هل تخشى بكين خسارة الحرب التجارية مع ترمب؟

ردّها «البارد» على رسومه الجمركية يكشف عيوباً في نهجها المتردد

القنصل العام للصين آنغ جيانمين يتحدث للصحافيين عن الرسوم الجمركية في منزله بسان فرانسيسكو (أ.ب)
القنصل العام للصين آنغ جيانمين يتحدث للصحافيين عن الرسوم الجمركية في منزله بسان فرانسيسكو (أ.ب)
TT

هل تخشى بكين خسارة الحرب التجارية مع ترمب؟

القنصل العام للصين آنغ جيانمين يتحدث للصحافيين عن الرسوم الجمركية في منزله بسان فرانسيسكو (أ.ب)
القنصل العام للصين آنغ جيانمين يتحدث للصحافيين عن الرسوم الجمركية في منزله بسان فرانسيسكو (أ.ب)

يزداد قلق المسؤولين في بكين من أن تكون رسوم الرئيس دونالد ترمب الجمركية الجديدة، التي قام بمضاعفتها منذ عودته إلى البيت الأبيض، بداية حرب تجارية كبيرة يمكن أن تخسرها في نهاية المطاف. وكشف الرد الصيني «البارد» على تلك الرسوم، عن عيوب في نهج بكين المتردد.

فقد بدا أن ترمب يختار معاركه التجارية مع حلفاء سابقين مثل المكسيك وكندا، ويثير قلق أوروبا بشأن تعامله مع الحرب في أوكرانيا ويتعهد بضم غرينلاند وقناة بنما، الأمر الذي لا تملك فيه الصين اليد العليا أو القوية. ومع اقتصادها المحلي الذي يعيش في أزمة، تحاول الصين الدفاع على أمل إنقاذ أكبر قدر ممكن من نظام التجارة العالمي الذي ساعد في انتشالها من براثن الفقر. في المقابل، يعتزم ترمب إعادة النظر بالنظام التجاري ذاته، الذي يرى هو ومستشاروه أنه أفاد بقية العالم، والصين على وجه الخصوص، على حساب الولايات المتحدة.

لا فائزين في الحرب التجارية

لكن جاي كيديا، زميل باحث في مركز البدائل النقدية والمالية، في معهد «كاتو» في واشنطن، لا يعتقد أن نهج الصين الحذر يُشير إلى عيوب أو مؤشر على «خسارة» الحرب التجارية. وقال في حوار مع «الشرق الأوسط»: «كما هو الحال في الحروب الحقيقية، نادراً ما يكون للحروب التجارية فائزون واضحون. وكما تُشير المبادئ الاقتصادية، فإن التجارة الحرة مفيدة للطرفين، والحواجز ذات الدوافع السياسية تميل إلى الإضرار بكلا الطرفين».

بيد أن الأمر لا يتعلق بالتجارة فقط، إذ وفي ظل أجندات زعماء أكبر اقتصادين في العالم، واحتمال تحوله إلى صدام لم يجر منذ الحرب الباردة، وتنافس شامل على التفوق الاقتصادي والتكنولوجي والجيوسياسي الشامل، فإن الصين تسعى إلى تجنبه بشتى السبل.

ومنذ أن فرض ترمب الرسوم الجمركية الأولية بنسبة 10 في المائة على السلع الصينية في أوائل فبراير (شباط)، ظلت القيادة الصينية تنتظر من فريق ترمب تقديم مطالب محددة، على أمل أن تؤدي هذه المطالب إلى نقاش أوسع.

حاويات مكدسة في ميناء في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ شرق الصين (أ.ف.ب)

ترمب أقل تحفظاً

خلال رئاسته الأولى، شهدت السياسة الأميركية تجاه الصين تحولاً جذرياً. فقد استُبدلت بالاستراتيجية طويلة الأمد المتمثلة في تعميق العلاقات الاقتصادية والتعاون مع بكين استراتيجية اتسمت بالتباعد، بما في ذلك زيادة الرسوم الجمركية والقيود التكنولوجية. واليوم، ترى الصين أن ترمب أصبح في ولايته الثانية أقل تحفظاً وأكثر تصميماً، ما يمهد الطريق لمواجهات تجارية أميركية - صينية أكثر حدة، وهو ما يثير استياءها.

يقول مستشارو ترمب إن العديد من تحركاته الدبلوماسية المبكرة، تشير إلى اقتناعه بأنه قادر على التعامل مع بكين من موقف القوة. فهو يحاول إنهاء الصراعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا للتركيز بشكل أفضل على الصين. كما أن تقربه من روسيا مدفوع جزئيا برغبة استراتيجية في دق إسفين بين موسكو وبكين.

وعندما أضاف ترمب 10 في المائة إلى التعريفات الجمركية الحالية على الصين، استشهد بدورها في أزمة «الفنتانيل» في الولايات المتحدة، ما أثار دهشة المسؤولين الصينيين الذين ما زالوا يحاولون معرفة كيفية التعامل مع زعيم أميركي «متقلب».

ملصقات تحمل شعار اتحاد تصدير اللحوم الأميركي في مطعم متخصص بلحوم البقر الأميركية في بكين (رويترز)

الصين في موقف دفاعي

فالصين، التي حاولت إعادة تشكيل النظام العالمي والتحالف مع روسيا لتحدي الغرب، تجد نفسها الآن في موقف دفاعي. وبدلاً من أن يكون ترمب هو المعزول دولياً نتيجة حروبه المفتوحة مع الجميع، تجد الصين نفسها معزولة بسبب القيود التجارية والعقوبات، وتعاني من العزلة على غرار الاتحاد السوفييتي مع وجود منافذ أقل لسلعها والوصول المحدود إلى التقنيات الحيوية.

وما يعقد جهود بكين في تشكيل استراتيجيتها تجاه الولايات المتحدة هو الصعوبة في إقناع فريق ترمب الأساسي بالانخراط. ومنذ نوفمبر (تشرين الثاني)، أرسلت الصين عدة وفود إلى واشنطن لاستكشاف الصفقات المحتملة مع الإدارة الجديدة، بحجة أن التعريفات الجمركية من شأنها أن تضيف إلى الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة التي يحاول ترمب خفضها. لكن بعد فرضه الرسوم الجمركية، عدت زيارة الوفود الصينية لواشنطن إشارة على اليأس. فاقتصادهم في ورطة، ويدركون أن هذه الحملة ربما تكون قد فشلت.

بكين لديها الكثير لتخسره

وفي الوقت نفسه، طورت بكين مجموعة من الأدوات، مثل ضوابط التصدير على المعادن الحيوية، لإلحاق الألم الاقتصادي بالولايات المتحدة، وكانت تتودد إلى شركاء أميركا التقليديين للاستعداد لمواجهة أكثر كثافة مع واشنطن. وأحد الدروس التي تعلمتها الصين من الحرب التجارية الأولى مع ترمب، هو أن لديها الكثير لتخسره من الرد على زيادات ترمب للرسوم الجمركية بزيادات متناسبة، حيث تشتري الولايات المتحدة من الصين أكثر بكثير مما تشتريه منها الصين. ويُعد فائضها التجاري مع الولايات المتحدة، والبالغ 295 مليار دولار، الأكبر بين جميع الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.

يقول كايدي لـ«الشرق الأوسط» إنه «من المرجح أن الصين تُراعي هذا الأمر في استراتيجيتها، مُدركةً محدودية الفوائد التي تتجاوز الردع المُحتمل من زيادة الرسوم الجمركية الانتقامية على السلع الأميركية بشكل كبير». ويضيف: «علاوة على ذلك، شهد الاقتصادان الأميركي والصيني درجة من الانفصال منذ ولاية ترمب الأولى. فقد انخفضت حصة الصين من إجمالي التجارة الأميركية من 15.7 في المائة عام 2018 إلى 10.9 في المائة عام 2024، بينما انخفضت حصة الولايات المتحدة من إجمالي التجارة الصينية من 13.7 في المائة إلى 11.2 في المائة في الفترة نفسها».

ومع ذلك، وبينما تُصعّد واشنطن ضغوطها، تحاول بكين إظهار ثقتها بنفسها. فبعد رفع الرسوم الجمركية الأخيرة، سارعت الصين إلى الرد. وحددت بكين هدف نمو يبلغ حوالي 5 في المائة لعام 2025، في إشارة إلى أنها تتوقع أن يقاوم الاقتصاد الصيني الضغوط التجارية المتزايدة. واتخذ متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية موقفاً متحدياً، قائلاَ: «إذا كانت الحرب هي ما تريده الولايات المتحدة، سواء كانت حرباً جمركية أو حرباً تجارية أو أي نوع آخر من الحروب، فنحن مستعدون للقتال حتى النهاية».

إعادة النظر في معايير التجارة العالمية

تدعو سياسة ترمب «أميركا أولاً» أساسا إلى تفكيك المعايير التي وضعتها منظمة التجارة العالمية منذ عام 1995، والتي بموجبها تمكنت الصين من إغراق العالم بصادرات رخيصة مع الحد من وصول الأجانب إلى سوقها. ولإعادة هندسة هذا النظام، يرى فريق ترمب التجاري، أنه قد يركز أولا على إبرام صفقات مواتية نسبياً مع الجميع، ويترك الصين تعاني من ركودها الاقتصادي المستمر. ويعتقد أن الولايات المتحدة قادرة على تعزيز نفوذها على بكين من خلال إعادة التفاوض بشكل فردي على شروط التجارة مع شركائها الآخرين.

ورغم ذلك، يقول كايدي إن أميركا استفادت من التجارة الحرة ومنظمة التجارة العالمية، من خلال مكانتها المحايدة لحل النزاعات بطريقة غير عدوانية. فالعضوية طوعية، ورغم التهديدات بالانسحاب، لا تزال الولايات المتحدة ملتزمة بالاتفاقية.

عمال ينقلون قضبان الألمنيوم في مصنع للمواد القائمة على الألمنيوم شرق الصين (أ.ف.ب)

المكسيك نموذجاً

بكين كانت عمدت منذ ولاية ترمب الأولى إلى توجيه شركاتها للاستثمار بكثافة في دول مثل المكسيك وفيتنام وتايلاند لتجميع المكونات الصينية وتحويلها إلى سلع لشحنها إلى الولايات المتحدة. وقد أتاح التجميع النهائي في هذه الدول منفذا خلفيا إلى السوق الأميركية بغض النظر عن الخلافات التجارية بين واشنطن وبكين.

وبينما بدا أن الفائض التجاري للصين مع الولايات المتحدة قد انكمش بنحو الثلث منذ عام 2018، شهدت الصادرات الصينية إلى الدول النامية ارتفاعاً هائلاً. وتبيع الصين الآن للمكسيك ما يزيد 11 مرة على مشترياتها منها. ويتمثل القلق الآن في بكين في أن ضغط واشنطن قد يجبر المكسيك على إغلاق سوقها أمام السلع الصينية مقابل إعفائها من الرسوم. ويمكن بعد ذلك استخدام المكسيك نموذجاً لمطالبة الدول الأخرى بالانحياز إلى أي طرف في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. وهذا من شأنه أن يحد بشكل أكبر من وصول الصين إلى السوق الأميركية الضخمة من خلال تعطيل الطرق الأخرى المؤدية إلى الولايات المتحدة.

«ثغرة» غامضة

قادة الأعمال الصينيون توقعوا أن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، التي أعاد ترمب التفاوض عليها في ولايته الأولى، قد تثنيه عن فرض رسوم جديدة على المكسيك. وهو ما لم يحصل. وتشير الترتيبات التجارية والقانونية التي تربط الصين بالمكسيك، إلى أن وصول الصين غير المباشر إلى السوق الأميركية معرض للخطر. وما يثير قلق المسؤولين الصينيين بشكل خاص، هو تلك «الثغرة» الغامضة في قواعد منظمة التجارة العالمية، التي تسمح للمكسيك، وربما عشرات الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، رفع التعريفات الجمركية بشكل قانوني حاد وفجائي على السلع الصينية، بينما لا يحق لبكين الرد.

ورغم إشارة وزير التجارة الصيني، وانغ وينتاو، يوم الثلاثاء إلى أن أكثر من نصف التجارة الدولية للصين كان مع دول تنتمي إلى مبادرة «الحزام والطريق»، وأن بلاده «لم تضع كل البيض في سلة واحدة» مما يدل «على المرونة القوية للتجارة الخارجية للصين»، لكنه لم يذكر أن العديد من صادرات الصين إلى هذه الدول تنتهي في نهاية المطاف في الولايات المتحدة. ورغم إشارته إلى أن 34 في المائة من تجارة الصين كانت مع دول أبرمت معها اتفاقيات تجارة حرة، تمنعها من رفع الرسوم الجمركية فجأة، لكن المكسيك ليست ضمنها. وفي حال رضخت المكسيك لضغوط ترمب، ورفعت تعريفاتها الجمركية على الصين، بسبب تلك «الثغرة» حيث يبلغ متوسط ​​تعريفاتها «المقيدة» 36 في المائة، فقد تؤدي إلى كارثة تجارية للصين.


مقالات ذات صلة

الهند تخفّض الرسوم الجمركية على صادرات البنزين والديزل ووقود الطائرات

الاقتصاد سفينة روسية تقوم بتفريغ حمولتها من النفط الخام في ميناء ديندايال بالهند (رويترز)

الهند تخفّض الرسوم الجمركية على صادرات البنزين والديزل ووقود الطائرات

أعلنت الحكومة الهندية، تخفيض الرسوم الجمركية على صادرات البنزين والديزل ووقود محركات الطائرات لمدة أسبوعين بدءاً من أول يونيو (حزيران)، الموافق يوم الاثنين.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد ميناء روتردام الهولندي أكبر ميناء في أوروبا (أ.ف.ب)

الاتحاد الأوروبي يقر تشريعاً لتطبيق اتفاق التجارة مع أميركا

قال مصدر أوروبي مطلع إن حكومات الاتحاد الأوروبي أقرت الأربعاء تشريعاً يقضي بإلغاء الرسوم الجمركية على كثير من السلع الأميركية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد ميناء مانزانيلو في المكسيك (رويترز)

ترمب يعتزم إبقاء الرسوم المفروضة على المكسيك وكندا

قال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير، مساء الثلاثاء، إن إدارة الرئيس دونالد ترمب تعتزم الإبقاء على الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات من المكسيك وكندا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد وزير الاقتصاد المكسيكي مارسيلو إبرارد (يمين) يصافح المفوض الأوروبي للتجارة والأمن الاقتصادي ماروس سيفكوفيتش خلال افتتاح قمة الأعمال المكسيكية الأوروبية في مكسيكو سيتي (إ.ب.أ)

المكسيك وأوروبا توقعان اتفاقاً تجارياً لتقليل الاعتماد على أميركا

تستعد المكسيك والاتحاد الأوروبي لتوقيع اتفاق تجارة حرة جديد طال انتظاره، في خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية وجيوسياسية واضحة بتقليص الاعتماد على أميركا.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
الاقتصاد لقاء سابق بين الرئيسين الصيني شي جينبينغ والأميركي دونالد ترمب في كوريا الجنوبية (رويترز)

الصين وأميركا تعيدان رسم ملامح الهدنة التجارية بحذر

بدأت الصين وأميركا الدخول في مرحلة جديدة من إدارة الحرب التجارية بينهما، بعدما أعلنت بكين استعدادها للعمل مع واشنطن على خفض متبادل للرسوم الجمركية

«الشرق الأوسط» (بكين-واشنطن)

تأخر سداد مستحقات واشنطن يجمّد تعيين مسؤولها في «العمل الدولية»

واشنطن مطالَبة بدفع ما لا يقل عن 50 مليون دولار من المساهمات المستحقة عليها (منظمة العمل الدولية)
واشنطن مطالَبة بدفع ما لا يقل عن 50 مليون دولار من المساهمات المستحقة عليها (منظمة العمل الدولية)
TT

تأخر سداد مستحقات واشنطن يجمّد تعيين مسؤولها في «العمل الدولية»

واشنطن مطالَبة بدفع ما لا يقل عن 50 مليون دولار من المساهمات المستحقة عليها (منظمة العمل الدولية)
واشنطن مطالَبة بدفع ما لا يقل عن 50 مليون دولار من المساهمات المستحقة عليها (منظمة العمل الدولية)

أعلنت منظمة العمل الدولية، الاثنين، إلغاء تعيين مسؤول أميركي رفيع المستوى في منصب نائب المدير العام للمنظمة الأممية، وذلك بسبب تأخر الولايات المتحدة في سداد مستحقاته.

وقالت المنظمة، في بيان وفقاً لوكالة «رويترز»: «لذلك، لن يتولى شينغ لي (الولايات المتحدة الأميركية) منصب نائب المدير العام في يوليو (تموز) كما كان مخططاً له سابقاً».

كانت منظمة العمل الدولية قد عيَّنت شينغ لي في هذا المنصب في أبريل (نيسان) بعد أشهر من التأخير. إلا أن المنظمة أبلغت الولايات المتحدة لاحقاً بأن التعيين لن يتم إلا بعد سداد المستحقات.

وأعلنت منظمة العمل الدولية أن «هذا القرار لا يمسّ بإمكانية تسوية الولايات المتحدة متأخراتها، وبالتالي استعادة مكانتها كأكبر مسهم في المساهمات المقررة»، مضيفةً أنها تُجري محادثات مع الولايات المتحدة.

وأفاد ثلاثة دبلوماسيين، وفقاً لوكالة «رويترز»، بأن واشنطن مطالَبة بدفع ما لا يقل عن 50 مليون دولار من المساهمات المستحقة عليها، مما يلقي بظلال من الشك على الوضع المالي الهش للمنظمة، ويُنذر باحتمالية تسريح بعض الموظفين.

وتحتل الولايات المتحدة تقليدياً المرتبة الثانية كأكبر مانح، حيث تدفع 22 في المائة من ميزانية منظمة العمل الدولية.

وحسب الأرقام المنشورة على موقع المنظمة الإلكتروني، ومقرها جنيف، فإن الولايات المتحدة مدينة بمبلغ 257 مليون فرنك سويسري (328 مليون دولار) حتى 29 مايو (أيار)، وذلك عن عام 2026، بالإضافة إلى متأخرات سابقة عن عامي 2024 و2025.


«اختر فرنسا» تحصد استثمارات قياسية بـ108 مليارات دولار تقودها «سوفت بنك»

الرئيس الفرنسي يعانق رئيس «سوفت بنك» ماسايوشي سون أثناء إدلائهما ببيان مشترك بعد اجتماعهما بقصر الإليزيه (رويترز)
الرئيس الفرنسي يعانق رئيس «سوفت بنك» ماسايوشي سون أثناء إدلائهما ببيان مشترك بعد اجتماعهما بقصر الإليزيه (رويترز)
TT

«اختر فرنسا» تحصد استثمارات قياسية بـ108 مليارات دولار تقودها «سوفت بنك»

الرئيس الفرنسي يعانق رئيس «سوفت بنك» ماسايوشي سون أثناء إدلائهما ببيان مشترك بعد اجتماعهما بقصر الإليزيه (رويترز)
الرئيس الفرنسي يعانق رئيس «سوفت بنك» ماسايوشي سون أثناء إدلائهما ببيان مشترك بعد اجتماعهما بقصر الإليزيه (رويترز)

حققت فرنسا رقماً قياسياً جديداً في جذب الاستثمارات الأجنبية، بعد أن تعهدت شركات عالمية بضخ 93 مليار يورو (نحو 108 مليارات دولار) في البلاد، حيث ذهب نصف هذه الاستثمارات لصالح مشروع ضخم لمراكز البيانات تدعمه مجموعة «سوفت بنك» اليابانية، في وقت يسعى فيه الرئيس إيمانويل ماكرون لاستغلال القدرات النووية لبلاده لتحويلها قائداً عالمياً في مجال الذكاء الاصطناعي.

وأعلن رئيس المجموعة اليابانية، ماسايوشي سون، قبيل الافتتاح الرسمي لقمة «اختر فرنسا» السنوية في قصر فرساي، أن مجموعته تعتزم استثمار 45 مليار يورو لبناء ثلاثة مراكز بيانات بقدرة إجمالية تصل إلى 3.1 غيغاواط في منطقة «أو دو فرنس» بحلول عام 2031. وأشار سون إلى أن هذا الاستثمار قد يرتفع مستقبلاً ليصل إلى 75 مليار يورو.

وقال سون في تصريحات أدلى بها من قصر الإليزيه: «نحن أمام تدفق استثماري هائل الحجم. هذا المشروع سيساعد أوروبا على سد الفجوة واللحاق بالولايات المتحدة والصين في قدرات الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي... لقد طبقنا هذا النموذج في الولايات المتحدة ويمتلك الزخم اللازم لجعل فرنسا مركزاً لأوروبا».

ويأتي هذا المشروع جزءاً من حملة إنفاق عالمية تقودها «سوفت بنك» في بنية الذكاء الاصطناعي التحتية؛ حيث استثمرت المجموعة حتى الآن أكثر من 30 مليار دولار في شركة «أوبن إيه آي» - مطور «تشان جي بي تي» - لتستحوذ على حصة 11 في المائة، مع التزامها بضخ 30 مليار دولار إضافية خلال عام 2026، إلى جانب قيادتها تمويل مشروع «ستارغيت» البالغة تكلفته 500 مليار دولار لبناء مراكز بيانات في الولايات المتحدة.

تصدير «الذكاء» بدلاً من الكهرباء

من جانبه، أشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بهذا التعهد الاستثماري، واصفاً إياه بـ«الإنجاز العظيم» الذي يسهم في جسر الفجوة الأوروبية في قدرات الحوسبة.

ويراهن ماكرون على أسطول فرنسا المكون من 57 مفاعلاً نووياً وفائض الكهرباء المتنامي لترويج بلاده بوصفها وجهةً مثالية لمراكز البيانات المستهلكة بكثافة للطاقة. وعقّب ماسايوشي سون على هذه الاستراتيجية قائلاً: «فرنسا كانت تصدّر الطاقة الكهربائية، والآن يمكننا تحويل هذه الكهرباء والمواد الخام ذكاءً عالي القيمة، لتصبح فرنسا مُصدّرة للذكاء».

وأوضح الرئيس التنفيذي الياباني أن الصفقة تبلورت بسرعة فائقة بعد لقائه ماكرون في طوكيو خلال أبريل (نيسان) الماضي، حيث حثَّه الرئيس الفرنسي على التحرك السريع لإتمام الاتفاق بالتزامن مع النسخة الحالية للقمة، التي يستخدمها ماكرون منذ تسع سنوات لجذب قادة الشركات العالمية.

ملف الوظائف وتحدي البطالة

رغم الوعود الاستثمارية القياسية، ما زال الاقتصاد الفرنسي يواجه تحديات هيكلية في سوق العمل؛ إذ تهدف المشاريع الـ71 المعروضة في قمة هذا العام إلى توفير أكثر من 15600 فرصة عمل جديدة.

وتأتي هذه الوظائف المرتقبة في وقت تشهد فيه معدلات البطالة الفرنسية ارتفاعاً طفيفاً لتتجاوز حاجز 8 في المائة مؤخراً، وهو مستوى يضعها فوق متوسط معدل البطالة في الاتحاد الأوروبي. يُذكر أن قمم «اختر فرنسا» نجحت منذ انطلاقها عام 2018 في استقطاب نحو 231 مشروعاً بإجمالي تعهدات استثمارية بلغت 87 مليار يورو.


النشاط الصناعي الأميركي يقفز لأعلى مستوى في 4 سنوات بفعل حرب إيران

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

النشاط الصناعي الأميركي يقفز لأعلى مستوى في 4 سنوات بفعل حرب إيران

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

سجل النشاط الصناعي في الولايات المتحدة نمواً فاق التوقعات خلال شهر مايو (أيار) الماضي، ليصل إلى أعلى مستوياته منذ أربع سنوات. ويعزو المحللون هذا الصعود القوي إلى مسارعة الشركات لتقديم طلبات الشراء مسبقاً خوفاً من نقص الإمدادات واستمرار قفزات الأسعار الناجمة عن تداعيات الحرب مع إيران.

وأعلن معهد إدارة الإمدادات (ISM)، يوم الاثنين، عن ارتفاع مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى 54.0 نقطة الشهر الماضي، وهو أعلى قراءة يسجلها المؤشر منذ مايو 2022 مقارنة بـ52.7 نقطة في أبريل (نيسان) السابق له. وجاءت هذه النتائج متجاوزة لتقديرات خبراء الاقتصاد الذين استطلعت وكالة «رويترز» آراءهم، والذين توقعوا وصول المؤشر إلى 53 نقطة فقط.

وتشير القراءة التي تفوق مستوى 50 نقطة إلى نمو وتوسع القطاع الصناعي، الذي يسهم بنحو 9.4 في المائة من إجمالي الاقتصاد الأميركي. وبهذه القراءة، يواصل القطاع نموه للشهر الخامس على التوالي، مدعوماً بشكل أساسي بطفرة الإنفاق المستمرة في قطاع الذكاء الاصطناعي.

إغلاق مضيق هرمز يربك سلاسل الإمداد

وتأتي هذه الطفرة الإنتاجية في وقت أدت فيه الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران إلى إغلاق مضيق هرمز، مما تسبب في اضطرابات حادة في شحن السلع الأساسية وارتفاع تكلفة منتجات حيوية مثل الطاقة والألمنيوم والأسمدة.

ووفقاً للتقرير، قفز مؤشر الطلبات الجديدة للشهر الماضي إلى 56.8 نقطة مقارنة بـ54.1 نقطة في أبريل، مع تسجيل زيادة واضحة في الطلبات المتراكمة والصادرات. وفي المقابل، استقر مؤشر تسليم الموردين عند قراءة مرتفعة بلغت 60.6 نقطة (حيث تشير القراءة فوق 50 إلى بطء عمليات التسليم)، مما يعكس استمرار الضغوط على سلاسل الإمداد. وتتزامن هذه التطورات مع فرض إدارة الرئيس دونالد ترمب رسوماً جمركية جديدة، دفاعاً عن ضرورة حماية وتنشيط القاعدة الصناعية المحلية، وذلك بعد أن أبطلت المحكمة العليا الأميركية في فبراير (شباط) الماضي الرسوم الشاملة التي فُرضت العام الماضي.

معضلة التضخم وأسعار الفائدة

ومع تراجع كفاءة عمليات التسليم، واصلت الأسعار عند بوابات المصانع الارتفاع، وإن كان بوتيرة أبطأ قليلاً؛ إذ انخفض مؤشر الأسعار المدفوعة للمدخلات بشكل طفيف إلى 82.1 نقطة مقارنة بـ84.6 نقطة في أبريل (والذي كان الأعلى منذ أبريل 2022)، وجاء أدنى من التوقعات التي رجحت وصوله إلى 85.0 نقطة.

وأسهم الصراع المستمر في دفع التضخم إلى مستويات قياسية امتدت إلى ما هو أبعد من قطاع الطاقة؛ حيث سجل التضخم في أبريل أسرع وتيرة نمو له في ثلاث سنوات وفقاً للبيانات الحكومية الصادرة الأسبوع الماضي. وأدت هذه القفزات التضخمية، التي تلتهم القوة الشرائية للأسر، إلى دفع الأسواق المالية لتوقع إبقاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي على سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة دون تغيير في نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة وامتداد هذا التثبيت حتى العام المقبل.

مفارقة سوق العمل وانكماش الوظائف

ورغم الطفرة المحققة في حجم الطلبات، ظل التوظيف في المصانع الأميركية مكبوتاً؛ حيث سجل مؤشر التوظيف الصناعي التابع للمعهد انكماشاً للشهر الـ32 على التوالي، وذلك منذ آخر توسع شهده في سبتمبر (أيلول) 2023.

وأشار معهد «ISM» إلى أن استراتيجية إدارة الشركات الصناعية لا تزال تركز على خفض وتجميد العمالة بدلاً من التوظيف الجديد، وذلك عبر عمليات تسريح العمال، والتقاعد الطبيعي، وعدم شغل الوظائف الشاغرة. وتُظهر البيانات الرسمية أن قطاع التصنيع الأميركي فقد نحو 77000 وظيفة منذ يناير (كانون الثاني) 2025.