بريطانيا والسعودية تتعاونان في مجالات المعادن الحرجة والطاقة النظيفة

جونز لـ«الشرق الأوسط»: سنوقّع مذكرة تفاهم مع الرياض لدعم استراتيجيتنا الصناعية الجديدة

الاجتماع الوزاري لمناقشة مستقبل التعدين في الرياض (الشرق الأوسط)
الاجتماع الوزاري لمناقشة مستقبل التعدين في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

بريطانيا والسعودية تتعاونان في مجالات المعادن الحرجة والطاقة النظيفة

الاجتماع الوزاري لمناقشة مستقبل التعدين في الرياض (الشرق الأوسط)
الاجتماع الوزاري لمناقشة مستقبل التعدين في الرياض (الشرق الأوسط)

كشفت وزيرة الدولة البريطانية للصناعة وأمن الطاقة والكربون الصفري والأعمال والتجارة سارة جونز، لـ«الشرق الأوسط»، عن خطة لتعظيم التعاون مع السعودية بمجالات صناعات الطاقة النظيفة والتصنيع المتقدم، مشيرة إلى أنها ستوقّع مذكرة تفاهم مع السعودية لدعم الاستراتيجية الصناعية الجديدة للمملكة المتحدة.

وتقود جونز بعثة تجارية مكونة من 16 شركة للمشاركة في المؤتمر الدولي للتعدين، الذي تستضيفه الرياض على مدى يومين.

وقالت جونز لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري الدولي الرابع للوزراء المعنيين بقطاع التعدين على هامش مؤتمر التعدين الدولي: «إن مؤتمر التعدين الدولي ليس فقط الحدث الأهم في مجال المعادن المهمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بل أعتبره فرصة ثمينة لتعزيز علاقتنا مع المملكة العربية السعودية بعد زيارة رئيس الوزراء كير ستارمر في ديسمبر (كانون الأول)» الماضي.

وزيرة الدولة البريطانية للصناعة وأمن الطاقة والكربون الصفري والأعمال والتجارة سارة جونز

مذكرة تفاهم

وكشفت جونز، عن أنها ستوقّع مذكرة تفاهم مع السعودية لـتعزيز التعاون بين البلدين، مشددة على أهمية المعادن المهمة لأمن بريطانيا القومي؛ ما يعود بالنفع على نموها الاقتصادي الذي يعدّ الأولوية الأولى للحكومة.

وقالت: «يمكننا تعزيز النمو بشكل أكبر من خلال زيادة الإنتاج المحلي من خلال التعدين والمعالجة المتوسطة، ومن خلال إعادة تدوير المعادن الحيوية، والبناء على الابتكارات الرائدة عالمياً والخبرة الفنية في قطاعي المواد الكيميائية والمعادن لدينا».

لكنها لفتت إلى أن المملكة المتحدة ستظل تعتمد على واردات المعادن المهمة حتى مع زيادة الإنتاج المحلي، وبالتالي فـ«إنه من خلال تطوير العلاقة الاقتصادية مع السعودية، من المهم أن نتمكن من تلبية احتياجاتنا، والمساعدة في تنويع سلاسل توريد المعادن المهمة لدينا». وقالت: «ستوفر لنا مذكرة التفاهم إطاراً لتعميق التعاون، ونتطلع إلى العمل مع السعودية لتطوير هذا التعاون إلى مشاريع جديدة».

وأشارت إلى أن المملكة المتحدة تظهر، من خلال توقيع مذكرة التفاهم مع السعودية، عزمها القوي على تعميق التعاون الثنائي في مجال المعادن الحيوية.

وقالت: «من خلال توقيع هذه الشراكة مع السعودية، ندعم العمل الذي تقوم به المملكة المتحدة من خلال استراتيجيتنا الصناعية الجديدة. وبصفته جزءاً من هذه الخطة العشرية، حددنا 8 قطاعات عالية النمو، بما فيها صناعات الطاقة النظيفة والتصنيع المتقدم، لإعطاء الأولوية لتنمية الاقتصاد». وأضافت: «ستوفر هذه الإستراتيجية الاستقرار واليقين على المدى الطويل الذي يحتاج إليه رجال الأعمال والمستثمرون لإظهار أن المملكة المتحدة شريك تجاري ناضج».

وستلتقي جونز رجال أعمال سعوديين وشركات دولية ومجموعة من أصحاب المصلحة، مع إبدائها الانفتاح على الأعمال التجارية. وقالت: «مصممون على تقديم الاستثمار في البنية التحتية وسلاسل التوريد لدينا لتحقيق النمو الاقتصادي الذي نحتاج إليه في كل جزء من المملكة المتحدة».

تعاون في مجال المعادن الحيوية

وعلى صعيد الفرص المتاحة للتعاون بين المملكتين في مجال المعادن الحيوية، أوضحت جونز أن المعادن الحيوية ضرورية لمجموعة واسعة من العناصر اليومية من السيارات إلى الهواتف الذكية، مشيرة إلى أنه بحلول عام 2040، ستحتاج المملكة المتحدة إلى أربعة أضعاف ما نحتاج إليه اليوم. أضافت: «لهذا السبب؛ أقود بعثة تجارية مكونة من 16 شركة بريطانية لعرض خبراتها على المسرح العالمي هنا في الرياض، حيث ستلتقي شركاء وربما عملاء جدد من جميع أنحاء العالم».

وقالت: «مع الخطط السعودية الطموحة للمعادن الحيوية في إطار (رؤية 2030)، واستراتيجية المعادن الحرجة الجديدة في المملكة المتحدة التي ستأتي في وقت لاحق من هذا العام، يمكننا إقامة علاقات أوثق ودعم طموحات بعضنا بعضاً من خلال الاستثمار في تعدين الليثيوم والقصدير والتنغستن في المملكة المتحدة، وكذلك في معالجة منتصف الطريق للأتربة النادرة».

وشددت على أن هناك الكثير من الفرص الأخرى للمملكة المتحدة والسعودية، للعمل معاً لتأمين سلاسل التوريد الخاصة بالمملكة، بما في ذلك من خلال مراكز التميز البريطانية، ومشاريع المعادن الحيوية المشتركة، والاستثمار في سلسلة توريد المعادن الحيوية.

استراتيجية المعادن الحرجة الجديدة

وحول صعيد الاستراتيجية البريطانية للمعادن الحرجة الجديدة، قالت جونز: «سيتم إصدار إستراتيجيتنا الجديدة للمعادن الحيوية هذا العام، وستكون أكثر طموحاً وأكثر استهدافاً وأكثر عالمية من الاستراتيجيات السابقة».

ولدفع النمو والاستثمار في أهم القطاعات البريطانية، أفصحت جونز عن الحاجة الماسة إلى ضمان مرونة المعادن الحيوية، من خلال زيادة الإنتاج المحلي إلى الحد الأقصى، من خلال التعدين والتكرير وإعادة التدوير؛ ما يعني العمل مع دول مثل السعودية، لتعظيم الفرص في تأمين سلسلة التوريد.

ووفقاً لجونز، فإنه من خلال البناء على الشراكات القائمة بالفعل مثل السعودية، والعلاقات الجديدة مع الشركاء الآخرين، فإن بريطانيا تضمن دعمها لصناعات الغد، مع تقديم الخدمات للشركات وخلق فرص عمل جديدة في جميع أنحاء المملكة المتحدة.

المستقبل العظيم القادم للمملكتين

وعلى صعيد آخر، قالت جونز: «إن إطلاق برنامج (غريت فيوتشر) GREAT FUTURES في شهر مايو (أيار) حقق نجاحاً كبيراً، حيث دعم الكثير من الشراكات بين الشركات البريطانية والسعودية في المشاريع التي تحقق الآن نتائج ملموسة لكلتا المملكتين».

وأضافت: «قادت المملكة المتحدة وفداً يضم 450 شركة، وهي أكبر بعثة تجارية بريطانية منذ عقد من الزمن، والأكبر على الإطلاق من المملكة المتحدة إلى المملكة. وأدى ذلك إلى توقيع أكثر من 50 مذكرة تفاهم واتفاقيات عبر مختلف القطاعات ذات الأولوية، حيث اتفق الوزراء من كلا البلدين على زيادة إجمالي التجارة من 17 مليار جنيه إسترليني في عام 2022 إلى 30 مليار جنيه إسترليني بحلول عام 2030».

وتابعت: «نحن الآن نستفيد من هذا النجاح من خلال برنامج من الأحداث مدته 12 شهراً سيوفر المزيد من الفرص للتعاون البريطاني - السعودي عبر القطاعات ذات الأولوية، مثل التجارة والاستثمار والسياحة والتعليم والمشاركة الثقافية، وكل ذلك دعما لـ(رؤية 2030)».

ولفتت إلى أنه «بالإضافة إلى هذه البرامج، نهدف إلى عقد قمة في لندن هذا الصيف بمناسبة مرور عام على بدء الحملة»، موضحة أن هذا الحدث التاريخي سيجمع مرة أخرى كبار صناع القرار في الحكومة وقطاع الأعمال في المملكة المتحدة والسعودية، لتطوير المزيد من الشراكات بين البلدين.


مقالات ذات صلة

مصر توقّع عقداً لبدء المسح الجوي الشامل لاكتشاف الثروات التعدينية

الاقتصاد وزير البترول المصري يشهد توقيع عقد بين هيئة الثروة المعدنية وشركة «إكس كاليبر» الإسبانية لإجراء مسح جوي شامل لثروات مصر التعدينية (وزارة البترول)

مصر توقّع عقداً لبدء المسح الجوي الشامل لاكتشاف الثروات التعدينية

أعلنت وزارة البترول المصرية، التوقيع على عقد تنفيذ مشروع المسح الجيوفيزيقي الشامل للثروات المعدنية للبلاد، على أن يغطي 6 مناطق جغرافية على مستوى الجمهورية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)

«معادن» السعودية تستهل العام بأرباح قوية... واستثمارات بـ4.2 مليار دولار

استهلت عملاقة التعدين السعودية «معادن» عام 2026 بأداء مالي قوي؛ إذ أعلنت عن نتائجها المالية للربع الأول، مسجلة نمواً في صافي الأرباح والإيرادات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر الخريّف (واس)

الخريّف: السعودية مؤهلة لتصبح جسراً يربط منتجي ومستهلكي المعادن في العالم

قال وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر الخريّف إن الموقع الجغرافي للمملكة وثقلها الاقتصادي يؤهلانها لتصبح جسراً عالمياً للمعادن.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول )
شؤون إقليمية عمال مناجم مضربون عن الطعام في تركيا في أثناء محاولة تجاوز حاجز للشرطة للوصول إلى مبنى وزارة الطاقة للمطالبة بحقوقهم (رويترز)

تركيا: اعتقالات بعد منع عمال مناجم مُضربين عن الطعام من التظاهر

منعت الشرطة التركية عشرات من عمال المناجم المضربين عن الطعام من تنظيم مسيرة إلى مبنى وزارة الطاقة في أنقرة، واعتقلت عشرات العمال في فعالية بإسطنبول.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)

«رؤية 2030» تقود التعدين السعودي لقمة تاريخية في الاستكشاف

تحولت الإصلاحات الهيكلية في قطاعي التعدين والصناعة في السعودية إلى واقع ملموس، بعد رحلة تطوير بدأت منذ إطلاق «رؤية 2030».

دانه الدريس (الرياض)

تراجع واردات النفط لكوريا الجنوبية من الشرق الأوسط بأكثر من 37 % خلال أبريل

ناقلة نفط بالقرب من ميناء الحديدة باليمن على البحر الأحمر (رويترز)
ناقلة نفط بالقرب من ميناء الحديدة باليمن على البحر الأحمر (رويترز)
TT

تراجع واردات النفط لكوريا الجنوبية من الشرق الأوسط بأكثر من 37 % خلال أبريل

ناقلة نفط بالقرب من ميناء الحديدة باليمن على البحر الأحمر (رويترز)
ناقلة نفط بالقرب من ميناء الحديدة باليمن على البحر الأحمر (رويترز)

تراجعت واردات كوريا الجنوبية من النفط الخام من الشرق الأوسط بأكثر من 37 في المائة، على أساس سنوي، خلال أبريل (نيسان) الماضي، وذلك في ظلِّ تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

ووفقاً للبيانات الإحصائية الصادرة عن رابطة التجارة الدولية الكورية، بلغ حجم واردات كوريا الجنوبية من النفط الخام نحو 8.46 مليون طن خلال أبريل الماضي، مقارنة بـ10.96 مليون طن الفترة نفسها من العام الماضي، حسبما ذكرت وكالة «يونهاب» الكورية الجنوبية للأنباء.

وبشكل خاص، تراجعت واردات النفط الخام من الشرق الأوسط بنسبة 37.3 في المائة إلى نحو 4.49 مليون طن.

ورغم أنَّ النفط الخام المستورَد من الشرق الأوسط لا يزال يُشكِّل الحصة الأكبر من إجمالي واردات كوريا من النفط الخام، فإنَّ نسبته تراجعت بمقدار 12.1 نقطة مئوية من 65.2 في المائة خلال أبريل من العام الماضي لتصل إلى 53.1 في المائة الشهر الماضي.

كما انخفضت واردات النفط الخام من المملكة العربية السعودية، أكبر مورد للنفط الخام إلى كوريا الجنوبية، بنسبة 37.6 في المائة، لتبلغ نحو 2.146 مليون طن.

كما تراجعت الواردات من العراق والكويت بشكل حاد بنسبتَي 42.4 في المائة و98.2 في المائة على التوالي لتصلا إلى نحو 800 ألف طن ونحو 10 آلاف طن على التوالي. وتوقَّفت واردات النفط من دولة قطر.

ومن ناحية أخرى، زادت واردات النفط الخام من الولايات المتحدة بنسبة 13.4 في المائة لتصل إلى نحو 2.145 مليون طن.

وبذلك تقلَّص الفارق في حجم الواردات بين السعودية والولايات المتحدة إلى نحو ألف طن فقط. وكان الفارق قد بلغ نحو 1.45 مليون طن في مارس (آذار) الماضي.


«المركزي» الأوروبي: نواجه ضغوطاً لرفع الفائدة مع تفاقم أزمة حرب إيران

متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة اليورو في سوق بمدينة نيس بفرنسا (رويترز)
متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة اليورو في سوق بمدينة نيس بفرنسا (رويترز)
TT

«المركزي» الأوروبي: نواجه ضغوطاً لرفع الفائدة مع تفاقم أزمة حرب إيران

متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة اليورو في سوق بمدينة نيس بفرنسا (رويترز)
متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة اليورو في سوق بمدينة نيس بفرنسا (رويترز)

أفاد عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، مارتن كوشر، بأن البنك يتجه نحو رفع أسعار الفائدة الشهر المقبل، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام مستدام بين الولايات المتحدة وإيران.

ونقلت وكالة «بلومبرغ»، الأحد، عن كوشر قوله، على هامش انعقاد اجتماع وزراء المالية الأوروبيين خلال يومي 22 و23 من مايو (أيار) الحالي في نيقوسيا بقبرص، أن التضخم من المرجح أن يكون هذا العام أعلى مما كان متوقعاً من قبل، مما سيؤدي إلى إثارة المخاوف لدى المستهلكين الذين ما زالوا يعانون من صدمة الأسعار السابقة. وفي الوقت نفسه، يظل الاقتصاد مرناً بشكل معقول.

وأوضح كوشر أن «هناك دائماً سيناريوهات ذات احتمالات ضئيلة جدا تؤدي إلى تقييمات مختلفة للوضع، ولكن في الوقت الحالي، تشير جميع الدلائل إلى أننا سنختار بين الإبقاء على أسعار الفائدة أو رفعها».

وأضاف: «من الواضح بالنسبة لي أنه في حال لم يتحسن الوضع، فسيتعين علينا تركيز مناقشاتنا على اتخاذ إجراءات».

وتسببت حرب إيران في صعود أسعار النفط والغاز بشكل حاد، ما انعكس بدوره على باقي السلع، ليرتفع التضخم في معظم منطقة اليورو وحول العالم.

غير أن محاولات جديدة للتوصل لصيغة لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، قد تفضي على توقيع مذكرة بالفعل، بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عنها مساء السبت، وأكد عليها وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو في تصريحات الأحد.


التشريعات تقود عقارات السعودية نحو النضج وسط مبيعات ربعية بـ1.75 مليار دولار

منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز)
منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز)
TT

التشريعات تقود عقارات السعودية نحو النضج وسط مبيعات ربعية بـ1.75 مليار دولار

منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز)
منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز)

أكدت النتائج المالية لشركات القطاع العقاري المُدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) متانة الأسس التشغيلية للسوق خلال الرُّبع الأول من عام 2026، رغم تسجيلها إعادة تموضع واضحة في دورة ربحيتها؛ إذ نجحت الشركات في تحقيق مبيعات مليارية تجاوزت 1.75 مليار دولار، وصافي أرباح بلغ 378.42 مليون دولار (1.42 مليار ريال)، وسط تراجع إجمالي للأرباح بنسبة 30.56 في المائة؛ نتيجة تباطؤ وتيرة المضاربات، وتغيُّر دورة الاعتراف المحاسبي بالإيرادات.

ويرى خبراء أنَّ هذه الحركة التصحيحية تعود بشكل رئيسي إلى الإجراءات التنظيمية التي استهدفت رفع كفاءة السوق وتحقيق التوازن؛ مثل تنظيم الإيجارات، وتفعيل رسوم الأراضي البيضاء، وزيادة المعروض، بالتزامن مع تحول واعٍ في سلوك المستهلك الذي أصبح أكثر حذراً وانتقائية، ويركز على جودة المنتَج والقيمة الفعلية.

ورغم هذا الانخفاض، فإنَّ أداء الشركات أظهر تبايناً حاداً يعكس دخول السوق مرحلة «فرز» غربلت النماذج التشغيلية، حيث برهنت المشروعات النوعية على قدرتها في قيادة السوق بنجاح، مدفوعةً بالنمو القوي لشركات قيادية مثل «العقارية» التي قفزت أرباحها بنسبة 251.8 في المائة، و«دار الأركان» بنمو وصل إلى 24.3 في المائة، ما يؤكد انتقال القطاع رسمياً من مرحلة النمو السريع المدفوع بالزخم السعري إلى مرحلة النضج والاستدامة التشغيلية، تماشياً مع مستهدفات «رؤية 2030»، والإنفاق الحكومي المستمر على البنية التحتية.

سيارات تسير في أحد شوارع الرياض (رويترز)

ووفق إعلانات نتائجها المالية في السوق المالية السعودية، سجَّلت 15 شركة من بين 17 عاملة في القطاع، أرباحاً صافية، في حين واصلت شركتا «مدينة المعرفة» و«إعمار» تسجيل خسائر ربعية.

وتصدَّرت شركة «العقارية» أعلى شركات القطاع ربحيةً، خلال الرُّبع الأول، محققة 475.7 مليون ريال (126.7 مليون دولار)، بنسبة نمو وصلت إلى 251.8 في المائة عن الرُّبع المماثل من العام السابق.

وحلّت «دار الأركان» ثانيةً في أعلى شركات القطاع ربحيةً بعد تحقيقها أرباحاً بنحو 260.2 مليون ريال (69.3 مليون دولار) خلال الرُّبع الأول، لتسجل نمواً عن الرُّبع المماثل من العام السابق بنسبة 24.3 في المائة. في حين حلَّت شركة «سينومي سنترز» في المرتبة الثالثة، رغم انخفاض نمو أرباحها بنسبة 8 في المائة، محققةً نحو 202.5 مليون ريال (53.9 مليون دولار).

وانخفضت مبيعات شركات قطاع إدارة وتطوير العقارات المدرجة في السوق المالية السعودية، خلال الرُّبع الأول من 2026 بنسبة 4.45 في المائة، حيث بلغ إجمالي مبيعاتها نحو 1.57 مليار دولار (5.89 مليار ريال) مقارنةً بمبيعات تجاوزت 1.64 مليار دولار (6.16 مليار ريال) خلال الرُّبع ذاته من العام الماضي.

أحد مشروعات «دار الأركان» (موقع الشركة)

وحقَّقت «دار الأركان» أعلى مبيعات بين شركات القطاع بإيرادات بلغت 1.16 مليار ريال (309 ملايين دولار)، وبنسبة نمو وصلت إلى 24.8 في المائة. وجاءت «جبل عمر» ثانيةً بمبيعات وصلت إلى 739.17 مليون ريال (197 مليون دولار) رغم تراجعها بشكل طفيف بنحو 1.1 في المائة عن مبيعات الرُّبع الأول من العام الماضي. في حين حلت «البحر الأحمر» ثالثةً في أعلى المبيعات بين شركات القطاع العقاري بتحقيقها إيرادات تجاوزت 631 مليون ريال (168 مليون دولار)، وبانخفاض عن الرُّبع المماثل من العام السابق بنحو 9.9 في المائة.

إعادة تموضع محاسبي

وفي تعليق على نتائج شركات القطاع، يرى الخبير والمهتم بالشأن العقاري، عبد الله الموسى خلال تصريح له لـ«الشرق الأوسط» أنَّ تراجع أرباح شركات العقار المدرجة في السوق المالية السعودية لا يعدُّ سلبياً بقدر ما هو إعادة تموضع في دورة الربحية داخل القطاع، مرجعاً هذا التراجع في الأرباح إلى 5 أسباب، تتمثل في تغيُّر دورة الإيرادات والاعتراف المحاسبي، حيث إن النتائج المالية لقطاع التطوير العقاري لا تُقرأ دائماً بمنطق القطاعات التشغيلية المستقرة نفسه؛ كون توقيت تسليم المشروعات والاعتراف بالإيرادات قد يصنع فروقات حادة بين رُبع وآخر، لذلك فإنَّ جزءاً من التراجع قد يكون فنياً أكثر من كونه ضعفاً تشغيلياً.

وأرجع السبب الثاني إلى تباطؤ المضاربة في السوق العقارية وتحولها للواقعية، خصوصاً في مدينة الرياض، والتي تمرُّ السوق فيها بمرحلة انتقال من التسعير المدفوع بالمضاربة إلى التسعير المرتبط بالقيمة الحقيقية والطلب الفعلي، وهذا بطبيعته يضغط على الهوامش الربحية لبعض الشركات التي استفادت سابقاً من بيئة أكثر سخونة.

وعزا السبب الثالث إلى ارتفاع تكلفة التمويل والتشغيل، مضيفاً أنَّ أثر تكلفة التمويل المرتفعة السابقة ما زال حاضراً على المشروعات العقارية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التشغيل والبناء والتنفيذ، وهو ما يضغط مباشرة على الربحية.

وزاد بأن «هناك اختلافاً في نماذج الأعمال داخل القطاع ما بين شركات التطوير، وشركات المراكز التجارية، وشركات الضيافة العقارية، حيث إن لكل منها محركات مختلفة، ولذلك نشاهد شركات تنمو بقوة مثل (العقارية) و(دار الأركان)، بينما تتراجع أخرى بشكل حاد».

وأرجع السبب الخامس إلى ارتفاع قاعدة المقارنة في 2025، حيث إنَّ بعض الشركات كانت قد حقَّقت نتائج استثنائية في فترات سابقة؛ نتيجة تخارجات أو مبيعات نوعية، وبالتالي المقارنة السنوية تبدو قاسية.

العاصمة السعودية (رويترز)

ويتوقَّع الموسى أن تشهد المرحلة المقبلة 3 فئات واضحة بين شركات القطاع، وهي شركات مرنة وقوية مالياً ستستفيد من إعادة ترتيب السوق، خصوصاً التي تملك مخزوناً جيداً، وتدفقات نقدية مستقرة، ونموذج بيع واضحاً. وشركات تعتمد على الزخم السعري أكثر من التشغيل الحقيقي وهذه قد تواجه ضغوطاً أكبر. وشركات الدخل التشغيلي المتكرِّر مثل الأصول المدرة والمراكز التجارية، وستكون أكثر استقراراً نسبياً، مضيفاً أنَّ القطاع بشكل عام يمرُّ بمرحلة فرز ونضج، وانتقال من سوق تكافئ السرعة إلى سوق تكافئ الكفاءة والانضباط التشغيلي، وهي مرحلة صحية للقطاع على المديين المتوسط والطويل.

استدامة على المدى الطويل

من جانبه، قال الخبير والمسوِّق العقاري، صقر الزهراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إنَّ نتائج شركات القطاع العقاري خلال الرُّبع الأول تؤكد أنَّ السوق تمر بمرحلة إعادة توازن طبيعية بعد سنوات من النمو السريع والارتفاعات الكبيرة في الأسعار، أكثر من كونها مرحلة تراجع مقلقة.

ورأى أنَّ انخفاض أرباح شركات القطاع بنسبة 30 في المائة، يعود لعوامل متداخلة عدة؛ أبرزها ارتفاع المعروض العقاري، وتراجع وتيرة المضاربات، وارتفاع تكلفة التمويل، إضافة إلى الإجراءات التنظيمية التي استهدفت رفع كفاءة السوق وتحقيق التوازن، مثل تنظيم الإيجارات، وتفعيل رسوم الأراضي البيضاء، وزيادة المعروض في بعض المناطق الرئيسية. كما أنَّ سلوك المستهلك تغيَّر بشكل واضح، حيث أصبح المشتري أكثر حذراً وانتقائية، ويركز على جودة المنتَج والموقع والخدمات والقيمة الفعلية، وهو ما فرض ضغوطاً على الشركات التي كانت تعتمد على التسعير المرتفع أو المبيعات السريعة.

وأضاف الزهراني أنَّ النتائج المالية لبعض الشركات الكبرى مثل «العقارية» و«دار الأركان» أظهرت أنَّ المشروعات النوعية والدخل المتنوع والحوكمة الجيدة ما زالت قادرةً على تحقيق نمو وربحية حتى في ظلِّ ظروف السوق الحالية.

ويتوقَّع الزهراني أن تستمر ربحية شركات القطاع العقاري خلال الفترة المقبلة وسط حالة من التوازن والهدوء النسبي على المدى القصير، مع بقاء الضغط على بعض هوامش الأرباح، لكن النظرة المتوسطة والطويلة للقطاع لا تزال إيجابيةً جداً بدعم المشروعات الكبرى، وبرامج «رؤية 2030»، والنمو السكاني، وفتح السوق أمام الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب استمرار الإنفاق الحكومي على البنية التحتية والتطوير العمراني، مضيفاً أن السوق العقارية السعودية تنتقل تدريجياً من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة النضج والاستدامة، وهي مرحلة صحية ستعزِّز جودة المشروعات، وترفع كفاءة السوق على المدى البعيد.