هل تخشى بكين خسارة الحرب التجارية مع ترمب؟

ردّها «البارد» على رسومه الجمركية يكشف عيوباً في نهجها المتردد

القنصل العام للصين آنغ جيانمين يتحدث للصحافيين عن الرسوم الجمركية في منزله بسان فرانسيسكو (أ.ب)
القنصل العام للصين آنغ جيانمين يتحدث للصحافيين عن الرسوم الجمركية في منزله بسان فرانسيسكو (أ.ب)
TT

هل تخشى بكين خسارة الحرب التجارية مع ترمب؟

القنصل العام للصين آنغ جيانمين يتحدث للصحافيين عن الرسوم الجمركية في منزله بسان فرانسيسكو (أ.ب)
القنصل العام للصين آنغ جيانمين يتحدث للصحافيين عن الرسوم الجمركية في منزله بسان فرانسيسكو (أ.ب)

يزداد قلق المسؤولين في بكين من أن تكون رسوم الرئيس دونالد ترمب الجمركية الجديدة، التي قام بمضاعفتها منذ عودته إلى البيت الأبيض، بداية حرب تجارية كبيرة يمكن أن تخسرها في نهاية المطاف. وكشف الرد الصيني «البارد» على تلك الرسوم، عن عيوب في نهج بكين المتردد.

فقد بدا أن ترمب يختار معاركه التجارية مع حلفاء سابقين مثل المكسيك وكندا، ويثير قلق أوروبا بشأن تعامله مع الحرب في أوكرانيا ويتعهد بضم غرينلاند وقناة بنما، الأمر الذي لا تملك فيه الصين اليد العليا أو القوية. ومع اقتصادها المحلي الذي يعيش في أزمة، تحاول الصين الدفاع على أمل إنقاذ أكبر قدر ممكن من نظام التجارة العالمي الذي ساعد في انتشالها من براثن الفقر. في المقابل، يعتزم ترمب إعادة النظر بالنظام التجاري ذاته، الذي يرى هو ومستشاروه أنه أفاد بقية العالم، والصين على وجه الخصوص، على حساب الولايات المتحدة.

لا فائزين في الحرب التجارية

لكن جاي كيديا، زميل باحث في مركز البدائل النقدية والمالية، في معهد «كاتو» في واشنطن، لا يعتقد أن نهج الصين الحذر يُشير إلى عيوب أو مؤشر على «خسارة» الحرب التجارية. وقال في حوار مع «الشرق الأوسط»: «كما هو الحال في الحروب الحقيقية، نادراً ما يكون للحروب التجارية فائزون واضحون. وكما تُشير المبادئ الاقتصادية، فإن التجارة الحرة مفيدة للطرفين، والحواجز ذات الدوافع السياسية تميل إلى الإضرار بكلا الطرفين».

بيد أن الأمر لا يتعلق بالتجارة فقط، إذ وفي ظل أجندات زعماء أكبر اقتصادين في العالم، واحتمال تحوله إلى صدام لم يجر منذ الحرب الباردة، وتنافس شامل على التفوق الاقتصادي والتكنولوجي والجيوسياسي الشامل، فإن الصين تسعى إلى تجنبه بشتى السبل.

ومنذ أن فرض ترمب الرسوم الجمركية الأولية بنسبة 10 في المائة على السلع الصينية في أوائل فبراير (شباط)، ظلت القيادة الصينية تنتظر من فريق ترمب تقديم مطالب محددة، على أمل أن تؤدي هذه المطالب إلى نقاش أوسع.

حاويات مكدسة في ميناء في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ شرق الصين (أ.ف.ب)

ترمب أقل تحفظاً

خلال رئاسته الأولى، شهدت السياسة الأميركية تجاه الصين تحولاً جذرياً. فقد استُبدلت بالاستراتيجية طويلة الأمد المتمثلة في تعميق العلاقات الاقتصادية والتعاون مع بكين استراتيجية اتسمت بالتباعد، بما في ذلك زيادة الرسوم الجمركية والقيود التكنولوجية. واليوم، ترى الصين أن ترمب أصبح في ولايته الثانية أقل تحفظاً وأكثر تصميماً، ما يمهد الطريق لمواجهات تجارية أميركية - صينية أكثر حدة، وهو ما يثير استياءها.

يقول مستشارو ترمب إن العديد من تحركاته الدبلوماسية المبكرة، تشير إلى اقتناعه بأنه قادر على التعامل مع بكين من موقف القوة. فهو يحاول إنهاء الصراعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا للتركيز بشكل أفضل على الصين. كما أن تقربه من روسيا مدفوع جزئيا برغبة استراتيجية في دق إسفين بين موسكو وبكين.

وعندما أضاف ترمب 10 في المائة إلى التعريفات الجمركية الحالية على الصين، استشهد بدورها في أزمة «الفنتانيل» في الولايات المتحدة، ما أثار دهشة المسؤولين الصينيين الذين ما زالوا يحاولون معرفة كيفية التعامل مع زعيم أميركي «متقلب».

ملصقات تحمل شعار اتحاد تصدير اللحوم الأميركي في مطعم متخصص بلحوم البقر الأميركية في بكين (رويترز)

الصين في موقف دفاعي

فالصين، التي حاولت إعادة تشكيل النظام العالمي والتحالف مع روسيا لتحدي الغرب، تجد نفسها الآن في موقف دفاعي. وبدلاً من أن يكون ترمب هو المعزول دولياً نتيجة حروبه المفتوحة مع الجميع، تجد الصين نفسها معزولة بسبب القيود التجارية والعقوبات، وتعاني من العزلة على غرار الاتحاد السوفييتي مع وجود منافذ أقل لسلعها والوصول المحدود إلى التقنيات الحيوية.

وما يعقد جهود بكين في تشكيل استراتيجيتها تجاه الولايات المتحدة هو الصعوبة في إقناع فريق ترمب الأساسي بالانخراط. ومنذ نوفمبر (تشرين الثاني)، أرسلت الصين عدة وفود إلى واشنطن لاستكشاف الصفقات المحتملة مع الإدارة الجديدة، بحجة أن التعريفات الجمركية من شأنها أن تضيف إلى الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة التي يحاول ترمب خفضها. لكن بعد فرضه الرسوم الجمركية، عدت زيارة الوفود الصينية لواشنطن إشارة على اليأس. فاقتصادهم في ورطة، ويدركون أن هذه الحملة ربما تكون قد فشلت.

بكين لديها الكثير لتخسره

وفي الوقت نفسه، طورت بكين مجموعة من الأدوات، مثل ضوابط التصدير على المعادن الحيوية، لإلحاق الألم الاقتصادي بالولايات المتحدة، وكانت تتودد إلى شركاء أميركا التقليديين للاستعداد لمواجهة أكثر كثافة مع واشنطن. وأحد الدروس التي تعلمتها الصين من الحرب التجارية الأولى مع ترمب، هو أن لديها الكثير لتخسره من الرد على زيادات ترمب للرسوم الجمركية بزيادات متناسبة، حيث تشتري الولايات المتحدة من الصين أكثر بكثير مما تشتريه منها الصين. ويُعد فائضها التجاري مع الولايات المتحدة، والبالغ 295 مليار دولار، الأكبر بين جميع الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.

يقول كايدي لـ«الشرق الأوسط» إنه «من المرجح أن الصين تُراعي هذا الأمر في استراتيجيتها، مُدركةً محدودية الفوائد التي تتجاوز الردع المُحتمل من زيادة الرسوم الجمركية الانتقامية على السلع الأميركية بشكل كبير». ويضيف: «علاوة على ذلك، شهد الاقتصادان الأميركي والصيني درجة من الانفصال منذ ولاية ترمب الأولى. فقد انخفضت حصة الصين من إجمالي التجارة الأميركية من 15.7 في المائة عام 2018 إلى 10.9 في المائة عام 2024، بينما انخفضت حصة الولايات المتحدة من إجمالي التجارة الصينية من 13.7 في المائة إلى 11.2 في المائة في الفترة نفسها».

ومع ذلك، وبينما تُصعّد واشنطن ضغوطها، تحاول بكين إظهار ثقتها بنفسها. فبعد رفع الرسوم الجمركية الأخيرة، سارعت الصين إلى الرد. وحددت بكين هدف نمو يبلغ حوالي 5 في المائة لعام 2025، في إشارة إلى أنها تتوقع أن يقاوم الاقتصاد الصيني الضغوط التجارية المتزايدة. واتخذ متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية موقفاً متحدياً، قائلاَ: «إذا كانت الحرب هي ما تريده الولايات المتحدة، سواء كانت حرباً جمركية أو حرباً تجارية أو أي نوع آخر من الحروب، فنحن مستعدون للقتال حتى النهاية».

إعادة النظر في معايير التجارة العالمية

تدعو سياسة ترمب «أميركا أولاً» أساسا إلى تفكيك المعايير التي وضعتها منظمة التجارة العالمية منذ عام 1995، والتي بموجبها تمكنت الصين من إغراق العالم بصادرات رخيصة مع الحد من وصول الأجانب إلى سوقها. ولإعادة هندسة هذا النظام، يرى فريق ترمب التجاري، أنه قد يركز أولا على إبرام صفقات مواتية نسبياً مع الجميع، ويترك الصين تعاني من ركودها الاقتصادي المستمر. ويعتقد أن الولايات المتحدة قادرة على تعزيز نفوذها على بكين من خلال إعادة التفاوض بشكل فردي على شروط التجارة مع شركائها الآخرين.

ورغم ذلك، يقول كايدي إن أميركا استفادت من التجارة الحرة ومنظمة التجارة العالمية، من خلال مكانتها المحايدة لحل النزاعات بطريقة غير عدوانية. فالعضوية طوعية، ورغم التهديدات بالانسحاب، لا تزال الولايات المتحدة ملتزمة بالاتفاقية.

عمال ينقلون قضبان الألمنيوم في مصنع للمواد القائمة على الألمنيوم شرق الصين (أ.ف.ب)

المكسيك نموذجاً

بكين كانت عمدت منذ ولاية ترمب الأولى إلى توجيه شركاتها للاستثمار بكثافة في دول مثل المكسيك وفيتنام وتايلاند لتجميع المكونات الصينية وتحويلها إلى سلع لشحنها إلى الولايات المتحدة. وقد أتاح التجميع النهائي في هذه الدول منفذا خلفيا إلى السوق الأميركية بغض النظر عن الخلافات التجارية بين واشنطن وبكين.

وبينما بدا أن الفائض التجاري للصين مع الولايات المتحدة قد انكمش بنحو الثلث منذ عام 2018، شهدت الصادرات الصينية إلى الدول النامية ارتفاعاً هائلاً. وتبيع الصين الآن للمكسيك ما يزيد 11 مرة على مشترياتها منها. ويتمثل القلق الآن في بكين في أن ضغط واشنطن قد يجبر المكسيك على إغلاق سوقها أمام السلع الصينية مقابل إعفائها من الرسوم. ويمكن بعد ذلك استخدام المكسيك نموذجاً لمطالبة الدول الأخرى بالانحياز إلى أي طرف في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. وهذا من شأنه أن يحد بشكل أكبر من وصول الصين إلى السوق الأميركية الضخمة من خلال تعطيل الطرق الأخرى المؤدية إلى الولايات المتحدة.

«ثغرة» غامضة

قادة الأعمال الصينيون توقعوا أن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، التي أعاد ترمب التفاوض عليها في ولايته الأولى، قد تثنيه عن فرض رسوم جديدة على المكسيك. وهو ما لم يحصل. وتشير الترتيبات التجارية والقانونية التي تربط الصين بالمكسيك، إلى أن وصول الصين غير المباشر إلى السوق الأميركية معرض للخطر. وما يثير قلق المسؤولين الصينيين بشكل خاص، هو تلك «الثغرة» الغامضة في قواعد منظمة التجارة العالمية، التي تسمح للمكسيك، وربما عشرات الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، رفع التعريفات الجمركية بشكل قانوني حاد وفجائي على السلع الصينية، بينما لا يحق لبكين الرد.

ورغم إشارة وزير التجارة الصيني، وانغ وينتاو، يوم الثلاثاء إلى أن أكثر من نصف التجارة الدولية للصين كان مع دول تنتمي إلى مبادرة «الحزام والطريق»، وأن بلاده «لم تضع كل البيض في سلة واحدة» مما يدل «على المرونة القوية للتجارة الخارجية للصين»، لكنه لم يذكر أن العديد من صادرات الصين إلى هذه الدول تنتهي في نهاية المطاف في الولايات المتحدة. ورغم إشارته إلى أن 34 في المائة من تجارة الصين كانت مع دول أبرمت معها اتفاقيات تجارة حرة، تمنعها من رفع الرسوم الجمركية فجأة، لكن المكسيك ليست ضمنها. وفي حال رضخت المكسيك لضغوط ترمب، ورفعت تعريفاتها الجمركية على الصين، بسبب تلك «الثغرة» حيث يبلغ متوسط ​​تعريفاتها «المقيدة» 36 في المائة، فقد تؤدي إلى كارثة تجارية للصين.


مقالات ذات صلة

ترمب يهدد بقطع التجارة مع إسبانيا... ما حجم التداعيات الاقتصادية المحتملة؟

الاقتصاد دونالد ترمب يلوّح بيده لدى وصوله على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند يوم 9 يوليو 2026 (أ.ب)

ترمب يهدد بقطع التجارة مع إسبانيا... ما حجم التداعيات الاقتصادية المحتملة؟

أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الأربعاء أمراً بفرض حظر تجاري على إسبانيا، مطالباً وزير الخزانة سكوت بيسنت بـ«قطع كل التجارة».

«الشرق الأوسط» (مدريد، واشنطن )
الاقتصاد الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو يشير بيده بالقرب من رئيس وزراء سنغافورة لورانس وونغ خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا يوم 6 يوليو 2026 (رويترز)

إندونيسيا وسنغافورة تتحركان لحماية مضيق ملقا من ارتدادات أزمة «هرمز»

تعهدت إندونيسيا وسنغافورة بضمان بقاء مضيق ملقا (وهو أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في المنطقة) مفتوحاً أمام حركة الشحن العالمية.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا )
الاقتصاد علما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعبارة «الرسوم الجمركية» (رويترز)

فون دير لاين: الاتحاد الأوروبي يلغي اليوم الرسوم على السلع الصناعية الأميركية

قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن الاتحاد الأوروبي سيقوم، الأربعاء، بإلغاء الرسوم الجمركية على واردات المنتجات الصناعية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيسة «المفوضية الأوروبية» أورسولا فون دير لاين في تورنبيري بأسكوتلندا خلال يوليو 2025 (رويترز)

أوروبا تفعل اتفاقية إلغاء الرسوم مع أميركا بدءاً من 1 يوليو

أعلن «الاتحاد الأوروبي» في بيان رسمي أن «اتفاقية التجارة» المبرمة مع الولايات المتحدة العام الماضي ستدخل حيز التنفيذ بدءاً من 1 يوليو (تموز) المقبل...

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أ.ب)

ترمب يهدد بفرض رسوم على أي دولة أوروبية تفرض ضريبة على الخدمات الرقمية

هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 في المائة على الدول الأوروبية التي تفرض ضريبة على الخدمات الرقمية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تنتقل من تطوير النمو إلى تصدير المعرفة التنموية

TT

البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تنتقل من تطوير النمو إلى تصدير المعرفة التنموية

المدير الإداري وكبير مسؤولي المعرفة في مجموعة البنك الدولي باسكال دونوهو يتحدث لـ«الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)
المدير الإداري وكبير مسؤولي المعرفة في مجموعة البنك الدولي باسكال دونوهو يتحدث لـ«الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)

لم يعد التحول الذي تشهده السعودية في سوق العمل يُقاس فقط بتراجع البطالة إلى مستوى تاريخي بلغ 2.8 في المائة، أو بانتقال نصف المواطنين العاملين إلى القطاع الخاص، بل أصبح يُقاس أيضاً بقدرة المملكة على تحويل الاستثمار في رأس المال البشري والتقنية إلى نماذج تنموية تستقطب اهتمام المؤسسات الدولية. ويبرز «مستشفى صحة الافتراضي»، الذي يعد أكبر مزود لخدمات الرعاية الصحية الافتراضية في العالم، بوصفه نموذجاً لهذا التحول، بعدما نجح في توظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لتوسيع نطاق الخدمات الصحية ورفع كفاءتها، في تجربة يرى البنك الدولي أنها تجسد ملامح اقتصاد المستقبل القائم على المعرفة والابتكار.

وتدعم هذه القراءة ما وثّقه التقرير المشترك الصادر عن البنك الدولي ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السعودية، بعنوان «عقد من التقدم: نظرة عميقة داخل تحول سوق العمل السعودي»، الذي أظهر انتقال الاقتصاد إلى مرحلة أكثر اعتماداً على رأس المال البشري والقطاع الخاص والاقتصاد الرقمي، مع ارتفاع معدل المشاركة في القوى العاملة إلى 67.1 في المائة، وانتقال نصف السعوديين العاملين إلى القطاع الخاص، وارتفاع مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى نحو 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يرى المدير الإداري وكبير مسؤولي المعرفة في مجموعة البنك الدولي، باسكال دونوهو، أن ما تحقق في المملكة يتجاوز تحسين المؤشرات الاقتصادية إلى بناء نموذج تنموي يربط بين الوظائف والمهارات والابتكار وتوظيف المعرفة في تطوير الخدمات العامة، بما يجعل النمو أكثر استدامة وشمولاً.

نموذج صحي يجذب اهتمام العالم

وجاءت إشادة دونوهو عقب زيارته يوم الأحد «مستشفى صحة الافتراضي» في الرياض، حيث اطّلع على تجربة المستشفى وخدماته الرقمية، واصفاً إياه في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأنه «من أكثر النماذج إبهاراً» التي شاهدها في توظيف التكنولوجيا لخدمة الإنسان، وبأنه يقدم نموذجاً عملياً لدمج الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية ضمن رؤية تنموية متكاملة.

ويرى أن ما يميز التجربة السعودية في المجال الصحي ثلاثة عناصر جوهرية تمنح النموذج السعودي ريادته العالمية؛ أولها النجاح الفائق في توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لتمكين التواصل الفوري والفعال بين المرضى وأدق المتخصصين، وثانيها مرونة المنظومة في مد هذا الربط الرقمي ليشمل الرعاية داخل المستشفيات وخارجها على حد سواء، وثالثها دقة أنظمة المتابعة والرقابة اللحظية التي تسمح للجهات المختصة بقياس الأثر بدقة علمية عالية.

من التمويل إلى تبادل المعرفة

ويشير دونوهو إلى أن العلاقة بين السعودية والبنك الدولي دخلت مرحلة جديدة، لم تعد تقوم على التمويل أو تقديم الاستشارات الفنية، بل أصبحت ترتكز على إنتاج المعرفة وتبادل الخبرات. ويصف افتتاح «مركز المعرفة» في الرياض، وهو الأول من نوعه في المنطقة، بأنه نقطة تحول في مسار هذه الشراكة؛ إذ سيتولى توثيق التجارب السعودية الناجحة، وتطويرها، وتحويلها إلى نماذج يمكن الاستفادة منها في دول أخرى.

ويؤكد أن المملكة لم تعد مجرد مستفيد من الخبرات الدولية، بل أصبحت شريكاً في إنتاج المعرفة التنموية ونقلها. ومن هذا المنطلق، يتطلع البنك الدولي إلى العمل مع الجهات السعودية، ولا سيما في القطاع الصحي، للاستفادة من تجربة «مستشفى صحة الافتراضي»، وتكييفها مع احتياجات الدول النامية والمناطق التي تعاني نقصاً في الكفاءات الطبية، بما يعزز تبادل الخبرات ودعم التنمية على المستوى الإقليمي والدولي.

واقع هيكلي جديد

ولم يأتِ اهتمام البنك الدولي بنقل التجربة السعودية إلى الخارج من فراغ، بل يستند إلى قناعة بأن ما حققته المملكة يعكس تحولاً هيكلياً واسعاً في الاقتصاد، وليس نجاحاً في مشروع أو قطاع بعينه. فالإصلاحات التي قادتها «رؤية 2030» لم تقتصر على خلق فرص عمل جديدة، وإنما أعادت تشكيل العلاقة بين التعليم وسوق العمل، وعززت دور القطاع الخاص، ورفعت مساهمة الأنشطة القائمة على المعرفة والابتكار، بما يجعل النمو أكثر استدامة وقدرة على التكيف مع التحولات التكنولوجية.

ويرى دونوهو أن هذا التحول يكتسب أهمية خاصة؛ لأنه يربط بين الاستثمار في الإنسان والإنتاجية والابتكار، وهو ما أفرز نماذج رائدة في قطاعات متعددة، من بينها الرعاية الصحية الرقمية، التي أصبحت تجسد ثمرة الإصلاحات المتكاملة في التعليم وتنمية المهارات والتحول الرقمي، وليس مجرد مشروعات تقنية منفصلة.

المدير الإداري وكبير مسؤولي المعرفة في مجموعة البنك الدولي باسكال دونوهو يتحدث لـ«الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)

تحدي الذكاء الاصطناعي

وفي وقت يثير فيه التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي مخاوف عالمية بشأن مستقبل الوظائف، في ظل توقعات البنك الدولي بدخول نحو 1.2 مليار شاب إلى أسواق العمل مقابل توفير نحو 400 مليون وظيفة فقط، يرى دونوهو أن التجربة السعودية تقدم مقاربة مختلفة، تقوم على توظيف الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتعزيز الإنتاجية وخلق فرص عمل جديدة، لا بديلاً عن العنصر البشري.

ويشير إلى أن الاستثمار المبكر في تنمية المهارات الرقمية، وربط التقنيات الحديثة ببرامج التعليم والتدريب، أسهم في بناء قاعدة واسعة من الكفاءات المؤهلة، بالتوازي مع تنامي مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي. ويرى أن التجارب السعودية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها الرعاية الصحية الرقمية، توضح كيف يمكن للتكنولوجيا أن ترفع جودة الخدمات وكفاءتها، وفي الوقت نفسه تفتح مجالات جديدة للوظائف المتخصصة والمهارات المستقبلية.

الوظائف الجيدة... لا الوظائف فقط

ويرى دونوهو أن نجاح أسواق العمل لا يُقاس بعدد الوظائف التي تُستحدث فحسب، بل بجودة هذه الوظائف وقدرتها على توفير دخل مستدام وفرص للتطور المهني ورفع الإنتاجية. ويشير إلى أن السنوات الأخيرة، بما شهدته من تباطؤ اقتصادي وارتفاع في تكاليف المعيشة، جعلت التركيز على «الوظائف الجيدة» أحد أهم التحديات التي تواجه صانعي السياسات حول العالم.

ويضيف أن البنك الدولي يعمل مع الحكومات على تهيئة أكثر القطاعات قدرةً على خلق وظائف ذات قيمة مضافة، مثل الرعاية الصحية، والسياحة، والزراعة، بالتوازي مع تطوير الأطر التنظيمية التي تشجع استثمارات القطاع الخاص وتدعم نمو الشركات. ويرى أن المملكة تمثل نموذجاً متقدماً في هذا المسار، وأن «مركز المعرفة» في الرياض سيشكل منصة لتبادل الخبرات وصياغة سياسات تسهم في رفع جودة الوظائف وتعزيز إنتاجيتها، وليس مجرد زيادة أعدادها.

القطاع الخاص... محرك المرحلة المقبلة

ويرى دونوهو أن تحقيق هذا الهدف، المتمثل في زيادة جودة الوظائف لا أعدادها فقط، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة القطاع الخاص على قيادة الاستثمار وخلق فرص العمل في المرحلة المقبلة.

ويرى دونوهو أن استمرار خلق الوظائف في المرحلة المقبلة سيعتمد بدرجة أكبر على قدرة القطاع الخاص على قيادة الاستثمار والنمو، أكثر من اعتماده على الإنفاق الحكومي. ويؤكد أن تحليلات البنك الدولي تشير إلى أن القطاع الخاص السعودي يؤدي بالفعل دوراً محورياً في عدد من القطاعات الحيوية، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب توفير مزيد من المحفزات التي تمكّنه من توسيع استثماراته وخلق فرص عمل جديدة.

ويضيف: «لا يمكن لأي دولة، مهما كانت ثروتها، أن تعتمد بالكامل على رأس المال العام للقيام بكل شيء». ومن هذا المنطلق، يركز البنك الدولي على دعم الحكومات في تطوير الأطر التنظيمية التي تعزز ثقة المستثمرين، وتشجع رأس المال الخاص على الاستثمار طويل الأجل. ويرى أن هذا هو أحد أبرز عناصر قوة «رؤية 2030»، التي نجحت في بناء بيئة استثمارية وبنية تحتية تتيح للقطاع الخاص أداء دور أكبر في قيادة النمو الاقتصادي.

مرونة النمو في ظل التوترات الماكرواقتصادية

وتتزامن هذه الإصلاحات الهيكلية المحلية مع بيئة اقتصادية عالمية وإقليمية شديدة التعقيد؛ إذ تشير توقعات البنك الدولي إلى تأثر آفاق النمو في المنطقة بالتبعات الاقتصادية الناجمة عن الصراعات الجيوسياسية والتجارية، وهو ما تسبب في تراجع معدل النمو المتوقع للمنطقة من نحو 4 في المائة إلى نطاق يتراوح بين 1.5 و2.5 في المائة.

ورغم صدمات سلاسل الإمداد، وضغوط التضخم، وارتفاع أسعار الغذاء العالمية، أكد دونوهو أن الاقتصاد السعودي يواصل نموه بمرونة عالية وقدرة واضحة على الصمود، معتبراً أن بناء القدرة على التكيف في مجالات الصحة والتعليم والوظائف هو الكفيل بتمكين الاقتصادات من امتصاص الصدمات بمرور الوقت.

ويخلص دونوهو إلى أن التجربة السعودية لم تعد تقتصر على تحقيق مؤشرات أفضل في سوق العمل أو الاقتصاد، بل أصبحت تقدم نموذجاً لكيفية توظيف المعرفة والابتكار والشراكة مع القطاع الخاص لبناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التحولات العالمية، وهو ما يجعلها مرجعاً يمكن الاستفادة منه في كثير من الاقتصادات الأخرى.


ارتفاع الدولار مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتصاعد مخاوف التضخم

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

ارتفاع الدولار مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتصاعد مخاوف التضخم

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

ارتفع الدولار مقابل معظم العملات الرئيسية، مع تجدد التوترات في الشرق الأوسط، ما أثار مخاوف بشأن تصاعد الضغوط التضخمية وزاد احتمالات اتجاه البنوك المركزية العالمية إلى رفع أسعار الفائدة.

وصعد الدولار مقابل الين الياباني بنسبة 0.2 في المائة إلى 162.075 ين، في حين تراجع اليورو بنسبة 0.1 في المائة إلى 1.1397 دولار، وانخفض الجنيه الاسترليني بنسبة 0.2 في المائة إلى 1.3374 دولار.

كما تراجع الدولار الأسترالي بنسبة 0.3 في المائة إلى 0.6928 دولار، وانخفض الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.1 في المائة إلى 0.5757 دولار، وفق «رويترز».

وتبادلت القوات الأميركية والإيرانية هجمات صاروخية مكثفة وضربات بطائرات مُسيرة، خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأعلنت طهران مجدداً إغلاق مضيق هرمز الحيوي.

وارتفعت أسعار النفط في التعاملات الآسيوية، إذ صعدت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 4.1 في المائة إلى 79.11 دولار للبرميل.

وقال توني سيكامور، محلل الأسواق في شركة «آي جي» في سيدني: «بعد تصاعد التوترات في نهاية الأسبوع الماضي، واستمرارها خلال عطلة نهاية الأسبوع، استجاب الدولار، وكان النفط الخام المُحرك الرئيسي لهذا التحرك. ويعيد ذلك إحياء المخاوف من أنه إذا واصلت أسعار الطاقة ارتفاعها، فقد نشهد رفعاً لأسعار الفائدة قريباً».

وتشير العقود الآجلة لصناديق «الاحتياطي الفيدرالي» إلى احتمال ضِمني بنسبة 50.9 في المائة لرفع أسعار الفائدة مرتين أو أكثر، بحلول اجتماع البنك المركزي الأميركي في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، مقارنةً باحتمال 47.6 في المائة، يوم الجمعة، وفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة بورصة شيكاغو التجارية.

وارتفع مؤشر الدولار الأميركي، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من ست عملات رئيسية، بنسبة 0.1 في المائة إلى 101.13، بعدما لامس، في وقت سابق، أعلى مستوى له منذ 8 يوليو (تموز) الحالي.

وقال توماس ماثيوز، رئيس أسواق آسيا والمحيط الهادئ في «كابيتال إيكونوميكس» في ويلينغتون: «كان الدولار، بلا شك، المستفيد الأكبر من الحرب السابقة، لكنه يدخل، هذه المرة، من نقطة مختلفة تماماً، بعد أن سجل ارتفاعاً ملحوظاً، في ظل إعادة تقييم مستمرة لتوقعات (الاحتياطي الفيدرالي)».

وأضاف: «ليس واضحاً لي ما إذا كان الدولار سيرتفع بالقدر نفسه، هذه المرة، إذا استمر الوضع في التدهور، وهو ما أعتقد أنه ينعكس في تحركات الأسواق حتى الآن».

وكتب محللو «ويستباك»، في تقرير بحثيّ، أن مخاطر التضخم ستظل في دائرة الاهتمام، مع صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين الأميركي، يوم الثلاثاء، تليها بيانات أسعار المنتجين في اليوم التالي، إضافة إلى شهادة رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش أمام مجلسي النواب والشيوخ.

وقد يرفع بنك اليابان توقعاته للنمو الاقتصادي للسنة المالية 2026، مع تركيزه على مخاطر تجاوز التضخم للتوقعات، إذ إن ارتفاع التكاليف الناتج عن ضعف الين وقوة الطلب على الذكاء الاصطناعي يعوّضان جزئياً تأثير انخفاض أسعار النفط، وفقاً لما ذكرته ثلاثة مصادر مطّلعة على توجهات البنك المركزي، لوكالة «رويترز».

وفي سوق العملات المشفّرة، تراجع سعر بتكوين بنسبة 2.1 في المائة إلى 62.790.02 دولار، بينما انخفض سعر إيثيريوم بنسبة 2.3 في المائة إلى 1.779.01 دولار.


الأسهم الأوروبية تفتتح منخفضة وسط تجدد التوترات بين أميركا وإيران

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
TT

الأسهم الأوروبية تفتتح منخفضة وسط تجدد التوترات بين أميركا وإيران

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

افتتحت الأسهم الأوروبية تعاملات يوم الاثنين على انخفاض، بعد الخسائر الحادة التي سجلتها الأسبوع الماضي، مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، مما دفع طهران إلى إغلاق مضيق هرمز وأثار مخاوف المستثمرين.

وانخفض مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 0.3 في المائة إلى 639.29 نقطة بحلول الساعة 07:02 بتوقيت غرينتش، بعدما سجل يوم الجمعة أكبر خسارة أسبوعية له منذ أواخر أبريل (نيسان)، وفق «رويترز».

وأعاد التصعيد الأخير في الصراع إثارة التساؤلات بشأن مستقبل الاتفاق الأميركي الإيراني الذي تم التوصل إليه الشهر الماضي، والذي كان يهدف إلى استئناف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وتهيئة الطريق لمزيد من المفاوضات.

وارتفعت أسعار النفط بأكثر من 4 في المائة، مما دعم أسهم قطاع الطاقة المدرجة على مؤشر «ستوكس 600»، التي صعدت بنسبة 1.6 في المائة.

ويترقب المستثمرون أيضاً موسم إعلان نتائج الشركات المقبل بحثاً عن مؤشرات تدعم أداء الأسهم، لا سيما في قطاع التكنولوجيا، حيث تواجه التقييمات مخاطر المبالغة.

وتعرض قطاع التكنولوجيا لضغوط يوم الاثنين، متراجعاً بنسبة 1.2 في المائة، متأثراً بانخفاض أسهم شركات التكنولوجيا الآسيوية المنافسة بعد إدراج شركة «إس كيه هاينكس» الكورية الجنوبية في بورصة «ناسداك» يوم الجمعة، حيث ارتفعت أسهم الشركة الرائدة عالمياً في صناعة رقائق ذاكرة الذكاء الاصطناعي بنسبة 12.8 في المائة في أول يوم تداول.

وعلى صعيد الأسهم الفردية، ارتفعت أسهم شركة «أكزو نوبل»، المنتجة لدهانات «دولوكس»، بنسبة 3 في المائة بعد أن تقدمت شركة «نيبون بينت» بعرض للاستحواذ على قسم الدهانات الزخرفية التابع لها مقابل 7.5 مليار يورو (8.55 مليار دولار).