رئيس الأرجنتين: الاتفاق مع صندوق النقد الدولي وشيك لدعم نقص العملة الصعبة

أعلن أن بلاده ستغادر تكتل «ميركوسور» إذا لزم الأمر لإبرام اتفاقية تجارة حرة مع أميركا

الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي يلقي خطاب حالة الأمة السنوي (أ.ب)
الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي يلقي خطاب حالة الأمة السنوي (أ.ب)
TT

رئيس الأرجنتين: الاتفاق مع صندوق النقد الدولي وشيك لدعم نقص العملة الصعبة

الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي يلقي خطاب حالة الأمة السنوي (أ.ب)
الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي يلقي خطاب حالة الأمة السنوي (أ.ب)

كشف الرئيس الأرجنتيني، الليبرالي خافيير ميلي، عن أن التوصُّل إلى اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي بات وشيكاً، حيث استخدم خطابه السنوي أمام البرلمان، الذي يمثل بداية العام التشريعي، لإظهار صورة متفائلة لإصلاحه الاقتصادي بعد عامه الأول المثير للانقسام في منصبه، ودوامة الخلافات الأخيرة.

وفي خطاب لعب فيه على مشاعر قاعدته اليمينية، لكنه لم يتضمَّن سوى قليل من السياسات الجديدة، وعد ميلي الأمة التي تعاني من الأزمة بأنه سيطلب من الكونغرس في الأيام المقبلة «دعم الحكومة في هذا الاتفاق الجديد مع صندوق النقد الدولي» حتى وإن بدا أن الأرجنتين لم تبرم الصفقة بعد، وفق «أسوشييتد برس».

وأعاد ميلي النظر في الموضوعات الاقتصادية لحملته الرئاسية لعام 2023 قبل انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في أكتوبر (تشرين الأول)، وقال: «انتقلنا من الحديث عن التضخم المفرط إلى الحديث عن الاستقرار طويل الأجل».

وأشار إلى مقولته المعتادة حول نجاح الحكومة في خفض معدل التضخم الشهري من ذروة بلغت 26 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) 2023، عندما تولّى منصبه، إلى ما يزيد قليلاً على 2 في المائة في يناير (كانون الثاني)، وفي مساعدة البلاد على الخروج من الركود المؤلم.

وقال ميلي: «لقد تحوَّلنا من كوننا أضحوكةً عالميةً... إلى بطل غير متوقع».

إيلون ماسك في خطاب ميلي

وقد استشهد الملياردير التكنولوجي إيلون ماسك، الذي لوَّح بمنشار كهربائي أهداه له ميلي في مؤتمر العمل السياسي المحافظ، الأسبوع الماضي في واشنطن، بنهج الرئيس الأرجنتيني بوصفه مصدر إلهام لهجومه الخاص على البيروقراطية الفيدرالية الأميركية.

وقال ميلي: «أنظار العالم تتجه الآن إلى الأرجنتين بعد فترة طويلة من الزمن. كما هي الحال مع إيلون».

فيما يتعلق بالسياسة التجارية، أعلن أن الأرجنتين ستغادر تكتل «ميركوسور» لدول أميركا الجنوبية إذا لزم الأمر لإبرام اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة.

وكان ذلك بمثابة أحدث جهود ميلي لمواءمة بلاده مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، على حساب حلفاء الأرجنتين السابقين وشراكاتها الإقليمية.

وقال: «للاستفادة من هذه الفرصة التاريخية، يجب أن نكون على استعداد لجعل الأمور أكثر مرونةً أو حتى، إذا لزم الأمر، مغادرة (ميركوسور)».

التلويح بصفقة مع صندوق النقد الدولي

لم يقدِّم ميلي في خطابه مزيداً من التفاصيل حول صفقة التمويل الجديدة المفترضة مع المقرض الذي يتخذ من واشنطن مقراً له، وهو برنامج سعت إليه حكومته منذ أشهر من أجل المساعدة على رفع القيود الصارمة على رأس المال والعملة في الأرجنتين على أمل جني ثمار إصلاحات السوق الحرة، التي حقَّقت في عام 2024 أول فائض مالي للأرجنتين منذ 14 عاماً.

ما الهدف من القرض؟

وأوضح ميلي أن حكومته ستستخدم ضخاً نقدياً من صندوق النقد الدولي لتجديد احتياطات البنك المركزي المتناقصة من العملة الصعبة، مما يساعد على منع حدوث ركض محتمل على البيزو في الوقت الذي تحاول فيه الأرجنتين رفع شبكتها المعقدة من ضوابط رأس المال قبل نهاية العام.

وقال أمام الكونغرس: «سيمنحنا هذا الاتفاق الجديد الأدوات اللازمة لتمهيد الطريق نحو نظام سعر صرف أكثر حرية وكفاءة لجميع مواطنينا، لجذب مزيد من الاستثمارات التي ستُترجم إلى انخفاض التضخم وزيادة النمو ومستويات التوظيف».

وتعدّ الشركات الأجنبية أن ضوابط العملة سيئة السمعة، التي تحدِّد سعر الصرف الرسمي وتقيد الوصول إلى الدولار في الأرجنتين، أكبر عائق أمام الاستثمار في الأرجنتين.

خلال الزيارة قام بها ميلي إلى مقر صندوق النقد الدولي ولقائه المديرة العامة للصندوق كريستالينا غورغييفا في 21 فبراير (إكس)

ويدرس صندوق النقد الدولي، الذي شجعه التقدم الذي أحرزه ميلي، لكنه قلق بشأن استدامة تقشفه، ما إذا كان سيقرض مزيداً من الأموال للأرجنتين المتعثرة، وهي أكبر مدين له مع تاريخ من التخلف عن السداد، ولا تزال مدينةً بأكثر من 40 مليار دولار عن برنامجها الأخير الذي انتهى في ديسمبر.

وفي مواجهة كونغرس معادٍ بينما صاغ خطاب ميلي نجاحاته على أنها انتصارات للشعب الأرجنتيني، فإن مقاطعة أعضاء الحزب البيروني المعارض ذي الميول اليسارية في الأرجنتين، (الاتحاد من أجل الوطن)، تركت المجلس التشريعي المكتظ عادةً نصفه فارغاً.

وتسيطر الكتلة البيرونية على 46 في المائة من المقاعد في مجلس الشيوخ، و39 في المائة في مجلس النواب، مقارنة بـ10 في المائة و15 في المائة فقط لحزب ميلي (لا ليبرتاد أفانزا) الذي ينتمي إليه ميلي.

ويقول الخبراء إن كون خصوم ميلي السياسيون لا يزالون معادين له ليس بالأمر المفاجئ، حيث يدفع الرئيس في الحدود المفهومة عموماً للسلطة التنفيذية لتوجيه الكونغرس.

وقد أضفى مغني الروك والشخصية التلفزيونية السابق سريع الغضب لهجةً أكثر ليونةً في مفاوضاته مع المشرِّعين في الأشهر الأخيرة؛ حيث استعار بعض الأصوات من حكومة يمين الوسط السابقة برئاسة ماوريسيو ماكري؛ لضمان تمرير بعض المبادرات الرئيسية.

إلا أن ميلي اعتمد إلى حد كبير على المراسيم والسلطات التنفيذية الأخرى لإلغاء القيود على الصناعات، وحل الوزارات، وتسريح أكثر من 40 ألف موظف حكومي، وإلغاء مشروعات الأشغال العامة، وخفض تعديلات التضخم للمعاشات التقاعدية والأجور، والحد من صلاحيات النقابات العمالية، من بين تغييرات أخرى.

وقال سيباستيان مينيسكالدي، الخبير الاقتصادي في شركة «إيكوغو» الاستشارية في بوينس آيرس: «لقد أظهر أنه قادر على حكم البلاد دون الكونغرس».

في الأسبوع الماضي، ألهب ميلي المعارضة السياسية بإعلانه أنه سيتجاوز مجلس الشيوخ في البلاد لتعيين اثنين من مرشحي المحكمة العليا بمرسوم، وقد أثار أحدهما ردود فعل عنيفة؛ بسبب اتهامات بغسل الأموال والإثراء غير المشروع.

وقد انتُقدت هذه التعيينات على نطاق واسع بوصفها تجاوزاً للسلطة التنفيذية من شأنه أن يضمن صدور أحكام مواتية بشأن إصلاحاته الشاملة التي تم التشكيك في دستوريتها في المحاكم الفيدرالية.

مع تصاعد التوترات بين الحكومة والمشرِّعين، ستكون انتخابات التجديد النصفي في أكتوبر 2025 حاسمة. وقال مينيسكالدي إن تحقيق نتيجة جيدة في الاقتراع سيسمح لميلي بـ«إجراء جميع التغييرات التي يريدها، ولن يضطر إلى تقديم أي تنازلات»، محذراً: «قد يعني ذلك أنه سيصبح أكثر استبداداً».

ميلي وغورغييفا في مقر صندوق النقد الدولي في واشنطن (إكس)

فضيحة العملات المشفرة

وقد واجه الاقتصادي اليميني المتطرف أكبر أزمة في إدارته التي استمرّت 14 شهراً بعد الترويج لعملة رقمية غير معروفة ارتفعت بعد تأييده وانهارت بسرعة؛ مما أدى إلى عشرات الشكاوى الجنائية والدعوات لعزله.

وقد فتح المدعون الفيدراليون تحقيقاً في احتمال حدوث احتيال وإساءة استخدام السلطة.

لكن ميلي لم يذكر أي شيء عن فضيحة العملات الرقمية خلال خطابه يوم السبت، الذي استمرّ لأكثر من ساعة.

وكان ميلي وجَّه متابعيه إلى موقع إلكتروني يزعم أنه يدعم الشركات الصغيرة في الأرجنتين عبر عملة «ليبرا» المشفرة. وبعد انتشار تغريدته، انطلقت روبوتات تداول لاقتناص الفرص، مما أدى إلى ارتفاع هائل في قيمة العملة السوقية إلى 4.5 مليار دولار. لكن هذه المكاسب لم تستمر طويلاً، إذ انهارت العملة بسرعة.

وقد تكبد نحو 86 في المائة من المتداولين في «ليبرا»، خسائر ضخمة يوم الجمعة، وفقاً لتقرير صادر عن شركة الأبحاث «نانسن». وتم تقدير إجمالي الخسائر بنحو 251 مليون دولار، بينما بلغت أرباح المتداولين الناجحين نحو 180 مليون دولار.


مقالات ذات صلة

صندوق النقد الدولي: الصراع يلقي بظلاله على نمو اقتصاد المغرب

الاقتصاد سفينة حاويات تعبر مضيق جبل طارق من المحيط الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط بالقرب من الطرف الشمالي لميناء طنجة بالمغرب (أرشيفية - رويترز)

صندوق النقد الدولي: الصراع يلقي بظلاله على نمو اقتصاد المغرب

حذر صندوق النقد الدولي من أن الآفاق الاقتصادية للمغرب في المدى القريب، تظل رهينة بتداعيات الصراع المستمر في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد يظهر رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ على شاشة كبيرة خلال إلقائه خطابه في افتتاح منتدى التنمية الصيني (أ.ب)

الصين تتعهّد بـ«معاملة وطنية» للمستثمرين الأجانب لطمأنة الأسواق العالمية

تعهَّد رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، يوم الأحد، بمواصلة انفتاح الاقتصاد وتطبيق المعاملة الوطنية للشركات الأجنبية بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة «قطر للطاقة» (أرشيفية - رويترز)

صندوق النقد الدولي: «مصدات» الخليج ومرونة التصدير تمتصان صدمة الحرب

أكد صندوق النقد الدولي أن الأثر الاقتصادي للنزاع الراهن على دول مجلس التعاون الخليجي سيتوقف بشكل مباشر على «مدة الأزمة ونطاقها وكثافتها».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد فتى يمر بجوار كشك صرافة مزين بصور الأوراق النقدية في كراتشي (رويترز)

باكستان وصندوق النقد الدولي يحققان تقدماً في مراجعة برنامج الإنقاذ المالي

أعلن صندوق النقد الدولي، يوم الأربعاء، أن باكستان والصندوق أحرزا «تقدماً ملحوظاً» في المحادثات المتعلقة بأحدث مراجعات برنامج الإنقاذ المالي للبلاد.

«الشرق الأوسط» (كراتشي )
تحليل إخباري رئيس الوزراء المصري متحدثاً خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة (مجلس الوزراء)

تحليل إخباري هل أحبطت الحرب الإيرانية وعود الحكومة المصرية بتحسن الأوضاع؟

طبقت الحكومة المصرية خلال السنوات العشر الماضية إصلاحات اقتصادية وُصفت بـ«القاسية»، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، تضمنت رفع الدعم عن المحروقات.

أحمد عدلي (القاهرة)

الصادرات غير النفطية السعودية تقفز 22 % في يناير

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)
ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)
TT

الصادرات غير النفطية السعودية تقفز 22 % في يناير

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)
ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)

أظهرت بيانات التجارة الدولية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء لشهر يناير (كانون الثاني) 2026 تحقيق السعودية نمواً لافتاً في قطاع الصادرات غير النفطية؛ حيث ارتفعت قيمتها شاملة إعادة التصدير بنسبة 22.1 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، لتستقر عند 32.6 مليار ريال (نحو 8.69 مليار دولار).

ويعكس هذا الأداء المرن نجاح الجهود المبذولة لتنويع القاعدة الاقتصادية؛ حيث ارتفعت نسبة الصادرات غير النفطية إلى الواردات لتصل إلى 40.0 في المائة، مقارنة بنحو 34.9 في المائة في يناير 2025.

وتعود هذه الطفرة في الأداء غير النفطي بشكل أساسي إلى القفزة الكبيرة في نشاط «إعادة التصدير»، الذي سجل نمواً قياسياً بنسبة 95.5 في المائة ليبلغ 15.8 مليار ريال (نحو 4.21 مليار دولار)، وهو ما يمثل أعلى مستوى شهري لهذا النشاط منذ بداية عام 2017، وقد تركز هذا النمو في قطاع الآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية وأجزائها، الذي نما بنسبة 78.2 في المائة ليستحوذ وحده على 46.1 في المائة من إجمالي السلع المعاد تصديرها.

وفي المقابل، سجلت الصادرات الوطنية غير النفطية (باستثناء إعادة التصدير) انخفاضاً بنسبة 9.9 في المائة لتصل إلى 16.7 مليار ريال (نحو 4.45 مليار دولار).

وعلى صعيد المؤشرات الكلية، بلغ إجمالي الصادرات السلعية للمملكة في يناير نحو 98.7 مليار ريال (نحو 26.32 مليار دولار) بنمو محدود قدره 1.4 في المائة. وجاء هذا النمو المحدود متأثراً بتراجع الصادرات النفطية بنسبة 6.4 في المائة لتنخفض قيمتها إلى 66.1 مليار ريال (نحو 17.62 مليار دولار)، مما أدى لتقلص حصة النفط من إجمالي الصادرات إلى 67.0 في المائة مقابل 72.6 في المائة في العام السابق.

وأدى هذا التباين في أداء القطاعات، مع ارتفاع الواردات بنسبة 6.5 في المائة لتصل إلى 81.4 مليار ريال (نحو 21.70 مليار دولار)، إلى انخفاض فائض الميزان التجاري السلعي بنسبة 17.5 في المائة ليبلغ 17.3 مليار ريال (نحو 4.61 مليار دولار).

وفيما يخص الشركاء التجاريين، واصلت الصين تصدر القائمة كوجهة رئيسية لصادرات المملكة بنسبة 15.1 في المائة، تلتها الإمارات بنسبة 12.9 في المائة، ثم الهند بنسبة 9.8 في المائة. كما احتلت الصين المرتبة الأولى في قائمة الواردات بنسبة 31 في المائة.

أما على مستوى المنافذ الجمركية، فقد برز مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة كأهم منفذ للصادرات غير النفطية بحصة بلغت 19.3 في المائة، بينما تصدر ميناء الملك عبد العزيز بالدمام منافذ الاستيراد بنسبة 27.7 في المائة من إجمالي الواردات السلعية للمملكة.


شراكات عابرة للقارات تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي في أميركا اللاتينية

جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
TT

شراكات عابرة للقارات تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي في أميركا اللاتينية

جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

تدخل أميركا اللاتينية مرحلة توصف بأنها «لحظة استثمارية حاسمة»، وسط تصاعد الاهتمام العالمي وتزايد الفرص، في وقت يؤكد فيه قادة ومسؤولون أن تحويل هذا الزخم إلى نمو طويل الأمد يتطلب بيئة تنظيمية واضحة، وشراكات استراتيجية، ورؤية تتجاوز المدى القصير.

وخلال اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي «FII PRIORITY Miami» الذي عُقد تحت عنوان «النظام الجديد لأميركا اللاتينية»، شدد رئيس اللجنة التنفيذية والرئيس التنفيذي بالإنابة لمعهد مبادرة مستقبل الاستثمار ريتشارد أتياس على أن المرحلة المقبلة «لن تُحدَّد بالكلمات، بل بالقرارات والشراكات والاستثمار والشجاعة»، في إشارة إلى التحولات العميقة التي يشهدها الإقليم.

وأكدت جلسات القمة أن شهية الاستثمار في أميركا اللاتينية باتت «حقيقية ومتنامية»؛ حيث أشار إيلان غولدفاين، رئيس بنك التنمية للبلدان الأميركية، إلى تشكّل ممر استثماري عابر للقارات، مدفوعاً بارتفاع الطلب واستعداد عدد من الدول لتبني أطر استثمارية متوافقة مع المعايير العالمية.

ولفت إلى أن القمة تمثل منصة لربط المستثمرين بالفرص، معتبراً أن «نمو الإنتاجية» سيكون العامل الحاسم في تحقيق قفزات اقتصادية، مع إمكانية وصول بعض الدول إلى معدلات نمو تتراوح بين 5 و6 في المائة.

إصلاحات تشريعية

وفي قطاع الطاقة، برزت أهمية البيئة التشريعية كعامل رئيسي لجذب الاستثمارات؛ حيث أكدت نائبة رئيس فنزويلا ديلسي رودريغيز أن «اليقين القانوني» يمثل حجر الأساس لاستقطاب رؤوس الأموال، مشيرة إلى إصلاحات قانونية شملت قطاع الهيدروكربونات. وكشفت أن بلادها استقطبت أخيراً أكثر من 120 شركة طاقة، معظمها من الولايات المتحدة، إلى جانب شركات من الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وأوروبا.

اتفاقيات التجارة وتشكيل الأسواق

وتُسهم الاتفاقيات التجارية في تسريع زخم الاستثمار، إذ أشار نوربيرتو جيانغراندي، رئيس مجلس إدارة «مينيرفا فودز»، إلى قرب دخول اتفاقية الاتحاد الأوروبي و«ميركوسور» حيز التنفيذ، ما سيؤدي إلى إنشاء واحدة من كبرى مناطق التجارة الحرة في العالم، تضم أكثر من 700 مليون مستهلك.

ووصف جيانغراندي البرازيل بأنها «ملاذ آمن» في ظل التقلبات العالمية، لافتاً إلى النمو الكبير في صادرات اللحوم، التي ارتفعت من 50 ألف طن مطلع الألفية إلى نحو 5 ملايين طن متوقعة هذا العام. وأكد أن هذا التوسع يعتمد على الابتكار والتكنولوجيا، إلى جانب الكفاءات البشرية، مع تعزيز الإنتاج دون الإضرار بالموارد الطبيعية.

رأس المال البشري أساس النمو

في المقابل، يتزايد التركيز على الاستثمار الاجتماعي باعتباره محركاً أساسياً للنمو؛ حيث أكدت ماريا خوسيه بينتو، نائبة رئيس الإكوادور، أن بلادها انتقلت من اعتبار الإنفاق الاجتماعي «تكلفة» إلى اعتباره «استثماراً في النمو الاقتصادي». وأوضحت أن الأولويات تشمل مكافحة سوء التغذية المزمن، وتعزيز التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية للمياه والصرف الصحي.

وأشارت إلى أن كل دولار يُستثمر في معالجة سوء التغذية يمكن أن يحقق عائداً يصل إلى 23 دولاراً مستقبلاً، داعية المستثمرين إلى تبني منظور طويل الأمد يركز على تنمية رأس المال البشري.

شراكات طويلة

من جانبه، شدد المدير العام للأميركتين في وزارة الاستثمار السعودية عبد الرحمن بكر على أن التحدي لا يكمن في قرار الاستثمار بحد ذاته، بل في «كيفية الاستثمار»، مشيراً إلى أن تنوع الأسواق داخل أميركا اللاتينية يتطلب فهماً عميقاً لكل مدينة ودولة على حدة.

وقال إن بناء شراكات طويلة الأمد، وتعزيز الحضور المحلي، وفهم الخصوصيات الاقتصادية لكل سوق، تمثل عناصر أساسية للنجاح، مؤكداً أن الهدف لا يقتصر على تمويل المشاريع، بل يمتد إلى دعم الاقتصادات في مسار نموها.

رؤية مشتركة

وخرجت القمة إلى أن تحقيق الإمكانات الكاملة لأميركا اللاتينية يتطلب مواءمة بين رأس المال والسياسات والموارد البشرية ضمن رؤية مشتركة طويلة الأمد. ومع توافر الشراكات الاستراتيجية، والأطر التنظيمية الواضحة، والتركيز المتزايد على رأس المال البشري، تبدو المنطقة في موقع مؤهل لتحويل الفرص الناشئة إلى نمو مستدام وقابل للتوسع.


رئيس «مبادرة مستقبل الاستثمار»: قمة ميامي منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي

أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)
أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)
TT

رئيس «مبادرة مستقبل الاستثمار»: قمة ميامي منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي

أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)
أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)

مع استعدادها للانطلاق الرسمي، اليوم (الخميس)، أكد الرئيس التنفيذي بالإنابة وعضو مجلس إدارة مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» ريتشارد أتياس أن قمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي «FII PRIORITY Miami» تمثل منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي، في ظل تسارع حركة رأس المال والتكنولوجيا عبر الحدود، مشدداً على أن دور المؤسسة يتجاوز النقاش إلى التأثير العملي في مسارات الاستثمار.

وقال أتياس، في لقاء إعلامي على هامش القمة المنعقدة في ميامي الأميركية، إن القمة استهلت أعمالها بجلسة خاصة حول «النظام الجديد لأميركا اللاتينية»، استجابة لاهتمام متزايد بدور المنطقة، لافتاً إلى أن ميامي باتت «نقطة التقاء استراتيجية بين شمال وجنوب القارة الأميركية»، ومركزاً لإعادة توجيه الاستثمارات. وأضاف أن الجلسات شهدت مشاركة قادة أعمال ومسؤولين سياسيين، إلى جانب اجتماعات مغلقة بين المستثمرين.

رقم قياسي

وأشار أتياس إلى تسجيل رقم قياسي في عدد المشاركين، يقترب من 1900 مشارك، بينهم نحو 40 في المائة من خارج الولايات المتحدة، رغم التحديات المرتبطة بالسفر، خصوصاً من الشرق الأوسط، مؤكداً أن «الإقبال يعكس تعطشاً عالمياً لفهم اتجاهات رأس المال والفرص الجديدة».

وفيما يتعلق بأبرز توجهات القمة، قال إن النقاشات هذا العام أصبحت «أكثر نضجاً وواقعية»، خاصة في ملف الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن الحديث لم يعد نظرياً كما في السابق، بل بات يركز على التطبيقات العملية، مثل مراكز البيانات واستخدامات الذكاء الاصطناعي في القطاعات المختلفة، حيث «يمكن تتبع أين تتجه الاستثمارات فعلياً».

وأضاف أن العملات الرقمية لا تزال حاضرة بقوة، إلى جانب تنامي الاهتمام بقطاع السياحة، الذي وصفه بأنه «يشهد نمواً رغم التحديات العالمية».

تنطلق الخميس فعاليات اليوم الأول من قمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

وانطلقت القمة التي تعقد تحت شعار «رأس المال المتحرك»، بجلسات تحضيرية متخصصة حول أسواق أميركا اللاتينية، في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والجيوسياسية عالمياً، وتزداد فيه وتيرة انتقال الاستثمارات والأفكار عبر الحدود والقطاعات.

وتتناول القمة في جلساتها محاور رئيسية تشمل «حواراً افتتاحياً» مع ياسر الرميان محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وجلسة «الجغرافيا الجديدة للاستثمار»، إلى جانب بحث العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية والخليج.

كما تركز على التحولات التكنولوجية والمالية، من الذكاء الاصطناعي إلى العملات المستقرة، مروراً بدور رأس المال الخاص، وفرص الأسواق السعودية، إضافة إلى استكشاف آفاق أفريقيا وبروز فئات أصول جديدة مدفوعة بالتقنيات المتقدمة.

جيل جديد

وبالعودة إلى الرئيس التنفيذي بالإنابة وعضو مجلس إدارة مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار»، الذي أكد بروز جيل جديد من رواد الأعمال الشباب، الذين باتوا يقودون شركات تدير مليارات الدولارات، قال: «ميامي أصبحت منصة لاكتشاف القادة الجدد للاقتصاد العالمي»، مضيفاً أن بعض هؤلاء بدأوا مشاريعهم العام الماضي وأصبحوا اليوم لاعبين رئيسيين في السوق.

إطلاق مؤشر لرأس المال المتحرك

وفي سياق تعزيز دورها كمحرك للتحولات الاستثمارية، أعلنت مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار»، وهي مؤسسة عالمية غير ربحية بذراع استثمارية ترتكز على «إحداث أثر في الإنسانية»، إطلاق «مؤشر رأس المال المتحرك» (CMI) خلال قمة ميامي، بوصفه أداة عالمية مبتكرة لرصد وتحليل تدفقات رأس المال عبر الحدود والقطاعات والتقنيات.

ويهدف المؤشر إلى تقديم رؤية غير مسبوقة لصنّاع القرار حول كيفية توظيف رؤوس الأموال طويلة الأجل، من خلال متابعة الاستثمارات المعلنة والمُلتزم بها في مجالات حيوية تشمل الذكاء الاصطناعي والطاقة والابتكار الحضري والغذاء وتقنيات إطالة العمر.

ويرتكز المؤشر على 6 محاور رئيسية، منها كفاءة حركة رأس المال وجودته وشموليته واستعداده للمستقبل، بما يتيح تقييماً أعمق لا يقتصر على حجم التدفقات، بل يمتد إلى أثرها في خلق قيمة مستدامة.

وقال أتياس إن المؤسسة أسهمت في تحفيز صفقات تتجاوز قيمتها 170 مليار دولار، ما يمنحها فهماً دقيقاً لمسارات رأس المال عالمياً، مضيفاً أن المؤشر الجديد «سيحوّل هذه المعرفة إلى أداة استراتيجية توفر وضوحاً واتجاهاً واستشرافاً في بيئة اقتصادية معقدة».

ومن المقرر استكمال تطوير المؤشر بالتعاون مع شركاء دوليين، على أن يُطلق بشكل كامل خلال النسخة العاشرة من مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، في خطوة تعكس توجه المؤسسة نحو تقديم أدوات عملية تُسهم في توسيع الوصول إلى المعرفة الاستثمارية وتعزيز الشفافية والشمولية في فهم حركة الأموال عالمياً.

عقد الصفقات

كما شدد على أن القمة تتيح بيئة للتعاون والتعلم، حيث يجتمع المنافسون لتبادل الرؤى والخبرات، موضحاً أن «المنصة لم تعد فقط للحوار، بل أيضاً لعقد الصفقات»، مع توقع الإعلان عن استثمارات بمليارات الدولارات خلال أيام القمة في قطاعات متعددة، منها الذكاء الاصطناعي والسياحة.

وحول اختيار ميامي، قال أتياس إن المدينة أصبحت مركزاً عالمياً يربط بين الأسواق، مشيراً إلى أن استراتيجية المؤسسة تقوم على تنظيم فعاليات في مراكز اقتصادية مختلفة، مع بقاء الرياض الحدث الرئيسي السنوي.

وشدد الرئيس التنفيذي بالإنابة وعضو مجلس إدارة مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» على أن العالم، رغم التحديات، «يظل قادراً على التكيف»، وأن القمة تسعى إلى تزويد قادة الأعمال بما يشبه «بوصلة جديدة» لفهم اتجاهات الأسواق خلال الأشهر المقبلة، مضيفاً أن «الحوار والتواصل في أوقات عدم اليقين أصبحا أكثر أهمية من أي وقت مضى».