ترمب الغاضب من قرار «الفيدرالي» وتصريحات باول: افعل الشيء الصحيح

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب الغاضب من قرار «الفيدرالي» وتصريحات باول: افعل الشيء الصحيح

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

قال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول يوم الأربعاء، إن سياسات إدارة ترمب الأولية، بما في ذلك التعريفات الجمركية المكثفة على الواردات، يبدو أنها قد مالت بالاقتصاد الأميركي نحو تباطؤ النمو وارتفاع التضخم مؤقتاً على الأقل، مما أثار غضب الرئيس دونالد ترمب.

وقد نشر ترمب في وقت متأخر من يوم الأربعاء على منصة الحقيقة الاجتماعية الخاصة به: «سيكون من الأفضل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي أن يخفض أسعار الفائدة في الوقت الذي تبدأ فيه الرسوم الجمركية الأميركية في الانتقال (التخفيف!) إلى الاقتصاد. افعل الشيء الصحيح».

وفي وقت سابق، وفي معرض شرحه لسبب الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، وصف باول حالة عدم اليقين التي يواجهها صانعو السياسة النقدية لدى «الاحتياطي الفيدرالي» بأنها «مرتفعة بشكل غير عادي».

وقال باول بعد أن أعلن «الاحتياطي الفيدرالي» أنه أبقى على سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة ثابتاً في نطاق 4.25 في المائة - 4.50 في المائة، مع تراجع المعنويات العامة بسبب «اضطراب» السياسات، من المتوقع أن ترتفع الأسعار بشكل أسرع مما كان متوقعاً في السابق جزئياً على الأقل، وربما إلى حدٍ كبير، بسبب خطط ترمب لفرض رسوم على الواردات من الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.

وفي حين لا يزال صناع السياسة في «الاحتياطي الفيدرالي» يتوقعون أن يقوم البنك المركزي بتخفيض أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية بحلول نهاية هذا العام، وهو ما يتطابق مع توقعاتهم في ديسمبر (كانون الأول)، فإن ذلك يرجع إلى حدٍ كبير إلى ضعف النمو الاقتصادي الذي يعوض ارتفاع التضخم، وما وصفه باول بـ«القصور الذاتي» المتمثل في عدم معرفة ما يجب القيام به في ظل التوقعات المشوشة.

وقال باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع السياسة النقدية الأخير لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الذي استمر يومين: «هناك حالة من عدم اليقين الشديد. ما الذي يجب أن نسجله عند وضع التوقعات؟ أعني أنه من الصعب جداً معرفة كيف ستسير الأمور». أضاف: «نحن نتفهم أن المشاعر سلبية للغاية في هذا الوقت، وربما يكون ذلك مرتبطاً بالاضطرابات في بداية إدارة تقوم بتغييرات كبيرة».

وشرح أن البيانات الاقتصادية الإجمالية لا تزال قوية، مشيراً إلى معدل البطالة الحالي البالغ 4.1 في المائة والشعور بأن سوق العمل لا يزال متوازناً تقريباً.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» مغادراً بعد انتهاء مؤتمره الصحافي (إ.ب.أ)

وقد تأثرت تصريحات باول وأحدث مجموعة من توقعات صانعي السياسات لدى «الاحتياطي الفيدرالي» بشكل كبير بما حدث منذ تولي ترمب منصبه في 20 يناير (كانون الثاني) مع تعهده بفرض رسوم الاستيراد.

وأظهرت البيانات الصادرة إلى جانب أحدث التوقعات المتعلقة بالسياسات والتوقعات الاقتصادية أن مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي» أجمعوا تقريباً على أن التوقعات كانت أقل يقيناً من المعتاد، وأن المخاطر التي كانت تعدُّ متوازنة اعتباراً من اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» في 28-29 يناير تميل الآن نحو تباطؤ النمو وارتفاع البطالة وارتفاع التضخم.

وفي حال تحقق متوسط توقعات «الاحتياطي الفيدرالي» للسنوات الثلاث المقبلة، فسيكون ذلك أضعف نمو اقتصادي لمدة ثلاث سنوات منذ الفترة الأولى للرئيس السابق باراك أوباما على الأقل في البيت الأبيض والتعافي البطيء من الركود الاقتصادي في الفترة من 2007 حتى 2009.

وقال باول: «لدينا الآن تضخم قادم من مصدر خارجي»، مستخدماً مصطلحاً يستخدمه الاقتصاديون لوصف صدمة خارجية، وهي في هذه الحالة الرسوم الجمركية التي يمكن أن ترفع متوسط معدل الضريبة على الواردات إلى مستويات لم نشهدها منذ الكساد الكبير إذا ما نفذ ترمب جميع خططه.

وقد فُرضت بعض هذه الرسوم بالفعل، ومن المقرر فرض الجزء الأكبر منها في أوائل أبريل (نيسان) في شكل ضرائب باهظة بنسبة 25 في المائة على معظم السلع من المكسيك وكندا، ومجموعة شاملة من التعريفات الجمركية التي تهدف إلى مضاهاة ما تفرضه الدول الأخرى على سلعها المستوردة من الولايات المتحدة.

وقال باول إن بنك الاحتياطي الفيدرالي سيراقب باهتمام في الأشهر المقبلة لتحديد مدى انتقال كل هذه الإجراءات إلى أسعار المستهلكين، وما إذا كانت هذه الرسوم أو ردود الفعل الانتقامية من الدول الأخرى تبدو أنها تسبب ضغوطاً أكثر استمراراً على الأسعار، وربما الأهم من ذلك، ما إذا كان كل ذلك سيبدأ في تغذية نفسية التضخم بين العائلات والشركات.

وعلى الرغم من ارتفاع بعض مقاييس توقعات التضخم في الأسابيع الأولى من إدارة ترمب، فإن المقاييس طويلة الأجل التي يعتبرها «الاحتياطي الفيدرالي» الأكثر أهمية لتحقيق أهداف سياسته «لم تتحرك كثيراً»، حسبما قال باول للصحافيين.

وسيراقب بنك الاحتياطي الفيدرالي أيضاً لمعرفة ما إذا كان النمو الأضعف سيؤدي إلى ارتفاع معدل البطالة أم لا؟ وأكد باول مجدداً أنه مستعد للتصرف في كلتا الحالتين، مع الحفاظ على تشديد السياسة إذا ثبت أن التضخم أكثر ثباتاً، أو تخفيفها إذا بدأت البطالة في الارتفاع.

حتى الآن، قال باول إن هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» ليسا متعارضَين حتى الآن، مما يمنحه بعض الفسحة في قرارات سعر الفائدة القادمة.

متداولون في بورصة نيويورك يتابعون قرار «الاحتياطي الفيدرالي» (إ.ب.أ)

ما زلنا لا نتسرع في الحكم

خفض بنك الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة القياسي بمقدار نقطة مئوية كاملة العام الماضي، لكنه أبقى أسعار الفائدة معلقة هذا العام في انتظار المزيد من الأدلة على أن التضخم سيستمر في الانخفاض، ومؤخراً لمزيد من الوضوح حول تأثير سياسات ترمب.

وقال باول: «لن نكون في عجلة من أمرنا للتحرك... إن موقف سياستنا الحالية في وضع جيد للتعامل مع المخاطر والشكوك التي نواجهها... والشيء الصحيح الذي يجب فعله هو الانتظار هنا لمزيد من الوضوح حول ما يقوم به الاقتصاد».

يرى مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» الآن أن مقياسهم المفضل للتضخم سينهي العام عند 2.7 في المائة، مقابل 2.5 في المائة المتوقعة في ديسمبر. هدفهم هو 2 في المائة، ويرى مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» حتى الآن أن التعريفات الجمركية ليست سوى ضربة مؤقتة للوصول إليه في عام 2027.

وقال باول: «قد يكون هناك تأخير في إحراز المزيد من التقدم على مدار هذا العام».

كما خفّض مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» توقعاتهم للنمو الاقتصادي لهذا العام إلى 1.7 في المائة من 2.1 في المائة السابقة، مع توقع ارتفاع طفيف في معدل البطالة بنهاية هذا العام.

وواصلت المؤشرات الرئيسية للأسهم الأميركية مكاسبها بشكل طفيف بعد صدور بيان السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي وتوقعاته، لتغلق على ارتفاع حاد. وقلَّص الدولار بعض مكاسبه السابقة وتراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية.

وشهد المتداولون في العقود الآجلة لأسعار الفائدة الأميركية فرصة تزيد قليلاً عن 62 في المائة لاستئناف «الاحتياطي الفيدرالي» خفض أسعار الفائدة في اجتماعه في يونيو (حزيران)، وفقاً لتقديرات «إل إس إي سي»، مقارنة بـ57 في المائة قبل صدور بيان السياسة والتوقعات.

وأعلن «الاحتياطي الفيدرالي» أيضاً أنه سيُبطئ من وتيرة السحب المستمر لميزانيته العمومية البالغة 6.81 تريليون دولار، وهي عملية تُعرف باسم التشديد الكمي.

وكان محافظ بنك الاحتياطي الفيدرالي كريس والر هو المعارض الوحيد لبيان السياسة الأخير بسبب التغيير في سياسة الميزانية العمومية.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد شعار «أنثروبيك» (رويترز)

«ميثوس»... «ثقب أسود» يهدد بنوك العالم

خلف الأبواب المغلقة في واشنطن، لم يكن التضخم هو ما استدعى الاجتماع الطارئ بين وزارة الخزانة الأميركية و«الاحتياطي الفيدرالي» ورؤساء «وول ستريت»، في نهاية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار «أنثروبيك» (رويترز)

«كلود ميثوس»... سلاح رقمي فتاك قد يُطفئ أنوار البنوك العالمية في ساعات

أثار نموذج ذكاء اصطناعي جديد وقوي من شركة «أنثروبيك» اجتماعات طارئة بين كبار المنظمين الماليين ولا سيما في أميركا لمناقشة مخاوف الأمن السيبراني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد كيفين وورش مشاركاً في أحد المؤتمرات (أرشيفية - رويترز)

خطر التأجيل يلاحق تعيين كيفن وورش رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي»

يواجه تعيين كيفن وورش رئيساً لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي» خطر التأجيل إلى ما بعد انتهاء ولاية جيروم باول.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد كيفن هاسيت يسير خارج البيت الأبيض في واشنطن (أ.ب)

المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض يتوقع خفض الفائدة مع تراجع أسعار الطاقة

قال كيفن هاسيت، المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، يوم الجمعة، إن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» سيكون في وضع يسمح له بخفض أسعار الفائدة بمجرد إعادة فتح مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.