صندوق النقد الدولي يشيد بسياسات السعودية المالية وبنجاح استراتيجيات التنوع

رئيس البعثة لـ«الشرق الأوسط»: لا حاجة لخفض إضافي في الإنفاق حتى لو تراجع النفط

صندوق النقد الدولي يشيد بسياسات السعودية المالية وبنجاح استراتيجيات التنوع
TT

صندوق النقد الدولي يشيد بسياسات السعودية المالية وبنجاح استراتيجيات التنوع

صندوق النقد الدولي يشيد بسياسات السعودية المالية وبنجاح استراتيجيات التنوع

أشاد المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بالأداء القوي للاقتصاد السعودي وقدرته على الصمود في مواجهة الصدمات الخارجية، وبسياسات المملكة المالية ونجاح استراتيجيات التنوع الاقتصادي، مؤكداً أن الآفاق المستقبلية لا تزال قوية، رغم تصاعد حالة عدم اليقين العالمي وتراجع أسعار السلع الأولية. كما شدد على أهمية مواصلة الإصلاحات الهيكلية للحفاظ على النمو في القطاع غير النفطي، والدفع نحو تحقيق تنويع اقتصادي شامل، بصرف النظر عن تطورات أسعار النفط.

يعكس هذا التقييم الدولي نجاح السياسات الاقتصادية السعودية في استمرار تنفيذ مستهدفات «رؤية 2030» وتحقيق توازن بين الاستقرار المالي والتحول الهيكلي، بما يعزز من قدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية وتحقيق أهدافها التنموية طويلة المدى. ورحب وزير المالية السعودي محمد الجدعان بنتائج التقرير، وبما «تضمّنه من إشادات بمتانة اقتصادنا المتنوع وقدرته على الصمود في وجه الصدمات العالمية، والذي نسير من خلاله بخطى ثابتة نحو تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030»، وفق ما كتب على حسابه الخاص على منصة إكس.

ووفقاً لبيان صدر بعد اختتام المجلس التنفيذي مشاورات المادة الرابعة مع المملكة، يوم الاثنين، فإن الاقتصاد السعودي يواصل إظهار مرونة ملحوظة، مدعوماً بنمو الأنشطة غير النفطية، واحتواء التضخم، بالإضافة إلى انخفاض معدلات البطالة إلى مستويات قياسية وصلت إلى 7 في المائة في الربع الرابع من العام 2024، متجاوزةً مستهدف «رؤية 2030» في وقت مبكر والذي تم تحديثه ليصبح 5 في المائة بحلول العام 2030.

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا ووزير المالية السعودي محمد الجدعان خلال اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التابعة للصندوق (أ.ف.ب)

كانت بعثة من الصندوق، برئاسة أمين ماتي، قد زارت المملكة في الفترة بين 12 و26 مايو (أيار) الماضي، حيث أجرت مشاورات المادة الرابعة لعام 2025، ثم أصدرت بيانها الختامي في 26 يونيو (حزيران)، لترفع بعدها تقريرها إلى المجلس التنفيذي؛ لاتخاذ القرار النهائي.

وجاء تقرير المادة الرابعة بعد أيام على رفع الصندوق توقعاته للنمو الاقتصادي في المملكة إلى ما نسبته 3.6 في المائة في 2025، من 3 في المائة في توقعاته السابقة لأبريل (نيسان)، و3.9 في المائة لعام 2026 (من 3.7 في المائة).

رئيس بعثة صندوق النقد الدولي أمين ماتي خلال لقائه وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي فيصل الإبراهيم (الوزارة)

لا حاجة لخفض الإنفاق

وقال ماتي خلال مؤتمر صحافي عرض خلاله أبرز ما جاء في تقرير المجلس التفيذي، إن المملكة خفضت إنفاقها بشكل كافٍ هذا العام، وقد لا تحتاج إلى إجراء المزيد من التعديلات المالية حتى في حال ضعف أسعار النفط الخام.

أضاف في رده على سؤال «الشرق الأوسط» حول توصية الصندوق انتهاج سياسة مالية معاكسة للاتجاهات الدورية، أن الصندوق «لا يعتقد أن هناك حاجة لاتخاذ المزيد من الإجراءات لخفض الإنفاق أو التعديل المالي لهذا العام».

وكانت المملكة أعلنت في أواخر عام 2024 أنها ستخفض نفقاتها لعام 2025 إلى 1.285 تريليون ريال (342 مليار دولار)، بعد تجاوزها الأهداف السابقة بهدف تسريع التقدم في خطط تنويع الاقتصاد.

ويتوقع الصندوق أن يرتفع عجز الموازنة إلى 4 في المائة هذا العام، وهو مستوى وصفه ماتي، بأنه «مناسب تماماً» نظراً للمستوى الكافي من الاحتياطيات الأجنبية للمملكة. وتتوقع الحكومة السعودية عجزًا أقل بنسبة 2.3 في المائة لهذا العام.

نمو غير نفطي وتوصيات للسياسة المالية

وأكد الصندوق في تقريره أن إجمالي الناتج المحلي الحقيقي غير النفطي حقق نمواً بنسبة 4.5 في المائة خلال عام 2024، مدفوعاً بقطاعات حيوية مثل التجارة بالتجزئة والضيافة والبناء، وذلك في تأكيد على نجاح استراتيجيات التنوع الاقتصادي التي تنفذها المملكة تماشياً مع مستهدفات «رؤية 2030».

وفي المقابل، أدى قرار خفض الإنتاج، بموجب اتفاق «أوبك بلس»، إلى انخفاض إجمالي الناتج المحلي النفطي بنسبة 4.4 في المائة، وتراجع النمو الكلي إلى 2 في المائة. ورغم ذلك، ظل التضخم قيد الاحتواء مع استمرار تباطؤ الارتفاع في إيجارات المساكن، ووصل معدل بطالة المواطنين السعوديين إلى أدنى مستوى قياسي له.

ولفت الصندوق إلى أن الميزان التجاري قد تحوّل من فائض نسبته 2.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي إلى عجز طفيف بلغ 0.5 في المائة، يجري تمويله من خلال الاقتراض الخارجي والحد من تراكم الأصول بالنقد الأجنبي في الخارج. ومع ذلك، تظل هوامش الأمان الاحتياطية لدى البنك المركزي السعودي «ساما» قوية، حيث استقر صافي الأصول الأجنبية لدى «ساما» عند 415 مليار دولار، وهو ما يغطي 187 في المائة من مقياس صندوق النقد الدولي لكفاية الاحتياطيات.

توقعات مستقبلية

وتوقّع الصندوق أن يبقى الطلب المحلي قوياً، وأن يدفع النمو غير النفطي إلى مستوى أعلى من 3.5 في المائة على المدى المتوسط، وذلك بفضل الاستمرار في تنفيذ مشروعات «رؤية 2030»، واستضافة فعاليات دولية كبرى.

كما توقّع تسارع وتيرة إجمالي الناتج المحلي الحقيقي إلى 3.9 في المائة بحلول عام 2026، يدعمه الإلغاء التدريجي المستمر لخفض الإنتاج، بموجب اتفاق «أوبك بلس».

ومن المتوقع أن يظل التضخم قيد الاحتواء، في حين يُتوقع استمرار عجز الحساب الجاري على المدى المتوسط نتيجة زيادة الواردات المرتبطة بالاستثمار والتدفقات الخارجة من تحويلات العاملين الوافدين. كما توقّع أن تظل هوامش الأمان الاحتياطية ملائمة، حيث يُتوقع تمويل عجز الحساب الجاري، من خلال السحب من الودائع، والحد من تراكم الأصول بالنقد الأجنبي في الخارج، وزيادة الاقتراض الخارجي.

مساحة إلى الأسواق الخارجية

وتوقّع التقرير أن تسجل نسبة الدين إلى الناتج المحلي ما نسبته 29.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، وأن ترتفع إلى 32.6 في المائة خلال عام 2026. ويرى أنه لا يزال لدى السعودية مساحة للوصول إلى الأسواق الخارجية، مع زيادة طفيفة في حصة الدين بالعملة الأجنبية بمرور الوقت.

وسجل الدين العام للمملكة انخفاضاً إلى 26.2 في المائة من الناتح المحلي الإجمالي في 2024، محققاً أحد أفضل المعدلات بين دول مجموعة العشرين.

وتوقع الصندوق أن يرتفع إجمالي الدين العام للبلاد بشكل معتدل، بمرور الوقت، «لكنه سيبقى ضمن المعدلات الطبيعية، مدعوماً بجهود ضبط الأوضاع المالية واستراتيجيات إصدار الديون».

ومن جهة أخرى، أشار الصندوق إلى مخاطر التطورات السلبية المحتملة على المدى القريب، مثل ضعف الطلب على النفط نتيجة التوترات التجارية، وانخفاض الإنفاق الحكومي، والمخاطر الأمنية الإقليمية. وفي المقابل، أشار إلى أن ارتفاع إنتاج النفط أو تنفيذ استثمارات إضافية ضمن «رؤية 2030» يمكن أن يدعم النمو.

سياسة مالية تدعم النمو

أثنى المديرون التنفيذيون على التقدم الذي حققته السلطات في تقوية مؤسسات المالية العامة. وحثوا على مواصلة الجهود لتعزيز إطار المالية العامة متوسط الأجل. وأثنوا على انتقال الحكومة إلى التخطيط المالي متوسط المدى لمدة خمس سنوات، والنهج الاستباقي المتبع في تحديد سقوف الإنفاق لجميع الجهات حتى العام 2030. وأوصوا بانتهاج سياسة مالية معاكسة للاتجاهات الدورية على المدى القريب لدعم النمو.

إحدى الأسواق السعودية (واس)

إصلاحات مالية ومصرفية تعزز الاستقرار

وفيما يخص القطاع المصرفي، أكد المديرون أنه لا يزال يتمتع بمستويات جيدة من رأس المال والربحية، مع أوضاع سيولة كافية. ورحّبوا بمواصلة التقدم في تنفيذ الإصلاحات التنظيمية والرقابية، وحثّوا على سرعة اعتماد نظام المصارف، والانتهاء من وضع إطار شامل لإدارة الأزمات. كما أشادوا بيقظة البنك المركزي السعودي في رصد المخاطر المحتملة واستخدامه الاستباقي لأدوات السلامة الاحترازية الكلية، مثل تحديد هامش أمان رأسمالي معاكس للتقلبات الدورية.

في نهاية العام 2024، سجل القطاع المصرفي السعودي متانة عالية مع انخفاض القروض المتعثرة إلى 1.2 في المائة.

ورحّب المديرون كذلك بمواصلة التقدم في تعميق السوق المالية المحلية، وهو أمر مهم للمساعدة على تنويع مصادر التمويل.

وسلّط الصندوق الضوء على التقدم الكبير في شفافية المالية العامة. كما أشاد بالجهود المبذولة في تحليل المخاطر، بما فيها الالتزامات المحتملة. وأشار المديرون إلى أن ضيق فروق العائد على السندات السيادية بعد إصدارها مؤخراً يعكس زيادة ثقة المستثمرين في استدامة سياسات المالية العامة.

إحدى الفعاليات في الرياض التي شهدت مشاركة واسعة (الشرق الأوسط)

استضافة مباريات كاس العالم

ووفق تقرير الصندوق، تتضمن استعدادات المملكة لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2034 إنفاق ما يقرب من 26 مليار دولار على البنية التحتية، بما يتماشى مع «رؤية 2030»، متوقعاً أن تسهم بما يتراوح بين 9 مليارات و14 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي للسعودية.

وسلط التقرير الضوء على قانون الاستثمار المحدث، مؤكداً أنه يضمن المساواة في المعاملة بين المستثمرين المحليين والأجانب من حيث الحقوق والالتزامات.

زخم الإصلاح الهيكلي للمستقبل

أشاد المديرون التنفيذيون بالإصلاحات الهيكلية «المثيرة للإعجاب» التي قامت بها المملكة منذ عام 2016، مؤكدين أهمية الحفاظ على هذا الزخم، بغضّ النظر عن تقلبات أسعار النفط. ورحّبوا، بشكل خاص، بالتحسن في البيئة التنظيمية وبيئة الأعمال، وبمشاركة المرأة في سوق العمل، وتطوير رأس المال البشري. ودعوا إلى مواصلة الجهود لجذب استثمارات القطاع الخاص للمُضي قُدماً في تنويع النشاط الاقتصادي.

واختتم الصندوق بيانه بالإشادة بدور المملكة القيادي في المنطقة، ودورها في تحقيق الاستقرار، ومشاركتها الفعالة في المنتديات الدولية متعددة الأطراف مثل مجموعة العشرين، مؤكداً أهمية استمرار مساهماتها في معالجة التحديات العالمية.

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

لبنان يعدّل قانون المصارف المعلّق على تشريعات معالجة «الفجوة»

المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام يتوسط وزير المال ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط خلال الجلسة التشريعية بمجلس النواب (إعلام البرلمان)

لبنان يعدّل قانون المصارف المعلّق على تشريعات معالجة «الفجوة»

قضت التسوية التي اعتُمدت في إقرار «التعديلات»، وفق مسؤول مالي معني، بضرورة «مسايرة» تعليمات «صندوق النقد»، وحفظ الاستجابة لهواجس السلطة النقدية...

علي زين الدين (بيروت)
الاقتصاد مركبات في أحد ميادين دمشق (رويترز)

صندوق النقد الدولي يوافق على برنامج مساعدات فنية لسوريا

أعلن صندوق النقد الدولي، الثلاثاء، عن موافقته على برنامج مساعدات فنية واسع النطاق لسوريا التي مزقتها الحرب، حيث تعمل الحكومة الجديدة على إعادة بناء الاقتصاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا تعتبر الحكومة تقرير «الصندوق» شهادة على الأداء الاقتصادي (رويترز)

تمويل جديد من «صندوق النقد» يحصّن الاقتصاد المصري من الاضطرابات المتصاعدة

تعول مصر على صرف التمويل الجديد من «صندوق النقد الدولي» لتحصين الاقتصاد من الاضطرابات المتصاعدة في المنطقة.

أحمد عدلي (القاهرة)
الاقتصاد طفل يلهو بطائرة ورقية أمام مسجد السلطان قايتباي في وسط العاصمة المصرية القاهرة (رويترز)

صندوق النقد يفرج عن 1.8 مليار دولار لمصر بعد المراجعة السابعة

أعلن صندوق النقد الدولي أنه أنهى مراجعتين لبعض التسهيلات المُقدمة لمصر، مما يُتيح للبلاد الحصول على نحو 1.8 مليار دولار

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد صورة للمركز المالي بالعاصمة الرياض من قلب المترو (واس)

«صندوق النقد» يرفع آفاق الاقتصاد السعودي... والأنشطة غير النفطية تدعم النمو

توقع محللون أن تواصل السعودية متانة اقتصادها خلال السنوات المقبلة، مدعومة بقوة الأنشطة غير النفطية والإصلاحات الاقتصادية وثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية.

عبير حمدي (الرياض)

كوريا الجنوبية تقيل كبير المفاوضين التجاريين وسط تصاعد التوترات مع أميركا

شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)
شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)
TT

كوريا الجنوبية تقيل كبير المفاوضين التجاريين وسط تصاعد التوترات مع أميركا

شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)
شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)

أقالت الحكومة الكورية الجنوبية، السبت، كبير مفاوضيها التجاريين، وذلك في وقت تشهد فيه العلاقات التجارية بين سيول وواشنطن تزايداً في حدة التوتر، على خلفية ملفات عالقة وضغوط أميركية متزايدة بشأن الرسوم الجمركية.

وأفاد مسؤول في وزارة التجارة والصناعة والطاقة، يوم الجمعة، بأن يو هان - كو تلقى إخطاراً بإقالته من وزارة إدارة الموارد البشرية، دون الكشف عن أي تفاصيل إضافية حول أسباب القرار.

وأكد مسؤول حكومي، في تصريح لـ«وكالة يونهاب الكورية الجنوبية للأنباء»، أن إقالة يو «ليست لها أي صلة بمفاوضات الرسوم الجمركية الجارية بين سيول وواشنطن».

غير أن أنباء تداولتها وسائل الإعلام ربطت الإقالة بسلوك شخصي غير لائق، وهو ما نفاه يو، في بيان له، واصفاً تلك المزاعم بأنها «لا أساس لها من الصحة»، ومشيراً إلى إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية ضد ما وصفها بـ«التقارير المضللة».

تأتي هذه الإقالة في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ تواجه سيول ضغوطاً أميركية متصاعدة للإسراع في تنفيذ التزاماتها الاستثمارية، بموجب اتفاقية الرسوم الجمركية الثنائية، إلى جانب نزاع قائم حول الغرامات المفروضة على شركة «كوبانغ» العملاقة للتجارة الإلكترونية المدرجة في بورصة نيويورك، بسبب اختراق بيانات شخصية.


السعودية تمضي بتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة

السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
TT

السعودية تمضي بتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة

السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)

في وقت تزداد فيه حالة عدم اليقين التي تحيط بالاقتصاد العالمي، على وقع تداعيات الحرب الأميركية-الإيرانية والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز، والمخاطر التي تواجه الملاحة في عدد من الممرات البحرية الحيوية، تكثّف السعودية مبادراتها الإقليمية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار، انطلاقاً من رؤية تربط بين خفض المخاطر الجيوسياسية وتهيئة البيئة اللازمة للنمو والتنمية وجذب الاستثمارات.

ويبرز في هذا السياق «اتفاق مكة» بين السعودية وتركيا وباكستان، بوصفه إحدى المبادرات التي يعوّل عليها مختصون في تعزيز الاستقرار الإقليمي، ورفع مستوى الثقة بالبيئة الاقتصادية والاستثمارية، في منطقة تحتل موقعاً محورياً في أسواق الطاقة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

ويرى مختصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن التحركات السعودية لا تنفصل عن استراتيجية أوسع تستهدف بناء بيئة إقليمية أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة الصدمات، مؤكدين أن تعزيز الأمن ينعكس بصورة مباشرة على استدامة إمدادات الطاقة وسلامة طرق الملاحة وحركة التجارة والاستثمار، ويمهد في الوقت نفسه لتوسيع نطاق التكامل الاقتصادي والمشروعات المشتركة بين دول المنطقة.

كما أشاروا إلى أن أهمية المبادرات السعودية تتجاوز الأبعاد الأمنية المباشرة إلى دعم مسار التنمية، من خلال خفض مستويات المخاطر، وتعزيز اليقين لدى المستثمرين، وتهيئة المجال أمام شراكات جديدة في قطاعات الطاقة والصناعة والتقنية والتعدين والخدمات اللوجستية والصناعات الدفاعية.

استقرار إمدادات الطاقة والملاحة

وقال عضو مجلس الشورى، فضل بن سعد البوعينين، لـ«الشرق الأوسط»، إن المبادرات التي تتبناها السعودية، وفي مقدمتها «اتفاق مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وباكستان وتركيا، يمكن أن تنعكس آثارها على الاقتصاد العالمي والأمن الغذائي والتجارة الدولية، بالنظر إلى الثقل الاقتصادي والاستراتيجي للمنطقة.

وأضاف أن المنطقة تصدّر ما يقارب خُمس احتياجات العالم من النفط، إلى جانب الغاز والمغذيات الزراعية، ما يجعل استقرارها وأمنها عاملَين أساسيين في ضمان استمرارية إمدادات الطاقة وسلامة خطوط الملاحة البحرية.

وأوضح البوعينين أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يولي التنمية الاقتصادية أهمية كبيرة بوصفها قاعدة لازدهار الشعوب والدول، مع التركيز على تدفق الاستثمارات بوصفه أحد محركات التنمية، بالتوازي مع تعزيز قدرات المملكة في قطاع الطاقة والمحافظة على مكانتها المؤثرة في منظومة الإمدادات العالمية.

ويرى أن المساعي السعودية تستهدف تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة بما ينعكس إيجاباً على اقتصاد المملكة واقتصادات دولها، مشيراً إلى أن التنمية تحتاج إلى قاعدة مستقرة يمكن البناء عليها، وأن الاتفاق الدفاعي يُسهم في تعزيز الردع وخفض المخاطر التي يمكن أن تؤثر في النشاط الاقتصادي.

ولفت إلى أن المستثمرين يضعون استقرار البيئة الاستثمارية ضمن أولوياتهم عند اتخاذ القرارات، وبالتالي فإن تعزيز الأمن الإقليمي ووضوح الرؤية الاقتصادية يمثّلان عاملين داعمين لجاذبية السوق السعودية، في ظل ما توفره من فرص استثمارية متنوعة.

وحسب البوعينين، فإن «اتفاق مكة» يبعث برسائل طمأنة إلى المستثمرين المحليين والأجانب، كما يعزز الثقة باستدامة إمدادات الطاقة وحماية المنشآت الحيوية، وهو ما يمكن أن ينعكس على وتيرة المشروعات وتدفقات الاستثمار والتبادل التجاري.

وأكد أن السعودية تراهن على «رؤية 2030» وبرامجها التنموية التي تتطلّب استثمارات كبيرة، ما يجعل رفع مستوى اليقين الاقتصادي وخفض الضبابية الجيوسياسية عنصراً مهماً لدعم تدفقات رؤوس الأموال وتنفيذ المشروعات.

وأضاف أن تعزيز منظومة الأمن الإقليمي من شأنه تشجيع المستثمرين على اقتناص الفرص والمشاركة في المشروعات التنموية، مع امتداد الآثار الإيجابية إلى اقتصادات المنطقة عموماً، وليس الاقتصاد السعودي فحسب.

وأشار البوعينين إلى أن توقيع الاتفاق بعد سنوات من المباحثات يعكس عمق العلاقات بين السعودية وتركيا وباكستان، ويفتح المجال أمام مرحلة أوسع من التعاون، بما يدعم جهود إرساء الأمن والاستقرار والازدهار.

ويرى أن التحركات التي يقودها ولي العهد السعودي أسهمت في تعزيز دور الدبلوماسية والحوار السياسي في التعامل مع أزمات المنطقة، إلى جانب توحيد الجهود في مواجهة التحديات، بما يدعم الأمن والاستقرار ويوفر أرضية أكثر صلابة للبرامج الاقتصادية والتنموية.

تكامل اقتصادي يتشكل

من جهته، قال رجل الأعمال السعودي عبد الله بن زيد المليحي، الرئيس التنفيذي لشركة «التميز» السعودية القابضة للتقنية، إن السعودية تواصل العمل على تعزيز الثقة بالاقتصادَيْن المحلي والإقليمي، مشيراً إلى أن «اتفاق مكة» يأتي ضمن المبادرات التي يمكن أن تعزّز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً، وتفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون والتكامل الاقتصادي.

وأوضح المليحي لـ«الشرق الأوسط» أن الخطوات السعودية لتعزيز الأمن والاستقرار تنعكس على البيئة الاقتصادية والاستثمارية، لافتاً إلى أن التقارب السعودي-التركي-الباكستاني يوفّر أرضية لتطوير العمل المشترك سياسياً واقتصادياً ودفاعياً وبشرياً.

وأضاف أن المملكة رسخت دورها بوصفها قوة سياسية واقتصادية مؤثرة، من خلال بناء شراكات استراتيجية تستهدف تحقيق المصالح المشتركة ودعم أمن المنطقة واستقرارها.

ويرى المليحي أن استراتيجية السعودية القائمة على تعزيز الاستقرار وبناء شراكات طويلة الأجل تساعد في توفير بيئة أكثر جاذبية للاستثمارات، وتفتح فرصاً أمام القطاع الخاص في الصناعة والتقنية والطاقة والتعدين والخدمات اللوجستية والصناعات الدفاعية والتجارة.

وأشار إلى أن السعودية تمتلك اقتصاداً كبيراً وموقعاً جغرافياً استراتيجياً وبرامج تحول طموحة ضمن «رؤية 2030».

وقال إن التقارب السياسي والأمني يمكن أن يتطور إلى شراكات اقتصادية أوسع يستفيد منها المستثمرون ورجال الأعمال، ولا سيما عبر المشروعات المشتركة ونقل المعرفة والتقنية وتوطين الصناعات وزيادة حجم التبادل التجاري.

وأكد المليحي أن الاقتصاد والتنمية والمواطن هم المستفيدون بصورة مباشرة من استقرار المنطقة، مشيراً إلى أن قوة المملكة السياسية وشراكاتها المتوازنة تمنح القطاع الخاص مزيداً من الثقة، وتعزز قدرتها على استقطاب رؤوس الأموال والتقنيات والشراكات الدولية.

وخلص إلى أن السعودية تتحرك وفق رؤية تجمع بين حماية مصالحها وتعزيز أمنها وبناء اقتصاد المستقبل، معتبراً أن «اتفاق مكة» يعزّز موقع المملكة في صياغة معادلات الأمن والتنمية والتعاون الإقليمي.

الطريق إلى التنمية المستدامة

بدوره، قال رئيس مركز الشروق للدراسات الاقتصادية في جازان، الدكتور عبد الرحمن باعشن، لـ«الشرق الأوسط»، إن السعودية تعزّز موثوقيتها الدولية من خلال تبني مبادرات تستهدف خفض المخاطر ودعم الاستقرار، ومن بينها «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، الذي يرى أنه يمكن أن يُسهم في رفع مستوى اليقين الاقتصادي في المنطقة، بعد التداعيات التي خلفتها الحرب الأميركية-الإيرانية والتوترات في مضيق هرمز.

وأضاف باعشن أن النهج السعودي القائم على الجمع بين التحرك السياسي والأمني والاقتصادي يدعم حالة التوازن الإقليمي، ويعزّز الثقة بالاقتصاد السعودي وبيئة الأعمال في المنطقة، وهو ما يمكن أن ينعكس على مستويات التجارة والاستثمار والشراكات الدولية، خصوصاً مع الدور المحوري للمملكة في أسواق الطاقة العالمية.

وتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة نشاطاً أكبر في الحركة التجارية والاستثمارية، ولا سيما في الصناعات التقنية المرتبطة بالدفاع، بالتوازي مع توسع الشراكات الاستراتيجية مع الدول التي تمتلك خبرات وقدرات متقدمة في هذه المجالات.

ويرى باعشن أن الاتفاق يمكن أن يوفّر مظلة داعمة لإطلاق مشروعات ومبادرات اقتصادية نوعية بين السعودية وتركيا وباكستان، وأن يمتد أثرها إلى شركائها الدوليين، بما يضع أسساً أوسع للتكامل الاقتصادي والتنمية المستدامة بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد.

وأشار إلى أن تطوير الشراكات في مجالات الصناعة والتقنية والطاقة وسلاسل الإمداد والبنية التحتية والنقل يمكن أن يحول التقارب الاستراتيجي بين الدول الثلاث إلى فرص اقتصادية ملموسة، ويزيد قدرة المنطقة على مواجهة الاضطرابات الخارجية.

وأكد أن جوهر المبادرات السعودية يتمثل في الربط بين الأمن والتنمية؛ إذ إن خفض التوترات وتعزيز استقرار المنطقة لا يقتصر أثرهما على الجانب السياسي، وإنما يمتد إلى حماية حركة التجارة وإمدادات الطاقة، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوفير قاعدة أكثر استدامة للنمو الاقتصادي الإقليمي.


العراق: خطط جديدة لمد أنابيب النفط والتصدير

عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
TT

العراق: خطط جديدة لمد أنابيب النفط والتصدير

عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)

أكد وزير النفط، باسم محمد خضير، السبت، أن الوزارة لديها خطط جديدة على مستوى مد الأنابيب والتصدير وتطوير الأسطول النفطي.

وقال وزير النفط في مؤتمر صحافي، وفقاً لـ«وكالة الأنباء العراقية»، إن «هدف الوزارة هو تطوير قطاع التصفية (المصافي) وتصدير المنتجات»، مشيراً إلى أنه «سيتم إغلاق ملف حرق الغاز نهاية 2029».

وأكمل: «لدينا خطط عديدة على مستوى مد الأنابيب والتصدير وتطوير الأسطول النفطي... سيكون هناك افتتاح لعدة مشروعات خلال الأيام المقبلة، وبدعم حكومي».

وأوضح أن «الاستثمار في العراق من قِبَل الشركات الأجنبية سيوفر عائدات مالية كبيرة ويقلل البطالة».