بكين تستعد لتقديم عرض لتجنب حرب تجارية شاملة مع ترمب

تركز على العودة إلى «اتفاق المرحلة الأولى»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الصين شي جينبينغ خلال قمة قادة «مجموعة العشرين» في أوساكا يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الصين شي جينبينغ خلال قمة قادة «مجموعة العشرين» في أوساكا يونيو 2019 (رويترز)
TT

بكين تستعد لتقديم عرض لتجنب حرب تجارية شاملة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الصين شي جينبينغ خلال قمة قادة «مجموعة العشرين» في أوساكا يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الصين شي جينبينغ خلال قمة قادة «مجموعة العشرين» في أوساكا يونيو 2019 (رويترز)

تستعد بكين لتقديم عرض افتتاحي في محاولة لتفادي زيادات أكبر في التعريفات الجمركية والقيود التكنولوجية التي قد تفرضها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مما يعكس رغبتها في استئناف محادثات تجارية جديدة.

ومع ذلك، فإن ما تستعد الصين لتقديمه، وفقاً لأشخاص مطلعين في العاصمتين على تفكير بكين، يركز بشكل رئيسي على العودة إلى اتفاق تجاري سابق لم يُنفذ، وهو ما من المحتمل أن يعمق الجدل في واشنطن حول كيفية التفاوض مع الصين، وفقاً لما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال».

وعلى الرغم من أن البيت الأبيض قد فرض على الصين تعريفات جمركية بنسبة 10 في المائة بدءاً من يوم الثلاثاء بسبب فشلها في اتخاذ إجراءات صارمة ضد المواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع الفنتانيل، فإنه لا يبدو أن أياً من الجانبين مستعد للانزلاق إلى حرب تجارية شاملة. فالصين، التي تواجه تحديات اقتصادية جسيمة، أبدت اهتمامها بالتفاوض مع ترمب، الذي أشار بدوره إلى استعداده للحوار من خلال تأجيل معظم التعريفات الجمركية التي وعد بها ضد الصين.

حاويات بمحطة بميناء المياه العميقة يانغشان في شنغهاي (رويترز)

وبحسب مصادر مطلعة، عدّت بكين أن التعريفات الجمركية بنسبة 10 في المائة هي مجرد وسيلة ضغط من ترمب، لكنها أوضحت أن تحركه الأول لم يكن من النوع «الأقصى للضغط» الذي قد تجده القيادة الصينية غير محتمل. ففي وقت سابق، هدّد ترمب بفرض تعريفات تصل إلى 60 في المائة.

وقد أدى قرار ترمب بفرض تعريفات جمركية على الواردات من كندا والمكسيك والصين إلى إثارة توترات تجارية. وفي استجابة أولية، قالت وزارة التجارة الصينية إنها ستطعن في التعريفات الجمركية أمام منظمة التجارة العالمية، التي تعطلت آليتها لحل النزاعات التجارية منذ ولاية ترمب الأولى. كما دعت الوزارة إلى «الحوار الصريح» بين الجانبين، وطالبت السفارة الصينية في واشنطن الولايات المتحدة بـ«تصحيح أخطائها».

وفي إطار استعداداتها للمفاوضات، يركز الاقتراح الأولي للصين على استعادة اتفاقية تجارية كانت قد وقعتها بكين مع إدارة ترمب الأولى في أوائل عام 2020، لكنها فشلت في تنفيذها. وتقتضي الصفقة، المعروفة بالمرحلة الأولى، من الصين زيادة مشترياتها من السلع والخدمات الأميركية بمقدار 200 مليار دولار على مدى عامين. وعلى الرغم من أن ترمب وصف هذه الصفقة بأنها «أعظم صفقة» تم التوصل إليها، فقد وصفها كثير من خبراء التجارة والمديرين التنفيذيين بأنها غير واقعية منذ البداية.

وأفادت المصادر بأن الصين، بعد فشلها في الوفاء بتعهداتها بموجب الصفقة بزيادة المشتريات الأميركية، تستعد الآن للتفاوض مع إدارة ترمب حول المجالات التي يمكنها شراء مزيد من المنتجات الأميركية فيها. وتشمل الأجزاء الأخرى من خطة الصين عرضاً لزيادة الاستثمارات في الولايات المتحدة، وخاصة في قطاعات مثل بطاريات السيارات الكهربائية. كما تتعهد الصين مجدداً بعدم خفض قيمة اليوان للحصول على ميزة تنافسية، وتلتزم بخفض صادرات سلائف الفنتانيل.

وفي محاولة لخلق جو إيجابي، تخطط بكين أيضاً للتعامل مع قضية «تيك توك» على أنها «مسألة تجارية» بحتة، رداً على تصريحات ترمب التي اقترح فيها تقسيم السيطرة على التطبيق بين المصالح الأميركية والصينية بنسبة 50 - 50 في المائة، وأوضحت المصادر أن الحكومة الصينية تنوي البقاء بعيداً عن هذه المسألة والسماح للمستثمرين في الشركة الأم لـ«تيك توك»، أي «بايت دانس»، بالتفاوض على صفقة مع مقدمي العروض الأميركيين المهتمين.

ومع ذلك، يبقى غير واضح ما إذا كانت بكين مستعدة للتخلي عن السيطرة على خوارزمية «تيك توك»، وهي الصيغة السرية التي يستخدمها التطبيق لتوجيه المحتوى للمستخدمين، والتي أضافتها الصين إلى قائمة الرقابة على الصادرات. وإذا كانت هذه الخوارزمية جزءاً من أي صفقة محتملة، فإن ذلك سيشكل نقطة محورية في المفاوضات.

نموذج مصغر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد للرئيس الأميركي دونالد ترمب وشعار «تيك توك» (رويترز)

ويعكس العرض الافتتاحي للصين اهتمام الرئيس شي جينبينغ في تحسين العلاقة مع ترمب، وتعزيز فرص إتمام صفقات تجارية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية الزائدة التي تواجهها الصين. وفي الوقت نفسه، يعزز الزعيم الصيني من هيمنة الدولة المركزية لتحضير الصين لمنافسة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، خاصة في المجالات التي تتعلق بالتكنولوجيا. كما تعمل بكين على تطوير أدوات انتقامية لتعزيز نفوذها في المفاوضات.

وفي هذا السياق، قال آرثر كرويبر، الشريك المؤسس ورئيس الأبحاث في شركة «جافيكال دراغونوميكس»، وهي شركة استشارية اقتصادية تركز على الصين: «سيكون الصينيون سعداء للغاية بالدخول في مفاوضات الصفقة. الهدف الأساسي بالنسبة لهم هو صد الهجوم الأميركي، بدلاً من تحقيق مكاسب ملموسة».

ومنذ توليه منصبه، أظهر الرئيس ترمب استعداده لاستخدام التعريفات الجمركية أداة ضغط على الصين في مختلف القضايا الاقتصادية والجيوسياسية. ومن ضمن أجزاء خطة الصين، تعرض بكين زيادة استثماراتها في الولايات المتحدة، بما في ذلك في قطاعات مثل بطاريات السيارات الكهربائية.

وقد أشار ترمب إلى الفائض التجاري الضخم للصين مع الولايات المتحدة، الذي غالباً ما يتجاوز مئات المليارات من الدولارات سنوياً، وأعرب عن رغبته في أن تشتري الصين مزيداً من السلع الأميركية لتقليص هذه الفجوة. كما عبّر ترمب عن رغبته في تقديم دعم للرئيس شي في مسألة إنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا، مشيراً إلى أنه مستعد لاستخدام التعريفات الجمركية بوصفها ورقة مساومة.

وتأتي هذه الجهود في وقت حساس، حيث يخطط الرئيس ترمب لعقد قمة مع شي في المستقبل القريب وسط ضغط داخلي وخارجي. وقد وجه ترمب الوكالات الفيدرالية لمراجعة العلاقات الاقتصادية الثنائية مع الصين، ومنحها حتى أوائل أبريل (نيسان) لتقديم توصيات بشأن المسار الذي ينبغي اتخاذه تجاه الصين.

ونظراً لوجود كثير من منتقدي الصين داخل فريق ترمب، فضلاً عن الدعم الحزبي المستمر للنهج الصارم تجاه الصين في واشنطن، فإن هذه التوصيات قد تؤدي إلى حزمة شاملة تهدف إلى تقليص الاعتماد الاقتصادي على الصين. ويشمل ذلك زيادة التعريفات الجمركية ليس فقط على السلع الصينية، ولكن أيضاً على المنتجات التي تحتوي على مكونات صينية، إضافة إلى توسيع القيود على بيع التكنولوجيا الأميركية للصين.

وأشار نائب الرئيس هان تشنغ، المبعوث الخاص للرئيس شي إلى حفل تنصيب ترمب في 20 يناير (كانون الثاني)، إلى استعداد بكين لمناقشة مجموعة واسعة من القضايا بما في ذلك «تيك توك»، والفنتانيل، والتجارة، بحسب مصادر مطلعة.

وقال يون صن، مدير برنامج الصين في مركز «ستيمسون» البحثي في واشنطن: «بكين حريصة على معرفة الثمن الذي يطلبه فريق ترمب لاستكشاف مجالات التفاوض، خاصة فيما يتعلق بالتعريفات والتكنولوجيا».

وتسعى الصين إلى أن يُسمح لها بشراء السلع التي تحتاجها، مثل المنتجات التقنية الأميركية، في إطار هذه المفاوضات.

ومن المتوقع أن تكشف المحادثات التجارية التي تركز على المرحلة الأولى عن انقسامات داخل إدارة ترمب، مما يثير التساؤلات مرة أخرى حول جدوى الاتفاقات التي تعتمد على تعهدات يصعب على بكين الوفاء بها حتى بعد توقيعها.

ولتحقيق هدفها بزيادة مشترياتها من المنتجات الأميركية بمقدار 200 مليار دولار من 186 مليار دولار استوردتها الصين في عام 2017، قبل بدء الحرب التجارية، كان لا بد أن ترتفع الصادرات الأميركية إلى الصين بمعدل 33 في المائة سنوياً، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف سرعة نموها السنوي منذ انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001.

وفي النهاية، وفقاً لتقديرات معهد «بيترسون» للاقتصاد الدولي، اشترت الصين 58 في المائة فقط من السلع الأميركية التي التزمت بشرائها، وهو ما لم يكن كافياً للوصول حتى إلى مستويات عام 2017. وأشار المحللون في المركز البحثي إلى أن الصين لم تشتري أياً من الصادرات الأميركية الإضافية التي وعدت بها.

وهذه المرة، تخطط بكين مجدداً لتقديم مزيد من المشتريات من المنتجات الزراعية والطاقة والصناعية الأميركية، وفقاً لأشخاص مطلعين على تفكير الصين. ولكن، في الوقت نفسه، ستدافع الصين عن السماح لها بشراء السلع التي تحتاجها بشكل أساسي، مثل الرقائق الأميركية، وغيرها من المنتجات التقنية التي تخضع الآن لقيود التصدير.

وفي إطار إدارة ترمب الجديدة، قال وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسات تأكيد تعيينه إنه سيكون منفتحاً على المحادثات لفرض ضمانات شراء للمرحلة الأولى، مع إمكانية دفع الصين إلى «بند اللحاق بالركب» لتعويض النقص في المشتريات خلال السنوات الأربع الماضية.

ومن المتوقع أن يجادل مستشارو ترمب الآخرون، بما في ذلك فريق الأمن القومي وبيتر نافارو، كبير مستشاري ترمب للتجارة والتصنيع، بضرورة التركيز على ما هو أبعد من التجارة فقط، مع معالجة التهديدات الأمنية الأوسع نطاقاً التي تمثلها الصين.

وبدا أن هوارد لوتنيك، الذي اختاره ترمب لمنصب وزير التجارة، يدعو أيضاً إلى اتخاذ إجراءات أقوى، بما في ذلك منع التكنولوجيا الأميركية من مساعدة الصناعات الصينية.

وفي جلسة تأكيد تعيينه الأسبوع الماضي، أشار لوتنيك إلى أن شركة «ديب سيك»، وهي شركة ناشئة صينية في مجال الذكاء الاصطناعي، قد تمكنت من التهرب من بعض ضوابط التصدير الأميركية على الرقائق لتطوير روبوت دردشة ينافس الروبوتات الأميركية. وقال لأعضاء مجلس الشيوخ: «يجب أن ينتهي هذا»، متعهداً برد «قوي للغاية» إذا تم تأكيد تعيينه.

وفي الوقت الراهن، يبدو أن الرئيس ترمب هو الأمل الأفضل للرئيس شي جينبينغ في التوصل إلى اتفاق لتجنب تصعيد الحرب التجارية.

وقال بوب ديفيس، الصحافي المتخصص في السياسة التجارية الأميركية تجاه الصين والمؤلف المشارك لكتاب «المواجهة بين القوى العظمى»: «لا يرى ترمب الصين بوصفها تهديداً وجودياً عسكرياً للولايات المتحدة كما يفعل كثير من مستشاريه، ومن المحتمل أن يكون أكثر انفتاحاً على التوصل إلى اتفاق». وأضاف: «لكنها ستكون معركة كبيرة داخلياً».


مقالات ذات صلة

رواندا تبقي على قواتها في موزمبيق لمواجهة «داعش»

أفريقيا جنود من قوات الأمن الرواندية بالقرب من موقع «إنيرجي» للغاز الطبيعي بموزمبيق في 22 سبتمبر 2021 (رويترز)

رواندا تبقي على قواتها في موزمبيق لمواجهة «داعش»

رواندا تبقي على قواتها في موزمبيق لمواجهة «داعش» والتنظيم يهدد أكبر مشروع استثماري للغاز في أفريقيا بـ20 مليار دولار.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

سانشيز «غير قلق» حيال تهديدات بتعليق عضوية بلاده في «الناتو»

رسالة بريد إلكتروني داخلية بوزارة الدفاع الأمريكية احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة دول أعضاء في الحلف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رجل يملأ سيارته بالوقود داخل محطة بنزين في ميامي (أ.ف.ب) p-circle

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو... وسانشيز يؤكد من بكين على دورها «المهم» في حل الأزمة تزامناً مع زيارة لافروف لها.

رائد جبر (موسكو) «الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد بركان ساكوراجيما في محافظة كاجوشيما جنوب غربي اليابان (أ.ف.ب)

نشاط المصانع اليابانية يعود للنمو بعد انكماش دام 11 شهراً

أظهر مسح للقطاع الخاص أن نشاط الصناعات التحويلية في اليابان عاد إلى النمو في يونيو (حزيران) الجاري بعد انكماش دام نحو عام.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
شؤون إقليمية مبادرة فرنسية - بريطانية مشتركة لحماية الإبحار الآمن في مضيق هرمز: في الصورة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أمام مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 6 يناير الماضي (د.ب.أ) p-circle

جهود فرنسية - بريطانية مكثفة لضمان حرية الإبحار في «هرمز»

جهود فرنسية - بريطانية مكثفة لضمان حرية الإبحار في «هرمز» وقمة الجمعة برئاسة ماكرون وستارمر ومشاركة 35 مسؤولاً دولياً لإطلاق «المهمة» الجديدة.

ميشال أبونجم (باريس)

«ألفاريز آند مارسال» تعود لـ«المركزي اللبناني» لتعقب 20 مليار دولار متبخرة

أشخاص يسيرون أمام مقر مصرف لبنان المركزي في منطقة الحمراء ببيروت (رويترز)
أشخاص يسيرون أمام مقر مصرف لبنان المركزي في منطقة الحمراء ببيروت (رويترز)
TT

«ألفاريز آند مارسال» تعود لـ«المركزي اللبناني» لتعقب 20 مليار دولار متبخرة

أشخاص يسيرون أمام مقر مصرف لبنان المركزي في منطقة الحمراء ببيروت (رويترز)
أشخاص يسيرون أمام مقر مصرف لبنان المركزي في منطقة الحمراء ببيروت (رويترز)

ترجمت حاكمية مصرف لبنان المركزي تعهداتها بالكشف عن تفاصيل أي سوء استخدام أو اختلاس للأموال أو الاحتياطيات أو المال العام، بالإعلان رسمياً، وبالتنسيق مع وزارتي المالية والعدل، عن إرساء تلزيم جديد لشركة «ألفاريز آند مارسال»، يقضي بإجراء تدقيق جنائي مالي شامل للفترة الممتدة بين أكتوبر (تشرين الأول) 2019 ونهاية عام 2023، ما «يسمح بتكوين صورة دقيقة ومستقلة ومدققة لحجم الأموال التي تم إنفاقها خلال الفترة المحددة».

ويمثل هذا التطور المثير، حسب مسؤول نقدي كبير، نقلة نوعية تلتزم المعايير المحاسبية الدولية، للتحقّق من أدلّة ووثائق واتهامات بحصول انحرافات واختلاسات وعمليات هدر موصوفة في صرف أكثر من 20 مليار دولار من مخزون احتياطيات البنك المركزي، عقب انفجار الأزمتين المالية والنقدية، واللتين تشرفان على ختام العام السابع، على التوالي، في الخريف المقبل.

رافعة لإنعاش بيانات واستنتاجات سابقة

ويأتي هذا المسار، وفق إفصاح البنك المركزي، في إطار جهد مؤسساتي مشترك، يهدف إلى إجراء التدقيق الجنائي الشامل للفترة التي «شهدت تدخلات مالية واسعة النطاق من قبل مصرف لبنان لصالح جهات من القطاعين العام والخاص»، فيما منح رسو التلزيم على هذه الشركة، قيمة مضافة، كونها تولت مهمة التدقيق الجنائي بحسابات «المركزي» للفترة بين 2015 و2020، ما يشكل رافعة لإنعاش بيانات واستنتاجات سابقة، وردت في تقريرها، الذي تسلمته وزارة المال.

ومن المفترض، وفق المسؤول المعني الذي تواصلت معه «الشرق الأوسط»، أن تفضي المبادرة الجديدة والتقرير الثاني المنشود، بنتائجه وخلاصاته المرتقبة، إلى تغيير استثنائي في منهجية استعادة الانتظام المالي والتعافي الاقتصادي، وحيازة مرجعية موثوقة لإعادة هيكلة البيانات والإحصاءات، وسند قانوني متين للملاحقة والمحاسبة واستعادة الأموال «المنهوبة»، وقاعدة صلبة للإصلاحات المالية المطلوبة بإلحاح، غير خفي، من قبل الدول المانحة والمؤسسات المالية العالمية، وفي مقدمها صندوق النقد والبنك الدوليان.

التدقيق في برنامج الدعم

ويتطابق هذا التصور مع مندرجات المهمة الموكولة إلى الشركة العالمية، حيث سيَشمل نطاق التدقيق، بصورة خاصة، وفق إعلام البنك المركزي، برنامج الدعم الذي أقرّته الحكومات المتعاقبة للفترة المحددة، والذي تضمّن تحويلات ومدفوعات بلغت قيمتها عدة مليارات من الدولارات، والأموال التي وضعها مصرف لبنان بتصرّف المؤسسات العامة والهيئات الحكومية. فضلاً عن التحويلات التي أجراها البنك المركزي إلى المصارف التجارية، عبر تحويلات دولية إلى حساباتها في الخارج.

وتوخياً لتحديد مفصّل للمسؤوليات، يهدف هذا التدقيق الجنائي بصورة أساسية، وفق البنك المركزي، إلى التحقق من أنّ جميع المدفوعات والتحويلات، ولا سيما تلك المتعلقة ببرامج الدعم، قد جرت بموجب تفويضات وأذونات قانونية ووفقاً للأصول المعتمدة؛ وبأنّ الأموال قد وصلت إلى الجهات المستفيدة المصرّح لها والمحددة بصورة واضحة، وأيضاً أنّ الأموال استُخدمت للغاية المحددة لها، ومن دون أي مخالفة أو إساءة استعمال أو استغلال للمال العام.

وفي نطاق المحاسبة، سيساهم هذا التلزيم، وفق تعميم «المركزي»، «في دعم الجهات المختصة لدى وزارة المالية ووزارة العدل في تحديد وملاحقة الحالات التي تكون قد حصلت فيها بعض الجهات أو الأفراد على أموال الدعم بصورة غير مشروعة، أو الحالات التي استُخدمت فيها الأموال خلافاً للأهداف المعلنة لبرامج الدعم»، حيث ستتم إحالة التقرير المتعلق ببرنامج الدعم رسمياً، بعد إتمامه، إلى كل من وزارة المالية، ووزارة العدل.

ووفق رصد أولي، يرتقب أن يلاحق التدقيق المتجدّد صرف ما لا يقل عن 11 مليار دولار على برامج الدعم الاستهلاكي خلال الفترة المحددة، تم تخصيص الجزء الوازن منها لدعم المحروقات، والتي تدفقت بمعظمها إلى سوريا، عبر عمليات تهريب وتجارة غير مشروعة، فيما كانت سيارات المواطنين تصطف لساعات طويلة أمام المحطات لتعبئة الوقود.

ولم يسلم برنامج دعم السلع الاستهلاكية من فجوات جسيمة أيضاً، سواء عبر ضم مواد مصنفة «رفاهية» لم تفد المستهلكين المستهدفين بشيء، أو التدافع للحصول على حصص قليلة من المواد الغذائية الأساسية، بينما كانت الصور تتوارد بكثافة عن عرض السلع «اللبنانية»، الممهورة بكلمة «مدعوم»، وبأسعار «تشجيعية» في أسواق استهلاكية خارجية، قريبة وبعيدة جغرافياً، مثل سوريا والكويت وقبرص، ودول عربية وأوروبية.

وثمة شكوك في أن الأمر عينه ينطبق على برامج دعم الأدوية والمستلزمات الطبية، في عرض القليل وإخفاء الكميات الوافرة، عموماً مجمل جداول الدعم ولوائح التجار المستفيدين المحالة سابقاً من قبل حاكمية البنك المركزي إلى النيابات العامة، بانتظار طال أمده، دون نتائج مهمة، لعمليات التحقيق والملاحقة.


اليابان تُقرُّ إنفاق 3 مليارات دولار للمساعدة في سداد فواتير الطاقة

رجل في أحد متاجر الأغذية بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
رجل في أحد متاجر الأغذية بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

اليابان تُقرُّ إنفاق 3 مليارات دولار للمساعدة في سداد فواتير الطاقة

رجل في أحد متاجر الأغذية بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
رجل في أحد متاجر الأغذية بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

وافقت الحكومة اليابانية، يوم الثلاثاء، على إنفاق 3 مليارات دولار لمساعدة الأُسَر على سداد فواتير الكهرباء والغاز، في ظل ارتفاع تكاليف المرافق العامة، نتيجة للحرب في الشرق الأوسط. وكما هي الحال في كثير من الاقتصادات الآسيوية، تعتمد اليابان بشكل كبير على الوقود المستورد من الشرق الأوسط، وقد اتخذت إجراءات لمواجهة تأثير حصار مضيق هرمز على الإمدادات والأسعار.

ويأتي قرار المساعدة في تغطية الفواتير لمدة 3 أشهر ابتداءً من يوليو (تموز)، بعد يوم من إعلان رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي عن خطة لإعداد ميزانية إضافية بقيمة 19 مليار دولار للمساعدة في مواجهة الارتفاع الحاد في أسعار السلع اليومية. وقال ماساناو أوزاكي، نائب كبير أمناء مجلس الوزراء، للصحافيين يوم الثلاثاء: «وافقنا في اجتماع مجلس الوزراء اليوم على إنفاق 513.5 مليار ين» لدعم فواتير الكهرباء والغاز بين شهري يوليو وسبتمبر (أيلول). وتأتي هذه الإعانات من الاحتياطيات المدرجة في ميزانية السنة المالية الحالية. وقال أوزاكي إن فواتير الكهرباء والغاز من غير المرجح أن ترتفع بشكل ملحوظ هذا الشهر أو الشهر المقبل، ولكن ارتفاع أسعار استيراد الوقود سيكون عاملاً مؤثراً بعد ذلك. وأضاف: «على الرغم من استمرار حالة عدم اليقين في الشرق الأوسط، سنبذل قصارى جهدنا لضمان عدم حدوث أي اضطراب في حياة الناس اليومية أو النشاط الاقتصادي». وفي يوم الاثنين، صرَّحت تاكايتشي بأن الحكومة تتوقع تأمين إمدادات نفط مستقرة حتى الربيع المقبل.

مؤشر بنك اليابان الجديد

وفي سياق منفصل، أظهرت بيانات صدرت يوم الثلاثاء، أن التضخم الأساسي في اليابان -وفقاً لمؤشر جديد للبنك المركزي- تسارع في أبريل (نيسان) وتجاوز هدفه البالغ 2 في المائة، مما يُعزز احتمالية رفع سعر الفائدة في أقرب وقت الشهر المقبل. ويُؤكد هذا المؤشر على ازدياد الضغوط التضخمية في الاقتصاد، ويأتي بعد وقت قصير من تأكيد نائب محافظ بنك اليابان، ريوزو هيمينو، على ضرورة أن تحافظ البنوك المركزية على ثقة السوق في التزامها بكبح جماح التضخم.

وقال هيمينو: «مع بقاء أسعار الفائدة الحقيقية منخفضة للغاية، من المتوقع أن يستمر سعر الفائدة الأساسي في الارتفاع بما يتماشى مع التطورات الاقتصادية والأسعار والوضع المالي». وبلغ معدل التضخم الأساسي لأسعار المستهلكين، باستثناء العوامل الاستثنائية، وفقاً للمؤشر الجديد للبنك المركزي، 2.8 في المائة في أبريل، متسارعاً من 2.5 في المائة في مارس (آذار)، حسب بيانات بنك اليابان.

وأظهر المؤشر الجديد، الذي يستبعد العوامل المؤسسية مثل دعم التعليم والطاقة، ارتفاعاً سنوياً أسرع بكثير من معدل 1.4 في المائة في مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي الذي أعلنته الحكومة الأسبوع الماضي. وبدأ بنك اليابان بنشر هذه البيانات منذ مارس لتعزيز التواصل بشأن التضخم الأساسي، الذي يُعتبر بالغ الأهمية لقراراته المتعلقة برفع أسعار الفائدة.

وقد تُعزز قراءة شهر أبريل توقعات السوق برفع سعر الفائدة الشهر المقبل؛ إذ تُظهر كيف ظل التضخم أعلى من هدفه حتى بعد استبعاد تأثير الدعم الحكومي، وفقاً للمحللين.

إجراءات عاجلة

وقد قدمت الحكومة دعماً مؤقتاً متنوعاً للتخفيف من الأثر الاقتصادي لارتفاع تكاليف المعيشة، الأمر الذي أثَّر سلباً على التضخم، وجعل من الصعب على صانعي السياسات تقييم اتجاه الأسعار بشكل عام.

كما أعلنت حكومة تاكايتشي، يوم الاثنين، عن خطة لإعداد ميزانية إضافية لدعم أسعار الوقود والمساعدة في مواجهة ضغوط غلاء المعيشة. ويحذِّر النقاد من أن هذا الإنفاق الإضافي قد يأتي بنتائج عكسية، إذ قد يُؤجج التضخم في اقتصاد مُنهك أصلاً بسبب ارتفاع أسعار الوقود، وارتفاع أسعار الواردات نتيجة ضعف الين، وازدياد ضغوط الأجور بسبب تشديد سوق العمل.

وساهمت مخاوف السوق بشأن تدهور الوضع المالي لليابان، وبطء وتيرة رفع أسعار الفائدة من قبل بنك اليابان المركزي، في رفع عائد سندات الحكومة اليابانية القياسية لأجل 10 سنوات إلى 2.8 في المائة الأسبوع الماضي، وهو أعلى مستوى له منذ عام 1996. وكان بنك اليابان المركزي قد أنهى برنامج تحفيز اقتصادي ضخم استمر عقداً من الزمن في عام 2024، ورفع أسعار الفائدة عدة مرات، بما في ذلك في ديسمبر (كانون الأول)، انطلاقاً من اعتقاده بأن اليابان على وشك تحقيق هدفها التضخمي البالغ 2 في المائة بشكل مستدام.

ومع تصاعد أسعار الوقود نتيجة للصراع في الشرق الأوسط، توقعت الأسواق بنسبة 80 في المائة تقريباً أن يرفع بنك اليابان المركزي سعر الفائدة على المدى القصير إلى 1 في المائة من 0.75 في المائة الشهر المقبل. كما أظهر استطلاع أجرته «رويترز» أن ما يقرب من ثلثي الاقتصاديين يتوقعون رفع سعر الفائدة في يونيو (حزيران).


«الكهرباء الفرنسية» تستثمر 279 مليون دولار حتى 2030

محطة نووية تابعة لشركة كهرباء فرنسا (إكس)
محطة نووية تابعة لشركة كهرباء فرنسا (إكس)
TT

«الكهرباء الفرنسية» تستثمر 279 مليون دولار حتى 2030

محطة نووية تابعة لشركة كهرباء فرنسا (إكس)
محطة نووية تابعة لشركة كهرباء فرنسا (إكس)

أعلنت شركة الكهرباء الفرنسية (EDF)، المملوكة للدولة، الثلاثاء، أنها ستستثمر 240 مليون يورو (279.4 مليون دولار) لتسريع وتيرة التحول للكهرباء (كهربة فرنسا)، في إطار سعيها لمضاعفة اعتمادها على الطاقة الكهربائية إلى 60 في المائة بحلول عام 2030.

ومن المقرر أن يوقِّع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في وقت لاحق، اتفاقية للكهرباء مع شركات كبرى، تتضمن تعهدات بالاستثمارات الخاصة.

وستعود خطة الطاقة، التي تم الكشف عنها في فبراير (شباط)، بالفائدة على شركة الكهرباء الفرنسية (EDF)، التي تمتلك وتشغِّل محطات الطاقة النووية الفرنسية، بالإضافة إلى تعزيز الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. كما ستتطلَّب الخطة مشاريع بنية تحتية مكلفة لتحديث شبكة الكهرباء الفرنسية.

وأعلنت شركة الكهرباء الفرنسية أن استثماراتها التي أُعلن عنها الثلاثاء، ستستخدم لتجهيز المواقع الصناعية لاستضافة كبار مستهلكي الكهرباء، ومساعدة الأسر على اقتناء مضخات التدفئة، وشراء المركبات الكهربائية الثقيلة، وإنشاء محطات شحن عامة.

وقد صرَّحت الحكومة بأنها ستضاعف الدعم الحكومي إلى 10 مليارات يورو سنوياً حتى عام 2030 للمساعدة في التحوّل إلى الكهرباء النظيفة من الوقود الأحفوري.