بكين تستعد لتقديم عرض لتجنب حرب تجارية شاملة مع ترمب

تركز على العودة إلى «اتفاق المرحلة الأولى»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الصين شي جينبينغ خلال قمة قادة «مجموعة العشرين» في أوساكا يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الصين شي جينبينغ خلال قمة قادة «مجموعة العشرين» في أوساكا يونيو 2019 (رويترز)
TT

بكين تستعد لتقديم عرض لتجنب حرب تجارية شاملة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الصين شي جينبينغ خلال قمة قادة «مجموعة العشرين» في أوساكا يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الصين شي جينبينغ خلال قمة قادة «مجموعة العشرين» في أوساكا يونيو 2019 (رويترز)

تستعد بكين لتقديم عرض افتتاحي في محاولة لتفادي زيادات أكبر في التعريفات الجمركية والقيود التكنولوجية التي قد تفرضها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مما يعكس رغبتها في استئناف محادثات تجارية جديدة.

ومع ذلك، فإن ما تستعد الصين لتقديمه، وفقاً لأشخاص مطلعين في العاصمتين على تفكير بكين، يركز بشكل رئيسي على العودة إلى اتفاق تجاري سابق لم يُنفذ، وهو ما من المحتمل أن يعمق الجدل في واشنطن حول كيفية التفاوض مع الصين، وفقاً لما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال».

وعلى الرغم من أن البيت الأبيض قد فرض على الصين تعريفات جمركية بنسبة 10 في المائة بدءاً من يوم الثلاثاء بسبب فشلها في اتخاذ إجراءات صارمة ضد المواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع الفنتانيل، فإنه لا يبدو أن أياً من الجانبين مستعد للانزلاق إلى حرب تجارية شاملة. فالصين، التي تواجه تحديات اقتصادية جسيمة، أبدت اهتمامها بالتفاوض مع ترمب، الذي أشار بدوره إلى استعداده للحوار من خلال تأجيل معظم التعريفات الجمركية التي وعد بها ضد الصين.

حاويات بمحطة بميناء المياه العميقة يانغشان في شنغهاي (رويترز)

وبحسب مصادر مطلعة، عدّت بكين أن التعريفات الجمركية بنسبة 10 في المائة هي مجرد وسيلة ضغط من ترمب، لكنها أوضحت أن تحركه الأول لم يكن من النوع «الأقصى للضغط» الذي قد تجده القيادة الصينية غير محتمل. ففي وقت سابق، هدّد ترمب بفرض تعريفات تصل إلى 60 في المائة.

وقد أدى قرار ترمب بفرض تعريفات جمركية على الواردات من كندا والمكسيك والصين إلى إثارة توترات تجارية. وفي استجابة أولية، قالت وزارة التجارة الصينية إنها ستطعن في التعريفات الجمركية أمام منظمة التجارة العالمية، التي تعطلت آليتها لحل النزاعات التجارية منذ ولاية ترمب الأولى. كما دعت الوزارة إلى «الحوار الصريح» بين الجانبين، وطالبت السفارة الصينية في واشنطن الولايات المتحدة بـ«تصحيح أخطائها».

وفي إطار استعداداتها للمفاوضات، يركز الاقتراح الأولي للصين على استعادة اتفاقية تجارية كانت قد وقعتها بكين مع إدارة ترمب الأولى في أوائل عام 2020، لكنها فشلت في تنفيذها. وتقتضي الصفقة، المعروفة بالمرحلة الأولى، من الصين زيادة مشترياتها من السلع والخدمات الأميركية بمقدار 200 مليار دولار على مدى عامين. وعلى الرغم من أن ترمب وصف هذه الصفقة بأنها «أعظم صفقة» تم التوصل إليها، فقد وصفها كثير من خبراء التجارة والمديرين التنفيذيين بأنها غير واقعية منذ البداية.

وأفادت المصادر بأن الصين، بعد فشلها في الوفاء بتعهداتها بموجب الصفقة بزيادة المشتريات الأميركية، تستعد الآن للتفاوض مع إدارة ترمب حول المجالات التي يمكنها شراء مزيد من المنتجات الأميركية فيها. وتشمل الأجزاء الأخرى من خطة الصين عرضاً لزيادة الاستثمارات في الولايات المتحدة، وخاصة في قطاعات مثل بطاريات السيارات الكهربائية. كما تتعهد الصين مجدداً بعدم خفض قيمة اليوان للحصول على ميزة تنافسية، وتلتزم بخفض صادرات سلائف الفنتانيل.

وفي محاولة لخلق جو إيجابي، تخطط بكين أيضاً للتعامل مع قضية «تيك توك» على أنها «مسألة تجارية» بحتة، رداً على تصريحات ترمب التي اقترح فيها تقسيم السيطرة على التطبيق بين المصالح الأميركية والصينية بنسبة 50 - 50 في المائة، وأوضحت المصادر أن الحكومة الصينية تنوي البقاء بعيداً عن هذه المسألة والسماح للمستثمرين في الشركة الأم لـ«تيك توك»، أي «بايت دانس»، بالتفاوض على صفقة مع مقدمي العروض الأميركيين المهتمين.

ومع ذلك، يبقى غير واضح ما إذا كانت بكين مستعدة للتخلي عن السيطرة على خوارزمية «تيك توك»، وهي الصيغة السرية التي يستخدمها التطبيق لتوجيه المحتوى للمستخدمين، والتي أضافتها الصين إلى قائمة الرقابة على الصادرات. وإذا كانت هذه الخوارزمية جزءاً من أي صفقة محتملة، فإن ذلك سيشكل نقطة محورية في المفاوضات.

نموذج مصغر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد للرئيس الأميركي دونالد ترمب وشعار «تيك توك» (رويترز)

ويعكس العرض الافتتاحي للصين اهتمام الرئيس شي جينبينغ في تحسين العلاقة مع ترمب، وتعزيز فرص إتمام صفقات تجارية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية الزائدة التي تواجهها الصين. وفي الوقت نفسه، يعزز الزعيم الصيني من هيمنة الدولة المركزية لتحضير الصين لمنافسة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، خاصة في المجالات التي تتعلق بالتكنولوجيا. كما تعمل بكين على تطوير أدوات انتقامية لتعزيز نفوذها في المفاوضات.

وفي هذا السياق، قال آرثر كرويبر، الشريك المؤسس ورئيس الأبحاث في شركة «جافيكال دراغونوميكس»، وهي شركة استشارية اقتصادية تركز على الصين: «سيكون الصينيون سعداء للغاية بالدخول في مفاوضات الصفقة. الهدف الأساسي بالنسبة لهم هو صد الهجوم الأميركي، بدلاً من تحقيق مكاسب ملموسة».

ومنذ توليه منصبه، أظهر الرئيس ترمب استعداده لاستخدام التعريفات الجمركية أداة ضغط على الصين في مختلف القضايا الاقتصادية والجيوسياسية. ومن ضمن أجزاء خطة الصين، تعرض بكين زيادة استثماراتها في الولايات المتحدة، بما في ذلك في قطاعات مثل بطاريات السيارات الكهربائية.

وقد أشار ترمب إلى الفائض التجاري الضخم للصين مع الولايات المتحدة، الذي غالباً ما يتجاوز مئات المليارات من الدولارات سنوياً، وأعرب عن رغبته في أن تشتري الصين مزيداً من السلع الأميركية لتقليص هذه الفجوة. كما عبّر ترمب عن رغبته في تقديم دعم للرئيس شي في مسألة إنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا، مشيراً إلى أنه مستعد لاستخدام التعريفات الجمركية بوصفها ورقة مساومة.

وتأتي هذه الجهود في وقت حساس، حيث يخطط الرئيس ترمب لعقد قمة مع شي في المستقبل القريب وسط ضغط داخلي وخارجي. وقد وجه ترمب الوكالات الفيدرالية لمراجعة العلاقات الاقتصادية الثنائية مع الصين، ومنحها حتى أوائل أبريل (نيسان) لتقديم توصيات بشأن المسار الذي ينبغي اتخاذه تجاه الصين.

ونظراً لوجود كثير من منتقدي الصين داخل فريق ترمب، فضلاً عن الدعم الحزبي المستمر للنهج الصارم تجاه الصين في واشنطن، فإن هذه التوصيات قد تؤدي إلى حزمة شاملة تهدف إلى تقليص الاعتماد الاقتصادي على الصين. ويشمل ذلك زيادة التعريفات الجمركية ليس فقط على السلع الصينية، ولكن أيضاً على المنتجات التي تحتوي على مكونات صينية، إضافة إلى توسيع القيود على بيع التكنولوجيا الأميركية للصين.

وأشار نائب الرئيس هان تشنغ، المبعوث الخاص للرئيس شي إلى حفل تنصيب ترمب في 20 يناير (كانون الثاني)، إلى استعداد بكين لمناقشة مجموعة واسعة من القضايا بما في ذلك «تيك توك»، والفنتانيل، والتجارة، بحسب مصادر مطلعة.

وقال يون صن، مدير برنامج الصين في مركز «ستيمسون» البحثي في واشنطن: «بكين حريصة على معرفة الثمن الذي يطلبه فريق ترمب لاستكشاف مجالات التفاوض، خاصة فيما يتعلق بالتعريفات والتكنولوجيا».

وتسعى الصين إلى أن يُسمح لها بشراء السلع التي تحتاجها، مثل المنتجات التقنية الأميركية، في إطار هذه المفاوضات.

ومن المتوقع أن تكشف المحادثات التجارية التي تركز على المرحلة الأولى عن انقسامات داخل إدارة ترمب، مما يثير التساؤلات مرة أخرى حول جدوى الاتفاقات التي تعتمد على تعهدات يصعب على بكين الوفاء بها حتى بعد توقيعها.

ولتحقيق هدفها بزيادة مشترياتها من المنتجات الأميركية بمقدار 200 مليار دولار من 186 مليار دولار استوردتها الصين في عام 2017، قبل بدء الحرب التجارية، كان لا بد أن ترتفع الصادرات الأميركية إلى الصين بمعدل 33 في المائة سنوياً، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف سرعة نموها السنوي منذ انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001.

وفي النهاية، وفقاً لتقديرات معهد «بيترسون» للاقتصاد الدولي، اشترت الصين 58 في المائة فقط من السلع الأميركية التي التزمت بشرائها، وهو ما لم يكن كافياً للوصول حتى إلى مستويات عام 2017. وأشار المحللون في المركز البحثي إلى أن الصين لم تشتري أياً من الصادرات الأميركية الإضافية التي وعدت بها.

وهذه المرة، تخطط بكين مجدداً لتقديم مزيد من المشتريات من المنتجات الزراعية والطاقة والصناعية الأميركية، وفقاً لأشخاص مطلعين على تفكير الصين. ولكن، في الوقت نفسه، ستدافع الصين عن السماح لها بشراء السلع التي تحتاجها بشكل أساسي، مثل الرقائق الأميركية، وغيرها من المنتجات التقنية التي تخضع الآن لقيود التصدير.

وفي إطار إدارة ترمب الجديدة، قال وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسات تأكيد تعيينه إنه سيكون منفتحاً على المحادثات لفرض ضمانات شراء للمرحلة الأولى، مع إمكانية دفع الصين إلى «بند اللحاق بالركب» لتعويض النقص في المشتريات خلال السنوات الأربع الماضية.

ومن المتوقع أن يجادل مستشارو ترمب الآخرون، بما في ذلك فريق الأمن القومي وبيتر نافارو، كبير مستشاري ترمب للتجارة والتصنيع، بضرورة التركيز على ما هو أبعد من التجارة فقط، مع معالجة التهديدات الأمنية الأوسع نطاقاً التي تمثلها الصين.

وبدا أن هوارد لوتنيك، الذي اختاره ترمب لمنصب وزير التجارة، يدعو أيضاً إلى اتخاذ إجراءات أقوى، بما في ذلك منع التكنولوجيا الأميركية من مساعدة الصناعات الصينية.

وفي جلسة تأكيد تعيينه الأسبوع الماضي، أشار لوتنيك إلى أن شركة «ديب سيك»، وهي شركة ناشئة صينية في مجال الذكاء الاصطناعي، قد تمكنت من التهرب من بعض ضوابط التصدير الأميركية على الرقائق لتطوير روبوت دردشة ينافس الروبوتات الأميركية. وقال لأعضاء مجلس الشيوخ: «يجب أن ينتهي هذا»، متعهداً برد «قوي للغاية» إذا تم تأكيد تعيينه.

وفي الوقت الراهن، يبدو أن الرئيس ترمب هو الأمل الأفضل للرئيس شي جينبينغ في التوصل إلى اتفاق لتجنب تصعيد الحرب التجارية.

وقال بوب ديفيس، الصحافي المتخصص في السياسة التجارية الأميركية تجاه الصين والمؤلف المشارك لكتاب «المواجهة بين القوى العظمى»: «لا يرى ترمب الصين بوصفها تهديداً وجودياً عسكرياً للولايات المتحدة كما يفعل كثير من مستشاريه، ومن المحتمل أن يكون أكثر انفتاحاً على التوصل إلى اتفاق». وأضاف: «لكنها ستكون معركة كبيرة داخلياً».


مقالات ذات صلة

سانشيز «غير قلق» حيال تهديدات بتعليق عضوية بلاده في «الناتو»

أوروبا الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

سانشيز «غير قلق» حيال تهديدات بتعليق عضوية بلاده في «الناتو»

رسالة بريد إلكتروني داخلية بوزارة الدفاع الأمريكية احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة دول أعضاء في الحلف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رجل يملأ سيارته بالوقود داخل محطة بنزين في ميامي (أ.ف.ب) p-circle

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو... وسانشيز يؤكد من بكين على دورها «المهم» في حل الأزمة تزامناً مع زيارة لافروف لها.

رائد جبر (موسكو) «الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد بركان ساكوراجيما في محافظة كاجوشيما جنوب غربي اليابان (أ.ف.ب)

نشاط المصانع اليابانية يعود للنمو بعد انكماش دام 11 شهراً

أظهر مسح للقطاع الخاص أن نشاط الصناعات التحويلية في اليابان عاد إلى النمو في يونيو (حزيران) الجاري بعد انكماش دام نحو عام.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
شؤون إقليمية مبادرة فرنسية - بريطانية مشتركة لحماية الإبحار الآمن في مضيق هرمز: في الصورة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أمام مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 6 يناير الماضي (د.ب.أ) p-circle

جهود فرنسية - بريطانية مكثفة لضمان حرية الإبحار في «هرمز»

جهود فرنسية - بريطانية مكثفة لضمان حرية الإبحار في «هرمز» وقمة الجمعة برئاسة ماكرون وستارمر ومشاركة 35 مسؤولاً دولياً لإطلاق «المهمة» الجديدة.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا من لقاء سابق بين بوتين والرئيس الإيراني الراحل رئيسي في عشق آباد (تركمانستان) 29 يونيو 2022 (سبوتنيك-أ.ب)

موسكو تخشى امتداد حرب إيران إلى بحر قزوين... وتجدد عرضها للوساطة

موسكو تخشى امتداد حرب إيران إلى بحر قزوين... وتجدد عرضها للوساطة وتحذر من زعزعة استقرار الشرق الأوسط وتهديد التجارة وأمن الطاقة في العالم.

رائد جبر (موسكو )

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود تراجع «وول ستريت» من قممها القياسية

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود تراجع «وول ستريت» من قممها القياسية

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تراجعت سوق الأسهم الأميركية، يوم الجمعة، عن مستوياتها القياسية، لتنضم إلى موجة هبوط عالمية، حيث تسببت أسعار النفط المرتفعة في اهتزاز سوق السندات. وقادت الأسهم المرتبطة بالحماس حول تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي موجة التراجع.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 1.1 في المائة عن أعلى مستوى له على الإطلاق، الذي سجله في اليوم السابق. كما تراجع مؤشر «داو جونز الصناعي» بمقدار 408 نقاط، أو بنسبة 0.8 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي، في حين انخفض مؤشر «ناسداك المركب» بنسبة 1.6 في المائة عن رقمه القياسي، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وشهدت أسهم التكنولوجيا تراجعاً حاداً بعد صعودها الصاروخي، طوال معظم العام، وهو ما دفع الأسواق العالمية إلى مستويات قياسية، لكنه أثار أيضاً انتقادات بأنها تجاوزت الحد.

وانخفض سهم «إنفيديا»، الذي أصبح بسرعةٍ رمزاً لثورة الذكاء الاصطناعي، بنسبة 3.6 في المائة، وكان أكبر ضغط على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». وكان السهم قد دخل جلسة التداول محققاً مكاسب تتجاوز 26 في المائة منذ بداية العام.

وقال براين جاكوبسن، كبير الاستراتيجيين الاقتصاديين بشركة «أنيكس لإدارة الثروات»: «يبدو لنا أن الأسواق دخلت منطقة ذروة الشراء». وأضاف أن الأرباح القوية للشركات والاقتصاد الأميركي المتين، اللذين دفعا الأسهم إلى مستويات قياسية، ما زالا قائمين، لكن «المسار من غير المرجَّح أن يكون سلساً. مثل هذه الفترات تتطلب انضباطاً أكثر من الأمل».

وفي الوقت نفسه، تزيد أسعار النفط المرتفعة الضغوط بعد أن رفعت التضخم، بالفعل، إلى مستويات أعلى مما كان يتوقعه الاقتصاديون. وتستمر الحرب مع إيران، بينما لا يزال مضيق هرمز مغلقاً أمام ناقلات النفط، ما يمنعها من تسليم الخام إلى الزبائن حول العالم ويرفع أسعاره.

وارتفع سعر برميل خام برنت القياسي العالمي بنسبة 2.1 في المائة ليصل إلى 107.97 دولار، وهو أعلى بكثير من مستواه قبل الحرب البالغ نحو 70 دولاراً.

وقال عدد من الشركات الأميركية الكبرى إن عملاءها ما زالوا قادرين على مواصلة الإنفاق على منتجاتها وخدماتها، رغم ارتفاع أسعار البنزين. لكن الأُسر الأميركية تشير، في استطلاعات، إلى شعورها بالإحباط حيال الاقتصاد والضغوط المتزايدة، ليس فقط بسبب الحرب، بل أيضاً بسبب الرسوم الجمركية.

وتجلّت هذه المخاوف بوضوحٍ، يوم الجمعة، في سوق السندات، حيث ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية، فقد ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 4.56 في المائة، من 4.47 في المائة، في وقت متأخر من يوم الخميس. ويُعد هذا تحركاً ملحوظاً في سوق السندات، وهو أعلى بكثير من مستواه قبل الحرب البالغ 3.97 في المائة. كما يقترب عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً من أعلى مستوى له منذ عام 2023 بعد تجاوزه 5 في المائة.

ويمكن أن تجعل العوائد المرتفعة الرهون العقارية وغيرها من أنواع القروض الموجهة للأُسر والشركات الأميركية أكثر كلفة، ما يبطئ الاقتصاد، كما أنها تميل إلى الضغط على أسعار الأسهم وجميع أنواع الاستثمارات الأخرى نحو الانخفاض.

وقد ارتفعت العوائد منذ الحرب بسبب المخاوف من ارتفاع التضخم، وكيف قد يقيد ذلك قدرة «الاحتياطي الفيدرالي» على تحديد أسعار الفائدة قصيرة الأجل. ووفق بيانات مجموعة «سي إم إي»، لم يتخلّ المتداولون فحسب عن توقعاتهم باستئناف خفض الفائدة، هذا العام، بل بدأوا أيضاً المراهنة على احتمال رفعها في عام 2026.

وفي أسواق الأسهم العالمية، تراجعت المؤشرات، بشكل حاد، في أوروبا وآسيا.

وانخفض مؤشر كوسبي في كوريا الجنوبية بنسبة 6.1 في المائة في أحد أكبر التحركات. وكان قد سجل مستويات قياسية، هذا العام، بفضل تأثير شركات مستفيدة من الذكاء الاصطناعي، مثل «إس كيه هاينكس»، لكنه انعكس سريعاً، يوم الجمعة، بعد أن تجاوز لفترة وجيزة مستوى 8000 لأول مرة.

وحذَّر بعض محللي «وول ستريت» من احتمال حدوث تراجع في زخم أسهم التكنولوجيا عموماً، وفي الأسهم الرابحة في مجال الذكاء الاصطناعي خصوصاً.

وقال جوناثان كرينسكي، كبير محللي السوق بشركة «بي تي آي جي»: «إذا لم يكن هناك شيء آخر، فيجب أن يكون هذا بمثابة جرس إنذار لكيفية عمل التقلبات في الاتجاهين».


باول يودع «الفيدرالي»: 8 سنوات من «الدبلوماسية النقدية» لترسيخ استقلالية المركزي

جيروم باول خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في واشنطن - 29 أبريل 2026 (رويترز)
جيروم باول خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في واشنطن - 29 أبريل 2026 (رويترز)
TT

باول يودع «الفيدرالي»: 8 سنوات من «الدبلوماسية النقدية» لترسيخ استقلالية المركزي

جيروم باول خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في واشنطن - 29 أبريل 2026 (رويترز)
جيروم باول خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في واشنطن - 29 أبريل 2026 (رويترز)

اعتاد رؤساء «الاحتياطي الفيدرالي» السابقون على التعامل مع الأزمات وإدارة قرارات الفائدة بخبرة واسعة، وهي مهارات كان على جيروم باول، القادم من خلفية في المحاماة والاستثمار، أن يكتسبها ويتقنها خلال ممارسته في المنصب.

وخلال ولايته المضطربة التي امتدت 8 سنوات، خفّض باول أسعار الفائدة إلى ما يقرب من الصفر، وأطلق برامج شراء سندات بوتيرة غير مسبوقة لمواجهة التداعيات الاقتصادية والمالية لجائحة «كوفيد - 19»، قبل أن يقود لاحقاً أسرع دورة تشديد نقدي منذ 4 عقود، لمواجهة موجة التضخم التي أعقبت الأزمة الصحية، وفق «رويترز».

كما أعاد باول صياغة استراتيجية السياسة النقدية لـ«الاحتياطي الفيدرالي» مرتين بشكل جذري، وكان الأكثر انفتاحاً في التواصل مع الجمهور بشأن قرارات البنك المركزي ونواياه مقارنة بأي رئيس سابق لـ«الفيدرالي» الأميركي.

ومع نهاية فترة قيادته، قد تكون السمة الأبرز في تجربته، وربما أكثر مهاراته أهمية بوصفه مصرفياً مركزياً؛ هي جهوده الهادئة لإعادة ترميم علاقة «الاحتياطي الفيدرالي» بالمسؤولين المنتخبين في الكونغرس.

وبصفته ابناً لواشنطن، وصانع صفقات سابقاً، ومسؤولاً في وزارة الخزانة، وباحثاً في مراكز الدراسات قبل انضمامه إلى «الاحتياطي الفيدرالي»، ربما كان بناء العلاقات السياسية والمؤسسية أكثر طبيعية بالنسبة لباول، مقارنة بأسلافه مثل جانيت يلين وبن برنانكي، اللذين حملا خلفيات أكاديمية واقتصادية رفيعة وصلت إلى مستوى جائزة نوبل.

غير أن الأمر لم يكن مجرد مجاملات سياسية؛ إذ كان باول ينظر إلى الكونغرس باعتباره المصدر الأساسي للرقابة والمساءلة على البنك المركزي. وبعد خلافه المبكر مع الرئيس دونالد ترمب خلال ولايته الأولى، بات يرى في الكونغرس أيضاً خط الدفاع الأهم ضد أي محاولات للمساس باستقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» في إدارة الاقتصاد، وتحديد أسعار الفائدة بعيداً عن ضغوط البيت الأبيض أو غيره.

وأظهر بحث حديث أجراه توماس دريكسل، الأستاذ المساعد للاقتصاد في جامعة ميريلاند، واعتمد على تصنيف اجتماعات رؤساء «الاحتياطي الفيدرالي»، وفق جداول أعمال متاحة للعامة، أن باول كان أكثر نشاطاً داخل أروقة الكونغرس مقارنة بكل من يلين وبرنانكي، وأن وتيرة لقاءاته مع أعضاء مجلسي «النواب» و«الشيوخ» من الحزبين، بلغت ذروتها خلال فترة رئاسة ترمب.

ومن المتوقع أن يتبنى كيفن وارش، الرئيس المنتخب المقبل لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، نهجاً مشابهاً، لا سيما أنه محامٍ أيضاً، ويحظى بتقدير واسع لمهاراته الدبلوماسية، خصوصاً إذا تمكن الديمقراطيون مستقبلاً من استعادة السيطرة على الكونغرس، وتغيير قيادة لجان الرقابة الرئيسية المعنية بـ«الفيدرالي».

ومع ذلك، لم ينجح هذا النهج في كسب الجميع إلى صف باول؛ فقد وجّه السيناتور الجمهوري عن ولاية أوهايو بيرني مورينو، انتقادات حادة لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خلال جلسات استماع أمام لجنة الخدمات المصرفية في مجلس الشيوخ عام 2025، مؤكداً أن لقاءاته مع باول في العام الماضي، لم تغيّر قناعته بأنه «شخصية مفرطة في التسييس... وقد ألحق ذلك ضرراً بالغاً بـ(الاحتياطي الفيدرالي)»، وهو رأي يتردد على نطاق واسع بين أنصار ترمب.

لكن دريكسل رأى أن الأرقام تعكس صورة مختلفة، وربما كانت أكثر أهمية خلال الأسابيع الأخيرة، عندما دعم أعضاء بارزون في مجلس الشيوخ بأول، في مواجهة خلافه مع إدارة ترمب بشأن تحقيق جنائي جرى إسقاطه لاحقاً.

وأشار إلى أن باول عقد، خلال سنوات رئاسته، 11 اجتماعاً مع السيناتور الجمهوري عن ولاية كارولاينا الشمالية توم تيليس، وفق بيانات دريكسل. وكان تيليس من بين الشخصيات التي أسهمت في تعطيل ترشيح وارش مع تصاعد الضغوط على باول، قبل أن تتراجع الإدارة لاحقاً عن التحقيق.

وقال دريكسل بشأن تواصل باول مع المشرعين: «كان الأمر منهجياً ومنظماً. وربما بدا طبيعياً بالنظر إلى خلفية باول. فبرنانكي ويلين كانا أكاديميين... لكن بالنظر إلى المناخ السياسي، كان هذا الحجم من التفاعل لافتاً للنظر. وأحد التفسيرات المحتملة هو أن باول عمل بشكل نشط مع الكونغرس لحماية (الاحتياطي الفيدرالي)».


محافظ «الفيدرالي» يحذّر: خفض سيولة البنوك يهدد الاستقرار المالي الأميركي

مايكل بار يتحدث عن الذكاء الاصطناعي وسوق العمل في نيويورك يوم 17 فبراير 2026 (رويترز)
مايكل بار يتحدث عن الذكاء الاصطناعي وسوق العمل في نيويورك يوم 17 فبراير 2026 (رويترز)
TT

محافظ «الفيدرالي» يحذّر: خفض سيولة البنوك يهدد الاستقرار المالي الأميركي

مايكل بار يتحدث عن الذكاء الاصطناعي وسوق العمل في نيويورك يوم 17 فبراير 2026 (رويترز)
مايكل بار يتحدث عن الذكاء الاصطناعي وسوق العمل في نيويورك يوم 17 فبراير 2026 (رويترز)

حذّر مايكل بار، محافظ الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، من أن خفض متطلبات السيولة للبنوك بهدف تقليص حجم ميزانية البنك المركزي يُعد فكرة غير سليمة، وقد يهدد استقرار النظام المالي.

وقال بار، في كلمة أمام جمعية خبراء سوق المال بجامعة نيويورك، إن هناك نقاشاً متزايداً حول تقليص ميزانية الاحتياطي الفيدرالي بهدف تقليص دوره في النظام المالي، مضيفاً: «أعتقد أن تقليص الميزانية هدف خاطئ، وأن العديد من المقترحات المطروحة لتحقيقه قد تضعف مرونة البنوك، وتعرقل عمل أسواق المال، وفي نهاية المطاف تهدد الاستقرار المالي»، وفق «رويترز».

وأوضح أن بعض هذه المقترحات قد تؤدي فعلياً إلى زيادة اعتماد الأسواق على تدخلات «الفيدرالي» بدلاً من تقليصه، مشيراً إلى أن تعديل قواعد السيولة لخفض متطلبات «الاحتياطي» لدى البنوك قد يرفع احتمالات لجوء المؤسسات المالية إلى تسهيلات الإقراض الطارئة التي يوفرها البنك المركزي في أوقات الأزمات.

وأضاف بار أن الضغوط التي واجهتها البنوك في عام 2023 تؤكد الحاجة إلى تعزيز متطلبات السيولة بدلاً من تقليصها، لافتاً إلى أن حجم ميزانية «الفيدرالي» ليس المعيار الأدق لقياس تأثيره في الأسواق، بل مدى فاعلية أدواته في تنفيذ السياسة النقدية.

وتأتي هذه التصريحات في وقت يشهد فيه الجدل حول حجم ميزانية الاحتياطي الفيدرالي وتصميم أدواته النقدية تصاعداً، مع بروز كيفن وارش كأحد أبرز الداعين إلى تقليص دور البنك المركزي في الأسواق المالية.

وكان بار قد شغل سابقاً منصب نائب رئيس «الفيدرالي» للإشراف؛ إذ قاد ملف التنظيم المصرفي والسياسات الرقابية.

في المقابل، انتقد وارش في السابق توسع «الفيدرالي» في شراء الأصول خلال الأزمات المالية، معتبراً أن هذه السياسة أدت إلى تضخم غير مبرر في ميزانية البنك المركزي وتشوهات في أسعار السوق، خصوصاً خلال أزمة 2008 وجائحة «كوفيد-19».

وقد أدت برامج شراء السندات خلال الجائحة إلى تضاعف ميزانية «الفيدرالي» لتصل إلى نحو 9 تريليونات دولار بحلول صيف 2022، قبل أن تنخفض لاحقاً بأكثر من تريليونَي دولار مع بدء تقليص الحيازات. ويحتفظ «الفيدرالي» حالياً بأصول تقارب 6.7 تريليون دولار.

ويؤكد وارش أن تقليص الميزانية العمومية بشكل أوسع قد يتيح مرونة أكبر في خفض أسعار الفائدة مقارنة بالظروف الحالية، في حين يرى منتقدوه أن هذا النهج قد يحدّ من قدرة البنك المركزي على إدارة السيولة والسيطرة على الاستقرار المالي.

وتكمن المعضلة الأساسية، وفق خبراء، في أن النظام القائم على وفرة الاحتياطيات يحدّ من قدرة «الفيدرالي» على تقليص ميزانيته مع الحفاظ على استقرار أسعار الفائدة المستهدفة.

كما يحذّر بعض الأكاديميين من أن خفض مستويات السيولة لدى البنوك في بيئة مالية متقلبة قد يزيد من مخاطر عدم الاستقرار.

وفي ختام كلمته، قال بار إنه لم يحسم بعد موقفه بشأن السياسة النقدية في الاجتماع المقبل لـ«الفيدرالي»، في ظل استمرار النقاشات حول كيفية التعامل مع صدمة أسعار الطاقة وتأثيرها على التضخم.