هل يكرر ترمب سياسات الإنفاق المفرط ويزيد ديون أميركا؟

وسط تخفيضات ضريبية وخطط توسعية بقيمة 7.75 تريليون دولار

دونالد ترمب يتحدث خلال حملته الانتخابية في أتلانتا 15 أكتوبر 2024 (رويترز)
دونالد ترمب يتحدث خلال حملته الانتخابية في أتلانتا 15 أكتوبر 2024 (رويترز)
TT

هل يكرر ترمب سياسات الإنفاق المفرط ويزيد ديون أميركا؟

دونالد ترمب يتحدث خلال حملته الانتخابية في أتلانتا 15 أكتوبر 2024 (رويترز)
دونالد ترمب يتحدث خلال حملته الانتخابية في أتلانتا 15 أكتوبر 2024 (رويترز)

على مدى العقود الماضية، شهد الاقتصاد الأميركي تسارعاً ملحوظاً في وتيرة تراكم الدَّين العام ليصبح سمة «تاريخية» وجزءاً لا يتجزأ من الهوية الاقتصادية الأميركية، بدءاً من الرئيس فرنكلين روزفلت الذي أسهم بأكبر نسبة زيادة في الدين الوطني حتى الآن، مروراً بالرئيس باراك أوباما، وصولاً إلى الرئيس جو بايدن.

وقد استمر هذا الاتجاه، خلال الفترة الأولى من رئاسة دونالد ترمب (2017-2021)، حيث تميزت بزيادة قياسية في الدين العام، إذ أضافت إدارته أكثر من 7 تريليونات دولار إلى خزينة الدولة، ليصل حجم الدين إلى نحو 28 تريليون دولار مع نهاية ولايته.

وجاء هذا التوسع مدفوعاً بحزمة مساعدات ضخمة لمواجهة تداعيات جائحة «كورونا»، بلغت قيمتها 900 مليار دولار. وبذلك يواصل الدين الوطني الأميركي ارتفاعه ليبلغ في نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي 35.8 تريليون دولار، ما يمثل نحو 99 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويقارب المستوى الذي سُجل بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

وبعودة ترمب إلى الرئاسة في 2024، يثار عدد من التساؤلات حول احتمالات تكرار هذا السيناريو. وتشير توقعات لجنة الموازنة الفيدرالية إلى أن خططه قد تضيف نحو 7.75 تريليون دولار جديدة إلى الدين العام، إذ يتعهد ترمب بتخفيضات ضريبية جديدة، وزيادة الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية، ما قد يُنذر بزيادة الدين مرة أخرى.

ورغم أن ترمب يرى في هذه السياسات دافعاً لنمو الاقتصاد وتعزيز التنافسية، فإن هذا الإنفاق المعتمد على العجز قد يؤدي إلى تدهور الوضع المالي العام، ولا سيما مع التوقعات بارتفاع أسعار الفائدة. وبذلك، سيواجه ترمب تحديات مالية جسيمة قد تهدد مكانة الولايات المتحدة في أسواق الديون العالمية، مما يؤثر على إقبال المستثمرين على شراء سندات الدين الأميركية، ويرفع تكاليف الاقتراض الحكومي.

تحذيرات من مخاطر تراكم الديون

يشير الواقع إلى أن الدين العام بات يشكل تهديداً حقيقياً لمستقبل الاقتصاد الأميركي. ووفق بيانات مكتب الموازنة في الكونغرس، من المتوقع أن ترتفع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة إلى 155 في المائة بحلول 2050. وفي الآونة الأخيرة، تزداد التحذيرات من ضرورة ضبط العجز، إذ إن استمرار الاعتماد على الدين قد يُعرّض الاقتصاد لمخاطر أعمق، خصوصاً في حال حدوث تباطؤ اقتصادي مفاجئ. ووفقاً لرئيسة مؤسسة التأمين على الودائع الفيدرالية السابقة، شيلا باير، فإن أزمة الديون الفيدرالية تُعد من أكبر التحديات الاقتصادية التي تواجهها الولايات المتحدة حالياً. فالحكومة الأميركية اعتمدت مراراً على الإنفاق المموّل بالعجز وتخفيض الضرائب، لمواجهة أزمات كبرى، مثل هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، والأزمة المالية العالمية 2007-2008، وجائحة «كورونا». إلا أن استمرار هذه السياسات بعد انحسار الأزمات أسهم في تراكم ديون هائلة.

سيارة تمر أمام لافتة تعرض رقم الدين الوطني الأميركي بعد أن وصل إلى حد الاقتراض البالغ 31.4 تريليون دولار (رويترز)

ارتفاع العوائد على السندات الأميركية

ومع إعلان فوز ترمب في الانتخابات، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.479 في المائة، مع ازدياد التوقعات بأن سياسات ترمب التجارية والضريبية قد تؤدي إلى ارتفاع التضخم وتفاقم الوضع المالي للبلاد. وقال الرئيس التنفيذي لصندوق التحوط «تولو كابيتال مانجمنت»، سبنسر حكيمي: «نتوقع أن تؤدي ولاية ترمب إلى تأثيرات سلبية على العوائد؛ نظراً لزيادة العجز ورفع الرسوم الجمركية».

وأظهر استطلاع لمعهد المحللين الماليين المعتمدين أن 77 في المائة من المحللين يرون أن المالية الأميركية تسير في اتجاه غير مستدام، بينما يرى 61 في المائة أن الولايات المتحدة تفتقر إلى الإرادة السياسية لخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. ويعتقد 63 في المائة أن الولايات المتحدة قد تفقد مكانتها بوصفها عملة احتياطية خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة. هذه التوقعات قد تعني أن المستثمرين في سندات الخزانة الأميركية قد يواجهون خسائر كبيرة، ما سيؤدي إلى تراجع قيمة الأصول المالية المملوكة للبنوك والصناديق والمديرين الماليين، وازدياد موجات التخارج في الأسواق المالية، مما يهدد بتفاقم الأزمة الاقتصادية.

تحديات إعادة تفعيل سقف الدين

من بين التحديات الكبرى التي ستواجه إدارة ترمب إعادة تفعيل سقف الدين الفيدرالي (حد الدين) في 2 يناير (كانون الثاني) 2025، بعد أن جرى تعليقه في 2023 على أثر مفاوضات مطوّلة مع الكونغرس. وتقوم واشنطن بتحديد حد أقصى للاقتراض الفيدرالي، ويجب أن توافق غالبية أعضاء الكونغرس على هذا الحد.

وبين عامي 1992 و2012، جرى تعديل سقف الدين 15 مرة. ومع بداية عام 2013، بدأ صنّاع السياسات تعليق السقف، بدلاً من رفعه بشكل مباشر، بحيث تجري إعادة ضبطه في نهاية كل فترة تعليق. ومنذ ذلك الحين، عُلّق السقف، وأُعيد فرضه سبع مرات إضافية، مما أدى إلى زيادة السقف من 16.7 تريليون دولار في 2013، إلى 31.4 تريليون دولار في 2023. وفي حال عدم التوصل إلى حل سريع، سوف تضطر وزارة الخزانة إلى استخدام احتياطياتها النقدية والإجراءات الاستثنائية، وهي مجموعة من المناورات المحاسبية، لتمويل الحكومة حتى تاريخ «X»؛ وهو التاريخ الذي لن تتمكن فيه الحكومة من دفع جميع فواتيرها. ويقدِّر بعض التحليلات أن هذا التاريخ قد يكون في النصف الثاني من العام المقبل.

وقد أدت النزاعات حول سقف الدين في الماضي إلى دفع البلاد إلى حافة التعثر، مما أثر على تصنيفها الائتماني. وقد يتكرر هذا السيناريو في حال وجود حكومة منقسمة، حيث فاز الجمهوريون بالأغلبية في مجلس الشيوخ، لكن لا يبدو أن أياً من الحزبين يملك الأفضلية في السيطرة على مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون حالياً بأغلبية ضئيلة. كما أن هذا الأمر يؤثر سلباً على سندات الخزانة الأميركية التي تُعد استثماراً آمناً ومستقراً.

وفي حال اعتبار الديون الأميركية أكثر خطورة، قد يتجه المستثمرون إلى أسواق أخرى، مما يرفع معدلات الفائدة ويزيد أعباء الفائدة على الحكومة. وتشير تقديرات مؤسسة «بروكينغز» إلى أن التخلف عن السداد أو المساس بسلامة سوق الخزانة، قد يؤدي إلى زيادة تكاليف الفائدة بنحو 750 مليار دولار خلال عشر سنوات. علاوة على ذلك، فإن تكاليف الفائدة على الديون الأميركية في طريقها إلى تجاوز مستوياتها القياسية السابقة، نسبة إلى حجم الاقتصاد في عام 2025، ويرجع هذا جزئياً إلى الزيادات المطردة بأسعار الفائدة في السنوات الأخيرة.

تمثال للسيناتور السابق ألبرت غالاتين يقف أمام وزارة الخزانة بواشنطن (رويترز)

مناورات تهدد بخفض التصنيف الائتماني

لم تقم الولايات المتحدة قط بالتخلف عن سداد ديونها، لكن المشرّعين غالباً ما ينتظرون حتى اللحظة الأخيرة لرفع أو تعليق سقف الدين. وهذه المناورات المالية لها عواقب سلبية، مثل احتمال خفض تصنيف الولايات المتحدة الائتماني من قِبل وكالات التصنيف، وهي مصدر للقلق بالنسبة للأسواق المالية.

وفي العام الماضي، خفّضت وكالة «فيتش» تصنيف الولايات المتحدة الائتماني بمقدار درجة واحدة من «إيه إيه إيه» إلى «إيه إيه +»، ونظرتها إلى «سلبية» من «مستقرة»؛ بسبب المناورات السياسية حول حد الدين. كما أبدت «موديز» و«ستاندرد آند بورز» مخاوف مشابهة.

الدولار واستدامة الديون

أتاحت المكانة المتميزة للدولار بوصفه عملة احتياطية للولايات المتحدة تجاهل العواقب المباشرة لازدياد الديون الفيدرالية، لكن هذا الوضع يشهد تراجعاً ملحوظاً؛ فقد انخفضت حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية من أكثر من 70 في المائة خلال عام 2000، إلى 58 في المائة حالياً، كما انخفضت ملكية الأجانب للسندات الأميركية من 34 في المائة خلال 2012، إلى 28 في المائة خلال 2024، ما يعكس تآكل الثقة بقدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها المالية.

وإذا استمر هذا التوجه، فقد تواجه الولايات المتحدة أزمة في تمويل ديونها، ما سيدفع الحكومة لدفع تكاليف فائدة مرتفعة. فقد بلغت تكلفة خدمة الدين الفيدرالي 892 مليار دولار في 2024، ومن المتوقع أن ترتفع بشكل كبير إذا استمر الدين في الارتفاع، مما يضيف ضغوطاً مالية إضافية على الموازنة الفيدرالية، وقد يضطر الاقتصاد الأميركي إلى التعامل مع زيادات ضريبية أو تخفيضات في الإنفاق؛ في محاولة للتعامل مع هذه الضغوط.

بين السياسات التوسعية والعجز المالي

على الرغم من أن الولايات المتحدة تمكنت تدريجياً في الماضي من تقليص الدين العام إلى نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بحلول عام 1981، فقد أسهمت السياسة المالية الحالية، سواء من الجمهوريين أم الديمقراطيين، في تعميق العجز، عبر تسهيل تمويل المبادرات الشعبية بالاقتراض المتزايد. ويبدو أن كلا الحزبين اتفق ضمنياً على أن العجز يمثل الوسيلة الأسهل لتحقيق أهدافهما السياسية، ما أضعفَ الاهتمام بمعالجة المشكلات المالية.

وبالنسبة لترمب، سيكون التحدي الأكبر في ولايته الثانية هو موازنة سياساته التوسعية في تخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق، مع الحاجة إلى السيطرة على الدين المتزايد. وإذا قرر مواجهة الدين، فقد يتعين عليه تقليص بعض أوجه الإنفاق، أو تعديل التخفيضات الضريبية، وهي خطوات غير شعبية، كما يمكنه الاستفادة من دعم الأغلبية الجمهورية لتحقيق «اكتساح أحمر» يساعده في تمرير إصلاحات هيكلية تعزز استدامة النمو المالي، دون التأثير على الاقتصاد.


مقالات ذات صلة

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بيسنت يرى نهاية «أبينوميكس» ويدعم تشديد بنك اليابان

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ ب)
TT

بيسنت يرى نهاية «أبينوميكس» ويدعم تشديد بنك اليابان

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ ب)

أعاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت رسم صورة المرحلة المقبلة للاقتصاد الياباني، بعدما اعتبر أن تحركات الين الأخيرة لا تزال «محصورة إلى حد كبير»، ولا تمثل حالة اضطراب تستدعي تدخلاً فورياً جديداً، في وقت لمح فيه بوضوح إلى أن اليابان اقتربت من نهاية حقبة «أبينوميكس» التي قامت على إعادة التضخم، وتحفيز الاقتصاد عبر السياسات النقدية والمالية شديدة التوسع. وجاءت تصريحات بيسنت في وقت عادت فيه العملة اليابانية إلى مستويات أضعف من 160 يناً للدولار، وهي منطقة حساسة لطالما أثارت توقعات بالتدخل في سوق الصرف. إلا أن وزير الخزانة الأميركي بدا أكثر ارتياحاً هذه المرة، قائلاً إن تحركات العملة «تحت السيطرة إلى حد كبير». ويختلف هذا التقييم عن موقف واشنطن وطوكيو قبل شهر، عندما نفذتا في 31 يوليو (تموز) تدخلاً مشتركاً نادراً لشراء الين، في خطوة هدفت إلى وقف ما وصفه بيسنت حينها بتحركات «غير منظمة» للعملة، ومنع انتقال الضغوط إلى سوق السندات والأسواق العالمية. لكن الرسالة الجديدة لا تعني أن مشكلة الين انتهت، فالعملة اليابانية لا تزال ضعيفة تاريخياً، وهو ما يرفع تكلفة الواردات، ويغذي التضخم، خصوصاً في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة، والمواد الخام. ولهذا انتقل تركيز بيسنت من الدعوة إلى التدخل المباشر في سوق العملات إلى السياسة النقدية نفسها، وقال إنه يتوقع من محافظ بنك اليابان كازو أويدا أن «يتخذ القرار الصائب» بشأن أسعار الفائدة، في إشارة فسرتها الأسواق بأنها دعم ضمني لمزيد من التشديد النقدي. وعندما سُئل عما إذا كان البنك ينبغي أن يرفع الفائدة بوتيرة أسرع، تجنب بيسنت توجيه تعليمات مباشرة، لكنه أضاف أن اليابان «وصلت على الأرجح إلى نهاية أبينوميكس»، وهي السياسة التي أطلقت عام 2013 في عهد رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي بهدف إخراج البلاد من الانكماش المزمن.

• نهاية «أبينوميكس»: وكانت «أبينوميكس» ترتكز على ثلاثة محاور رئيسة، هي تيسير نقدي واسع، وإنفاق مالي ضخم، وإصلاحات لتعزيز النمو. ونجحت هذه السياسات في كسر دورة الانكماش، ورفع أسعار الأصول، وتحفيز أرباح الشركات، لكنها أبقت الفائدة منخفضة لفترة طويلة، ورسخت اعتماد الأسواق على بنك اليابان. والآن يرى بيسنت أن اليابان تجاوزت المشكلة التي صُممت «أبينوميكس» لمعالجتها أساساً، أي الانكماش. وبالتالي فإن استمرار السياسة النقدية شديدة التيسير لم يعد يتماشى مع الواقع الجديد الذي أصبحت فيه الضغوط التضخمية أكثر وضوحاً. وتأتي تصريحاته قبل اجتماع بنك اليابان يومي 17 و18 سبتمبر (أيلول)، وسط توقعات شبه كاملة في الأسواق برفع سعر الفائدة مجدداً بعد الزيادة التي نفذها البنك في يونيو (حزيران). وأفادت مصادر بأن البنك يدرس أيضاً تسريع وتيرة الرفع مستقبلاً مقارنة بالنمط الحالي الذي يبلغ نحو مرتين سنوياً. ويرى بعض المحللين أن رفع الفائدة في سبتمبر بدلاً من أكتوبر (تشرين الأول) قد يرسخ توقعات بأن البنك ينتقل إلى دورة رفع ربع سنوية. وهذا الاحتمال يكتسب أهمية خاصة، لأن ضعف الين لم يتحسن بصورة مستدامة رغم اللهجة المتشددة الأخيرة من بنك اليابان. فحتى بعد تصريحات أويدا بشأن زيادة مخاطر التضخم، وإمكانية تسريع التشديد إذا ظلت الظروف المالية ميسرة للغاية، بقيت العملة تحت الضغط.

• رهان الفائدة: من هذه الزاوية، يبدو أن بيسنت يراهن على أن الدعم الأكثر فاعلية للين لن يأتي من التدخل وحده في السوق، بل من تضييق فجوة أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة. لكن الصورة لا تخلو من تناقضات. ففي الوقت الذي يتحرك فيه بنك اليابان نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً، تتبنى حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي برنامجاً مالياً توسعياً يركز على الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية، ودعم الأسر في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. ويرى منتقدون أن هذا التوجه قد يعمل في الاتجاه المعاكس لسياسة البنك المركزي. فزيادة الإنفاق الحكومي وتحفيز الطلب يمكن أن يضيفا ضغوطاً تضخمية جديدة، بينما يحاول بنك اليابان احتواء الأسعار عبر رفع الفائدة. كما أثارت خطط تاكايتشي مخاوف في سوق السندات، حيث ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات إلى نحو 2.945 في المائة، وهو أعلى مستوى في ثلاثة عقود، وسط قلق المستثمرين من اتساع الإنفاق، وارتفاع تكاليف تمويل أحد أكبر أعباء الدين العام في العالم. ورغم ذلك، قدم بيسنت قراءة أكثر تفاؤلاً للمرحلة المقبلة. وقال إن اليابان انتقلت من «اقتصاد آبي» إلى ما وصفه بـ«اقتصاد تاكايتشي»، الذي يراه أكثر دعماً للمساهمين، وأقل اعتماداً على تدخل الدولة، خصوصاً مع تحرير سوق العمل، وبعض القطاعات الأخرى. وأضاف أن اليابان ينبغي أن «تسترخي» وتستمتع بنجاح السياسات السابقة، في إشارة إلى أن الأساس الذي وضعته «أبينوميكس» يمكن أن يسمح للاقتصاد بالنمو دون الحاجة إلى تكرار مستويات التحفيز القديمة. ويعكس هذا الطرح رؤية مفادها بأن اليابان لم تعد تحتاج إلى إنعاش التضخم، بل إلى إدارته. وهذه نقلة كبيرة في فلسفة السياسة الاقتصادية، لأنها تعني الانتقال من مرحلة كان الخطر الرئيس فيها هو الانكماش إلى مرحلة يصبح فيها الخطر هو تجاوز التضخم للمستويات المقبولة. وسيكون اللقاء المتوقع بين بيسنت وأويدا على هامش اجتماع قادة المالية لمجموعة العشرين في آشفيل محط أنظار المستثمرين. فالأسواق ستراقب أي إشارات بشأن مسار الفائدة، والين، والتنسيق بين طوكيو وواشنطن بعد التدخل المشترك الأخير. أما بالنسبة للعملة اليابانية، فإن رسالة بيسنت تبدو واضحة بأن الضعف الحالي لا يزال مقبولاً طالما لم يتحول إلى تحرك فوضوي، لكن علاج المشكلة على المدى الأطول ينبغي أن يأتي من السياسة الاقتصادية اليابانية نفسها. وهكذا، تدخل اليابان مرحلة جديدة تتغير فيها أولوياتها بالكامل. ففي عصر «أبينوميكس»، كان المطلوب خلق التضخم، ودفع المستثمرين إلى المخاطرة. أما في المرحلة الحالية، فإن التحدي أصبح كيفية منع التضخم من تجاوز الحدود، ودعم الين دون زعزعة سوق السندات، وضبط الإنفاق من دون خنق النمو. وإذا صح تقييم بيسنت، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت «أبينوميكس» نجحت، بل كيف ستدير اليابان نجاحها في بيئة أصبحت فيها الفائدة الأعلى والعملة الضعيفة والدين الضخم عناصر رئيسة في المعادلة الاقتصادية الجديدة.


فرنسا أمام معركة موازنة 2027... السندات عند أعلى مستوياتها منذ 2008

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره المخيم الصيفي «مختبر الجمهورية» في مدينة سينس جنوب شرق باريس في 29 أغسطس (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره المخيم الصيفي «مختبر الجمهورية» في مدينة سينس جنوب شرق باريس في 29 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

فرنسا أمام معركة موازنة 2027... السندات عند أعلى مستوياتها منذ 2008

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره المخيم الصيفي «مختبر الجمهورية» في مدينة سينس جنوب شرق باريس في 29 أغسطس (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره المخيم الصيفي «مختبر الجمهورية» في مدينة سينس جنوب شرق باريس في 29 أغسطس (أ.ف.ب)

دخلت فرنسا أسبوعاً حاسماً على الصعيدين المالي والسياسي، مع اجتماع رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو وحكومته لبحث موازنة عام 2027، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المالية العامة وتتصاعد مخاوف الأسواق من ارتفاع الدين وكلفة الاقتراض، مما دفع عوائد السندات الفرنسية إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.

وبلغ عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل عشر سنوات 4.1503 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2008، بعدما ارتفع 2.5 نقطة أساس، فيما صعد عائد السندات لأجل عامين إلى 3.1012 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ يوليو (تموز) 2024.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه الحكومة الفرنسية مهمة صعبة تتمثل في إعداد موازنة 2027 وسط اقتصاد ضعيف، وزيادات في الإنفاق جرى إقرارها بالفعل، ومعارضة سياسية تهدد بإسقاط الحكومة أو تعطيل تمرير الموازنة قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في مايو (أيار) 2027.

وعقد لوكورنو اجتماعاً موسَّعاً لحكومته (الاثنين)، بدأ في قصر الإليزيه باجتماع لمجلس الوزراء، قبل الانتقال إلى اجتماع مغلق في مقر الأمانة العامة للدفاع والأمن الوطني، خُصص جزء منه لمناقشة موازنة العام المقبل.

ومن المقرر تقديم مشروع قانون المالية في نهاية سبتمبر (أيلول)، وسط ضغوط متزايدة لتمويل قطاعات عدة، إذ سبق للحكومة أن أقرَّت زيادات إضافية في الإنفاق بنحو 10 مليارات يورو لوزارات الدفاع والداخلية والعدل والتعليم والبحث والبيئة.

كما تواجه الحكومة ضغوطاً لتقديم دعم إضافي للقطاع الزراعي بعد موجة من الحرائق وموجات الحر والجفاف التي أضرَّت بالزراعة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، إلى جانب احتمال تمديد مساعدات الوقود و«شيك الطاقة».

وفي المقابل، تبدو قدرة الحكومة على زيادة الإنفاق محدودة، في ظل تباطؤ النمو وارتفاع تكلفة خدمة الدين.

ومن المتوقع أن يذكّر وزير الاقتصاد رولان ليسكور أعضاء الحكومة بهذه الضغوط، إذ جاء النمو الاقتصادي ضعيفاً خلال النصف الأول من العام، مما يجعل تحقيق توقع النمو السنوي البالغ 0.7 في المائة بعيد المنال، بينما ارتفعت أسعار الفائدة إلى أكثر من 4 في المائة، ما يزيد أعباء الدين العام.

ويهدد ذلك بدفع عجز الموازنة إلى تجاوز الهدف الحكومي البالغ 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية ووزيرة الدولة لشؤون الطاقة والاقتصاد الرقمي مود بريجون ووزير التعليم الفرنسي إدوار جيفري في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء في باريس (أ.ف.ب)

تقليص الإنفاق يواجه مقاومة سياسية

وتضيق مساحة المناورة أمام لوكورنو بعدما استبعد المساس بالإسكان الاجتماعي وبرامج التدريب المهني، كما أبدى تحفظاً على تمديد الضريبة الإضافية المفروضة على الشركات الكبرى بالشكل نفسه.

ويركز رئيس الوزراء بدلاً من ذلك على خفض بعض بنود الإنفاق الاجتماعي، بما في ذلك إصلاح نظام الإجازات المرضية، ووقف تعويض بعض الأدوية القديمة، إضافة إلى عدم زيادة معاشات التقاعد بما يتماشى بالكامل مع التضخم، باستثناء المعاشات الصغيرة.

وتواجه هذه المقترحات معارضة سياسية قوية. فقد أعلن زعيم حزب «فرنسا الأبية» جان لوك ميلانشون عزمه إسقاط الحكومة، بينما لم يستبعد زعيم حزب التجمع الوطني جوردان بارديلا أي خيار ضد الموازنة.

وحذَّرت المتحدثة باسم الحكومة مود بريجون من أن بدء عام 2027 من دون موازنة سيكون «أمراً لا يمكن تصوره وغير مسؤول»، في محاولة لاحتواء الضغوط السياسية، ولا سيما مع تهديد الحزب الاشتراكي أيضاً بالتصويت لحجب الثقة.

وتأمل حكومة لوكورنو في التوصل إلى صيغة تسمح بإقرار موازنة مؤقتة للنصف الأول من عام 2027، يمكن للحكومة المقبلة تعديلها بعد الانتخابات الرئاسية.

الأسواق تراقب باريس

وتنعكس المعركة المالية والسياسية على الأسواق الفرنسية في وقت تتعرض فيه السندات العالمية لضغوط من ارتفاع التضخم وتوقعات أسعار الفائدة.

وعلى الرغم من ارتفاع عوائد السندات، عادت بورصة باريس إلى التوازن خلال تعاملات الاثنين، بعدما بدأت الجلسة على ارتفاع. وصعد مؤشر «كاك 40» بنحو 0.12 في المائة إلى 8411.24 نقطة عند الساعة 10:30 صباحاً بتوقيت باريس، بعد ارتفاعه 0.98 في المائة يوم الجمعة.

ويواجه المستثمرون في الوقت نفسه تأثيرات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وارتفاع أسعار النفط، بعدما قفز خام برنت بنحو 3.61 في المائة إلى 91.28 دولار للبرميل، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بالنسبة نفسها تقريباً إلى 86.40 دولار.

وأدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى دعم أسهم شركات النفط، إذ صعد سهم «توتال إنرجيز» 1.37 في المائة، في حين ارتفعت أسهم شركات «برنار ريكار» و«ستيلانتيس» و«رينو» و«ميشلان».

لكن ارتفاع عوائد السندات يظل مصدر ضغط على الأسهم، إذ يجعل أدوات الدخل الثابت أكثر جاذبية للمستثمرين ويرفع في الوقت نفسه تكلفة الاقتراض على الشركات.

وتراقب الأسواق أيضاً تداعيات تصريحات رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش، الذي شدَّد في «جاكسون هول» على ضرورة إعادة التضخم إلى مستوى 2 في المائة، مما عزَّز التوقعات بإمكانية رفع أسعار الفائدة الأميركية في سبتمبر.

وتأتي الضغوط على السندات الفرنسية في وقت يترقب فيه المستثمرون أيضاً مسار السياسة النقدية في منطقة اليورو، فيما أصبحت الموازنة الفرنسية والانتخابات الرئاسية المقبلة عاملين متزايدي الأهمية في تحديد علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون لتمويل الحكومة الفرنسية.

وبذلك تجد باريس نفسها أمام معادلة صعبة: حكومة تحتاج إلى الإنفاق لدعم الاقتصاد وتمويل الأولويات الأمنية والاجتماعية والاستثمارية، في وقت تتراجع فيه فرص النمو وترتفع فيه كلفة الاقتراض، بينما يهدد الانقسام السياسي قدرة الحكومة على تمرير موازنة تحظى بثقة الأسواق والبرلمان في آن واحد.


مصر: «بي بي» تبدأ الإنتاج من بئر «فيوم 4» في غرب دلتا النيل

تتولى «بي بي» تشغيل تسهيلات غرب دلتا النيل بحصة تبلغ 82.75 % بينما تمتلك «هاربور إنرجي» الحصة المتبقية (رويترز)
تتولى «بي بي» تشغيل تسهيلات غرب دلتا النيل بحصة تبلغ 82.75 % بينما تمتلك «هاربور إنرجي» الحصة المتبقية (رويترز)
TT

مصر: «بي بي» تبدأ الإنتاج من بئر «فيوم 4» في غرب دلتا النيل

تتولى «بي بي» تشغيل تسهيلات غرب دلتا النيل بحصة تبلغ 82.75 % بينما تمتلك «هاربور إنرجي» الحصة المتبقية (رويترز)
تتولى «بي بي» تشغيل تسهيلات غرب دلتا النيل بحصة تبلغ 82.75 % بينما تمتلك «هاربور إنرجي» الحصة المتبقية (رويترز)

أعلنت شركة «بي بي»، الاثنين، أنها نجحت في بدء الإنتاج من بئر «فيوم 4»، متوقعةً أن تُنتج البئر نحو 80 مليون قدم مكعبة قياسية من الغاز يومياً.

وأوضحت الشركة في بيان صحافي، أن بدء الإنتاج سيسهم في إضافة كميات جديدة من الغاز إلى السوق المصرية، في إطار مواصلة الاستثمارات في منطقة غرب دلتا النيل.  

يأتي هذا الإعلان في أعقاب نجاح حملة الاستكشاف التي نفّذتها «بي بي» عام 2025، وأسفرت عن اكتشاف بئر «فيوم». وقد جرى الإسراع في تنفيذ المشروع، مما أدى إلى تقديم موعد بدء إنتاج الغاز بنحو عامين مقارنةً بما كان مخططاً له.

وأشار البيان إلى أن الشركة نجحت في حفر مسار جانبي للبئر بهدف الوصول إلى طبقات مكمنية ميسينية جديدة داخل حقل غرب دلتا النيل، على أعماق تقارب 3 آلاف متر، دون الحاجة إلى حفر بئر منفصلة أو إنشاء بنية تحتية جديدة تحت سطح البحر.

وذكر البيان أنه «تم ربط الإنتاج بتسهيلات غرب دلتا النيل لمعالجة الغاز، عبر خط أنابيب جيزة-فيوم، من خلال توظيف حلول هندسية مبتكرة للتغلب على التحديات الفنية والاستفادة من البنية التحتية البحرية القائمة للوصول إلى كميات إضافية من الغاز، وتقديم موعد بدء إنتاج الغاز بنحو عامين».

وقال وائل شاهين، رئيس شركة «بي بي مصر»: «يعكس بدء إنتاج (فيوم 4) دعم (بي بي) المستمر لاستراتيجية وزارة البترول الرامية إلى تسريع أعمال التنمية، وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية القائمة، وتوظيف أحدث التقنيات لزيادة الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي في مصر».

تضم منطقة غرب دلتا النيل مجموعة من حقول الغاز الواقعة في المياه البحرية المصرية، ضمن امتيازي شمال الإسكندرية وغرب البحر المتوسط للمياه العميقة. وتتولى «بي بي» تشغيل تسهيلات غرب دلتا النيل بحصة تبلغ 82.75 في المائة، بينما تمتلك شركة «هاربور إنرجي» الحصة المتبقية البالغة 17.25 في المائة.