حرب الجبهتين تضع الاقتصاد الإسرائيلي في مرمى النيران بعد عام من النزاع

تكلفتها قدّرت بنحو 95 مليار دولار بما يوازي 18 % من الناتج المحلي الإجمالي

TT

حرب الجبهتين تضع الاقتصاد الإسرائيلي في مرمى النيران بعد عام من النزاع

تصاعد الدخان عقب الضربات الإسرائيلية في مدينة غزة 11 أكتوبر 2023 (رويترز)
تصاعد الدخان عقب الضربات الإسرائيلية في مدينة غزة 11 أكتوبر 2023 (رويترز)

قبل 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان الاقتصاد الإسرائيلي يتمتع بنمو مستقر؛ حيث شهد قطاعا التكنولوجيا الفائقة والسياحة ازدهاراً ملحوظاً.

ومع ذلك، فإن تداعيات الحرب التي اندلعت لاحقاً مع «حماس» ومؤخراً مع «حزب الله»، أحدثت تأثيرات سلبية عميقة. فقد أدت الأوضاع الأمنية المتدهورة إلى زيادة كبيرة في التكاليف العسكرية، وانخفاض ملحوظ في معدلات الاستثمار، وتراجع التصنيف الائتماني، مما أسفر عن تدهور عام في النشاط الاقتصادي.

وبالتالي، لم يعد الاقتصاد الإسرائيلي بعد عام من الحرب كما كان؛ بل دخل مرحلة جديدة مليئة بالتحديات الاقتصادية المعقدة؛ حيث تقدر التكلفة الإجمالية للحرب حتى الآن بنحو 95 مليار دولار، وهو ما يمثل نحو 18 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي.

واقع الاقتصاد قبل الحرب

كان الاقتصاد الإسرائيلي في وضع قوي؛ حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي السنوي للفرد بنسبة 6.8 في المائة في عام 2021، و4.8 في المائة في عام 2022، مما يفوق بكثير معظم الدول الغربية. ووصلت احتياطياته من العملات الأجنبية إلى 200 مليار دولار، وحقق فائضاً في ميزان المدفوعات بلغ 20 مليار دولار. كما كانت مرونته المالية واضحة من خلال تقديم قروض عالمية تصل إلى 200 مليار دولار.

محلياً، حققت إسرائيل نسبة توظيف كاملة، وكان مستوى الدين العام منخفضاً نسبياً عند 61 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وكان من المتوقع أن يدور العجز المالي لعام 2023، في حال عدم اندلاع حرب، حول 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

تكلفة الحرب وتأثيرها

أدت الحرب الحالية إلى تدهور الشعور بالأمن على الحدود، مما أثر سلباً على موازنة الدفاع. تُقدر النفقات المباشرة للحرب، العسكرية والمدنية، بنحو 180 مليار شيقل (48.37 مليار دولار) من الربع الأخير من 2023 حتى نهاية 2024، مما يؤدي إلى عجز كبير في موازنة 2024 يُقدّر بنحو 8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وازدادت الديون العامة ونفقات الفائدة، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف التعبئة الاحتياطية واستهلاك الذخائر والوقود والغذاء وقطع الغيار. ففي عامي 2023 و2024، زاد الدين نتيجة ارتفاع العجز بسبب الحرب بنحو 175 مليار شيقل (47.02 مليار دولار).

وبحلول عام 2025، ستضطر إسرائيل لدفع 7 مليارات شيقل (1.88 مليار دولار) إضافية في نفقات الفائدة مقارنة بعام 2024، ومن المتوقع أن تصل هذه القيمة إلى 10 مليارات شيقل (2.69 مليار دولار) في عام 2026.

تشير التقديرات إلى أن خسارة الناتج المحلي الإجمالي منذ بداية الحرب حتى نهاية 2024 ستبلغ نحو 17 مليار دولار. النفقات المستمرة للدفاع والخدمات المدنية تُقدر بنحو 45 مليار دولار، في حين من المتوقع أن تصل تكلفة إعادة تأهيل المباني والبنية التحتية والشركات الصغيرة إلى نحو 20 مليار دولار.

وتقدر تكلفة إعادة تأهيل المعدات العسكرية وتجديد المخزونات بنحو 15 مليار دولار. وحتى سبتمبر (أيلول) 2024، أسفرت الحرب عن وفاة 1630 جندياً ومدنياً، وإصابة نحو 6000 شخص، وتُقدر تكاليف إعادة تأهيلهم وتعويض عائلاتهم بنحو 15 مليار دولار.

منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية تعترض الصواريخ كما شوهدت من عسقلان (رويترز)

المخاطر الاقتصادية المتفاقمة

تسببت الحرب مع «حماس» في تفاقم المخاطر الاقتصادية بسبب غياب سياسة اقتصادية ملائمة. تركِّز الحكومة على القطاعات غير المنتجة. وزيادة نفقات الحرب أدت إلى تصعيد حالة عدم اليقين المحيطة بموازنة 2025، مما زاد من مخاطر الاقتراض وصعوبات إعادة التضخم إلى مستوياته المستهدفة. ونتيجة لذلك، ارتفعت مخاطر الركود التضخمي، وهو تحدٍّ كبير للسياسة الاقتصادية. ووفقاً للبيانات الرسمية، تسارع التضخم في أغسطس (آب) بشكل أكبر من المتوقع؛ حيث بلغ معدل التضخم السنوي 3.6 في المائة، وهو الأعلى منذ أكتوبر، متجاوزاً هدف الحكومة بين 1 و3 في المائة للشهر الثاني على التوالي.

وفي ظل هذا القدر الكبير من عدم اليقين، فإن أسعار الفائدة المرتفعة التي يفرضها بنك إسرائيل، والتي تصل إلى 4.5 في المائة تخنق النمو، وتجعل من الصعب على الأسر تلبية التزاماتها، مثل أقساط الرهن العقاري.

كما تفاقمت المشكلات التي كانت تعاني منها إسرائيل قبل 7 أكتوبر، مثل نقص البنية التحتية، وانخفاض الإنتاجية، وارتفاع أسعار السكن. كذلك انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.1 في المائة في الأسابيع الأولى من الحرب، وتواصل الانخفاض في 2024 بتراجع قدره 1.1 في المائة، و1.4 في المائة في الربعين الأولين.

في يوليو (تموز) 2024، خفض بنك إسرائيل توقعاته للنمو إلى 1.5 في المائة، بعد أن كانت 2.8 في المائة في بداية العام. وفي سبتمبر، توقعت وكالة «ستاندرد آند بورز» نمواً صفرياً لعام 2024، وعجزاً بنسبة 9 في المائة نتيجة لتصاعد النزاع مع «حزب الله».

ورغم تمكن الاقتصاد الإسرائيلي من التكيف مع أزمة «كوفيد - 19» بفضل هيمنة قطاع التكنولوجيا الفائقة الذي يمثل 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فإن الحرب الحالية تختلف عن أزمة الجائحة؛ حيث تؤثر بشكل مستمر على الاقتصاد بدلاً من أن تكون مؤقتة.

النظام المالي والتصنيف الائتماني بعد 7 أكتوبر

انخفضت قيمة الشيقل إلى نحو 4 شواقل لكل دولار. وأعلن بنك إسرائيل عن استعداده للتدخل في سوق العملات الأجنبية بتخصيص حتى 30 مليار دولار من احتياطياته، مما ساهم في استقرار سعر الشيقل.

وفي أكتوبر 2023، باع البنك نحو 8 مليارات دولار لضمان نشاط سوق الصرف.

وبعد إعلان إسرائيل عن عملية برية في جنوب لبنان، هبط الشيقل 1.1 في المائة أمام الدولار. وارتفعت تكلفة التأمين ضد مخاطر التعثر في سداد الديون السيادية الإسرائيلية إلى أعلى مستوى منذ 12 عاماً، مدفوعة بتصعيد العمليات العسكرية في لبنان والهجمات الصاروخية الإيرانية.

وفقاً لبيانات «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، قفزت مبادلات مخاطر الائتمان لأجل 5 سنوات لإسرائيل 10 نقاط أساس، لتسجل 160 نقطة أساس، وهو أعلى مستوى منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2012. ودفعت الحالة المالية المتدهورة في إسرائيل وكالات التصنيف الائتماني الكبرى إلى خفض تصنيف البلاد.

فقد خفضت وكالة «فيتش» تصنيف إسرائيل من «إيه+» إلى «إيه» في أغسطس، بينما خفضت «موديز» تصنيفها في سبتمبر مرتين، مشيرة إلى المخاطر الجيوسياسية المتزايدة والنزاع المستمر مع «حزب الله»، لتنخفض من «إيه 2» إلى «بي إيه إيه 1» مع نظرة مستقبلية سلبية. كما قامت «ستاندرد آند بورز» بتقليص تصنيفها من «إيه+» إلى «إيه» بشكل غير متوقع، مضيفة نظرة سلبية أيضاً.

تدهور التصنيع والعمالة وتراجع الاستثمار

أدى استدعاء الاحتياط عند بدء الحرب إلى تدهور التصنيع المحلي؛ حيث شمل نحو 8 في المائة من قوة العمل، مما أثر سلباً على الصناعات وقطاع التكنولوجيا الفائقة والزراعة. كما تسببت مغادرة كثير من السائقين في اضطرابات بسلاسل الإمداد؛ خصوصاً في قطاع البناء، بينما زاد قطاعا «التكنولوجيا العالية» و«المالية» من نسبة العاملين عن بُعد.

وتُظهر سوق العمل تناقضاً؛ حيث يبقى معدل البطالة منخفضاً رغم النمو البطيء، ويرجع ذلك إلى نقص نحو 100 ألف عامل فلسطيني. فقد قفز معدل البطالة من 3.5 في المائة في سبتمبر إلى 9.3 في المائة في أكتوبر، ورغم تراجعها إلى 2.8 في المائة في يوليو، فإن ذلك لم يكن نتيجة لخلق فرص عمل جديدة؛ بل بسبب إخراج جزء من العاطلين عن العمل من التعريف الرسمي.

كما أثرت الحرب بشكل عميق على قطاعات معينة من الاقتصاد. فقد تباطأ قطاع البناء بنسبة تقارب الثلث خلال الشهرين الأولين من الحرب، وهو قطاع يشكل نحو 6.5 في المائة من الناتج المحلي. وتأثرت أنشطته بشدة بعد منع نحو 100 ألف عامل فلسطيني من دخول إسرائيل، وعودة نحو 15 ألف عامل أجنبي إلى بلدانهم.

كما انخفض إنتاج الزراعة بنسبة تصل إلى الربع في بعض المناطق، مما زاد من الحاجة لاستيراد المواد الغذائية. وتأثرت الأعمال الصغيرة والمتناهية الصغر بشكل كبير بالحرب؛ حيث فاق عدد الشركات المغلقة عدد الجديدة.

وتظهر التوقعات أن ما يصل إلى 60 ألف شركة إسرائيلية قد تغلق في 2024 بسبب نقص العمالة، وانقطاع سلاسل التوريد، وتراجع ثقة الأعمال، بينما تؤجل شركات كثيرة مشاريعها. كما تراجع الاستثمار الأجنبي في قطاع التكنولوجيا الفائقة الذي يمثل نحو 50 في المائة من صادرات إسرائيل، مما دفع بعض الشركات للانتقال للخارج.

وفي قطاع السياحة، انخفض عدد السياح بشكل دراماتيكي؛ حيث يواجه واحد من كل عشرة فنادق احتمال الإغلاق.

ووفقاً لمكتب الإحصاء المركزي، انخفضت السياحة بأكثر من 75 في المائة. كما علقت شركات طيران أجنبية كثيرة رحلاتها، مما أثر على واردات الشحن الجوي، وزاد من تكلفة الشحن البحري نتيجة ارتفاع المخاطر.

أما الصناعة، فقد تأثرت أيضاً بنقص العمالة بسبب استدعاء الاحتياط، مع زيادة الطلب في قطاعات الصناعات الغذائية والأمن والأدوية. كما عانت المصانع المنتجة للمواد الخام لقطاع البناء من تراجع الطلب، بسبب توقف العمل في مواقع البناء.

عمال التكنولوجيا الفائقة في إسرائيل يحتجون ضد خطة الحكومة للإصلاح القضائي في تل أبيب (رويترز)

نوع مختلف من الحرب

تُعد الحرب الحالية متميزة عن سابقاتها بسبب نطاقها الواسع وطبيعتها المعقدة؛ حيث تتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية تؤثر بعمق على الاقتصاد والمجتمع الإسرائيلي.

ويكمن الاختلاف الرئيسي في أن الحرب الحالية لا تؤثر فقط على القطاعات التقليدية، بل تمتد أيضاً لتشمل قطاعات أكثر حساسية، مثل التكنولوجيا الفائقة والاستثمار الأجنبي والسياحة.

فقد ساهم استدعاء الاحتياط والعمليات العسكرية المكثفة في تفاقم الأضرار الاقتصادية بشكل ملحوظ. كما أن تداخل الصراع على الجبهتين (غزة ولبنان) يضيف بُعداً جيوسياسياً يزيد من تعقيد الوضع، ويخلق ضغوطاً طويلة الأمد على الاقتصاد.

إضافة إلى ذلك، لم تُظهر السياسات الحكومية استجابة سريعة أو فعالة لتخفيف حدة هذه الأزمة، مما يزيد من القلق حول معدلات النمو.

على سبيل المثال لا الحصر، جاءت موازنة 2024 مخيبة للآمال؛ إذ افتقرت إلى محركات نمو واضحة وإصلاحات اقتصادية فعالة، كما غابت عنها خطة مُحكمة للخروج من الأزمة الحالية.

وفي ظل غياب تدابير تقشفية حاسمة، من المتوقع أن يؤدي العجز المالي إلى رفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 80 في المائة بحلول عام 2025، مما يزيد من مخاطر حدوث أزمة مالية قد تهدد استقرار الاقتصاد الإسرائيلي.


مقالات ذات صلة

ترمب يجمِّد الرسوم على كندا... واتفاق تجاري يلوح في الأفق

الاقتصاد شاحنة تعبر جسر السلام من فورت إيري الكندية إلى الولايات المتحدة (أ.ف.ب)

ترمب يجمِّد الرسوم على كندا... واتفاق تجاري يلوح في الأفق

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعليق تطبيق رسوم جمركية جديدة بنسبة 50 في المائة على سلع كندية لمدة 3 أيام.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا - واشنطن)
الاقتصاد سفن شحن تُرَى في خليج عُمان بالقرب من مضيق هرمز (أ.ب)

استمرار تباطؤ الملاحة عبر «هرمز» مع غموض مصير الممر الحيوي

استمر تباطؤ حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الأربعاء، مع تجنب معظم مالكي السفن الممر المائي الحيوي.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد متداول يمر أمام شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب في غرفة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا (أ.ب)

الأسهم الكورية تهبط مع موجة بيع لأسهم الرقائق ومخاوف جيوسياسية

تراجعت الأسهم الكورية الجنوبية، الأربعاء، مع تصاعد عمليات بيع أسهم شركات أشباه الموصلات، متأثرة بارتفاع عوائد السندات.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد غالبية إنتاج الذهب السوداني تأتي من خلال التعدين التقليدي (رويترز)

السودان يعلن الحرب على التعدين العشوائي ويستهدف تنظيم الذهب

أعلنت وزارة المعادن السودانية رفضها لاستمرار ممارسة التعدين غير المنظم «العشوائي والأهلي» للذهب، تجنباً للأضرار الكبيرة التي يخلفها على الإنسان والبيئة.

وجدان طلحة (الخرطوم)
خاص غارة جوية إسرائيلية استهدفت حياً سكنياً في قرية دير الزهراني جنوب لبنان 15 أغسطس (أ.ف.ب)

خاص لبنان بين انكماش 9% وفاتورة إعمار بـ5 مليارات دولار

يتواصل تدفق المؤشرات الاقتصادية السلبية في لبنان على منواله الحاد مع تمدّد حال «عدم اليقين» واستمرار تراكم الخسائر المالية والإعمارية الناجمة عن الحرب

علي زين الدين (بيروت)

تدخلات «المركزي الهندي» تكبح تقلبات الروبية رغم ارتفاع النفط

رجل يعدُّ أوراقاً نقدية هندية في كشك صرافة على جانب الطريق بالأحياء القديمة من دلهي (رويترز)
رجل يعدُّ أوراقاً نقدية هندية في كشك صرافة على جانب الطريق بالأحياء القديمة من دلهي (رويترز)
TT

تدخلات «المركزي الهندي» تكبح تقلبات الروبية رغم ارتفاع النفط

رجل يعدُّ أوراقاً نقدية هندية في كشك صرافة على جانب الطريق بالأحياء القديمة من دلهي (رويترز)
رجل يعدُّ أوراقاً نقدية هندية في كشك صرافة على جانب الطريق بالأحياء القديمة من دلهي (رويترز)

تماسكت الروبية الهندية قرب مستوياتها الحالية أمام الدولار، الأربعاء، رغم الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط وموجة بيع السندات العالمية، مدعومة بتدخلات متواصلة من بنك الاحتياطي الهندي في سوق الصرف، ما دفع توقعات تقلب العملة إلى أدنى مستوياتها في 7 أشهر.

وتراجعت الروبية بشكل هامشي إلى 95.7250 مقابل الدولار بحلول الساعة 10:48 صباحاً بالتوقيت الهندي، مقارنة بإغلاق الثلاثاء عند 95.68.

وجاء هذا التراجع المحدود رغم استمرار أسعار النفط في الصعود واقترابها من أعلى مستوياتها في 3 أسابيع، في وقت يقيِّم فيه المستثمرون رسائل متضاربة من طهران وواشنطن بشأن وضع مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إنه لا توجد محادثات مع إيران، مؤكداً أن مضيق هرمز مفتوح، في حين تؤكد طهران أن الممر المائي الحيوي لا يزال مغلقاً أمام حركة الشحن.

وتزيد أسعار النفط المرتفعة الضغوط على الروبية، نظراً لاعتماد الهند الكبير على واردات الخام، بينما تفاقمت الضغوط هذا الأسبوع مع ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل عالمياً، من اليابان إلى الولايات المتحدة، وسط تنامي المخاوف بشأن التضخم وتدهور أوضاع المالية العامة.

تدخلات «المركزي» تكبح التقلبات

ويرى متعاملون ومحللون أن تدخلات بنك الاحتياطي الهندي شكَّلت عاملاً ثابتاً في دعم العملة والحد من تحركاتها الحادة.

وقال متعاملون إن بنوكاً مملوكة للدولة شوهدت وهي تعرض بيع الدولار، في خطوة يُرجَّح أنها تمت نيابة عن بنك الاحتياطي الهندي، قبل افتتاح سوق الصرف الفوري المحلية.

وانخفضت التقلبات الضمنية للروبية لأجل شهر -وهي مقياس لتوقعات تحركات العملة مستقبلاً- إلى أقل من 4 في المائة، وهو أدنى مستوى لها منذ يناير (كانون الثاني).

وقال مصرفي في بنك مقره مومباي، إن مشاركة مجموعة هندية كبيرة بشكل مستمر في هياكل خيارات تقوم على بيع التقلبات الضمنية ساهمت في هذا الانخفاض، إلى جانب تدخلات البنك المركزي.

وأضاف مصرفي آخر أن المجموعة نفسها كانت في المقابل مشترياً كبيراً للدولار في السوق الفورية، خلال الجلسات الأخيرة.

وطلب المصرفيان عدم الكشف عن هويتيهما نظراً إلى أن حديثهما يتعلق بمعاملات عملاء.

النفط والقرارات النقدية تحت المجهر

وتظل الروبية معرَّضة لضغوط إضافية إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع؛ خصوصاً مع استمرار الغموض بشأن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وتداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

وتتجه الأنظار في وقت لاحق، الأربعاء، إلى محضر أحدث اجتماعين للسياسة النقدية لبنكَي الاحتياطي الهندي والاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بعدما أبقى البنكان أسعار الفائدة دون تغيير.

وتشير قدرة الروبية على الصمود رغم ارتفاع النفط والعوائد العالمية إلى أن تدخلات البنك المركزي الهندي لا تستهدف مستوى سعر الصرف فحسب؛ بل تلعب أيضاً دوراً متزايداً في كبح تقلبات العملة وحماية الأسواق من صدمات خارجية متزامنة.


ترمب يجمِّد الرسوم على كندا... واتفاق تجاري يلوح في الأفق

شاحنة تعبر جسر السلام من فورت إيري الكندية إلى الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
شاحنة تعبر جسر السلام من فورت إيري الكندية إلى الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
TT

ترمب يجمِّد الرسوم على كندا... واتفاق تجاري يلوح في الأفق

شاحنة تعبر جسر السلام من فورت إيري الكندية إلى الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
شاحنة تعبر جسر السلام من فورت إيري الكندية إلى الولايات المتحدة (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعليق تطبيق رسوم جمركية جديدة بنسبة 50 في المائة على سلع كندية لمدة 3 أيام، في خطوة وصفها بأنها تأتي بعد توصل الولايات المتحدة وكندا إلى اتفاق مبدئي، بينما أكدت أوتاوا إحراز «تقدم كبير» في المفاوضات، ولكنها شددت على أن ملفات مهمة لا تزال عالقة.

وجاء قرار ترمب قبل ساعات فقط من دخول الرسوم الجديدة حيز التنفيذ عند منتصف الليل، بينما قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، بعد نحو ساعة من إعلان الرئيس الأميركي، إن «تقدماً كبيراً تحقق، رغم أنه لا يزال هناك عمل مهم يتعين إنجازه».

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال»، إن تعليق الرسوم يستند إلى أن كندا والولايات المتحدة: «رهناً باستكمال الوثائق، لديهما اتفاق».

وتحدث ترمب وكارني هاتفياً، الثلاثاء، في ثاني محادثة بينهما خلال أسبوع، بينما خاض المفاوضون من الجانبين أسابيع من المحادثات المكثفة التي ظلت تفاصيلها إلى حد بعيد طي الكتمان.

اتفاق يتجاوز الرسوم

وأعلن مكتب الممثل التجاري الأميركي أن الاتفاق المرتقب سيشمل «وصولاً شاملاً إلى الأسواق لجميع السلع الأميركية، والتزامات بشأن الأمن الاقتصادي، ومواءمة في التجارة الرقمية»، إلى جانب بنود أخرى.

وفي إعلان نشره البيت الأبيض، قال ترمب إن كندا تعهدت بمعالجة مخاوف أميركية تتعلق بالرسوم المفروضة على منتجات الألبان والمشروبات الكحولية والسيارات.

ولم يقدم المسؤولون الأميركيون تفاصيل إضافية بشأن الاتفاق، كما لم تؤكد الحكومة الكندية مضمون أي اتفاق نهائي.

وقال كارني إن الاتفاق المرتقب يهدف إلى «معالجة قضايا التجارة العالقة، وتوفير قدر أكبر من اليقين ومنافع حقيقية للشركات والعمال والمزارعين والأُسَر الكندية».

وتأتي المفاوضات في إطار مساعي واشنطن وأوتاوا لإعادة النظر في اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (يو إس إم سي إيه)، التي وقَّعها ترمب وأشاد بها خلال ولايته الأولى، ولكنه يرى حالياً أنها تحتاج إلى تعديلات.

رسوم بقيمة 20 مليار دولار

وكان من المقرر أن تشمل الرسوم الجديدة واردات كندية تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار، سواءً كانت مؤهلة للاستفادة من المعاملة التفضيلية بموجب اتفاقية «يو إس إم سي إيه» أم لا.

وتستهدف الرسوم نحو 5.5 في المائة من صادرات كندا إلى الولايات المتحدة، وفق تقديرات «أوكسفورد إيكونوميكس»، وتشمل منتجات مثل النبيذ وعِصيِّ الهوكي والأسمنت.

وحذَّر خبراء تجارة ومسؤولون في قطاع الأعمال، في وقت سابق، من أن الرسوم قد تؤدي إلى فقدان وظائف وإغلاق شركات في قطاعات كندية معرضة للضرر؛ خصوصاً الأخشاب والنبيذ ومنتجات الألبان، فضلاً عن تعقيد المفاوضات الأوسع بشأن اتفاقية «يو إس إم سي إيه».

وكانت الرسوم القطاعية الأميركية قد أثقلت بالفعل كاهل قطاعات السيارات والصلب والأخشاب والألمنيوم الكندية.

حاويات شحن في ميناء مونتريال بمقاطعة كيبيك الكندية (رويترز)

السيارات و«المحتوى الأميركي» في صلب الخلاف

ويُعد ملف الرسوم الأميركية على السيارات من أبرز نقاط الخلاف في المفاوضات. وقال مصدران مطلعان على المحادثات إن الجانبين ناقشا خفض الرسوم الأميركية بموجب المادة 232 على السيارات الكندية إلى 15 في المائة من 25 في المائة، مع إمكانية إجراء تخفيضات إضافية وفق حجم المكونات الأميركية في كل سيارة.

كما دار خلاف رئيسي حول كيفية احتساب الخصومات الجمركية المرتبطة بنسبة «المحتوى» في المنتجات. فقد أصرت واشنطن على احتساب المكونات المنتجة في الولايات المتحدة فقط، بينما دفعت كندا باتجاه احتساب جميع المكونات المنتجة في أميركا الشمالية، بما فيها الكندية والمكسيكية.

وفي خطوة مرتبطة بهذا الملف، أصدرت وزارة التجارة الأميركية، الثلاثاء، قواعد جديدة تُلزم شركات صناعة السيارات التي تصدِّر من كندا والمكسيك بتحديد مستويات المحتوى الأميركي في مركباتها، للاستفادة من الخصومات الجمركية، مع تقليص عملية التصديق إلى مرة واحدة سنوياً بدلاً من مرتين.

شاحنة تعبر جسر السلام من فورت إيري الكندية إلى الولايات المتحدة (أ.ف.ب)

ترمب يعيد «كيستون إكس إل» إلى الواجهة

وفي تطور آخر، أثار ترمب احتمال إعادة إحياء مشروع خط أنابيب «كيستون إكس إل»، الذي ألغاه الرئيس السابق جو بايدن عام 2021، بعد سنوات من معارضة جماعات السكان الأصليين والناشطين البيئيين.

وقال ترمب في منشوره، إن خط الأنابيب «كيستون إكس إل»، الذي وصفه بأنه أُجهض منذ فترة طويلة على يد بايدن: «قد يستيقظ من قبره».

ولم يقدم الرئيس الأميركي تفاصيل بشأن ما إذا كانت إعادة إحياء المشروع جزءاً من المفاوضات الحالية، أو مجرد طرح سياسي.

قطاعات كندية تحت الضغط

وكانت أوتاوا قد أبدت استعدادها لتقديم تنازلات لتجنب الرسوم الجديدة، من بينها الضغط على المقاطعات الكندية لإعادة المشروبات الكحولية والنبيذ الأميركي إلى أرفف المتاجر.

وقال مكتب الممثل التجاري الأميركي، إن واشنطن تسعى أيضاً إلى معالجة ما تعتبره «معاملة تمييزية» للمنتجات الأميركية، بما في ذلك المشروبات الكحولية والسيارات ومنتجات الألبان.

وفي المقابل، قال كارني إن الحكومة الكندية تركز على بناء اقتصاد «أقوى وأكثر استقلالاً وتنافسية» في الداخل، بالتوازي مع استمرار العمل على الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة.

ورحَّب مجلس المشروبات الروحية المقطرة في الولايات المتحدة بقرار ترمب، داعياً إلى حل تفاوضي يعيد المنتجات الأميركية إلى متاجر جميع المقاطعات الكندية، ويعيد قطاع المشروبات الروحية إلى نظام رسوم جمركية «صفر مقابل صفر».

هدنة تجارية قصيرة لا اتفاق نهائي

ويمنح تعليق الرسوم لمدة 3 أيام واشنطن وأوتاوا مهلة إضافية لاستكمال المفاوضات والوثائق، ولكنه لا يعني أن الاتفاق النهائي أصبح مضموناً.

وقال كريستوفر باديلا، المسؤول السابق في وزارة التجارة الأميركية، إن وصول مفاوضات التجارة إلى الساعات الأخيرة قبل الموعد النهائي ليس أمراً غير معتاد، مرجحاً أن تكون إدارة ترمب قد استخدمت التهديد بالرسوم الجديدة للضغط على كندا وتقديم تنازلات مبكرة.

وترى «أوكسفورد إيكونوميكس» أن تأثير الرسوم الجديدة على الاقتصاد الكندي كله سيكون «محدوداً»، ولكنها حذرت من أن قطاع الصناعات التحويلية في وسط كندا سيكون أكثر تعرضاً للضرر.

وفي الوقت نفسه، تستثني الرسوم الأميركية الجديدة الطاقة والبوتاس الكنديين والسلع الخاضعة بالفعل لرسوم قطاعية محددة، بينما تستهدف منتجات أخرى مشمولة باتفاقية «يو إس إم سي إيه».

وبذلك، تبدو الأيام الثلاثة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان التعليق المؤقت للرسوم سيتحول إلى اتفاق تجاري شامل يخفف التوتر بين واشنطن وأوتاوا، أم مجرد هدنة قصيرة تسبق جولة جديدة من الخلافات الجمركية.


استمرار تباطؤ الملاحة عبر «هرمز» مع غموض مصير الممر الحيوي

سفن شحن تُرَى في خليج عُمان بالقرب من مضيق هرمز (أ.ب)
سفن شحن تُرَى في خليج عُمان بالقرب من مضيق هرمز (أ.ب)
TT

استمرار تباطؤ الملاحة عبر «هرمز» مع غموض مصير الممر الحيوي

سفن شحن تُرَى في خليج عُمان بالقرب من مضيق هرمز (أ.ب)
سفن شحن تُرَى في خليج عُمان بالقرب من مضيق هرمز (أ.ب)

استمر تباطؤ حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الأربعاء، مع تجنب معظم مالكي السفن الممر المائي الحيوي، في ظل غياب إشارات واضحة بشأن إعادة فتحه، بعد إغلاقه خلال الحرب بين إيران والولايات المتحدة.

وأظهرت بيانات شركة «كبلر» أن 6 سفن للسلع الأولية عبرت المضيق، الثلاثاء، حتى الساعة 02:58 بتوقيت غرينيتش، مقارنة بـ9 سفن في اليوم السابق، وأقل من المتوسط اليومي البالغ 11 سفينة خلال الأيام العشرة الماضية.

وشملت حركة السفن الداخلة ناقلة نفط خام عملاقة جداً وفارغة، سلكت الجانب العُماني من المضيق، إضافة إلى ناقلتَي نفط، إحداهما متوسطة المدى، والأخرى من فئة «إنترميديت»، وفق البيانات.

وفي المقابل، خرجت ناقلتا وقود متوسطتا المدى وسفينة من طراز «بوست باناماكس» من المضيق.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد قال، الثلاثاء، إنه لا توجد محادثات مع إيران، مؤكداً أن مضيق هرمز مفتوح، في تناقض مع تأكيد إيران أنه لا يزال مغلقاً أمام حركة الشحن.

وكان المضيق يمرر قبل الحرب نحو خُمس شحنات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ومع ازدياد المخاوف الأمنية التي تعرقل شحنات النفط إلى أكبر مستورد للخام في العالم، أبقت شركتان صينيتان عملاقتان للشحن ناقلاتهما خارج مضيقَي هرمز وباب المندب منذ أواخر يوليو (تموز)، وفقاً لشركة «فورتكسا» لتتبع الناقلات، وأحد وسطاء السفن. وكانت الشركتان تنقلان قبل الحرب نحو نصف واردات الصين من النفط القادم من الشرق الأوسط.

وفي مضيق باب المندب بالبحر الأحمر، أظهرت بيانات «كبلر» عبور 30 سفينة للسلع الأولية خلال عطلة نهاية الأسبوع، ارتفاعاً من 19 سفينة في الأسبوع السابق.