بكين تستعد لتقديم عرض لتجنب حرب تجارية شاملة مع ترمب

تركز على العودة إلى «اتفاق المرحلة الأولى»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الصين شي جينبينغ خلال قمة قادة «مجموعة العشرين» في أوساكا يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الصين شي جينبينغ خلال قمة قادة «مجموعة العشرين» في أوساكا يونيو 2019 (رويترز)
TT

بكين تستعد لتقديم عرض لتجنب حرب تجارية شاملة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الصين شي جينبينغ خلال قمة قادة «مجموعة العشرين» في أوساكا يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الصين شي جينبينغ خلال قمة قادة «مجموعة العشرين» في أوساكا يونيو 2019 (رويترز)

تستعد بكين لتقديم عرض افتتاحي في محاولة لتفادي زيادات أكبر في التعريفات الجمركية والقيود التكنولوجية التي قد تفرضها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مما يعكس رغبتها في استئناف محادثات تجارية جديدة.

ومع ذلك، فإن ما تستعد الصين لتقديمه، وفقاً لأشخاص مطلعين في العاصمتين على تفكير بكين، يركز بشكل رئيسي على العودة إلى اتفاق تجاري سابق لم يُنفذ، وهو ما من المحتمل أن يعمق الجدل في واشنطن حول كيفية التفاوض مع الصين، وفقاً لما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال».

وعلى الرغم من أن البيت الأبيض قد فرض على الصين تعريفات جمركية بنسبة 10 في المائة بدءاً من يوم الثلاثاء بسبب فشلها في اتخاذ إجراءات صارمة ضد المواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع الفنتانيل، فإنه لا يبدو أن أياً من الجانبين مستعد للانزلاق إلى حرب تجارية شاملة. فالصين، التي تواجه تحديات اقتصادية جسيمة، أبدت اهتمامها بالتفاوض مع ترمب، الذي أشار بدوره إلى استعداده للحوار من خلال تأجيل معظم التعريفات الجمركية التي وعد بها ضد الصين.

حاويات بمحطة بميناء المياه العميقة يانغشان في شنغهاي (رويترز)

وبحسب مصادر مطلعة، عدّت بكين أن التعريفات الجمركية بنسبة 10 في المائة هي مجرد وسيلة ضغط من ترمب، لكنها أوضحت أن تحركه الأول لم يكن من النوع «الأقصى للضغط» الذي قد تجده القيادة الصينية غير محتمل. ففي وقت سابق، هدّد ترمب بفرض تعريفات تصل إلى 60 في المائة.

وقد أدى قرار ترمب بفرض تعريفات جمركية على الواردات من كندا والمكسيك والصين إلى إثارة توترات تجارية. وفي استجابة أولية، قالت وزارة التجارة الصينية إنها ستطعن في التعريفات الجمركية أمام منظمة التجارة العالمية، التي تعطلت آليتها لحل النزاعات التجارية منذ ولاية ترمب الأولى. كما دعت الوزارة إلى «الحوار الصريح» بين الجانبين، وطالبت السفارة الصينية في واشنطن الولايات المتحدة بـ«تصحيح أخطائها».

وفي إطار استعداداتها للمفاوضات، يركز الاقتراح الأولي للصين على استعادة اتفاقية تجارية كانت قد وقعتها بكين مع إدارة ترمب الأولى في أوائل عام 2020، لكنها فشلت في تنفيذها. وتقتضي الصفقة، المعروفة بالمرحلة الأولى، من الصين زيادة مشترياتها من السلع والخدمات الأميركية بمقدار 200 مليار دولار على مدى عامين. وعلى الرغم من أن ترمب وصف هذه الصفقة بأنها «أعظم صفقة» تم التوصل إليها، فقد وصفها كثير من خبراء التجارة والمديرين التنفيذيين بأنها غير واقعية منذ البداية.

وأفادت المصادر بأن الصين، بعد فشلها في الوفاء بتعهداتها بموجب الصفقة بزيادة المشتريات الأميركية، تستعد الآن للتفاوض مع إدارة ترمب حول المجالات التي يمكنها شراء مزيد من المنتجات الأميركية فيها. وتشمل الأجزاء الأخرى من خطة الصين عرضاً لزيادة الاستثمارات في الولايات المتحدة، وخاصة في قطاعات مثل بطاريات السيارات الكهربائية. كما تتعهد الصين مجدداً بعدم خفض قيمة اليوان للحصول على ميزة تنافسية، وتلتزم بخفض صادرات سلائف الفنتانيل.

وفي محاولة لخلق جو إيجابي، تخطط بكين أيضاً للتعامل مع قضية «تيك توك» على أنها «مسألة تجارية» بحتة، رداً على تصريحات ترمب التي اقترح فيها تقسيم السيطرة على التطبيق بين المصالح الأميركية والصينية بنسبة 50 - 50 في المائة، وأوضحت المصادر أن الحكومة الصينية تنوي البقاء بعيداً عن هذه المسألة والسماح للمستثمرين في الشركة الأم لـ«تيك توك»، أي «بايت دانس»، بالتفاوض على صفقة مع مقدمي العروض الأميركيين المهتمين.

ومع ذلك، يبقى غير واضح ما إذا كانت بكين مستعدة للتخلي عن السيطرة على خوارزمية «تيك توك»، وهي الصيغة السرية التي يستخدمها التطبيق لتوجيه المحتوى للمستخدمين، والتي أضافتها الصين إلى قائمة الرقابة على الصادرات. وإذا كانت هذه الخوارزمية جزءاً من أي صفقة محتملة، فإن ذلك سيشكل نقطة محورية في المفاوضات.

نموذج مصغر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد للرئيس الأميركي دونالد ترمب وشعار «تيك توك» (رويترز)

ويعكس العرض الافتتاحي للصين اهتمام الرئيس شي جينبينغ في تحسين العلاقة مع ترمب، وتعزيز فرص إتمام صفقات تجارية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية الزائدة التي تواجهها الصين. وفي الوقت نفسه، يعزز الزعيم الصيني من هيمنة الدولة المركزية لتحضير الصين لمنافسة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، خاصة في المجالات التي تتعلق بالتكنولوجيا. كما تعمل بكين على تطوير أدوات انتقامية لتعزيز نفوذها في المفاوضات.

وفي هذا السياق، قال آرثر كرويبر، الشريك المؤسس ورئيس الأبحاث في شركة «جافيكال دراغونوميكس»، وهي شركة استشارية اقتصادية تركز على الصين: «سيكون الصينيون سعداء للغاية بالدخول في مفاوضات الصفقة. الهدف الأساسي بالنسبة لهم هو صد الهجوم الأميركي، بدلاً من تحقيق مكاسب ملموسة».

ومنذ توليه منصبه، أظهر الرئيس ترمب استعداده لاستخدام التعريفات الجمركية أداة ضغط على الصين في مختلف القضايا الاقتصادية والجيوسياسية. ومن ضمن أجزاء خطة الصين، تعرض بكين زيادة استثماراتها في الولايات المتحدة، بما في ذلك في قطاعات مثل بطاريات السيارات الكهربائية.

وقد أشار ترمب إلى الفائض التجاري الضخم للصين مع الولايات المتحدة، الذي غالباً ما يتجاوز مئات المليارات من الدولارات سنوياً، وأعرب عن رغبته في أن تشتري الصين مزيداً من السلع الأميركية لتقليص هذه الفجوة. كما عبّر ترمب عن رغبته في تقديم دعم للرئيس شي في مسألة إنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا، مشيراً إلى أنه مستعد لاستخدام التعريفات الجمركية بوصفها ورقة مساومة.

وتأتي هذه الجهود في وقت حساس، حيث يخطط الرئيس ترمب لعقد قمة مع شي في المستقبل القريب وسط ضغط داخلي وخارجي. وقد وجه ترمب الوكالات الفيدرالية لمراجعة العلاقات الاقتصادية الثنائية مع الصين، ومنحها حتى أوائل أبريل (نيسان) لتقديم توصيات بشأن المسار الذي ينبغي اتخاذه تجاه الصين.

ونظراً لوجود كثير من منتقدي الصين داخل فريق ترمب، فضلاً عن الدعم الحزبي المستمر للنهج الصارم تجاه الصين في واشنطن، فإن هذه التوصيات قد تؤدي إلى حزمة شاملة تهدف إلى تقليص الاعتماد الاقتصادي على الصين. ويشمل ذلك زيادة التعريفات الجمركية ليس فقط على السلع الصينية، ولكن أيضاً على المنتجات التي تحتوي على مكونات صينية، إضافة إلى توسيع القيود على بيع التكنولوجيا الأميركية للصين.

وأشار نائب الرئيس هان تشنغ، المبعوث الخاص للرئيس شي إلى حفل تنصيب ترمب في 20 يناير (كانون الثاني)، إلى استعداد بكين لمناقشة مجموعة واسعة من القضايا بما في ذلك «تيك توك»، والفنتانيل، والتجارة، بحسب مصادر مطلعة.

وقال يون صن، مدير برنامج الصين في مركز «ستيمسون» البحثي في واشنطن: «بكين حريصة على معرفة الثمن الذي يطلبه فريق ترمب لاستكشاف مجالات التفاوض، خاصة فيما يتعلق بالتعريفات والتكنولوجيا».

وتسعى الصين إلى أن يُسمح لها بشراء السلع التي تحتاجها، مثل المنتجات التقنية الأميركية، في إطار هذه المفاوضات.

ومن المتوقع أن تكشف المحادثات التجارية التي تركز على المرحلة الأولى عن انقسامات داخل إدارة ترمب، مما يثير التساؤلات مرة أخرى حول جدوى الاتفاقات التي تعتمد على تعهدات يصعب على بكين الوفاء بها حتى بعد توقيعها.

ولتحقيق هدفها بزيادة مشترياتها من المنتجات الأميركية بمقدار 200 مليار دولار من 186 مليار دولار استوردتها الصين في عام 2017، قبل بدء الحرب التجارية، كان لا بد أن ترتفع الصادرات الأميركية إلى الصين بمعدل 33 في المائة سنوياً، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف سرعة نموها السنوي منذ انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001.

وفي النهاية، وفقاً لتقديرات معهد «بيترسون» للاقتصاد الدولي، اشترت الصين 58 في المائة فقط من السلع الأميركية التي التزمت بشرائها، وهو ما لم يكن كافياً للوصول حتى إلى مستويات عام 2017. وأشار المحللون في المركز البحثي إلى أن الصين لم تشتري أياً من الصادرات الأميركية الإضافية التي وعدت بها.

وهذه المرة، تخطط بكين مجدداً لتقديم مزيد من المشتريات من المنتجات الزراعية والطاقة والصناعية الأميركية، وفقاً لأشخاص مطلعين على تفكير الصين. ولكن، في الوقت نفسه، ستدافع الصين عن السماح لها بشراء السلع التي تحتاجها بشكل أساسي، مثل الرقائق الأميركية، وغيرها من المنتجات التقنية التي تخضع الآن لقيود التصدير.

وفي إطار إدارة ترمب الجديدة، قال وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسات تأكيد تعيينه إنه سيكون منفتحاً على المحادثات لفرض ضمانات شراء للمرحلة الأولى، مع إمكانية دفع الصين إلى «بند اللحاق بالركب» لتعويض النقص في المشتريات خلال السنوات الأربع الماضية.

ومن المتوقع أن يجادل مستشارو ترمب الآخرون، بما في ذلك فريق الأمن القومي وبيتر نافارو، كبير مستشاري ترمب للتجارة والتصنيع، بضرورة التركيز على ما هو أبعد من التجارة فقط، مع معالجة التهديدات الأمنية الأوسع نطاقاً التي تمثلها الصين.

وبدا أن هوارد لوتنيك، الذي اختاره ترمب لمنصب وزير التجارة، يدعو أيضاً إلى اتخاذ إجراءات أقوى، بما في ذلك منع التكنولوجيا الأميركية من مساعدة الصناعات الصينية.

وفي جلسة تأكيد تعيينه الأسبوع الماضي، أشار لوتنيك إلى أن شركة «ديب سيك»، وهي شركة ناشئة صينية في مجال الذكاء الاصطناعي، قد تمكنت من التهرب من بعض ضوابط التصدير الأميركية على الرقائق لتطوير روبوت دردشة ينافس الروبوتات الأميركية. وقال لأعضاء مجلس الشيوخ: «يجب أن ينتهي هذا»، متعهداً برد «قوي للغاية» إذا تم تأكيد تعيينه.

وفي الوقت الراهن، يبدو أن الرئيس ترمب هو الأمل الأفضل للرئيس شي جينبينغ في التوصل إلى اتفاق لتجنب تصعيد الحرب التجارية.

وقال بوب ديفيس، الصحافي المتخصص في السياسة التجارية الأميركية تجاه الصين والمؤلف المشارك لكتاب «المواجهة بين القوى العظمى»: «لا يرى ترمب الصين بوصفها تهديداً وجودياً عسكرياً للولايات المتحدة كما يفعل كثير من مستشاريه، ومن المحتمل أن يكون أكثر انفتاحاً على التوصل إلى اتفاق». وأضاف: «لكنها ستكون معركة كبيرة داخلياً».


مقالات ذات صلة

ترمب يجتمع الجمعة بكبار شركات الدفاع الأميركية لتسريع إنتاج الأسلحة

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعقد اجتماعاً لكبرى شركات إنتاج الأسلحة الأميركية يوم الجمعة بالبيت الأبيض (ا.ف.ب) p-circle

ترمب يجتمع الجمعة بكبار شركات الدفاع الأميركية لتسريع إنتاج الأسلحة

ترمب يجتمع الجمعة بكبار شركات الدفاع الأميركية لتسريع إنتاج الأسلحة... تقييمات تشير إلى أن واشنطن تستنفد مخزوناتها من الذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية.

هبة القدسي (واشنطن)
أوروبا الشباب الكوبي يواجهون تحديات اقتصادية كبيرة فاقمتها العقوبات الأميركية (رويترز)

التحالفات الكوبية تتصدع تحت وطأة الإعصار «الترمبي»

التحالفات الكوبية تتصدع تحت وطأة الإعصار «الترمبي»... لكن العقاب الجماعي يشكِّل انتهاكاً صارخاً لأحكام القانون الدولي.

شوقي الريّس (هافانا)
تحليل إخباري الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز في الكرملين 18 فبراير (د.ب.أ)

تحليل إخباري كوبا… وقائع انهيار معلن

يرفع النظام الكوبي راية الضحية ويستنجد بالتضامن الدولي معها، لكنه يتغاضى عن الأخطاء الفادحة التي ارتكبها في اتخاذ كثير من القرارات

شوقي الريّس (هافانا)
تحليل إخباري وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال لقائه نظيره الصيني وانغ يي في ميونيخ (رويترز) p-circle

تحليل إخباري 4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

أصبح الأوروبيون أمام واقع كانوا يناورون لتجاهله لسنوات، وأدركوا أن أمنهم لا يمكن أن يبقى مرهوناً بمزاج حليف أميركي تبدّلت أولوياته وبات في خانة المنافسين.

شوقي الريّس (بروكسل)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

ترمب يتوعد بإجراءات «أكثر صرامة» بشأن الرسوم الجمركية

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ​في ‌إفادة، أنه ​سيوقع على أمر بفرض رسوم جمركية عالمية تبلغ 10 ‌في المائة ​بموجب المادة ‌122 ‌من قانون التجارة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ماكرون يحث «مجموعة السبع» على اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«استعادة حرية» مضيق هرمز

ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة «مجموعة السبع» لمناقشة تداعيات الحرب في إيران على الاقتصاد العالمي (أ.ف.ب)
ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة «مجموعة السبع» لمناقشة تداعيات الحرب في إيران على الاقتصاد العالمي (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يحث «مجموعة السبع» على اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«استعادة حرية» مضيق هرمز

ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة «مجموعة السبع» لمناقشة تداعيات الحرب في إيران على الاقتصاد العالمي (أ.ف.ب)
ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة «مجموعة السبع» لمناقشة تداعيات الحرب في إيران على الاقتصاد العالمي (أ.ف.ب)

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تنسيق دولي صارم لـ«استعادة حرية الملاحة» في مضيق هرمز الذي بات فعلياً خارج الخدمة، مؤكداً أن أمن الممرات المائية الحيوية لا يحتمل التأجيل، وذلك بعد توصية الوكالة الدولية للطاقة بالإجماع طرح 400 مليون برميل من النفط من احتياطيات الطوارئ في الأسواق العالمية، في أكبر عملية تدخل من نوعها في تاريخ الوكالة لاحتواء التداعيات الجسيمة لحرب إيران على إمدادات الطاقة.

وأكد ماكرون في اجتماع ترأسه لزعماء «مجموعة الدول السبع»، على أهمية التنسيق «لضمان استعادة حرية الملاحة بشكل كامل في جميع الدول في أسرع وقت ممكن» بعد أن أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى توقف حركة الملاحة في هذا الممر الملاحي الحيوي.

ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة «مجموعة السبع» لمناقشة تداعيات الحرب في إيران على الاقتصاد العالمي (أ.ف.ب)

وحذّر من أن أي إجراءات حمائية فردية من قبل الدول قد تعمق من هشاشة الأسواق، وتؤدي إلى زعزعة استقرار إمدادات النفط والغاز العالمية. وأضاف أنه من الضروري «التواصل مع أطراف ثالثة لتجنب أي قيود على صادرات النفط والغاز».

وبثت الرئاسة الفرنسية مقطع فيديو لماكرون وهو يخاطب رؤساء «مجموعة السبع». وقد علّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الفيديو كاتباً: «أعتقد أننا نحدث تأثيراً هائلاً على العالم».

وقبل ساعة من اجتماع قادة «مجموعة السبع» التي تترأسها فرنسا حالياً، قالت وكالة الطاقة التي تتخذ من باريس مقراً لها إن الضخ من المخزونات حظي بموافقة بالإجماع من الدول الأعضاء. وأوضحت الوكالة أن ‌«32​ من ⁠الدول ⁠الأعضاء ​اتفقت ⁠بالإجماع ​ ​على ‌طرح ​400 ⁠مليون ​برميل ⁠من ‌النفط ‌من ​احتياطياتها ‌الطارئة ‌في ​السوق، وسيتم الإفراج عن احتياطيات النفط الاستراتيجية خلال إطار زمني مناسب للظروف المحلية لكل دولة عضو».

ويُعد هذا المخزون أكبر من 182.7 مليون برميل التي أطلقتها الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية عام 2022 رداً على الغزو الروسي لأوكرانيا.

وأشارت إلى أن الكميات المتفق على طرحها ستُتاح للسوق وفق جدول زمني يراعي الظروف الخاصة بكل الدول الأعضاء، ما يعني أن وتيرة الضخ لن تكون موحدة بالضرورة بين جميع المشاركين. وأضافت أن هذه الخطوة ستُستكمل بإجراءات طارئة إضافية ستتخذها بعض الدول.

ضغط أميركي

وقال ⁠دبلوماسي من الاتحاد الأوروبي قبل صدور ‌بيان الوكالة: «جاء الضغط بالأساس من ‌حكومة الولايات المتحدة التي ترغب ​في هذا الإطلاق».

ورحب وزير ‌الداخلية الأميركي دوغ بورغوم بالتقارير التي تحدثت عن الإطلاق ‌المقترح. وقال في مقابلة مع «فوكس نيوز»: «هذا هو التوقيت المثالي للتفكير في (هذا)... لتخفيف بعض الضغط عن الأسعار العالمية». لكنه أشار إلى أنه لا يعتقد أن العالم يواجه نقصاً ‌في موارد الطاقة، وتابع قائلاً: «لدينا مشكلة نقل وهي مؤقتة... لدينا مشكلة نقل مؤقتة نعمل على ⁠حلها ⁠عسكرياً ودبلوماسياً ونحن قادرون على حلها وسنحلها».

سفن تنتظر في عرض البحر بمضيق هرمز قبالة خورفكان بالإمارات (أ.ب)

ردود فعل الأسواق

على الرغم من الإعلان عن هذه «الجرعة» الاستراتيجية، لم تستجب الأسواق بالاستقرار المنشود. فقد سجل خام برنت ارتفاعاً بنسبة 3.6 في المائة ليصل إلى 90.80 دولار للبرميل، بحلول الساعة 03:11 بتوقيت غرينيتش، كما ارتفع الخام الأميركي بنسبة 3.6 في المائة ليصل إلى 86.11 دولار للبرميل.

وفي «وول ستريت»، تباين أداء المؤشرات الرئيسية، حيث قيّم المستثمرون تقرير التضخم الأميركي وقرار وكالة الطاقة الدولية. انخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي 212.58 نقطة، أو 0.45 في المائة، ليصل إلى 47493.93 نقطة، بينما ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 7.05 نقطة، أو 0.10 في المائة، ليصل إلى 6788.53 نقطة، وارتفع مؤشر «ناسداك المركب» 108.60 نقطة، أو 0.48 في المائة، ليصل إلى 22805.71 نقطة.

مخاوف هيكلية

تسيطر على الأسواق حالة من التشكيك الجدي في قدرة هذه الخطة على تعويض الصدمات الحقيقية؛ فالمحللون يرون أن العبرة ليست في الحجم الإجمالي، بل في «الوتيرة اليومية» للضخ. ومع توقف 20 مليون برميل يومياً نتيجة إغلاق مضيق هرمز، فإن ضخ حوالي 3.3 مليون برميل يومياً (بافتراض إفراج سريع عن 100 مليون في الشهر الأول) يظل رقماً ضئيلاً لا يسد الفجوة.

ويحذر الاقتصاديون من أن استنزاف ثلث المخزون العالمي في عملية واحدة هو «مغامرة» لن تغني عن الحل الجذري بفتح الممرات المائية. وصرح برنارد ياروس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»، لشبكة «سي بي إس نيوز»، إن الاحتياطي النفطي الاستراتيجي صمّم لتوفير النفط في حال حدوث اضطرابات في إمدادات النفط الوطنية، مثل الكوارث الطبيعية، موضحاً أنه «مخصص للاضطرابات المؤقتة، وإذا كان هذا نزاعاً مطولاً، فلا يمكن الاعتماد عليه».

وفي وقت سابق، أكدت وزيرة الاقتصاد الألمانية، كاترينا رايش، رقم 400 مليون برميل، وقالت إن بلادها ستشارك في عملية النشر. وأضافت أن الولايات المتحدة واليابان ستكونان أكبر المساهمين في نشرة وكالة الطاقة الدولية.

ناقلات نفط تبحر في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

تحركات استباقية

استباقاً لتحرك وكالة الطاقة الدولية، أعلنت اليابان، العضو في «مجموعة السبع»، عن خطط للإفراج عن احتياطيات نفطية من القطاع الخاص تكفي لمدة 15 يوماً، واحتياطيات نفطية حكومية تكفي لمدة شهر. وقالت رئيسة الوزراء، سناء تاكايتشي، في بيان متلفز: «بدلاً من انتظار موافقة وكالة الطاقة الدولية الرسمية على الإفراج المنسق عن الاحتياطيات الدولية، ستبادر اليابان إلى تخفيف ضغوط العرض والطلب في سوق الطاقة العالمية، بالإفراج عن الاحتياطيات في أقرب وقت ممكن، بدءاً من السادس عشر من هذا الشهر».

ولاحقاً، أعلنت وزارة الصناعة اليابانية أن إجمالي كمية النفط الخام التي ستطرحها اليابان من الاحتياطيات الخاصة والعامة سيبلغ حوالي 80 مليون برميل.

وقالت وزيرة الاقتصاد الألمانية، كاترينا رايش، إن بلادها ستفرج عن جزء من احتياطياتها النفطية استجابةً لطلب وكالة الطاقة الدولية «الإفراج عن احتياطيات نفطية تبلغ 400 مليون برميل، أي ما يعادل 54 مليون طن»، مضيفة أن الأمر سيستغرق بضعة أيام قبل تسليم الدفعة الأولى.

من جهتها، أعلنت بريطانيا، أنها ستسهم بـ13.5 مليون برميل من النفط. وقال وزير الطاقة إد ميليباند في بيان: «بهذا الإجراء، تؤدي المملكة المتحدة دورها في العمل مع حلفائها الدوليين لمعالجة الاضطرابات في أسواق النفط».

وصرح وزير الاقتصاد النمساوي، فولفغانغ هاتمانسدورفر، بأن بلاده ستفرج عن جزء من احتياطي النفط الطارئ وتوسع نطاق الاحتياطي الوطني الاستراتيجي للغاز، مضيفاً: «أمر واحد واضح: في الأزمات، لا يجب أن يكون هناك رابحون على حساب المواطنين والشركات».

في عام 2022، أطلقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية 182.7 مليون برميل على مرحلتين، وهو ما كان آنذاك أكبر إطلاق في تاريخ الوكالة، بالتزامن مع غزو روسيا الشامل لأوكرانيا.

وقالت وزيرة الطاقة الإسبانية، سارة آغيسن: «أعتقد أنه أكبر اقتراح في تاريخ وكالة الطاقة الدولية».

كما أعلنت الحكومة الألمانية أنها ستُصدر إجراءً يسمح لمحطات الوقود في ألمانيا برفع أسعار الوقود مرة واحدة يومياً كحد أقصى. وقال رايشه إن الحكومة الفيدرالية تسعى إلى تطبيق هذا الإجراء في أسرع وقت ممكن. وفي النمسا، بدءاً من يوم الاثنين، سيُسمح برفع أسعار الوقود في محطات الوقود ثلاث مرات فقط أسبوعياً، وفقاً لما صرح به وزير الاقتصاد النمساوي.

وتنسق الاقتصادات الغربية مخزوناتها النفطية الاستراتيجية من خلال وكالة الطاقة الدولية، التي تأسست عقب أزمة النفط في سبعينات القرن الماضي.

ناقلة نفط تنتظر قبالة ميناء فوس لافيرا بالقرب من مرسيليا (أ.ب)

وزراء الطاقة

يوم الأربعاء، قال وزراء طاقة «مجموعة السبع» في بيان قبل ساعات من اجتماع قادة المجموعة: «نؤيد من حيث المبدأ تنفيذ تدابير استباقية لمعالجة الوضع، بما في ذلك استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية».

وفي سياق منفصل، صرّح وزير الطاقة الأميركي كريس رايت بأن واشنطن تدرس تنسيق مبيعات النفط من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي مع عمليات الإفراج من دول أخرى. وأضاف أن لدى الولايات المتحدة «خيارات أخرى» للسماح بمزيد من مبيعات النفط الروسي المخزّن في ناقلات في المياه الآسيوية. ونقلت «رويترز» عن رايت قوله للصحافيين في كولورادو: «نتحدث عن عمليات إفراج منسقة من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي».


ارتفاع مخزونات النفط الأميركية 3.8 مليون برميل بأكثر من المتوقع

ارتفع صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام خلال الأسبوع الماضي بمقدار 661 ألف برميل يومياً (رويترز)
ارتفع صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام خلال الأسبوع الماضي بمقدار 661 ألف برميل يومياً (رويترز)
TT

ارتفاع مخزونات النفط الأميركية 3.8 مليون برميل بأكثر من المتوقع

ارتفع صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام خلال الأسبوع الماضي بمقدار 661 ألف برميل يومياً (رويترز)
ارتفع صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام خلال الأسبوع الماضي بمقدار 661 ألف برميل يومياً (رويترز)

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، ارتفاع مخزونات النفط الخام الأميركية، بينما انخفضت مخزونات البنزين ونواتج التقطير خلال الأسبوع الماضي.

وذكرت الإدارة في تقريرها الأسبوعي الذي يحظى بمتابعة واسعة، أن مخزونات النفط الخام ارتفعت بمقدار 3.8 مليون برميل لتصل إلى 443.1 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 6 مارس (آذار)، مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع أجرته «رويترز»، بارتفاع قدره 1.1 مليون برميل.

وأضافت الإدارة أن مخزونات النفط الخام في مركز كوشينغ بولاية أوكلاهوما، مركز التسليم، ارتفعت بمقدار 117 ألف برميل خلال الأسبوع.

وأفادت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بأن عمليات تكرير النفط الخام ارتفعت بمقدار 328 ألف برميل يومياً خلال الأسبوع، في حين ارتفعت معدلات الاستخدام بمقدار 1.6 نقطة مئوية خلال الأسبوع لتصل إلى 90.8 في المائة.

وذكرت أن مخزونات البنزين في الولايات المتحدة انخفضت بمقدار 3.7 مليون برميل خلال الأسبوع لتصل إلى 249.5 مليون برميل، مقارنة بتوقعات المحللين بانخفاض قدره 2.6 مليون برميل.

وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية انخفاض مخزونات نواتج التقطير، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، بمقدار 1.3 مليون برميل خلال الأسبوع لتصل إلى 119.4 مليون برميل، مقابل توقعات بانخفاض قدره 0.7 مليون برميل.

وأفادت إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع الأسبوع الماضي بمقدار 661 ألف برميل يومياً.


بريطانيا لسحب 13.5 مليون برميل من احتياطياتها النفطية

منصات حفر في خليج كرومارتي أسكوتلندا - بريطانيا (رويترز)
منصات حفر في خليج كرومارتي أسكوتلندا - بريطانيا (رويترز)
TT

بريطانيا لسحب 13.5 مليون برميل من احتياطياتها النفطية

منصات حفر في خليج كرومارتي أسكوتلندا - بريطانيا (رويترز)
منصات حفر في خليج كرومارتي أسكوتلندا - بريطانيا (رويترز)

أعلنت بريطانيا، الأربعاء، أنها ستساهم بـ13.5 مليون برميل من النفط في عملية إطلاق منسقة من احتياطياتها الاستراتيجية، لتنضم بذلك إلى أعضاء آخرين في وكالة الطاقة الدولية.

وقال وزير الطاقة إد ميليباند في بيان: «بهذا الإجراء، تؤدي المملكة المتحدة دورها في العمل مع حلفائها الدوليين لمعالجة الاضطرابات في أسواق النفط».

وكانت وكالة الطاقة الدولية قد أوصت في وقت سابق بإطلاق 400 مليون برميل من النفط، وهي أكبر خطوة من نوعها في تاريخها، في محاولة لكبح جماح ارتفاع أسعار النفط الخام وسط الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.