ما سبب الخلاف غير المسبوق بين الولايات المتحدة والبرازيل؟

ترمب فرض رسوماً جمركية مرتفعة... ولولا استنجد بـ«بريكس»

سفينة وحاويات في ميناء سانتوس بالبرازيل (رويترز)
سفينة وحاويات في ميناء سانتوس بالبرازيل (رويترز)
TT

ما سبب الخلاف غير المسبوق بين الولايات المتحدة والبرازيل؟

سفينة وحاويات في ميناء سانتوس بالبرازيل (رويترز)
سفينة وحاويات في ميناء سانتوس بالبرازيل (رويترز)

دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة والبرازيل منعطفاً حاداً وخطراً، بعد أن فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب رسوماً جمركية قياسية على السلع البرازيلية، ووجه مطالب مباشرةً إلى المحكمة العليا في برازيليا بوقف محاكمة حليفه السابق، الرئيس اليميني المتطرف جايير بولسونارو. في المقابل، يرفض الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا الانصياع لما يعده «تدخلاً أميركياً غير مقبول»، ويسعى لحشد دعم دولي من خلال الاتصال بقادة «بريكس».

هذه المواجهة غير التقليدية، التي يصفها الخبراء بأنها «الأسوأ منذ 200 عام»، لا تُظهر أي بوادر للحل السريع، وتكشف عن تعقيدات سياسية تتجاوز النزاعات التجارية المعتادة. كما تأتي في وقت حساس من الناحية الجيوسياسية، حيث تدفع الرسوم؛ ليس فقط البرازيل ولكن الهند أيضاً التي من المقرر أن تواجه ضريبة منفصلة بنسبة 50 في المائة في وقت لاحق من هذا الشهر، إلى الاقتراب من الصين وروسيا.

آلاف من أنصار الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو يحتشدون على شاطئ كوباكابانا في ريو دي جانيرو (د.ب.أ)

محاكمة بولسونارو... شرارة الأزمة

تتأثر الأزمة الحالية بشكل كبير بمصير رجل واحد: الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، الذي يُحاكَم بتهم خطيرة تتعلق بالتخطيط لانقلاب عسكري للبقاء في السلطة بعد خسارته انتخابات 2022. من بين التهم الموجهة إليه، والتي ينفيها جميعاً، التورط في خطة لاغتيال لولا، وتدبير هجوم واسع النطاق على مؤسسات الدولة في برازيليا، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».

ومع اقتراب المحكمة من إصدار حكمها، تدخل ترمب شخصياً في 7 يوليو (تموز)، واصفاً المحاكمة بأنها «حملة اضطهاد» وطالب بـ«وقفها فوراً». وعندما تجاهلت المحكمة العليا البرازيلية المستقلة طلبه، أعلن الرئيس الأميركي أن البرازيل تمثل «تهديداً غير عادي واستثنائياً» للأمن القومي الأميركي، وفرض رسوماً جمركية بنسبة 50 في المائة على سلعها.

جاء في الأمر التنفيذي للبيت الأبيض أن «سياسات وممارسات وإجراءات حكومة البرازيل بغيضة للقيم الأخلاقية والسياسية للمجتمعات الديمقراطية والحرة».

قاضي المحكمة العليا البرازيلية ألكسندر دي مورايس يحضر جلسة للمحكمة العليا في برازيليا (رويترز)

لولا يتحدّى... وواشنطن تزيد الضغط

رداً على الإجراءات الأميركية التي وصفها لولا بأنها «ابتزاز غير مقبول» مقدماً شكوى إلى منظمة التجارة العالمية، لم يقم الرئيس البرازيلي بالاتصال بترمب، بل سعى إلى حشد حلفائه. ففي 7 أغسطس (آب)، اتصل برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، طالباً التضامن بين دول مجموعة «بريكس». وبعد يومين، اتصل بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يتسلم وسام الصليب الجنوبي الوطني من لولا في 25 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وتُظهر هذه الاستجابة تمسك لولا بموقفه. وتقول برونا سانتوس، الخبيرة في شؤون البرازيل بمركز «إنتر-أميركان ديالوغ» في واشنطن للصحيفة البريطانية، إن ترمب «هدّد بفرض رسوم جمركية، لكن مع طلب سياسي لا يمكن تحقيقه»، مضيفةً: «من المستحيل مؤسسياً أن يقدم لولا التنازل المطلوب، وهذا يجعله دون أي استراتيجية للخروج من الأزمة».

وقد تصاعدت المواجهة بعد فرض الرسوم، حيث فرضت واشنطن حظراً على سفر ثمانية من قضاة المحكمة العليا البرازيلية، متهمةً إياهم بـ«إقامة نظام اضطهاد ورقابة». وعندما أمر القاضي ألكسندر دي مورايس، بولسونارو بارتداء سوار إلكتروني خشية فراره، استخدمت واشنطن تشريعاً مخصصاً لمرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة لفرض عقوبات مالية شاملة على القاضي.

لكنَّ القاضي دي مورايس لم يبالِ، وظهر في مباراة كرة قدم بعد ساعات، ووجه إشارة تحدٍّ، وبعد أيام قليلة، وُضع بولسونارو قيد الإقامة الجبرية.

ونقلت «ياهو فاينانس» عن شخص مطّلع على تفكير البيت الأبيض، إن البيت الأبيض كان لديه هدف ثلاثي من الرسوم الجمركية على البرازيل: استهداف قاضي المحكمة العليا المتورط في قضية بولسونارو، لقمعه حقوق الأميركيين في حرية التعبير؛ والحد من نفوذ دول «بريكس»، والمساعدة في تعزيز حلفاء الولايات المتحدة في البرازيل. وأضاف هذا الشخص أن تحول الرسوم الجمركية إلى بولسونارو قد أضر بهذه الأهداف، لافتاً إلى أن «المشكلة لا تكمن في أننا نفضل شخصية سياسية برازيلية على أخرى. إذا تحول الأمر إلى بولسونارو، فسيصبح كل شيء مشوهاً».

البرازيل: دفاع عن الديمقراطية أم انتقام سياسي؟

يُشير روبنز ريكوبيرو، السفير البرازيلي السابق لدى واشنطن، إلى أن البرازيل «تمتلك عيوباً كثيرة، لكن في هذه الحالة بالتحديد، تمكنت من الدفاع عن الديمقراطية بشكل أفضل من المؤسسات الأميركية». ويؤكد أن المحكمة مصمِّمة على إثبات قدرة المؤسسات الديمقراطية على تحقيق العدالة، حتى في أصعب الظروف.

في المقابل، يرى المحافظون البرازيليون المحكمة على أنها «مؤامرة يسارية خارجة عن السيطرة»، ويشيرون إلى أن سبعة من القضاة الأحد عشر عيَّنهم لولا أو خلفه. وقد أثار تدخل ترمب حماس أنصار بولسونارو الذين خرجوا في مظاهرات مطالبين بإقالة القاضي دي مورايس والعفو عن المتورطين في أحداث 8 يناير (كانون الثاني) 2023.

وقد استغل لولا الخلاف لتقديم نفسه على أنه «وطني» يدافع عن السيادة الوطنية في وجه التدخل الأميركي، حيث ظهر وهو يرتدي قبعة كُتب عليها «البرازيل ملك للبرازيليين».

متظاهرون من الاتحاد الوطني للطلاب يحرقون تمثالاً لترمب خلال احتجاج على رسومه الجمركية أمام القنصلية الأميركية في ريو دي جانيرو (د.ب.أ)

تأثير محدود على الاقتصاد البرازيلي

على الرغم من الرسوم الجمركية القاسية، فإن الضرر الاقتصادي على البرازيل قد يكون محدوداً. فالأمر التنفيذي لترمب استثنى 694 منتجاً، بما في ذلك سلع لا يمكن للولايات المتحدة الاستغناء عنها بسهولة مثل عصير البرتقال وخام الحديد والطائرات. وتشير غرفة التجارة الأميركية في البرازيل إلى أن هذه الاستثناءات تغطي نحو 43 في المائة من إجمالي الصادرات البرازيلية إلى الولايات المتحدة.

وحسب ماتياس سبيكتور، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة «فونداساو جيتوليو فارغاس»، فإن البرازيل في «وضع جيد نسبياً لمواجهة ترمب»، لأن الصادرات الأميركية تمثل أقل من 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبرازيل، على عكس المكسيك.

ومع ذلك، ستتأثر بعض القطاعات بشكل مباشر، مثل صادرات البن واللحوم، وهو ما قد يضر بالقاعدة الشعبية لبولسونارو من قطاع الأعمال الزراعية.

هل هناك مخرج من الأزمة؟

يشير سلزو أموريم، مستشار لولا للسياسة الخارجية، إلى أنه «لا يرى مخرجاً» من الأزمة مع الولايات المتحدة، ويدعو البرازيل إلى تنويع شركائها التجاريين والتوجه نحو الخليج والهند وجنوب شرق آسيا.

في المقابل، يرى روبنز منين، رئيس شركة الإنشاءات «إم آر في»، أن على لولا أن يتواصل مع ترمب عاجلاً أم آجلاً، قائلاً: «هذا الأمر سينتهي عندما يتحدث أحدهما مع الآخر».

ومع أن لولا أشار إلى إمكانية فصل الخلاف السياسي عن الخلاف التجاري، فإن اجتماعاً كان مقرراً بين وزير المالية البرازيلي ووزير الخزانة الأميركي قد تم إلغاؤه في اللحظة الأخيرة، مما يشير إلى أن التوترات لا تزال قائمة.

وبينما يرى البعض أن ترمب قد يتراجع إذا تمكن من إيجاد حل يحفظ ماء الوجه، فإن الأزمة لا تزال معلقة، وجميع الأنظار تتجه نحو المحكمة العليا البرازيلية لمعرفة حكمها في قضية بولسونارو، الذي سيحدد على الأرجح مسار العلاقات بين البلدين في المستقبل القريب.


مقالات ذات صلة

ما الذي يعطل الاتفاق التجاري بين أميركا والهند؟

الاقتصاد ترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يتصافحان خلال حضورهما مؤتمراً صحافياً بالبيت الأبيض في واشنطن يوم 13 فبراير 2025 (رويترز)

ما الذي يعطل الاتفاق التجاري بين أميركا والهند؟

من المقرر أن يزور وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الهند لثاني مرة هذا العام، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تعزيز علاقاتها بشريكتها الاستراتيجية...

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد ترمب يتحدث خلال مراسم التوقيع على أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي (أرشيفية - رويترز)

ترمب يصدر إعفاءً من عقوبات ورسوم جمركية مرتبطة بروسيا

أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعفاءً من عقوبات ورسوم جمركية رئيسية مرتبطة بروسيا قبل أيام من دخولها حيز التنفيذ بموجب قانون وقَّعه الشهر الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شاحنة تنقل حاوية داخل ميناء ثار بمدينة ساناند في ولاية غوغارات الهندية (رويترز)

الهند: علاقتنا مع أميركا «جيدة جداً» رغم التوترات التجارية

قال وزير التجارة الهندي بيوش غويال إن علاقات بلاده مع الولايات المتحدة «جيدة جداً»، رغم استمرار التوترات التجارية.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

اقترحت فرنسا وألمانيا أن يعتمد الاتحاد الأوروبي أداة جديدة تتيح له التحرك بسرعة للرد على الدول التي تلحق ضرراً باقتصاده.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
الاقتصاد رجل يقف بجوار شعار اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين في بوينس آيرس بالأرجنتين (رويترز)

وزراء التجارة الـ20 يفتتحون محادثاتهم في الولايات المتحدة

يبدأ وزراء التجارة في مجموعة العشرين محادثاتهم، الأربعاء، في الولايات المتحدة، وسط أجواء متوترة بفعل الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (ميلووكي (الولايات المتحدة))

تركيا ستحصل على جزء من إمدادات الديزل الروسية للأسواق العالمية

مصنع تسييل الغاز التابع لمشروع «سخالين 2» بمدينة بريجورودنوي في روسيا (رويترز)
مصنع تسييل الغاز التابع لمشروع «سخالين 2» بمدينة بريجورودنوي في روسيا (رويترز)
TT

تركيا ستحصل على جزء من إمدادات الديزل الروسية للأسواق العالمية

مصنع تسييل الغاز التابع لمشروع «سخالين 2» بمدينة بريجورودنوي في روسيا (رويترز)
مصنع تسييل الغاز التابع لمشروع «سخالين 2» بمدينة بريجورودنوي في روسيا (رويترز)

قال وزير الطاقة التركي، ألب أرسلان بيرقدار، الأحد، إن بلاده ستحصل على جزء من كميات الديزل التي ستوردها روسيا إلى الأسواق العالمية، بموجب اتفاق توصلت إليه مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وأشار بيرقدار إلى أن اتفاق توريد الديزل بين أميركا وروسيا يحظى بأهمية بالغة لأمن الطاقة في تركيا.

وتعتمد أنقرة على روسيا في تلبية جزء من احتياجاتها من الطاقة، إلى جانب اعتمادها على إيران وأذربيجان ودول أخرى، في حين تسعى حالياً إلى تنويع مصادرها من خلال إبرام اتفاقيات مع أميركا وشركاء آخرين.

وقال بيرقدار، في تصريحات تلفزيونية: «فرضت روسيا قيوداً على صادرات الديزل في الأشهر الأخيرة عندما بدأت تواجه هذه المشكلة. والآن، توصلت إلى اتفاق بشأن الديزل مع ترمب... ومن خلال المحادثات التي أجريناها، فسنحصل على جزء من هذا الديزل لمصلحة تركيا».

ولم يقدم الوزير مزيداً من التفاصيل.

وقد قوبل هذا الاتفاق بانتقادات حادة من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ومسؤولين أوروبيين، وبعض السياسيين الجمهوريين من حزب ترمب نفسه.

الغاز

كما ذكر بيرقدار أن تركيا تخطط لتشغيل منصة ثانية عائمة لإنتاج الغاز في الربع الأول من عام 2028، موضحاً أن هذه المنصة سترفع إجمالي الإنتاج اليومي لتركيا في البحر الأسود إلى 45 مليون متر مكعب.

وكانت تركيا قد أرسلت يوم السبت أول منصة عائمة لإنتاج الغاز، وتُدعى «عثمان غازي»، إلى البحر الأسود.

ووفق بيرقدار، فإن من المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى مضاعفة الإنتاج اليومي من أكبر حقل غاز محلي، وهو حقل «صقاريا»، ليصل إلى 20 مليون متر مكعب، ارتفاعاً من المستوى الحالي البالغ 9.5 مليون متر مكعب (أي ما يعادل 7.3 مليار متر مكعب سنوياً).

وقال الوزير: «في الربع الأول من عام 2028، ستصل المنصة العائمة الثانية إلى تركيا، وسنتمكن عبرها من إنتاج 25 مليون متر مكعب. وتتمتع هذه المنصة بقدرة إنتاجية أكبر قليلاً من منصة (عثمان غازي)».

وأضاف: «بذلك، ومع الوصول إلى إنتاج قدره 45 مليون متر مكعب، فسنكون قادرين على تلبية احتياجات 3 من كل 4 منازل في تركيا باستخدام غازنا المحلي».

وأوضح أن الإنتاج اليومي لتركيا من الحقل سيرتفع إلى 550 ألف برميل من المكافئ النفطي مع دخول منصة عائمة ثانية إلى الخدمة.

وتعدّ تركيا من كبرى أسواق الغاز في أوروبا، حيث بلغ استهلاكها 59 مليار متر مكعب في العام الماضي. وتعتمد البلاد شبه كلياً على الاستيراد لتلبية جميع احتياجاتها من الغاز؛ إذ بلغ الإنتاج المحلي 3.1 مليار متر مكعب فقط في العام الماضي، جاء معظمه من حقل «صقاريا».

وذكر بيرقدار أن عمليات التنقيب عن الهيدروكربونات المخطط لها قبالة سواحل باكستان قد تأجلت لنحو 6 أشهر؛ وذلك بسبب تداعيات حرب إيران.


ما الذي يعطل الاتفاق التجاري بين أميركا والهند؟

ترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يتصافحان خلال حضورهما مؤتمراً صحافياً بالبيت الأبيض في واشنطن يوم 13 فبراير 2025 (رويترز)
ترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يتصافحان خلال حضورهما مؤتمراً صحافياً بالبيت الأبيض في واشنطن يوم 13 فبراير 2025 (رويترز)
TT

ما الذي يعطل الاتفاق التجاري بين أميركا والهند؟

ترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يتصافحان خلال حضورهما مؤتمراً صحافياً بالبيت الأبيض في واشنطن يوم 13 فبراير 2025 (رويترز)
ترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يتصافحان خلال حضورهما مؤتمراً صحافياً بالبيت الأبيض في واشنطن يوم 13 فبراير 2025 (رويترز)

من المقرر أن يزور وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الهند لثاني مرة هذا العام، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تعزيز علاقاتها بشريك استراتيجي، رغم أشهر من التوتر بشأن اتفاق تجاري.

وسيلتقي روبيو كبار المسؤولين في الهند، لكنه لن يزور العاصمة الهندية خلال رحلته الأسبوع المقبل.

وبدلاً من ذلك، فسيركز على مجالي الاستثمار والطاقة من خلال زياراته إلى المركز المالي «مومباي»، ومدينة غامناغار؛ مركز صناعة النفط في الهند، التي تضم مجمع التكرير التابع للملياردير موكيش أمباني، وهو الأكبر من نوعه في العالم.

ويرى خبراء أن القضية الأبرز - التي قد لا تُطرح صراحة لكنها حاضرة بقوة - هي عجز البلدين عن إبرام الاتفاق التجاري الذي طال انتظاره.

وقد أسهمت عوامل عدة في تعقيد مهمة المفاوضين للتوصل إلى اتفاق، منها حملة الرسوم الجمركية المتبادلة التي بدأ شنها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، والخلافات بشأن واردات الطاقة، وتقارب واشنطن مع باكستان؛ الخصم اللدود للهند.

ووفقاً لوزارة الخارجية الأميركية، فسيبدأ روبيو جولته الخارجية التي تستغرق 6 أيام يوم الأحد، حيث سيزور أوزبكستان أولاً قبل وصوله إلى الهند.

لماذا تأخر إبرام الاتفاق؟

اتفقت الهند والولايات المتحدة، في فبراير (شباط) الماضي، على إطار عمل لاتفاق مؤقت، يقضي بخفض واشنطن رسومها الجمركية من 25 إلى 18 في المائة، مقابل خفض الهند الرسوم على مجموعة من السلع الصناعية والزراعية.

ورغم مرور أشهر من المفاوضات، فإنه لم يتم الانتهاء من الاتفاق أو توقيعه حتى الآن.

وأحد الأسباب هو حالة «عدم اليقين القانوني» المحيطة بخطط ترمب بشأن الرسوم الجمركية، وذلك بعد أن أدت طعون قضائية إلى تقويض الرسوم المتبادلة التي كانت تشكل أساس هذا الاتفاق.

وفي مذكرة له، أوضح خبير التجارة أجاي سريفاستافا قائلاً: «كان إطار عمل فبراير الماضي يتضمن خفضاً للرسوم الجمركية، وذلك مقابل تقديم الهند تنازلات جوهرية. ولكن بمجرد إلغاء ذلك النظام الجمركي، أصبحت قيمة العرض الأميركي غير واضحة».

وتشعر الهند أيضاً بالقلق إزاء تدابير تجارية جديدة من جانب واشنطن قد تؤثر عليها، بما في ذلك تحقيق بشأن ممارسات غير عادلة مزعومة في دول عدة، وقانون جديد يسمح بفرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الدول التي تشتري النفط الروسي.

ويوم الجمعة، وقع ترمب أمراً تنفيذياً يعفي الدول من تلك العقوبات التي كانت تلوح في الأفق.

ما وضع المفاوضات؟

يبدو أن التقدم في المفاوضات قد واجه عقبات عدة. فعلى مدار العام الحالي، تحدثت كلتا الحكومتين بتفاؤل بشأن إمكانية إبرام اتفاق مؤقت.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، صرح السفير الأميركي لدى الهند، سيرجيو غور، بأن المفاوضين يعملون على وضع اللمسات الأخيرة - أو ما سماه «الواحد في المائة الأخير» - من الاتفاق. لكن مؤخراً، أصبحت النبرة أكبر حذراً بشكل ملحوظ. فقد ذكرت وزيرة المالية الهندية، نيرمالا سيتارامان، الأسبوع الماضي أن المحادثات وصلت إلى «مرحلة جمود»، مع وجود مساحة ضئيلة لتقديم مزيد من التنازلات.

وجاءت تصريحاتها بعد أيام من قول الممثل التجاري الأميركي، جميسون غرير، إن الإعلان عن الاتفاق ليس «وشيكاً».

ما نقاط الخلاف الرئيسية؟

لا يزال قطاع الزراعة يمثل منطقة حساسة بالنسبة إلى الهند، التي تبدي تردداً في تعريض مزارعيها لمزيد من المنافسة الأجنبية.

وفي المقابل، ترغب واشنطن أن تزيد الهند من مشترياتها من إمدادات الطاقة الأميركية.

كما أصرت نيودلهي على أن تكون معدلات الرسوم الجمركية النهائية تنافسية، بحيث تضاهي تلك التي تحصل عليها دول أخرى منافسة في المنطقة، مثل فيتنام.

وصرح وزير التجارة الهندي، بيوش غويال، الأسبوع الماضي، بأن المرحلة الأولى من الاتفاق باتت في مراحلها النهائية، لكنه أضاف أنها لن تدخل حيز التنفيذ إلا بعد أن تضمن الهند ميزة مقارنة بمنافسيها.

وقال: «نحن نعمل على وضع اللمسات النهائية والصياغة القانونية، ونأمل إنجاز ذلك قريباً، بحيث يدخل الاتفاق حيز التنفيذ بمجرد حصولنا على ميزة تنافسية مقارنة بالدول الأخرى المنافسة لنا».

ما وضع التجارة حالياً؟

قفزت صادرات السلع إلى الولايات المتحدة 21 في المائة خلال أغسطس (آب) الماضي لتصل إلى 8.3 مليار دولار مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، وهي الفترة التي كانت تواجه فيها الهند رسوماً جمركية بنسبة 50 في المائة.

وقد مثّل هذا الارتفاع في الصادرات نقطة مضيئة للاقتصاد الهندي، الذي عانى من اضطرابات بسبب ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط.

ويرى خبراء اقتصاديون أن عودة فرض تعريفات جمركية أعلى من شأنها أن تلقي بظلالها على آفاق النمو في الهند، وتضر بمعنويات السوق، وتزيد الضغوط على الروبية التي تعاني أصلاً من الضعف.


فنزويلا تتوقع استثمارات نفطية بـ76 مليار دولار على مدى 5 سنوات

محطة لمعالجة النفط الخام في فنزويلا (رويترز)
محطة لمعالجة النفط الخام في فنزويلا (رويترز)
TT

فنزويلا تتوقع استثمارات نفطية بـ76 مليار دولار على مدى 5 سنوات

محطة لمعالجة النفط الخام في فنزويلا (رويترز)
محطة لمعالجة النفط الخام في فنزويلا (رويترز)

صرحت الرئيسة الفنزويلية بالإنابة، ديلسي رودريغيز، بأن بلادها تتوقع استثمارات نفطية بنحو 76 مليار دولار على مدى السنوات الـ5 المقبلة، وذلك بموجب اتفاقيات وُقِّعت مؤخراً.

وأوضحت أن الاتفاق الثنائي مع الولايات المتحدة يتضمن خططاً لتشغيل 250 منصة حفر.

ومنذ إطاحة الرئيس نيكولاس مادورو في يناير (كانون الثاني) الماضي، بدأت البلاد إعادة فتح قطاع الطاقة أمام الاستثمارات الأجنبية، بدعم من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقد تسهم هذه الصفقات في إنعاش الإنتاج بفنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطات مؤكدة من النفط الخام في العالم، لكن مستويات إنتاجها الحالية تقل كثيراً عما كانت عليه قبل عقد من الزمن.

وقالت رودريغيز، في تصريحات عبر التلفزيون الوطني مساء السبت، إن هذه الاستثمارات ستعود بفوائد مباشرة على فنزويلا وشركائها في آن معاً، مشيرة إلى أن الاتفاق الثنائي مع الولايات المتحدة يغطي 17 حقلاً نفطياً، ويُعدّ جزءاً من حزمة أوسع تضم 61 اتفاقية وُقِّعت بين الطرفين.

وأضافت: «هناك استثمارات كبرى في الطريق؛ نحن نتحدث عن استثمارات بنحو 76 مليار دولار على مدى 5 سنوات. ستترجم هذه الاستثمارات إلى فوائد مباشرة لبلادنا في إطار شراكة قائمة على مبدأ الربح المتبادل، حيث سيستفيد شركاؤنا أيضاً».

كما سلطت رودريغيز الضوء على تعافي إنتاج النفط في ولاية زوليا الواقعة غرب البلاد. وذكرت أن الإنتاج هناك ارتفع من 70 ألف برميل يومياً إلى 370 ألف برميل يومياً، مضيفة أنه من المتوقع أن يصل إلى 400 ألف برميل يومياً بحلول نهاية العام. ولم توضح المدة الزمنية التي شهدت هذه الزيادة.

وقد عانى إنتاج النفط في فنزويلا من سنوات من نقص الاستثمار، ومشكلات تشغيلية في شركة النفط الوطنية «بي دي في إس إيه»، بالإضافة إلى العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على قطاع الطاقة.