أزعور: بعثة من صندوق النقد الدولي في سوريا هذا الأسبوع لتقييم الأوضاع

قال لـ«الشرق الأوسط» إن السعودية تتكيف مع التحديات بفضل إصلاحاتها واحتياطياتها القوية

مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى د.جهاد أزعور متحدثاً خلال الجلسة في الرياض (تصوير: تركي العقيلي)
مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى د.جهاد أزعور متحدثاً خلال الجلسة في الرياض (تصوير: تركي العقيلي)
TT

أزعور: بعثة من صندوق النقد الدولي في سوريا هذا الأسبوع لتقييم الأوضاع

مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى د.جهاد أزعور متحدثاً خلال الجلسة في الرياض (تصوير: تركي العقيلي)
مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى د.جهاد أزعور متحدثاً خلال الجلسة في الرياض (تصوير: تركي العقيلي)

كشف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، عن توجه بعثة من الصندوق إلى سوريا هذا الأسبوع، في خطوة مهمة تهدف إلى تقييم الأوضاع المالية والاقتصادية عن كثب.

تأتي هذه الزيارة في سياق جهود دولية متزايدة لدعم إعادة تأهيل الاقتصاد السوري بعد سنوات من النزاع والعزلة، وبعد إعلان وزارة الخزانة الأميركية يوم الجمعة رسمياً رفع العقوبات عن سوريا.

وقال أزعور لـ«الشرق الأوسط» على هامش مشاركته في جلسة «التطورات والآفاق الاقتصادية العالمية والإقليمية» التي نظمها صندوق النقد الدولي الرياض، إن البعثة ستطّلع على واقع المؤسسات السورية، بما في ذلك المصرف المركزي ووزارة المالية وهيئات الإحصاء. وأوضح أن الهدف من هذه الزيارة هو تحديد الحاجات المتعلقة بالمؤسسات والدعم التقني المطلوب، من أجل وضع إطار تعاون شامل مع سوريا يحدد الأولويات لتأمين المشورة والدعم التقني وتدريب الكوادر الأساسية.

تعكس هذه الزيارة التزام الصندوق بالعمل بشكل مباشر مع السلطات السورية. ومن المقرر أن يزور أزعور دمشق أواخر يونيو (حزيران)، بعد أن ترفع البعثة تقريرها.

يأتي تحرك صندوق النقد الدولي بعد تعيين الخبير الاقتصادي رون فان رودن رئيساً لبعثته إلى سوريا في أبريل (نيسان) 2025، وهي المرة الأولى التي يُتخذ فيها مثل هذا القرار منذ اندلاع الحرب في البلاد.

وكانت مديرة إدارة الاتصالات في الصندوق، جولي كوزاك، قد أعلنت منذ أيام عن إجراء «مناقشات مفيدة» مع الفريق الاقتصادي السوري، تمهيداً لدعم جهود إعادة تأهيل الاقتصاد السوري.

وأوضح أزعور أن التواصل مع المسؤولين السوريين بدأ منذ مؤتمر الاقتصادات الناشئة الذي استضافته مدينة العلا السعودية في فبراير (شباط) الماضي، حيث عُقد اجتماع مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني. واستكملت المناقشات في اجتماعات الربيع الأخيرة لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، والتي شهدت جلسة خاصة بسوريا بناءً على طلب من وزير المالية السعودي محمد الجدعان، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا.

اجتماعات الربيع: نقطة تحول

شكَّلت اجتماعات الربيع الأخيرة نقطة تحول مهمة لسوريا، حيث قدمت فرصة، بعد سنوات طويلة من العزلة، لإعادة دمجها في المجتمع المالي والاقتصادي الدولي. كما أتاحت الفرصة للحكومة السورية لعرض جهودها الرامية إلى استقرار وإعادة بناء البلاد، مما سمح للمجتمع الدولي بفهم التحديات والأولويات السورية بشكل مباشر.

وفي بادرة دعم مالي بارزة، أعلنت السعودية وقطر التزامهما بدفع ديون سوريا للبنك الدولي. هذه الخطوة تمهد الطريق لاستئناف عمليات البنك في سوريا بعد تعليق دام أكثر من 14 عاماً، وهو ما يعزز فرص البلاد في الحصول على تمويل دولي لدعم جهود إعادة الإعمار.

يوم الجمعة، رفعت الولايات المتحدة رسمياً العقوبات الاقتصادية عن سوريا. وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، في بيان، إنه يجب على سوريا «مواصلة العمل لكي تصبح بلداً مستقراً ينعم بالسلام، على أمل أن تضع الإجراءات المتخَذة اليوم البلاد على مسار نحو مستقبل مشرق ومزدهر ومستقر». وقال وزير الخارجية ماركو روبيو، في بيان، إنه أصدر إعفاء لمدة 180 يوماً من العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون قيصر لضمان عدم إعاقة العقوبات للاستثمارات، وتسهيل توفير الكهرباء والطاقة والمياه والرعاية الصحية وجهود الإغاثة الإنسانية.

السعودية ومرونتها المالية

وفيما يتعلق بالسعودية، قال أزعور إنها تتمتع بمرونة اقتصادية تمكِّنها من مواجهة أي تقلبات في أسعار النفط العالمية.

وكان وزير الاقتصاد السعودي فيصل الابراهيم قال منذ أيام إن المملكة مستعدة دائماً لمختلف سيناريوهات أسعار النفط، وأن لديها هوامش أمان.

وأوضح أزعور من جهته أن المملكة تمتلك احتياطيات مالية كبيرة تمنحها وسادة أمان قوية ضد الصدمات الخارجية. هذه الاحتياطيات، إلى جانب الإصرار على تنفيذ الإصلاحات الهيكلية ضمن إطار «رؤية السعودية 2030»، عززت بشكل كبير من قدرة الاقتصاد السعودي على التكيف.

وأشار أزعور إلى أن هذه الإصلاحات لم تقتصر على تعزيز مرونة الاقتصاد فحسب، بل أسهمت أيضاً في تنويع مصادر الدخل بشكل فعال، ورفع مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي. هذا التوجه نحو تنمية القطاعات الواعدة يقلل من الاعتماد على إيرادات النفط، ويخلق فرصاً اقتصادية جديدة ومستدامة.

وشدد على أن «الآليات الموجودة في المملكة والسياسات المالية المعتمدة وتنفيذ رؤية 2030 تسمح لها بالتكيف مع التحولات العالمية، رغم التحديات القائمة حالياً».

جانب من الحضور خلال جلسة نظَّمها صندوق النقد الدولي في الرياض (تصوير: تركي العقيلي)

التنويع الاقتصادي

كان أزعور قد حذر خلال الجلسة دول المنطقة على مواصلة زخم الإصلاحات الاقتصادية لمواجهة التحديات العالمية المتزايدة، مشدداً على أن تسارع المخاطر الدولية يلقي بظلاله على اقتصادات الشرق الأوسط. وأوضح أن التطورات الجيوسياسية تمثل المصدر الأكبر لعدم اليقين في المنطقة، مشيراً إلى أن السنوات القليلة الماضية شهدت صدمات متتالية أثرت سلباً على دول مثل لبنان وسوريا والضفة الغربية وغزة، حيث خسرت هذه الدول ما يتجاوز 50 إلى 60 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي. ولم تقتصر هذه الصراعات على بؤرها الأصلية، بل امتدت آثارها إلى الدول المجاورة مثل الأردن ومصر، التي عانت من اضطراب طرق التجارة. فعلى سبيل المثال، خسرت مصر نحو 7 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس في أقل من عام، بينما تراجع دخل الأردن من السياحة، وهو قطاع حيوي ومصدر رئيسي للوظائف.

وسلّط أزعور الضوء على وجود مسارين اقتصاديين مختلفين في المنطقة. فدول مجلس التعاون الخليجي نجحت في الاستفادة من جهود التنويع الاقتصادي، مما أسهم في تحقيق نمو مستدام يتراوح بين 3 و5 في المائة خلال السنوات الثلاث إلى الأربع الماضية. وقد دعم هذا النمو الإصلاحات وتسريع التحول الاقتصادي في هذه الدول. في المقابل، لم تكن الدول الأخرى المصدرة للنفط بنفس الاستدامة في مسارها الاقتصادي.

على الرغم من المشهد الضبابي، يتوقع مسؤول صندوق النقد الدولي تعافياً عاماً في معظم دول المنطقة هذا العام، مع وتيرة تعافٍ أقوى في الدول المصدرة للنفط، خصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي، التي يُتوقع أن تحقق زيادة تقارب 1 في المائة هذا العام ومثلها في 2026، مدفوعةً بمساهمة القطاعات غير النفطية. أما الدول غير الأعضاء في مجلس التعاون الخليج، فتعتمد أوضاعها على تطورات أسعار النفط، مع توقع نمو أقل قليلاً مقارنةً بالتوقعات السابقة بسبب حالة عدم اليقين.


مقالات ذات صلة

اليابان تعلن عزمها استخدام احتياطيات النفط الوطنية و«المخزونات المشتركة»

الاقتصاد مصفاة نفطية جنوبي العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

اليابان تعلن عزمها استخدام احتياطيات النفط الوطنية و«المخزونات المشتركة»

أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية أن اليابان ستستخدم مخزونات النفط المشتركة التي تحتفظ بها الدول المنتجة للنفط في البلاد، بحلول نهاية مارس الحالي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد نادل يحمل طبق برياني لتقديمه للزبائن داخل مطعم في كولكاتا بالهند (رويترز)

تراجع نمو القطاع الخاص في الهند إلى أدنى مستوى خلال 3 سنوات

أظهر مسح نشر يوم الثلاثاء، أن نمو القطاع الخاص في الهند سجل أبطأ وتيرة له منذ أكثر من 3 سنوات في مارس (آذار).

«الشرق الأوسط» (بنغالورو )
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم في مدينة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)

أسهم الصين ترتفع بعد تأجيل ترمب ضربة شبكة الكهرباء الإيرانية

ارتفعت أسهم الصين وهونغ كونغ يوم الثلاثاء، بعد أن أرجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديده بضرب شبكة الكهرباء الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

ارتباك بالأسواق اليابانية وسط شكوك حول مصير أزمة إيران

تذبذبت الأسهم اليابانية، الثلاثاء، حيث ظل المستثمرون غير مقتنعين بأن تصريحات ترمب ستؤدي إلى انفراجة في أزمة إيران

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد منظر عام لميناء بانكوك في تايلاند (رويترز)

أداء إيجابي دون سقف التوقعات... صادرات تايلاند تنمو بـ9.9 % في فبراير

أعلنت وزارة التجارة التايلاندية، يوم الثلاثاء، أن الصادرات التي تم تخليصها جمركياً في فبراير ارتفعت بنسبة 9.9 في المائة على أساس سنوي.

«الشرق الأوسط» (بانكوك )

«سانتوس» الأسترالية تغلق محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال

محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال في الإقليم الشمالي بأستراليا (إكس)
محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال في الإقليم الشمالي بأستراليا (إكس)
TT

«سانتوس» الأسترالية تغلق محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال

محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال في الإقليم الشمالي بأستراليا (إكس)
محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال في الإقليم الشمالي بأستراليا (إكس)

أعلنت شركة «سانتوس» الأسترالية، الثلاثاء، أنها أغلقت مؤقتاً محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال، ما أدى إلى توقف الصادرات من سلسلة التوريد التي تم استئنافها مؤخراً، في وقت تشهد فيه الأسواق ضغوطاً بسبب الصراع في الشرق الأوسط.

يأتي هذا التوقف في وقت تتعرض فيه صادرات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا وآسيا لضغوط، في أعقاب اضطرابات الشحنات من قطر، بعد إعلانها «القوة القاهرة»، نتيجة استمرار حرب إيران.

وتعد أستراليا واحدة من أكبر مصدِّري الغاز الطبيعي المسال في العالم، ومورِّداً رئيسياً للمشترين الآسيويين.

وانخفضت أسهم ثاني أكبر منتج للنفط والغاز في البلاد بنسبة 2.6 في المائة، لتصل إلى 7.84 دولار أسترالي، مسجلة أضعف إغلاق لها منذ 18 مارس (آذار)، متخلفة عن مؤشر الطاقة الفرعي الأوسع نطاقاً الذي انخفض بنسبة 0.4 في المائة.

وأعلنت شركة «سانتوس» أن التوقف مرتبط بأعمال استبدال المعدات في سفينة الإنتاج العائمة «بي دبليو أوبال» في مشروع «باروسا» للغاز والمكثفات البحرية، والذي يغذي محطة «داروين».

وقال متحدث باسم الشركة، إن التوقف كان مخططاً له ومرتبطاً بأنشطة التشغيل التجريبي، ولكنه لم يحدد مدة توقف المحطة.

ومع ذلك، أشارت الشركة إلى أن استئناف عمليات محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال قد يستغرق «عدة أسابيع»، وفقاً لما ذكرته صحيفة «أستراليان فاينانشال ريفيو».

وقال المتحدث الرسمي: «نحن في المراحل النهائية من تشغيل مشروع (باروسا) للغاز الطبيعي المسال لتنظيف النظام قبل استئناف التشغيل بكامل طاقته».

وكانت شركة «داروين» للغاز الطبيعي المسال قد استأنفت صادراتها في وقت سابق من هذا العام، بعد تأخر بدء تشغيل «باروسا» الذي واجه مشكلات فنية، من بينها مشكلات في مانع تسرب الضاغط أثرت على استقرار الإنتاج.

وفي تقريرها الإنتاجي الفصلي، ذكرت شركة «سانتوس» أنها تتوقع أن يتراوح إجمالي الإنتاج بين 101 و111 مليون برميل من المكافئ النفطي لعام 2026، ومن المتوقع أن يساهم مشروع «باروسا» بنحو 19 مليون برميل من المكافئ النفطي.

وتدير سانتوس مشروع «باروسا» بحصة 50 في المائة، إلى جانب شركة «إس كي إي آند إس» الكورية الجنوبية التي تمتلك 37.5 في المائة، وشركة «جيرا» اليابانية التي تمتلك 12.5 في المائة.


إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

مدينة جدة (واس)
مدينة جدة (واس)
TT

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

مدينة جدة (واس)
مدينة جدة (واس)

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط، عن إعادة جدولة الاجتماع الدولي حول التعاون والنمو الذي كان من المقرر عقده خلال 22 و23 أبريل (نيسان) 2026 في مدينة جدة بالسعودية.

وأوضحت الوزارة أنّ هذا القرار يأتي بناءً على رغبة المنتدى في ضوء التطورات الإقليمية الراهنة، وبما يضمن انعقاد الاجتماع في توقيت يحقق الأثر المنشود، مشيرة إلى أنّ المملكة كانت وما زالت على أتم الاستعداد لاستضافة الاجتماع الدولي في مدينة جدة، مستندة إلى ما تمتلكه من خبرة وكفاءة تنظيمية عالية في استضافة الفعاليات الدولية الكبرى، وما رسخته خلال السنوات الأخيرة من مكانة متقدمة كونها منصة عالمية للحوار، بما في ذلك النجاح الذي تحقق في استضافة الاجتماع الخاص للمنتدى الاقتصادي العالمي في مدينة الرياض عام 2024. وتتطلع الوزارة إلى عقد الاجتماع الدولي في موعد سيُعلن عنه لاحقاً.

وصرح المنتدى الاقتصادي العالمي بأنّ الاجتماع الدولي حول التعاون والنمو يمثّل منصة رئيسة لتعزيز الحوار العالمي البنّاء، وأنّه بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط، قرر المنتدى إعادة جدولة الاجتماع، وذلك بهدف تحقيق أقصى استفادة ممكنة منه، وتعزيز أثره العالمي.


كيف نجت الأسهم الأميركية من صدمة النفط التي ضربت أوروبا واليابان؟

متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

كيف نجت الأسهم الأميركية من صدمة النفط التي ضربت أوروبا واليابان؟

متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

في أعقاب تداعيات الحرب الإيرانية، واصلت الأسهم الأميركية الحفاظ على أدائها بشكل أفضل مقارنة بنظيراتها في الأسواق العالمية الأخرى، غير أن هذه القوة النسبية قد لا تكفي لحمايتها من تراجعات أكثر حدة إذا استمر النزاع في منطقة الشرق الأوسط.

ومنذ بدء الضربات العسكرية الأميركية-الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير (شباط)، انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» القياسي بنسبة 4 في المائة، في حين تراجع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 9 في المائة، وانخفض مؤشر «نيكي» الياباني بأكثر من 12 في المائة، في حين هبط صندوق «آي شيرز» للأسهم خارج الولايات المتحدة بأكثر من 8 في المائة، وفق «رويترز».

وقال كبير استراتيجيي الاستثمار في مجموعة «بي إن سي» للخدمات المالية، يونغ-يو ما: «يمكن للولايات المتحدة امتصاص آثار اقتصادية أكثر مما يمكن أن تتحمله أجزاء أخرى من العالم، لذلك أتوقع أن تتفوق على الآخرين». لكنه حذّر من أن «التفوق حتى الآن يعني أنها ما زالت متراجعة، لذا فإن الأمر لا يزال مؤلماً».

وعادت الأسهم عموماً إلى الارتفاع يوم الاثنين، بعد أن أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى وجود محادثات منتجة مع إيران، مما يبرز الحساسية القصوى للأسواق تجاه التطورات في الشرق الأوسط.

ويشير المستثمرون إلى عدة عوامل تدعم الأسهم الأميركية، أهمها أن المناطق الأخرى تُعدّ أكثر عرضة لصدمات أسعار الطاقة الناجمة عن الحرب.

وأدى التحول نحو اقتصاد أكثر اعتماداً على الخدمات بعيداً عن التصنيع، إلى جانب تنوع مصادر الطاقة، إلى جعل الاقتصاد الأميركي أقل اعتماداً على النفط، الذي ارتفع سعره بأكثر من 30 في المائة منذ بداية الأزمة. وقالت رئيسة قسم السياسات والاستراتيجية الجيوسياسية في «مورغان ستانلي» لإدارة الثروات، مونيكا غيرا: «مقارنة بعام 1980، يحتاج الإنتاج الآن إلى 70 في المائة أقل من النفط لإنتاج الناتج المحلي الإجمالي نفسه».

شاشات تعرض مؤتمراً صحافياً لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بعد إعلان قرار الفائدة في بورصة نيويورك (رويترز)

وعلى صعيد الإمدادات، تُعدّ الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم وصافي مصدر له. وفي حين يمر نحو خُمس إنتاج النفط العالمي عبر مضيق هرمز، حيث توقفت حركة السفن فيه، فإن 4 إلى 8 في المائة فقط من النفط الأميركي يمر عبر المضيق، وفق تقرير معهد «بلاك روك» للاستثمار.

وقال كبير استراتيجيي الأسواق العالمية في معهد «ويلز فارغو للاستثمار»، سكوت رين: «من ناحية الإمدادات، نحن أكثر عزلاً مما قد تكون عليه الدول المتقدمة الأخرى. هناك مخاوف من أن الإمدادات لن تكون متاحة لبعض هذه الدول الأخرى لأن معظمها يأتي من الخليج العربي».

الوزن الكبير لقطاع التكنولوجيا وقوة الدولار

عامل آخر هو التركيز الأكبر لأسهم التكنولوجيا في مؤشرات الأسهم الأميركية، التي تُعدّ أقل تأثراً بالصدمات الاقتصادية؛ فقد انخفض قطاع التكنولوجيا في «ستاندرد آند بورز 500» بأقل من 2 في المائة منذ بدء الحرب، وهو ما يمثل نحو ثلث المؤشر، مقارنةً بـ16.5 في المائة فقط في صندوق «آي شيرز إيه سي دبليو إكس» للأسهم خارج الولايات المتحدة.

وقال يونغ-يو ما: «نموذج أعمال قطاع التكنولوجيا ككل لن يتأثر بشكل كبير بتقلبات أسعار النفط».

كما تدعم قوة الدولار الأميركي الأسهم المحلية؛ إذ ارتفع بنحو 1.5 في المائة مقابل سلة من العملات منذ بدء الأزمة. وقال الرئيس التنفيذي للاستثمار في «مانوليف إنفستمنت مانجمنت»، نيت ثوف: «تم التعرف على الدولار الأميركي مبكراً بوصفه أحد الرابحين في هذا الصراع، وقد قلّلنا التعرض للأسهم غير المقوّمة بالدولار لحماية أنفسنا من سيناريوهات التراجع».

على الأقل مؤقتاً، عكس الأداء الأفضل للأسهم الأميركية الاتجاه السابق الذي شهد تفوق الأسهم الدولية منذ بداية 2025.

امرأة تمشي تحت المطر في وول ستريت بنيويورك (أرشيفية - رويترز)

وقال كبير استراتيجيي المحافظ في «ناتيكس إنفستمنت» لإدارة الحلول، جاك جاناسيويتش: «هناك الكثير من الأموال التي تراكمت في تداولات أوروبا، مما يجعلها معرضة لإعادة التقييم. بالنسبة لي، الولايات المتحدة تعد نوعاً من الملاذ الآمن، ولهذا ربما تتفوق».

نهاية الحرب قد تعيد بريق الأسهم الدولية

يخشى المستثمرون أن البيئة السوقية السابقة قد تعود إذا انتهت الحرب بسرعة، ما قد يعيد قوة الأسهم الدولية.

قبل النزاع، كان كبير استراتيجيي الأسواق في «شبكة الكومنولث المالية»، كريس فاسيانو، يرى أن أسهم بعض الدول الأوروبية جذابة بسبب تقييماتها المغرية وتحسن توقعات الأرباح. ويُتداول مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنحو 15 مرة لأرباح الاثني عشر شهراً المقبلة، مقابل نحو 21 مرة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500».

وقال فاسيانو: «إذا حصلنا على حل خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، فإنني أرغب في الاحتفاظ بالأسهم الدولية، وأعتقد أن ذلك سيعود لتكون فئة أصول جيدة للملكية. لكنها حالة متغيرة جداً».

وأضاف كبير الاستراتيجيين العالميين في «نيد ديفيس ريسيرش»، تيم هايز، أن التقييمات الأعلى قد تجعل السوق الأميركية أكثر عرضة للخطر إذا استمرت الحرب لفترة أطول وارتفعت مخاطر الركود التضخمي؛ مزيج من التضخم العالي وتباطؤ النمو الاقتصادي الذي قد يكون ساماً للأسعار.

ووفقاً لمراجعة التعليقات الأخيرة للشركات من قِبل استراتيجيي «آر بي سي كابيتال ماركتس»: «قدمت الشركات إلى المستثمرين أسباباً إضافية لرؤية الولايات المتحدة بصفتها دولة معزولة نسبياً، ونعتقد أن هذه الطمأنة أسهمت أيضاً في مرونة سوق الأسهم الأميركية».

وأضافت «آر بي سي»، في مذكرة بحثية: «تميل الشركات إلى الاعتقاد أن النزاع قصير الأمد يمكن التعامل معه، لكن هناك العديد من الأسئلة المفتوحة إذا استمر لفترة طويلة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended