«صراع» التوصيل في السعودية... هل يستفيد المستهلك من المنافسة الشرسة؟

تطبيق صيني جديد دخل الحلبة... وتقديم خصومات لجذب العملاء

مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«صراع» التوصيل في السعودية... هل يستفيد المستهلك من المنافسة الشرسة؟

مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)

يشهد قطاع توصيل الطلبات في السعودية منافسةً عالية مع وجود شركات كبرى محلية وعالمية متخصصة في هذا المجال، تتصارع على تقديم خدمات مبتكرة تجمع بين سرعة التوصيل، والجودة العالية، والأسعار التنافسية.

ومع تزايد الاعتماد على التجارة الإلكترونية، باتت هذه المنافسة عاملاً محفزاً لفتح آفاق جديدة؛ إذ تعد التجربة الرقمية المتميزة والمواكبة للتطور المستمر مفتاح بقاء هذه الشركات في صدارة السوق. وأبرز التطورات التي تشهدها هذه السوق اليوم، دخول تطبيق صيني، مما يزيد من وتيرة المنافسة، ويعزز الابتكارات في تقديم خدمات مميزة للمستهلك.

وبات هذا القطاع من أكثر المجالات الاقتصادية نشاطاً ونمواً في السنوات الأخيرة، مدفوعاً بالتطورات التقنية، وتغيّر سلوك المستهلك، وازدياد الاعتماد على المتاجر الإلكترونية، كما يعزز هذا التوسع قطاعات أخرى، أهمها المطاعم والمقاهي التي يُعد مجرد ظهورها في تطبيقات التوصيل بمثابة تسويق مباشر لها، ويمنحها فرصة الظهور أمام عملاء جدد.

أحد المندوبين يوصل طلبية لمواطن (الشرق الأوسط)

وكانت جائحة «كورونا» فرصة في تسريع نمو قطاع توصيل الطلبات؛ إذ زادت الحاجة إلى حلول توصيل فعالة وآمنة، مما أتاح الفرصة لدخول شركات محلية وعالمية إلى السوق السعودية.

وأصبح أمام العملاء مجموعة واسعة من الخيارات لطلبات المطاعم، والمقاهي، وأسواق التجزئة، مما أدى إلى تغيير سلوك المستهلك بالاعتماد على تطبيقات توصيل الطلبات، وزاد من حجم الاستثمار في القطاع.

مندوبو توصيل طلبات في تطبيق «جاهز» (الشرق الأوسط)

وخلال السنوات الأخيرة، وصل عدد شركات التوصيل في المملكة إلى 61 شركة، وبلغ إجمالي الطلبات 290 مليون طلب، بما يعادل 794 طلباً يومياً وفق «الهيئة العامة للنقل» بالسعودية.

واستحوذت منطقة الرياض على 45 في المائة من إجمالي الطلبات بأكثر من 130.5 مليون طلب، تلتها منطقة مكة المكرمة بإجمالي 65.4 مليون طلب؛ أي ما يعادل 22.5 في المائة. في حين توزعت بقية الطلبات على المناطق الأخرى وفق الكثافة السكانية، وحجم الطلب على خدمات التوصيل.

أبرز تطبيقات التوصيل

توجد عدة شركات معروفة في السعودية تلبي احتياجات عملائها بشكل فعّال، ويتزايد الطلب عليها عبر تطبيقاتها على الهواتف الذكية بشكل مستمر.

ومن بين أبرزها في قطاع توصيل الطلبات، يوجد تطبيق «هنغرستيشن» الموجود منذ عام 2012، ويعتبر الأول من نوعه في المملكة. فبعيداً عن الطريقة التقليدية عبر اتصال العملاء بالهاتف على المطاعم، يعمل التطبيق كوسيط بين العميل والمطعم.

وكانت شركة «ديليفري هيرو» الألمانية استحوذت عام 2023 على حصة 37 في المائة من شركة «هنغرستيشن» مقابل 297 مليون دولار، بعدما كانت استحوذت قبل سنوات على حصة تبلغ 63 في المائة من «هنغرستيشن»، لتصبح الآن المالك الوحيد بعد صفقة الاستحواذ على النسبة المتبقية.

وتطبيق «جاهز» الذي يعتبر من التطبيقات المميزة في المجال، بصناعة سعودية، والذي بدأ فكرة توصيل الطلبات من «الأكلات المنزلية»، وخدمات قطاع التجزئة لـ«الأسواق الغذائية»، لم يحظَ على شهرة واسعة قبل فترة جائحة «كورونا»، لكنه حصل بعدها على ثقة العديد من المستثمرين، مما دفع شركته المالكة - «جاهز الدولية لتقنية نظم المعلومات» - إلى إدراج أسهمها في السوق المالية السعودية (تداول) في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بعد طرح نسبة من أسهمها للاكتتاب العام، وهو ما اعتُبر خطوة فارقة في مسيرة قطاع التوصيل في المملكة والخليج.

كذلك، هناك تطبيق «مرسول»، وهو أيضاً من أكبر تطبيقات التوصيل في المملكة، ويتميز بتنوع خدماته التي تشمل توصيل طلبات المطاعم، والمتاجر، وحتى توصيل الأغراض المنسية.

أما «طلبات»، فيعتبر من التطبيقات العالمية المشهورة في مجال توصيل الطعام.

تطبيق جديد

مؤخراً، برز تطبيق «كيتا» التابع لشركة «ميتوان» الصينية، كأحد أبرز اللاعبين الجدد في هذا المجال؛ إذ يتمتع بخبرة واسعة من خلال الشركة الأم التي تُعد من أكبر منصات التوصيل في الصين، وتخدم مئات الملايين من المستخدمين سنوياً، مع قدرات لوجستية وتقنية متطورة قد تُحدث نقلة نوعية في السوق المحلية.

وجاء دخول التطبيق إلى السوق السعودية في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، مستهدفاً العاصمة الرياض كمرحلة أولية، لينتشر في مدن أخرى خلال فترة قصيرة، حسب ما أعلنت الشركة، مستفيداً من بيئة اقتصادية تتمتع بفرص واعدة في قطاع توصيل طلبات الطعام.

ومنذ اللحظة الأولى لدخولها السوق السعودية تبنّت شركة «كيتا» استراتيجيات تسويقية جريئة؛ إذ أعلنت عن خدمة التوصيل المجاني لأكثر من 90 في المائة من المطاعم التي تتعاون معها، إضافةً إلى سياسة تعويض العملاء عند تأخر الطلبات لمدة تزيد على 15 دقيقة.

الهيئة العامة للمنافسة تمنع الاحتكار

وفي هذا السياق، شرح لـ«الشرق الأوسط» الخبير في حقوق المستهلك، والعضو المؤسس لـ«جمعية حماية المستهلك»، عبد العزيز الخضيري، أن شركات تطبيقات التوصيل لا يحق لها تقديم عروض ترويجية أو خصومات إلا بعد موافقة الجهات الرسمية؛ وذلك لضمان توازن السوق، ومنع الممارسات التي قد تضر بالمنافسين، أو التي تؤثر سلباً على القطاع.

وأضاف أنه في حال كان هدف أحد التطبيقات هو حرق الأسعار والإضرار بالمنافسين لإزاحتهم من السوق، فإن الهيئة العامة للمنافسة تتدخل فوراً لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي ممارسات احتكارية أو غير عادلة.

وشدد الخضيري على وعي المستهلكين بعد جائحة «كورونا»؛ إذ بات العميل يبحث عن السعر الأفضل، ليس فقط في قطاع المطاعم، بل في جميع المنتجات والخدمات.

وأشار إلى أن الجائحة ساهمت في تسريع التحول نحو التجارة الإلكترونية؛ إذ اعتاد المستهلك على استخدام التطبيقات والمنصات الرقمية، وأصبحت جزءاً أساسياً لمشترياته.

تطور التطبيقات

من ناحيته، أكد مطور التطبيقات في مجال التجارة الإلكترونية، صالح العقيل، لـ«الشرق الأوسط» أن السوق السعودية تشهد تطوراً تقنياً متسارعاً، مدفوعةً بارتفاع الطلب على الحلول الذكية. وقال العقيل: «تطبيقات التوصيل كانت موجودة قبل جائحة (كورونا)، ولكن لم تكن تُستخدم بشكل يومي، بل تعد خياراً ثانوياً لدى الكثير من المستهلكين».

وأكمل أنه «قبل الجائحة كنا نركز على التصميم الجذاب والوظائف الأساسية، لكن أثناء (كورونا) وبعدها أصبح علينا التفكير في السرعة، والاستقرار، والقدرة على استيعاب التطبيق لضغط المستخدمين، وتأمين عمليات الدفع الإلكتروني».

وأوضح العقيل أن كثرة المستخدمين دفعت فرق التطوير إلى إعادة بناء أجزاء من التطبيقات، وتحديث الخوادم، وتحسين تجربة التصفح، وتوسيع نطاق العمليات.

ومن جانب آخر، أفاد عبد المحسن عبد الله، أحد المتعاملين على تطبيقات التوصيل، لـ«الشرق الأوسط» بأنه «سابقاً كانت الطريقة التقليدية هي الدارجة في طلبات المطاعم، وهي الذهاب إلى المطعم أو الاتصال عليه والانتظار طويلاً حتى وصول الطلب، ولم يكن هناك اهتمام من المستهلك بخوض تجربة التوصيل».

ولفت إلى تعدد الخيارات في استخدام التطبيق؛ إذ إنه قبل جائحة «كورونا» كان لدى المستهلك خيار أو خياران، لكن خلال الجائحة وحتى اليوم أصبح المستخدم يبحث عن السعر الأنسب، والسرعة في التوصيل، والجودة عند الاستخدام.

وزاد أن تطوير الشركات لتطبيقات التوصيل أصبح ملحوظاً، والتواصل مع الدعم الفني أصبح أسهل وأسرع؛ ما يساهم في تنافسية السوق، وتطور الوعي لدى الكثير من المستهلكين.

دور القطاع في النمو الاقتصادي

ولا يقتصر دور شركات التوصيل وتطبيقاتها على تسهيل حياة المستهلكين فحسب، إنما تعتبر خدمات التوصيل مهمة جداً لمنصات التجارة الإلكترونية التي تُعدّ بدورها جزءاً سريع النمو من قطاع التجزئة، وتُساهم بشكل كبير في نمو الناتج المحلي الإجمالي.

كما أن نمو شركات التوصيل يساهم في خلق العديد من فرص العمل؛ من سائقي التوصيل إلى مديري المستودعات ومخططي الخدمات اللوجستية، مما يساهم بالتالي في رفع مستويات التوظيف والدخل.

وبالإضافة إلى ذلك، يساهم الاستثمار في البنية التحتية اللوجستية، مثل المستودعات ومراكز التوزيع وشبكات النقل، في التنمية الاقتصادية، وله تأثيرات مضاعفة على الناتج المحلي الإجمالي من خلال زيادة الكفاءة والإنتاجية.


مقالات ذات صلة

«السيادي» السعودي حجر الزاوية في بناء اقتصاد مستدام تحت مظلة «رؤية 2030»

الاقتصاد برج «صندوق الاستثمارات العامة» في «مركز الملك عبد الله المالي» بالعاصمة السعودية الرياض (كافد)

«السيادي» السعودي حجر الزاوية في بناء اقتصاد مستدام تحت مظلة «رؤية 2030»

يقود صندوق الاستثمارات العامة التحول الاقتصادي عبر استثمارات استراتيجية تعزِّز التنويع، وتمكِّن القطاع الخاص، وترسِّخ مكانة المملكة عالمياً.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أعلن حزمة قرارات جديدة لتحفيز الاستثمار وجذب رؤوس الأموال (الرئاسة التركية)

تركيا: حزمة قرارات لجذب الاستثمارات ورؤوس الأموال

أعلنت تركيا حزمة قرارات جديدة لتعزيز الاستثمار وجذب رؤوس الأموال من الخارج لدعم الاقتصاد وتعزيز مكانتها مركزاً مالياً عالمياً.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

في مشهد عالمي تتقاذفه اضطرابات سلاسل الإمداد، وتقلبات الجغرافيا السياسية، برزت السعودية بوصفها ركيزة استقرار لا غنى عنها في خريطة اللوجستيات الدولية.

ساره بن شمران (الرياض)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

«رؤية 2030» تدخل مرحلتها الثالثة بتحقيق 93 % من مؤشرات الأداء

تدخل السعودية عام 2026 المرحلة الثالثة لـ«رؤية 2030»، بعد سنوات من الإصلاحات أعادت خلالها تشكيل هيكل اقتصادها.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (رويترز)

اليابان بين مخاطر الذكاء الاصطناعي... وضغوط العملة

تواجه اليابان جملةً من التحديات الاقتصادية والمالية المتشابكة، تتراوح بين مخاطر تطورات الذكاء الاصطناعي، إلى تقلبات سوق العملات.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع
TT

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

نجحت السعودية خلال السنوات الأخيرة في إعادة تشكيل قاعدتها الاقتصادية، منتقلةً من نموذج يعتمد بشكل رئيسي على النفط، إلى اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة، مدفوعاً ببرامج «رؤية 2030» التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي.

وتواصل السعودية مسارها التحولي ضمن «رؤية 2030»، مع دخولها مرحلة جديدة تركز على استدامة النمو وتعزيز المكتسبات، بعد سنوات من الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي أعادت تشكيل الاقتصاد الوطني.

ويُظهر التقرير السنوي لعام 2025 أنَّ المملكة نجحت في ترسيخ نموذج اقتصادي أكثر تنوعاً ومرونة، مدعوماً بارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية، وتوسع قاعدة الإنتاج والاستثمار.

وأسهمت هذه الرؤية التي تضمَّنت تنفيذ أكثر من 1000 إصلاح تشريعي، في تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز جاذبية السعودية، وبناء قطاعات اقتصادية فاعلة ومتنامية؛ ما وضع المملكة ضمن أسرع الاقتصادات نمواً على مستوى العالم، معزِّزةً قدرتها على مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية.

كما نجحت «رؤية 2030» في رسم أهداف استراتيجية واضحة لتفعيل مكامن القوة الاقتصادية في السعودية، عبر تطوير قطاعات رئيسية تشمل الطيران، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والصناعة والتعدين، وغيرها، مدعومة باستثمارات ضخمة ومشروعات كبرى أعادت تشكيل هيكل الاقتصاد

وعملت الأنشطة غير النفطية في تدعيم الاقتصاد السعودي بوصفها «المحرك الرئيسي للنمو»، وهو ما أسهم في تعزيز تنافسيته ووضعه في صدارة الاقتصادات النشطة إقليمياً وعالمياً.

ويستند هذا الزخم إلى توسُّع قطاعات واعدة، متنوعة تشمل السياحة والترفيه، إلى الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية وغيرها؛ بما عزَّز مساهمتها في الناتج، بعد أن سجَّلت الأنشطة غير النفطية في 2024 مستوى تاريخياً عند 2.6 تريليون ريال (693 مليار دولار) بنمو 6 في المائة.

تحول الهيكل الاقتصادي

ويؤكد رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «ساكسو بنك»، حمزة دويك، أن نتائج «رؤية 2030» أظهرت بوضوح «تحول الهيكل الاقتصادي للمملكة بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط»، مشيراً إلى التوسع الملحوظ في القطاعات غير النفطية وارتفاع الإيرادات الحكومية غير النفطية، وهو ما أسهم في تقليص حساسية الاقتصاد لتقلبات أسعار النفط.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ الإصلاحات المؤسسية والتنظيمية، بما في ذلك تطوير بيئة الأعمال والأسواق المالية وتعزيز مشاركة القوى العاملة وجذب الاستثمار الأجنبي، أسهمت في زيادة تدفق رؤوس الأموال المحلية والدولية، وهو ما يٌعدُّ عنصراً أساسياً في تحقيق التنويع الاقتصادي. وأضاف أن هذه التحولات غيَّرت النظرة الاستثمارية إلى السعودية، حيث باتت تُرى بوصفها اقتصاداً متعدد القطاعات، مدعوماً بعمق الأسواق المالية وازدياد الطروحات العامة الأولية.

ولفت دويك إلى أنَّ عملية التنويع لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن النفط سيظل عاملاً مهماً في تمويل التنمية، متوقعاً أن تركز المرحلة المقبلة على تعزيز الإنتاجية والكفاءة، وضمان استدامة القطاعات الناشئة دون الاعتماد على الدعم الحكومي، مؤكداً أن جودة هذا التنويع ستكون المقياس الحقيقي للنجاح مستقبلاً.

نمو متسارع للقطاعات غير النفطية

من جهته، يقول المدير الإقليمي لشركة «مايلستون سيستمز» في السعودية، فراس البيروتي، إن ملامح الاقتصاد الجديد تتجلى في «النمو المتسارع للقطاعات غير النفطية، وازدياد الاستثمارات، والتطوير المستمر للبنية التحتية الحديثة»، مشيراً إلى أنَّ هذه العوامل تعكس «تخطيطاً استراتيجياً يهدف إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً ومرونة».

وأضاف أن «رؤية 2030» فتحت آفاقاً واسعة أمام قطاعات حيوية مثل السياحة والتقنية والخدمات اللوجستية والترفيه، إلى جانب تعزيز بيئة الاستثمار والابتكار، مع تنامي دور القطاع الخاص بوصفه محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي على المدى الطويل.

وأكد البيروتي لـ«الشرق الأوسط» أن التقنيات الذكية المدعومة بالبيانات ستلعب دوراً محورياً في المرحلة المقبلة، سواء في دعم البنية التحتية أو تعزيز الأمن والكفاءة التشغيلية، لافتاً إلى أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً أساسياً في بناء مدن ومؤسسات أكثر كفاءة وأماناً.

المشروعات الكبرى

بدوره، يرى المدير الإقليمي لشركة «يورو سيستمز» في السعودية، أسرار خازي، أنَّ التحول الاقتصادي يتجسَّد أيضاً في «إعادة صياغة شاملة للبيئة العمرانية»، مشيراً إلى أنَّ المشروعات الكبرى في المملكة تجاوزت الأطر التقليدية لتدفع بحدود التصميم والهندسة والاستدامة إلى مستويات غير مسبوقة.

وأوضح أنَّ هذه المشروعات تمثِّل منظومات اقتصادية متكاملة تسهم في جذب الاستثمارات وتحفيز قطاعات جديدة، ما يعزِّز النمو المستدام، إلى جانب تشكيل هوية معمارية حديثة تمزج بين التقنيات المتقدمة والبعد الثقافي، مستشهداً بمشروعات مثل الدرعية.

وأشار خازي إلى أنَّ هذا التوجه يعزِّز الطلب على الحلول الهندسية المتقدمة، ويسهم في تطوير القدرات المحلية وسلاسل التوريد، ما يخلق قيمةً اقتصاديةً طويلة الأمد، ويعزِّز دور القطاع العمراني بوصفه أحد روافد التنويع الاقتصادي.


«بترورابغ» تكسر حاجز الخسائر المتراكمة... وتقفز بأرباحها إلى 391 مليون دولار

مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)
مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)
TT

«بترورابغ» تكسر حاجز الخسائر المتراكمة... وتقفز بأرباحها إلى 391 مليون دولار

مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)
مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)

أعلنت شركة «رابغ للتكرير والبتروكيماويات (بترورابغ)» تحولاً استراتيجياً في مركزها المالي، حيث نجحت في خفض خسائرها المتراكمة لتستقر عند 658.4 مليون دولار (2.469 مليار ريال)، ما يمثل 14.77 في المائة فقط من رأسمالها الجديد. وبهذه الخطوة، تخرج الشركة رسمياً من نطاق تطبيق تعليمات هيئة السوق المالية الخاصة بالشركات التي تبلغ خسائرها 20 في المائة فأكثر.

هيكلة رأس المال: الأداة الحاسمة

وجاء هذا الانخفاض الملحوظ نتيجة تفعيل قرار الجمعية العامة غير العادية المنعقدة في أواخر مارس (آذار) 2026، حيث أتمت الشركة عملية تخفيض رأسمالها من 5.86 مليار دولار (21.9 مليار ريال) إلى 4.45 مليار دولار (16.7 مليار ريال). وتمَّت هذه العملية عبر إطفاء خسائر بقيمة 1.4 مليار دولار (5.2 مليار ريال) من خلال شطب جزء من القيمة الاسمية لأسهم الفئة «أ».

أداء تشغيلي قوي... وأرباح قياسية

بالتوازي مع إعادة الهيكلة المالية، حقَّقت «بترورابغ» أداءً تشغيلياً لافتاً خلال الرُّبع المنتهي في 31 مارس 2026، حيث سجَّلت صافي ربح قدره 390.9 مليون دولار (1.466 مليار ريال). وعزت الشركة هذا النمو القوي إلى 3 عوامل رئيسية:

  • تحسن الأسواق: ارتفاع أسعار المنتجات المكررة عالمياً؛ مما انعكس إيجاباً على هوامش الربح.
  • الكفاءة التشغيلية: تعزيز موثوقية المصانع والأداء الإنتاجي.
  • التحرُّر من عبء الديون: انخفاض تكاليف التمويل بفضل السداد المبكر لقروض طويلة الأجل، والالتزام بجدولة المديونية، تزامناً مع بيئة أسعار فائدة منخفضة.

الخروج من «نطاق الرصد»

وأكدت الشركة، في بيانها، أنَّ المركز المالي الجديد، المدعوم بتقرير مراجع الحسابات الخارجي، يعفيها من المتطلبات النظامية الصارمة التي تفرضها المادة 132 من نظام الشركات على المنشآت ذات الخسائر المرتفعة. ويمثل هذا الإعلان نقطة تحول جوهرية للمستثمرين، حيث يعكس قدرة الشركة على استعادة توازنها المالي والتشغيلي في آن واحد، مستفيدةً من تحسُّن ظروف قطاع الطاقة العالمي، وكفاءة إدارتها الداخلية للموارد والديون.


«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية
TT

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

انطلقت السعودية في مسار التحوُّل الرقمي والاقتصاد المعرفي ضمن «رؤية 2030»، مستندةً إلى بنية تحتية رقمية مُتقدِّمة وبناء معرفي تراكم عبر سنوات طويلة، ما عزَّز قدرتها على المنافسة في اقتصادات المستقبل. وقد جاء هذا التحوُّل مدفوعاً بطموح وطني يستهدف تنويع الاقتصاد، وخلق فرص عمل جديدة، وتمكين الشباب، عبر بناء منظومة متكاملة تدعم الابتكار والبحث والتقنية.

حكومة بلا ورق

وفي إطار هذا التحوُّل، تبنَّت المملكة سياسة «حكومة بلا ورق»، التي هدفت إلى تسهيل وصول المستفيدين إلى الخدمات الحكومية من خلال منصات رقمية مُوحَّدة تغطي مختلف القطاعات مثل العدل، والصحة، والسياحة، والاستثمار، والإسكان، والخدمات اللوجستية، والعقار وغيرها. وأسهم هذا التوجه في تقليص زمن الإجراءات وتبسيطها، وتمكين المستفيدين من إنجاز معاملاتهم دون الحاجة للحضور الشخصي، سواء أكانوا مواطنين، أم مقيمين، أم مستثمرين، أم زواراً، وفق ما جاء في التقرير السنوي لـ«رؤية 2030» لعام 2025.

عرض تطبيق «بيم» الحكومي في «ملتقى الحكومة الرقمية» (الحكومة الرقمية)

برنامج «الحكومة الشاملة»

كما أطلقت هيئة الحكومة الرقمية في عام 2022 برنامج «الحكومة الشاملة»، الذي جاء بهدف تسريع التحوُّل الرقمي ورفع مستوى التكامل بين الجهات الحكومية، وتقديم تجربة رقمية متكاملة تُبسّط رحلة المستفيد وترفع كفاءة استخدام الموارد الحكومية في الفضاء الرقمي.

وقد انعكس ذلك على عدد من النجاحات النوعية، من أبرزها منصة «بلدي» التي أسهمت في إغلاق 37 منصة حكومية بنسبة إنجاز تجاوزت 80 في المائة، إضافة إلى منصة «لوجستي» التي تُقدِّم أكثر من 200 خدمة، ومنصة «صحتي» التي تخدم أكثر من 30 مليون مستفيد.

مركز عالمي للذكاء الاصطناعي

وفي مجال الذكاء الاصطناعي، رسَّخت المملكة مكانتها مركزاً عالمياً متقدماً، مستفيدةً من توفر الطاقة والبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات، ما جعلها وجهةً جاذبةً لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقد تمَّ إطلاق شركة «هيوماين» بوصفه مشروعاً وطنياً متكاملاً يهدف إلى توطين تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير نماذج لغوية كبيرة تدعم المحتوى العربي، إلى جانب تشغيل تطبيقات متقدمة في مراكز البيانات؛ ومنها تقنيات الذكاء الاصطناعي في الدمام.

كما يجري الاستثمار في بناء القدرات البشرية عبر إدخال الذكاء الاصطناعي في المناهج التعليمية، وإطلاق برامج تدريبية تستهدف الطلاب والمواهب الوطنية، بما يعزِّز جاهزية الأجيال القادمة.

يقف زوار عند جناح شركة الذكاء الاصطناعي السعودية «هيوماين» خلال «مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض (أ.ف.ب)

شركة هيوماين

وكان قد تمَّ إطلاق «هيوماين» في عام 2025 وهي تعمل على تطوير حلول ذكاء اصطناعي متقدمة تشمل مساعداً عربياً ذكياً، ونماذج لغوية رائدة، ونظام تشغيل يعمل بالذكاء الاصطناعي بالكامل، إضافة إلى أجهزة وتقنيات مُطوَّرة داخل المملكة، تخدم مئات الآلاف من المستخدمين، حيث يتجاوز عدد المستخدمين النشطين 300 ألف مستخدم، وتمتد خدماتها إلى 5 أسواق مختلفة، مع دعم أكثر من 150 تطبيقاً وخدمة رقمية.

تحول القطاع العدلي الرقمي

وفي القطاع العدلي، شهدت الخدمات الرقمية نقلةً نوعيةً عبر تقديم أكثر من 160 خدمة إلكترونية وفَّرت نحو 90 مليون ورقة سنوياً، وأسهمت في الاستغناء عن 65 مليون زيارة، إلى جانب رقمنة أكثر من 200 مليون وثيقة عقارية، وتطبيق التقاضي الإلكتروني الذي أدى إلى خفض عُمر القضايا بنسبة 79 في المائة، مع إطلاق «المحكمة الافتراضية» و«كتابة العدل الافتراضية».

وزير العدل الدكتور وليد الصمعاني خلال كلمته في الجلسة الوزارية بـ«ملتقى الحكومة الرقمية» (واس)

ويستند هذا التطوُّر إلى بنية تحتية رقمية متقدمة وفضاء رقمي آمن وموثوق؛ ما جعل المملكة تتجه نحو مرحلة أكثر تقدماً تتجاوز تقديم الخدمات إلى تحسين تجربة المستخدم وإزالة التعقيد منها.

الاقتصاد الرقمي والمعرفي

وعلى صعيد الاقتصاد الرقمي والمعرفي، رسَّخت المملكة مكانتها بوصفها أحد الاقتصادات الصاعدة بقوة في اقتصادات المستقبل، من خلال تطوير منظومة تشريعية ومؤسسية متكاملة، شملت تأسيس الهيئة السعودية للملكية الفكرية، وهيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار، ووكالة الفضاء السعودية، إلى جانب إعادة تنظيم هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، وإنشاء البرنامج الوطني لتنمية تقنية المعلومات، وتعزيز دور مراكز البحث والابتكار؛ مثل جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية (كاكست).

الأمن الرقمي

كما أُنشئ إطار وطني لتعزيز أمن الفضاء الرقمي بوصفه جزءاً من الأمن الوطني، بما يسهم في دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتمكين الشركات التقنية، وتعزيز نمو الخدمات الرقمية. وقد جاء ذلك مدعوماً بتأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة الوطنية للأمن السيبراني، إلى جانب مبادرات دولية مثل مبادرة حماية الطفل في الفضاء السيبراني؛ ما أسهم في تعزيز ريادة المملكة عالمياً في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

جناح «سدايا» في معرض «ليب» (واس)

سوق الاقتصاد الرقمي

وتُظهر المؤشرات الاقتصادية حجم هذا التحوُّل، إذ بلغ حجم سوق الاقتصاد الرقمي في المملكة 745.98 مليار ريال (198.9 مليار دولار)، بينما وصل حجم سوق الاتصالات وتقنية المعلومات إلى 199 مليار ريال، كما برزت شركات تقنية سعودية عدة لتصبح شركات مليارية، من بينها «نون»، و«برق»، و«جاهز»، و«نايس ون»، و«تمارا»، و«نينجا»، و«تابي»، في دلالة على نمو القطاع الرقمي وتسارع نضجه.

مراكز ريادية في المؤشرات العالمية

تعكس المؤشرات الدولية المُتقدِّمة المكانة التي حقَّقتها المملكة في المجال الرقمي والتقني، حيث جاءت الأولى عالمياً في مؤشر تنمية الاتصالات والتقنية، والأولى عالمياً في مؤشر الأمن السيبراني للعام الثاني على التوالي وفقاً لتقرير التنافسية العالمية، كما تصدَّرت عالمياً في تمكين المرأة في مجال الذكاء الاصطناعي بحسب مؤشر «ستانفورد».

امرأة تقف أمام شاشة معلومات في معرض «ليب» (واس)

وحلَّت السعودية الأولى عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات.

وعلى المستوى الإقليمي، جاءت المملكة في المرتبة الأولى في مؤشر سلامة الذكاء الاصطناعي مع تحقيقها المركز الـ11 عالمياً، كما تصدَّرت إقليمياً في الحاسوب العملاق «شاهين 3» محتلة المرتبة الـ18 عالمياً.

وحلَّت المملكة الأولى إقليمياً في جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي، وفق تقرير «أوكسفورد إنسايتس».

وعلى صعيد المؤشرات العالمية، حقَّقت المملكة المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر نضج الحكومة الرقمية، والثالثة عالمياً في نسبة نمو وظائف الذكاء الاصطناعي، وكذلك الثالثة عالمياً في عدد نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة، وفقاً لمؤشر ستانفورد، إلى جانب كونها ضمن 7 دول عالمياً نشرت نماذج ذكاء اصطناعي رائدة.

كما جاءت في المرتبة الثانية بين دول مجموعة العشرين في مؤشر تطور تنظيمات قطاع الاتصالات والتقنية، والسادسة عالمياً في مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية، في حين حلَّت في المرتبة الـ20 عالمياً في مؤشر البنية التحتية للجودة للتنمية المستدامة.