صناعة العملات المشفرة تسعى لفرض نفوذها في واشنطن

بعد إنفاق الملايين على الحملات الانتخابية

صور افتراضية للعملات المشفرة في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
صور افتراضية للعملات المشفرة في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

صناعة العملات المشفرة تسعى لفرض نفوذها في واشنطن

صور افتراضية للعملات المشفرة في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
صور افتراضية للعملات المشفرة في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

عندما عقد ديفيد ساكس، المسؤول عن سياسات العملات المشفرة في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مؤخراً، مؤتمراً صحافياً؛ لإعلان تشكيل مجموعة عمل جديدة في الكونغرس تهدف إلى تعزيز تنظيم الأصول الرقمية؛ لم يكن رد فعل مجتمع العملات المشفرة حافلاً بالحماس أو التفاؤل.

وقال ساكس في «بودكاست»، بعد أيام من الإعلان: «كان هناك الكثير من الأشخاص على منصة (إكس) الذين شعروا أن هذا الخبر ليس استثنائياً كما قد يعتقد البعض»، في إشارة إلى المنصة التي كانت تُعرف سابقاً بـ«تويتر». ورغم ذلك، أكد أن التزام البيت الأبيض وأعضاء بارزين في الكونغرس بتمرير تشريعات مهمة تتعلق بالعملات المشفرة خلال العام المقبل، وربما في غضون ستة أشهر، يُعد إنجازاً غير مسبوق. وأضاف: «لم نصل إلى هذه المرحلة من قبل، لذا فهو أمر بالغ الأهمية».

وتُظهر لهجة ساكس الدفاعية واقعاً جديداً في واشنطن؛ فبعد أن أنفقت صناعة العملات المشفرة مبالغ ضخمة لدعم حملة ترمب وانتخاب مشرعين داعمين لها، أصبحت الصناعة أكثر جرأة وذات نفاد صبر، وتسعى بجدية لترسيخ نفوذها في المشهد السياسي والنظام المالي السائد، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وفي جلسة استماع في مجلس النواب بعنوان «العصر الذهبي للأصول الرقمية: رسم مسار للمستقبل»، قال رئيس مجلس الابتكار في العملات المشفرة والرئيس التنفيذي المؤقت، جي هون كيم: «الوقت عامل حاسم».

ومنذ تولي ترمب منصبه، حقّقت صناعة العملات المشفرة بعض المكاسب المبكرة، مثل إلغاء هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية قاعدة محاسبية مثيرة للجدل، إلى جانب إصدار الرئيس أمراً تنفيذياً يقضي بإنشاء مجموعة عمل لدراسة مقترحات تعديل القوانين المنظمة للعملات المشفرة، والنظر في إمكان تشكيل احتياطي حكومي استراتيجي من العملات الرقمية خلال 180 يوماً.

تصفية الحسابات مع الخصوم القدامى

ومع تصاعد المطالب باتخاذ إجراءات أكثر جوهرية، بدأ بعض الفاعلين في القطاع استعراض نفوذهم عبر معاقبة خصومهم السابقين. فقد أعلن المؤسس المشارك لمنصة «جمني» لتداول العملات المشفرة، تايلر وينكلفوس، أن شركته لن توظّف أي خريج من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا رداً على قرار الجامعة بإعادة تعيين رئيس هيئة الأوراق المالية السابق غاري غينسلر أستاذاً. وقال على منصة «إكس»: «حتى برامج التدريب الصيفي لدينا لن تستقبل أي خريج من المعهد».

جاء ذلك بعد أن كشف الرئيس التنفيذي لشركة «كوينباس» عن أن شركته لن تتعامل مع أي مكتب محاماة يوظّف مساعدين سابقين لغينسلر، الذين اتخذوا إجراءات وُصفت بأنها «عدائية» تجاه قطاع العملات المشفرة. فقد كانت هيئة الأوراق المالية، بقيادة غينسلر، من أشد الجهات التنظيمية صرامة في فرض الرقابة على الصناعة.

وفي الأسابيع الأخيرة، عقد الكونغرس عدة جلسات استماع أتاحت لأنصار العملات المشفرة التعبير عن استيائهم مما عدوه استهدافاً منظماً خلال إدارة بايدن، لا سيما فيما يتعلق بإجبار الجهات التنظيمية للبنوك على قطع علاقاتها مع شركات التشفير.

من جانبها، انتقدت القيادة الجمهورية الجديدة في هيئة الأوراق المالية أداء الوكالة في عهد غينسلر، متعهدة بإحداث تغيير جذري، وإن كان ذلك لن يحدث بين ليلة وضحاها. وقالت مفوضة هيئة الأوراق المالية التي تقود فريق العمل الجديد المعني بالعملات المشفرة، هيستر بيرس، في بيان مطول: «لقد استغرقنا وقتاً طويلاً للوصول إلى هذه الفوضى، لذا نرجو التحلي بالصبر».

وفي تحول ملحوظ، طلبت الهيئة مؤخراً من محكمة اتحادية تعليق الدعاوى الجارية ضد منصة «باينانس»، أكبر بورصة عملات مشفرة في العالم، بسبب إعادة تقييم القيادة الجديدة للإجراءات القانونية السابقة.

تشريعات منتظرة قد تعيد رسم ملامح القطاع

يتوقع «غولدمان ساكس» والمشرعون الداعمون للعملات المشفرة تمرير قانونين رئيسيين في المستقبل القريب:

الأول: يضع إطاراً تنظيمياً واضحاً، ويتطلب احتياطيات مالية للمُصدرين لعملات «الستيبلكوين»، وهي عملات رقمية مستقرة ترتبط قيمتها غالباً بالدولار أو عملات تقليدية أخرى، وقد شهدت نمواً هائلاً في شعبيتها.

الآخر: يحدد القواعد التنظيمية التي تحكم عمل منصات تداول العملات المشفرة وشركات القطاع، ويقرر أي الأصول الرقمية يجب تصنيفها بصفتها أوراقاً مالية تخضع لتنظيمات صارمة، وأيها يجب التعامل معها بصفتها سلعاً مثل الذهب أو النفط.

وعلى الرغم من تعثر مشروعات مماثلة في السنوات الماضية، فإن قطاع العملات المشفرة يتوقع هذه المرة دعماً واسعًا من الحزبين، ويرجع ذلك جزئياً إلى الإنفاق السياسي الكبير للصناعة.

وقد أعلنت لجنة العمل السياسي في «فيرشيك»، التي كانت من بين أكبر المنفقين في انتخابات العام الماضي، أنها جمعت بالفعل مبلغاً ضخماً استعداداً لانتخابات التجديد النصفي للعام المقبل. وكان أحد أكبر انتصارات صناعة العملات المشفرة العام الماضي هو المساعدة في الإطاحة بالسيناتور السابق شيرود براون، وهو ديمقراطي من أوهايو ومنتقد للعملات المشفرة الذي قاد اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ.

وقال مستثمر العملات المشفرة، أنتوني سكاراموتشي، الذي شغل لفترة وجيزة منصب مدير الاتصالات خلال فترة ولاية ترمب الأولى: «لقد وصلت الرسالة إلى الديمقراطيين. إنهم لا يريدون أن يكونوا في حملة 2026 ولديهم جيش من العملات المشفرة ضدهم».

وتماماً مثل أسعار العملات المشفرة، فإن شعبية الصناعة ونفوذها عرضة لتقلبات شديدة وانهيارات. قبل بضع سنوات، كان «السوبر بول» مليئاً بالمشاهير الذين يقومون بإعلانات تجارية لشركات العملات المشفرة، وكان رجل الأعمال سام بانكمان فريد يتمتع بسهولة الوصول إلى أعلى قاعات السلطة.

وتضاءلت تلك الشعبية والنفوذ بعد انهيار شركة «بانكمان فريد»، وسط احتيال جنائي ضخم، وانهيار السوق، وفضائح أخرى؛ قبل أن تعود بقوة مع فوز ترمب.

وبينما ظهرت جبهة موحدة للانتخابات، تخاطر المناقشات حول تشريعات العملات المشفرة واقتراحات السياسات الأخرى بالكشف عن خطوط الصدع بين قبائل الصناعة الكثيرة وشخصياتها القوية وغريبة الأطوار.

على سبيل المثال، تسبّب الرئيس التنفيذي لشركة «ريبل» في إحداث موجات عندما قال إنه يرغب في أن تشمل احتياطيات الحكومة الأميركية من العملات المشفرة أصولاً رقمية متعددة بدلاً من «البتكوين»، العملة المشفرة الأكثر شعبية في العالم. وهذه الفكرة غير مقبولة بالنسبة إلى الكثير من المتحمسين لـ«البتكوين».

وسلّط تقرير جديد من «جيه بي مورغان» الضوء على كيف أن بعض المقترحات في تشريعات العملات المستقرة المتعلقة بكيفية احتفاظ هذه العملات بالاحتياطيات يمكن أن تشكّل "تحدياً كبيراً" لشركة «تيثر»، أكبر عملة مستقرة في العالم.

ورد الرئيس التنفيذي لشركة «تيثر» التي انتقلت مؤخراً إلى السلفادور، المعروفة بسياساتها المؤيدة للعملات المشفرة، على التقرير عبر منصات التواصل الاجتماعي، متهماً محللي البنك بـ«التحامل والغيرة».


مقالات ذات صلة

«بتكوين» تهبط إلى قرب 63 ألف دولار عقب الهجوم على إيران

الاقتصاد عملة البتكوين الرقمية (رويترز)

«بتكوين» تهبط إلى قرب 63 ألف دولار عقب الهجوم على إيران

شهدت أسواق العملات الرقمية تراجعاً حاداً خلال تعاملات يوم السبت، حيث اقتربت عملة «بتكوين» من مستوى 63 ألف دولار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد هاتف ذكي يُعرض عليه شعار «باينانس» (رويترز)

لماذا طردت «باينانس» محققيها؟ تفاصيل تحويل 1.7 مليار دولار لكيانات إيرانية معاقبة

كشفت تقارير استقصائية عن فضيحة تلاحق «باينانس» تفيد بأنها فككت وحدة تحقيقات داخلية، وطردت محققين بعد كشفهم عن تدفقات مالية ضخمة مرتبطة بإيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة توضيحية لعملات رقمية من نوع «ريبل» و«بيتكوين» و«إيثيريوم» على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)

أميركا تدقق بطفرة نشاط العملات المشفرة في إيران

قال باحث في تقنية المعاملات الرقمية إن محققين أميركيين يبحثون فيما إذا كانت منصات معينة للعملات المشفرة قد سهلت تهرب مسؤولين إيرانيين من العقوبات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد دونالد ترمب الابن وإريك ترمب وزاك ويتكوف المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» يشيرون بأيديهم خارج مبنى «ناسداك» بعد قرع جرس الافتتاح (أرشيفية - رويترز)

بين إسلام آباد وعائلة ترمب... باكستان تفتح أبوابها لعملة «وورلد ليبرتي» الرقمية

وقَّعت باكستان اتفاقية مع شركة مرتبطة بشركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» الرئيسية في مجال العملات الرقمية لعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (كراتشي (باكستان))
الاقتصاد تعد عملات «الميم» نوعاً من الرموز الرقمية التي غالباً ما ترتبط بالنكات أو الصور الساخرة (رويترز)

الأصول الرقمية في 2025... من فوضى النمو إلى مرحلة النضج المؤسسي

تتميز العملات المشفرة بتقلبات سعرية عالية جداً لقلة قيمتها الأساسية وغياب المنفعة الملموسة أحياناً، مما يجعلها استثماراً مضارباً عالي المخاطر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
TT

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بممرات الطاقة العالمية، طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

وتطرح مبادرة (4+1)، التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي لـ«الشرق الأوسط»، خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط (التابلاين) التاريخي؛ بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية منصةً لوجيستيةً عالمية تربط ثلاث قارات.

وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً.

وتهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة «الابتزاز الجيوسياسي» المرتبط بمرور أكثر من 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.

وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية؛ ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخماً استثنائياً بصفتها بدائل مستدامة تضع المملكة في قلب تدفقات التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

قطار سريع

ويعد مشروع إنشاء خط قطار سريع تتراوح سرعته بين 200 و300 كيلومتر/ساعة، يربط المملكة بسوريا مروراً بالأردن، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة، من أبرز تلك المشاريع.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أوضح قاضي أن هذا المشروع يترجم عملياً مستهدفات «رؤية السعودية»، من حيث تنويع الاقتصاد وتعظيم دور المملكة بصفتها مركزاً لوجيستياً عالمياً، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وإعمار سوريا، والمساهمة في النهوض الاقتصادي العربي، كما أنه يحوّل الجغرافيا قيمةً اقتصادية مباشرة، ويضع المملكة في قلب تدفقات التجارة بين آسيا وأوروبا.

والجدوى الخاصة بهذا المشروع ليست نظرية، بحكم أن أكثر من 70 في المائة من البنية داخل السعودية قائمة حتى منفذ الحديثة؛ ما يخفّض تكلفته وتسارعه، حسب قاضي، الذي قال: «إن كل دولار يُستثمر فيه سيولّد عائداً مركباً عبر رسوم عبور، وخدمات لوجيستية، ومناطق صناعية، وتوسّع الصادرات، وفي الوقت نفسه يوفر مساراً مكمّلاً يحدّ من اختناقات الممرات البحرية، ويعزّز استقرار تدفقات النفط والغاز، وهذه ليست فقط بنية نقل، بل أداة لخفض تذبذب الأسعار ورفع موثوقية الإمدادات ويخلق قيمة مضافة ويعزّز الأمن الغذائي العربي».

ويتضمن المشروع إحياء مسار خط الحجاز بحكم أنها جزء من الشبكة الحديثة؛ ما يمنح المشروع عمقاً تاريخياً ويخفض التكاليف، ويفتح الربط شمالاً نحو تركيا، وجنوباً نحو المدينة المنورة.

وللوصول إلى المشروع قبل عام 2030، يجب تقسيمه حزماً تعمل بالتوازي داخل الأردن وسوريا، مع قيادة برامج مشتركة، بحيث يتم، وفقاً لقاضي، البدء بـ«خط شحن» حديث عالي الكفاءة و«خط ركاب» متوسط السرعة، ثم رفع السرعات تدريجياً في المقاطع ذات الجدوى.

وأوضح قاضي أن التكلفة التقديرية لهذا المشروع تتراوح بين 12 و25 مليار دولار لسيناريو مختلط (شحن + ركاب سريع جزئياً)، وترتفع في حال تعميم السرعات العالية على كامل المسار، لكن العائد الاستراتيجي - لوجيستياً وطاقياً وغذائياً - يجعله من أعلى المشاريع مردوداً في المنطقة.

ومما يسرع من تنفيذ المشروع أن الجزء السعودي قائم حتى مدينة الحديثة، بينما تصل المسافة من الحديثة إلى دمشق نحو 700 كيلومتر، وبين دمشق وأنطاكيا نحو 350 كيلومتر.

وأشار قاضي إلى أن سرعة القطار في المرحلة الأولى من المشروع ستصل إلى نحو 120 – 200 كيلومتر/ساعة، وفي المرحلة الثانية إلى 200 – 300 كيلومتر/ساعة، في حين يستغرق تحضيره وتمويله أقل من سنة، والتنفيذ المرحلي المتوازي أقل من ٤ سنوات، بحيث يحتفل البلدان بتشغيل أولي للخط قبل عام 2030.

ورأى أن الأمن الغذائي العربي لن يتحقق عبر الاستيراد فقط، بل عبر بناء ممرات لوجيستية ذكية، وهذا المشروع يحول المنطقة منصةً لإعادة توزيع الغذاء عالمياً، تبدأ من الهند وآسيا، وتعبر الخليج وسوريا، لتصل إلى أوروبا.

«التابلاين» لتحييد «هرمز»

من ضمن مشاريع (4+1)، إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط «التابلاين» الذي نشأ عام 1947 بطول 1664 كيلومتراً، ويمتد من مدينة بقيق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر الأبيض المتوسط، مع تعديل نهايته ليصب في ميناء بانياس السوري، بحيث يتم ضخ ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية، وذلك بعدما أغلق المشروع بشكل نهائي في تسعينات القرن الماضي.

هذا المشروع، وفق قاضي، هو صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية؛ لأنه «عندما نخلق ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، فإننا نُخرج جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية من دائرة المخاطر الجيوسياسية، وخاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز. بمعنى آخر، نحن لا ننقل الطاقة فقط، بل ننقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات».

كركوك - بانياس والغاز القطري

المشروع الثالث، هو إعادة تأهيل خط «كركوك – بانياس» لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس، بعدما كان يضخ نحو 300 ألف برميل.

ويتمثل المشروع الرابع بمد خط لنقل الغاز القطري الذي بدأ ينقطع بسبب «مشاكل مضيق هرمز وإيران».

ويبدأ الخط من قطر إلى الأردن وبعد ذلك سوريا وصولاً إلى تركيا ومن ثم أوروبا، على أن ينبثق منه المشروع الخامس بمد وصلة نقل إلى بانياس.

وأوضح قاضي في حديثه، أن سوريا كانت تاريخياً قلب طرق التجارة العالمية، واليوم يمكن أن تعود إلى هذا الدور، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين: «سكك حديدية سريعة، وموانٍ ذكية، وممرات طاقة متكاملة»، وإذا نجحت مشاريع (4+1)، فإن دمشق لن تكون فقط عاصمة سياسية، بل عاصمة لوجيستية واقتصادية تربط ثلاث قارات. أضاف: «نحن ننتقل من مفهوم الجغرافيا السياسية إلى الجيو-اقتصاد، ومن يملك الممرات يملك التأثير، وسوريا مؤهلة لأن تكون أحد أهم الممرات في العالم، ومشاريع (4+1) تعيد تعريف المنطقة ليس كمنطقة صراعات، بل كمنطقة عبور وازدهار».

صورة قديمة تظهر عمليات نقل أنابيب التابلاين (أرامكو)

بعد الأزمات الأخيرة، أدرك العالم أن الاعتماد على الممرات البحرية فقط هو مخاطرة استراتيجية، وما يتم تقديمه من مشاريع وفق قاضي هو «بديل بري مستقر، يقلل من تكلفة النقل ويزيد من أمن الإمدادات، وهي ليست بديلاً عن البحر، بل توازن ضروري يمنع أي جهة من احتكار حركة التجارة العالمية».

وشدد قاضي على أن إعمار سوريا يجب ألا تكون إعادة بناء حجارة، بل بناء دور اقتصادي، وهذه المشاريع تخلق اقتصاد عبور يدر مليارات الدولارات سنوياً، وعشرات ألوف فرص العمل، وتدفع بعجلة النمو الاقتصادي السوري، وبهذا النموذج، تصبح سوريا دولة منتجة للخدمات اللوجيستية والطاقة، وليست فقط متلقية للمساعدات».

وبينما علمت «الشرق الأوسط»، أن هذه المشاريع هي «قيد الدراسة من قِبل كثير من الجهات الحكومية السورية والعربية»، أبان قاضي أن تكلفتها تصل إلى أقل من 30 مليار دولار، وهي في حاجة إلى تمويل من ثلاثة صناديق سيادية عربية على الأقل في المنطقة وصندوق سيادي أوروبي. وعدّ المشاريع أنها «أول اختبار حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي، وإذا نجح هذا النموذج، يمكن تعميمه ليصبح نواة لسوق عربية مشتركة حقيقية، وستُذكر في التاريخ بصفتها أحد أهم مشاريع القرن الحادي والعشرين في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي تتناغم مع (رؤية السعودية 2030) بجعل الشرق الأوسط أوروبا جديدة، وسوريا هي درّة الشرق الأوسط».

من جهته، رأى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، أن الحديث عن هذه المشاريع يمثل طرحاً لاستراتيجية «الجيوبوليتيك الطاقي» التي يمكن أن تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل. لكنه لفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم النظرة المتفائلة، فحزمة هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل ضخم واستثمارات كبيرة، وثقة ائتمانية عالية واستقرار نقدي، والأهم توافق سياسي شامل.


وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)
TT

وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)

اجتمع وزراء دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية يوم الاثنين، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، والتي تسببت في قفزة هائلة بأسعار الطاقة، وأثارت مخاوف جدية على الاقتصاد العالمي.

تأتي هذه التحركات بعد الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، ورد طهران باستهداف الدول المصدِّرة للخام في المنطقة، وتعطيل معظم الشحنات عبر الخليج. وقد أدى هذا الضغط على الإمدادات إلى رفع أسعار النفط والغاز الطبيعي، ما أحدث تأثيرات متلاحقة وقوية على سلاسل التوريد في صناعات متعددة.

وصرح وزير المالية الفرنسي، رولاند ليسكيور، بأن «مجموعة السبع» حشدت وزراء المالية والطاقة ومسؤولي البنوك المركزية في أول اجتماع بهذا الشكل الموسع، منذ تأسيس المجموعة عام 1975. وقال للصحافيين قبيل الاجتماع: «نعلم أن ما يحدث الآن في الخليج له تداعيات طاقوية، واقتصادية، ومالية، وقد يمتد ليشمل معدلات التضخم... الهدف هو مراقبة التطورات وتبادل التشخيصات؛ خصوصاً فيما يتعلق بالاضطرابات المحتملة».

وشارك في الاجتماع الذي عُقد عبر تقنية الفيديو، ممثلون عن وكالة الطاقة الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال المجموعة التي ترأس فرنسا دورتها الحالية، إلى حشد الدعم لإنهاء الحصار الإيراني لممر مضيق هرمز الملاحي.

التحرك السريع

وفي ظل الضغوط المتزايدة، سارعت الحكومات لإقرار تدابير تحد من تأثير نقص الإمدادات وتحليق أسعار الطاقة؛ حيث أعلنت الحكومة الفرنسية يوم الجمعة عن تخصيص 70 مليون يورو (80 مليون دولار) لدعم قطاعات الصيد والزراعة والنقل خلال شهر أبريل (نيسان). وشدد ليسكيور على ضرورة أن يكون الدعم «مستهدفاً وسريعاً»، مؤكداً أن «هذه أزمة تؤثر علينا جميعاً وتتطلب تحركاً سريعاً وعادلاً».


«السوق السعودية» تسجل أعلى مستوياتها منذ شهر ونصف

مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
TT

«السوق السعودية» تسجل أعلى مستوياتها منذ شهر ونصف

مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية جلسة الاثنين على ارتفاع بنسبة 0.8 في المائة ليغلق عند 11 ألفاً و167 نقطة، مسجلاً أعلى إغلاق منذ شهر ونصف، وبتداولات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 6.1 مليار ريال.

وشهدت السوق ارتفاعاً في أبرز الأسهم القيادية، حيث ارتفع سهما «أرامكو السعودية» و«مصرف الراجحي» بأكثر من واحد في المائة، ليصل سعراهما إلى 27.28 ريال و105.40 ريال على التوالي.

وقفز سهم «سابتكو» بنسبة 10 في المائة عند 9.88 ريال، عقب إعلان الشركة عن نتائجها المالية للربع الرابع من 2025، وارتفع سهم «بترو رابغ» بنسبة 7 في المائة، وسط تداولات بلغت نحو 15 مليون سهم.

وصعد سهم «أنابيب السعودية» بنسبة 5 في المائة بعد توقيع الشركة عقداً مع «أرامكو» بقيمة 127 مليون ريال، بينما سجل سهم «صالح الراشد» أعلى إغلاق منذ الإدراج عند 67.20 ريال، لتصل مكاسب السهم منذ الإدراج إلى نحو 50 في المائة.