحكام القبضة على الأسواق وتفعيل إجراءات صارمة ضد المتلاعبين لمواجهة الغلاء المتصاعد».


«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
TT

«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)

قالت شركة «إتش سي» القابضة للاستثمار، إن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع حرب إيران، مما «خفّف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً».

وأثرت الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير (شباط)، على الاقتصاد العالمي وعلى مصر تحديداً، وسط تعطل مضيق هرمز الذي يمر منه نحو 20 في المائة من إجمالي النفط والغاز عالمياً.

وترى هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بشركة «إتش سي»، أن ارتفاع صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي بنحو 11 في المائة على أساس سنوي إلى مستوى قياسي بلغ 52.7 مليار دولار في فبراير الماضي، وارتفاع الودائع غير المدرجة في الاحتياطيات الرسمية بمقدار 1.26 مرة على أساس سنوي لتصل إلى 13.4 مليار دولار، فضلاً عن اتساع صافي الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي بشكل ملحوظ بنحو 16 في المائة على أساس شهري، و3.39 مرة على أساس سنوي ليصل إلى 29.5 مليار دولار في يناير (كانون الثاني)؛ قد حصّن الاقتصاد المصري من تداعيات سلبية قوية.

وأشارت منير إلى أن الحرب تسببت في خروج صافي تدفقات أجنبية صافية بما يقرب من 4 مليارات دولار تقريباً من السوق الثانوية لأذون الخزانة منذ الأول من مارس (آذار) الحالي حتى الآن، مما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار بنحو 9 في المائة منذ 28 فبراير ليصل إلى 52.6 جنيه، وهو الأمر الذي يعكس مرونة سعر الصرف.

وتوقعت هبة منير زيادة معدل التضخم لشهر مارس إلى 14.3 في المائة على أساس سنوي، و2.4 في المائة على أساس شهري، وهو ما قد يرفع التضخم المتوقع للعام الحالي بأكمله إلى 13-14 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بتوقعات سابقة قبل اندلاع الحرب، ما بين 10-11 في المائة، و«هو ما قد يؤخر دورة التيسير النقدي».

وأرجعت ذلك إلى «ارتفاع أسعار النفط بنحو 48 في المائة لتصل إلى 107 دولارات للبرميل، الأمر الذي دفع الحكومة إلى رفع أسعار الديزل المحلي وأسطوانات الغاز والبنزين بنسبة 19 في المائة في المتوسط في 10 مارس، والتي سيكون لها تأثير على معدلات التضخم».

وفيما يتعلق بأسعار العائد على أذون الخزانة، قام البنك المركزي المصري برفع العائد للحفاظ على جاذبية الاستثمار في أذون الخزانة على المدى القصير؛ إذ بلغ العائد على أذون الخزانة لأجل 12 شهراً 23.4 في المائة، بما يعكس سعر فائدة حقيقياً إيجابياً قدره 6.94 في المائة.

و«بناءً على ذلك، ومع الأخذ في الاعتبار المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على موارد مصر من النقد الأجنبي، والتوقعات المُحدَثة للتضخم، ورغبة الحكومة من واقع رؤيتنا في الإبقاء على جاذبية الاستثمار في أدوات الدين، والمحافظة على مستهدفات نسبة عجز الموازنة للناتج المحلي الإجمالي؛ نتوقع أن تُبقي لجنة السياسة النقدية على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المقرر عقده يوم الخميس المقبل 2 أبريل (نيسان)».


القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
TT

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية

في ظل التحول المتسارع الذي يشهده قطاع السياحة في السعودية، برزت استثمارات القطاع الخاص بوصفها من أبرز محركات النمو، مع تنامي دوره شريكاً رئيسياً في تطوير الوجهات السياحية وتعزيز جاذبية السوق، مدعوماً بحوافز حكومية ومنظومة استثمارية متكاملة.

وقد تجلى هذا الدور الريادي في قلب الجلسات النقاشية للنسخة الرابعة من «مبادرة مستقبل الاستثمار» المنعقدة في ميامي؛ حيث اجتمع المستثمرون العالميون لبحث مستقبل تدفقات رؤوس الأموال. وأكد وزير السياحة السعودي، أحمد الخطيب، أن المملكة تقدم نموذجاً لسوق جاهزة تماماً لاستقطاب الاستثمارات، مشيراً إلى أن «دور القطاع الخاص، ومشاركته الفاعلة، هما الركيزة الأساسية لهذا النجاح، حيث يُسهم بنحو 48 في المائة من إجمالي الاستثمارات السياحية».

وقال إن المملكة، في إطار «رؤية 2030»، نجحت في بناء منظومة استثمارية متكاملة لا تقوم على مشروعات ووجهات متفرقة، بل على تكامل السياسات والتشريعات والبنى التحتية، وتمكين الاستثمار، وتطوير رأس المال البشري، بما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق يضمن استدامة النمو على المدى الطويل.

دور القطاع الخاص

من جهته، أكد وكيل وزارة السياحة لتمكين الوجهات السياحية، محمود عبد الهادي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «القطاع الخاص أصبح لاعباً رئيسياً في دفع عجلة السياحة، مسهماً بنحو 219 مليار ريال (58.4 مليار دولار) من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في القطاع، البالغة 452 مليار ريال، مقابل 233 مليار ريال (62.1 مليار دولار) يسهم بها (صندوق الاستثمارات العامة)، في نموذج يعكس شراكة استراتيجية لتعزيز النمو المستدام».

وفي سياق تعزيز الجاذبية الاستثمارية، كشف عن أن المملكة حلّت في «المركز الـ5» ضمن اقتصادات «مجموعة العشرين» لعام 2024 من حيث الكثافة الاستثمارية، مع حصة استثمارية بلغت 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أحد المعدلات الأعلى عالمياً.

كما نجحت في جذب 56 مشروعاً سياحياً نوعياً بين عامي 2019 و2024 بقيمة استثمارية بلغت 1.9 مليار دولار.

جبال «فيفا» في جازان (وزارة السياحة)

حوافز استثمارية شاملة

وأوضح عبد الهادي أن المستثمرين في القطاع السياحي يستفيدون من حوافز متنوعة؛ تشمل «إعفاءات ضريبية طويلة الأجل للشركات متعددة الجنسية، ودعم الأجور في المهن الخاضعة للتوطين، إلى جانب تخفيضات وإعفاءات من رسوم التراخيص البلدية، وتمويل المشروعات بمختلف أحجامها عبر (صندوق التنمية السياحي)؛ مما يسهم في خلق بيئة استثمارية جاذبة وتخفيف المخاطر».

القطاع الخاص يقود البنية الفندقية

وأضاف أن القطاع الخاص يمثل نحو 60 في المائة من الغرف الفندقية الجديدة، وأنه يقود المشروعات الاستثمارية في 10 مناطق سعودية، «مع التركيز على الوجهات الكبرى والناشئة، في وقت نجحت فيه المملكة في جذب أكثر من 50 علامة فندقية عالمية، واستقطاب أكثر من 40 مستثمراً جديداً منذ عام 2020».

أرقام قياسية لعام 2025

سجل القطاع السياحي السعودي في 2025 نحو 122 مليون سائح محلي ووافد من الخارج، بزيادة 5 في المائة على العام السابق، فيما بلغ إجمالي الإنفاق السياحي 301 مليار ريال (نحو 80.3 مليار دولار)، بنمو 6 في المائة مقارنة بعام 2024. وبلغ عدد السياح المحليين 92.9 مليون سائح مع إنفاق قدره 128.2 مليار ريال (نحو 34.2 مليار دولار)، فيما وصل عدد السياح الوافدين إلى 29.3 مليون سائح مع إنفاق 172.6 مليار ريال (نحو 46 مليار دولار). وتهدف المملكة إلى استقبال 150 مليون سائح سنوياً بحلول 2030.

سياح يشاهدون الغروب بالقرب من «صخرة الفيل» في العلا (وزارة السياحة)

أولويات الاستثمار المستقبلية

وأشار إلى أن المملكة وضعت أولويات للسنوات الخمس المقبلة؛ تشمل تطوير مرافق الضيافة، وتعزيز منصات الحجز والترويج السياحي، وإطلاق تجارب سياحية متنوعة تشمل الشواطئ والمدن والتراث والمغامرات، إلى جانب الاستثمار في السياحة الزراعية وسلسلة الإمداد السياحي والخدمات اللوجيستية، «بما يوفر فرصاً واسعة للقطاع الخاص ويعزز استدامة النمو».

منتجع فاخر في البحر الأحمر (وزارة السياحة)

حوافز السياحة

وأكد أن المملكة اعتمدت آليات لضمان النمو المستدام للمشروعات السياحية، تشمل «دعم استثمارات القطاع الخاص بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من النفقات الرأسمالية، إضافة إلى إعفاءات من الرسوم البلدية لمدة تصل إلى 7 سنوات، وإعفاءات من ضريبة دخل الشركات للاستثمارات الأجنبية للفترة ذاتها، وتخفيض ضريبة القيمة المضافة على الغرف الفندقية بنسبة تصل إلى 100 في المائة، إلى جانب دعم استئجار الأراضي بنسبة 100 في المائة لمدة تصل إلى 20 عاماً».

منطقة البلد في جدة (وزارة السياحة)

دعم النمو المستدام

وأوضح أن اعتماد «نظام الاستثمار السعودي لعام 2025» مكّن المستثمرين الأجانب من التملك الكامل وحمايتهم، إلى جانب تسهيل حركة الأموال؛ «مما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق، بالتوازي مع تطوير الكوادر البشرية من خلال برامج تدريبية مختصة بالشراكة مع الجامعات والمؤسسات التعليمية».

وأكد أن هذه المنظومة المتكاملة، إلى جانب الشراكة بين القطاعين العام والخاص، «تمثلان الركيزة الأساسية لتحقيق مستهدفات (رؤية 2030)، بما في ذلك رفع إسهام السياحة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10 في المائة، وخلق أكثر من 1.6 مليون وظيفة»، مشدداً على أن «القطاع الخاص لم يعد مجرد مستثمر، بل هو شريك استراتيجي يقود نمو السياحة السعودية على المدى الطويل».